لا شيء يعصم الفيلسوف أو المفكِّر، المغرم بتناسق الخطاب، من السقوط في الخطأ المعرفي؛ فالخطأ إنسانيٌّ كما يُقال، وتكفي المراجعة وإعادة النظر لتصحيحه، وتعديل الخطاب وإصلاح العثرات.
لكنَّ الوقوع في شرك الزلل الأخلاقي، أو الخلل في الموقف الأخلاقي، لا يخضع للقاعدة نفسها؛ ذلك أن الفيلسوف -هذا الإنسان المقاوم للإغراء، أو يُفترض فيه ذلك- عندما يزلُّ في موقفه الأخلاقي لا تسعفه مراجعةٌ أو توبة؛ لأنه يكون بعد صدور خطابه قد شَيَّدَ عالماً وهدم آخر، فلا يرمَّم الحديثُ البناء ولا المهدوم. إن الزلل الأخلاقي، إذا ارتكبه الحكماء، يتحوَّل إلى هواءٍ سامٍّ يتجرَّعه الناس ويتناقلون عدواه. يقتضي التفلسف، أو ممارسة الفكر، نمطاً معيَّناً من الموضوعية يتجاوز حدود الموضوعية المعرفية أو المنطقية التي تشكِّل جوهرَ اليقين في العلوم والمعارف؛ فكل اهتمامٍ بالشأن الإنساني يقتضي التزامَ موضوعيةٍ أخلاقيةٍ تسمح للخطاب في هذا الشأن أن يميِّز نفسه عن الأيديولوجيا ولعبة التأثير في الأذهان. وهذه الموضوعية الأخلاقية عينها هي أساس كل حديث عن الحرية في مضمار الفكر؛ وإلا سيتعلَّق الأمرُ بأيديولوجيا وليس بفلسفة. تعصم هذه الموضوعية الأخلاقية، أو الحياد الأكسيولوجي، الباحث أو المفكر من التحيُّز ونشر الأغاليط؛ لأن عدم الحياد الأخلاقي ينجم عنه على وجه الضرورة الخلل المعرفي. ظلَّ ما اقترفه سنيكا -فيلسوف البلاط- عندما تلا خطاب الطاغية نيرون غداة قتله لأمه، وصمة عار على جبين الفلسفة، تبَّينَ معها أن المعرفة لا تعصم من الزلل الأخلاقي، وأنه ليس ثمة تلازم ضروري بين التقدُّم المعرفي والسمو الأخلاقي، سواء على مستوى الذاتيات الفردية أو على مستوى الأمم والجماعات. حدث الأمر عينه ويستمر في الحدوث عندما يُسخِّر الفكر نفسه لصالح السياسة، أو يصير في خدمة المآرب الفردية والجماعية باسم مصالح مزعومة. تتلاشى، إثر ذلك، الاستقلالية التي هي شرط كل فكر حر. ربما من الصعب المجازفة في الحكم على موقف راينر فورست وكلاوس غونتر ونيكول ديتلهوف ويورغن هابرماس، بأنه وصمة عار على جبين الفلسفة المعاصرة، رغم أنه قد يكون كذلك، ولكنه موقفٌ يكشف أن الزلل الأخلاقي قد يخترم حتى أعتى العقول منطقاً ومعرفةً. هؤلاء وهم يخلطون بين حق اليهود في الأمن والحرية في ألمانيا الاتحادية، وهو حق كل إنسان مهما كان اعتقاده وانتماؤه الديني، وبين وضع إسرائيل؛ التي هي في الأصل دولةٌ محتلةٌ لدولةٍ قائمة الذات جرى الاستيلاء على أرضها بفعل تدخُّل القوى الإمبريالية الغربية.
إن حق إسرائيل في الوجود، بوصفها كياناً سياسياً فرض نفسه بالقوة في أرض فلسطين، لا يمكن أن يُطابَق مع حق الطائفة اليهودية في التديُّن داخل الدولة الديمقراطية الحديثة. وهنا مكمن الخلل لدى هابرماس وزمرته؛ إذ إن وضع اليهود في إسرائيل هو وضع جماعة سَطَتْ على أرض غيرها، بينما في ألمانيا الاتحادية هم مواطنون في وضع سليم من الناحية الحقوقية. إن المشكل في حقيقته هو أن الغرب، وعلى الأخص ألمانيا، يحاول أن يطفئ عقدة الذنب التي ترسبت في أعماقه النفسية؛ بسبب جرائم النازية ضد اليهود. لذلك تجد كل الدول الغربية تحابي إسرائيل وتدللها على نحو تُهضم فيه حقوق الفلسطينيين الطبيعية قبل المدنية والسياسية، من دون أن تأبه الدول الغربية، أو في أقل الأحوال، تبارك الحرب، وتحاول إظهار إنسانية مفلسة عبر فتح المعابر من أجل إدخال الإمدادات. يمكن فهم ما قام به هابرماس وزمرته في هذا المنحى؛ منحى التكفير عن الذنب، ولكنه تكفيرٌ عن مجازر ارتكبتها القوة العسكرية العمياء في حق دماء أطفال شعب سُلبت أرضه. و”هذا لا يجب أن يكون محلَّ خلاف” إذا ما استعرنا عبارة موقف هابرماس وزمرته. بل “الما – ليس – فيه – خلاف” هو موضع الخلاف الحقيقي؛ فالمواطن اليهودي مواطنٌ كامل الحقوق في ألمانيا، ولا يجب أن تهضم مواطنته أو جزءٌ منها؛ أما المواطن الإسرائيلي، فهو مواطن في كيان سياسي سَلَبَ دولة فلسطين أرضها وحقوق مواطنيها الطبيعية. إن العقيدة العسكرية لا تحلّ شيئاً لدى طرفَي النزاع معاً، وليس من حق أحدٍ منهما الاعتداء على المدنيين والعزَّل. وإذا كانت حماس، ومعها كل فلسطيني، يجد مشروعيته في الدفاع عن الوطن ومناهضة الاستعمار كما فعلت كل الشعوب؛ بما فيها بعض الشعوب الغربية التي كانت مستعمرَةً (الولايات المتحدة الأمريكية نفسها)، فإنه ليس من الحياد المساواة بينها وبين إسرائيل؛ لأن القانون الدولي، ومعه الأخلاق، يضمن لكل دولة احتُلَّتْ أن تدافع عن نفسها. وليس هذا الكلام دفاعاً عن العقيدة العسكرية؛ فالحروب “إقرار بفشلنا الفكري والأخلاقي” كما يقول المهاتما غاندي، ولكنَّ حلَّ مشكل الصراع على الأرض بين الفلسطينيين والإسرائيليين يبدأ بإعادة الحق لأصحابه، أو، في أقل الأحوال، تجاوز أخطاء الماضي ونشدان الصفح من أجل العيش المشترك، وإقامة كيان كليٍّ مستقلٍّ ومتعالٍ عن كل انتماء دينيٍّ، بحيث يقبل كل الأديان والمذاهب من دون أن ينحاز إلى أحدها؛ أي تأسيس دولةٍ تنتظم فيها حياة مواطنيها المدنية والدينية معاً من دون خلطٍ بين المجال العام الذي يقوم على مقتضى القانون، أو هضمٍ للمجال الخاص الذي ينبغي أن يكون ممكناً داخل الكلِّي.
وهذا الحل الأخير ممكنٌ، ولكن الحرب تجعله في حكم اليوتوبيا. لقد سبق لديفيد هيوم أن قال: “إن الله ينبغي أن يكون موضوع تعظيم في المعابد، عوض أن يكون محط نزاعٍ في المدارس”، وعلى هديه يمكن القول: إن الإيمان يجب أن يكون موضوع تقديس في الدين، عوض أن يصير حطباً لنار الحروب في السياسة. إن معاداة السامية، التي يجري تجريمها في كل المنابر، تحيُّز واضح المعالم إلى جماعة من البشر من دون آخرين، وهذا لا ينسجم مع كلية الكيان الذي يفترض أن يحفظ، ولو نظرياً، الحق لكل مكوناته؛ وليس معنى ذلك قبول معاداة السامية، بل إن ما يجب تجريمه هو معاداة الإنسانية، أو معاداة الانتماء إلى كوكب الأرض للخروج من قمقم التحيُّز. لا ينبغي معاداة البشر مهما كانت أديانهم ومعتقداتهم؛ وفي غياب مثل هذا الأساس، لن تتوقف النزاعات بين بني البشر، ولا يهم إن تسربلت زيّ الدين أو الاقتصاد أو السياسة أو العرق؛ إذ سيظل فتيلها ممكن الاشتعال في كل لحظة، لأن كل فصيل سينتصر لانتمائه. تفتقد البشرية هذا النمط من الكيان الكلي الذي يحمي الاختلافات ولا يطمسها، وكلما استبدَّ بالدول أو بالأمم حق الأقوى داخل تحالفات جزئية أو بشكلٍ أحاديٍّ، فشلت البشرية في رأب الصدع بين مكوناتها. إن ثمة إمكانيةً لأن يحيا الناس معاً مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والعقدية، ومهما كانت ميولهم وأذواقهم. وهذا الأمر حدث في الكثير من الدول والمجتمعات؛ بل ويمكن لكيانٍ كلِّي أن يوحِّدَ البشر ويسمح لهم بأن يحفظوا اختلافاتهم في الآن نفسه. أما العقيدة العسكرية؛ فهي لا تديم سلاماً ولا أمناً، وأقصى ما يمكن أن يُجنَى منها هو سلمٌ تحت سلطة القوي. والقوي لا يبقى قوياً إلى الأبد لكي يحفظ قوته وسلطته. وإذا ما استمرت الحال على هذا النحو، لن تخرج البشرية من دورة القوة والضعف التي يتبادل فيها الجلاد والضحية الأدوار. ومع ذلك فما حدث في مشكلة الفلسطينيين والإسرائيليين هو أن الضحية صار جلاداً لشعب بريء من جرائم الجلاد الحقيقي (=النازية)، أو أن الضحية صار جلاداً أرخى العِنان للكبت الدفين في أعماقه، واستضعَف بعد أن استُضعِف. وكما يقول فرويد “ليس من السهل على البشر أن يتخلَّصوا من العدوان؛ فهذا يفسد عليهم راحتهم”. مهما حاول الغرب العناية بطفلته المدلَّلَة (=إسرائيل) على حساب فلسطين؛ فإن ذلك يبرهن بوضوح أن التقدم المعرفي والعلمي والتنظيمي ليس بالضرورة مرآة للسمو الأخلاقي. ومهما كانت ملابسات الواقع السياسي والاجتماعي والتاريخي تفرض نفسها على التحليل أو الفهم؛ فإنه يتعين على المفكر أو الفيلسوف أو المثقف أن يتحرى الموضوعية الأخلاقية قبل المعرفية، وألّا يتسرَّع في إصدار أحكام قد يؤدي تبنِّيها إلى التضليل.
ولعلَّ هذا ما وقع فيه هابرماس وزمرته حين انحازوا. كان الأسلم في هذا الوضع أن يظل هابرماس وفياً لفكره حين قال في إحدى المناسبات: “إن على الفلسفة أَلَّا تُسْقِط من عَيْنَيْها الكليّ”؛ وهذا الكليّ هو ما سقط من حسابهم حين نظروا إليه بعينٍ واحدة، وعلى الأرجح بلا شعور مثقل بالذنب، أو بشعور بالمديونية تجاه أخلاف اليهود ضحايا النازية. هكذا بقدر ما يمكن أن تضيع الأخلاق في أوج البداهة المعرفية، يمكن ألا تكون للمعرفة، أو المكانة المعرفية، قيمةٌ في غياب موقف أخلاقي سليم. إن ما يكشف عنه موقف هابرماس، وأي مفكر منحاز، هو أنه ليس لدى البشرية ضمان ممكن ضد كبوات أرفع الذاتيات فيها، ولربما سيكون من الخطأ أن يُودَع مصير البشر في ثقة عمياء في الذاتية، أو لربما هي في حاجة إلى ما يسمو فوق الذاتيات؛ التي لا عصمة فيها من الزلل، ولا مأمن من الخلل.