Skip to content Skip to footer

الاستشراق والترجمة | د. أنور مغيث

تحدث الدكتور أنور مغيث، الكاتب والمترجم، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مدير المركز القومي للترجمة في مصر سابقاً، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”؛ عن الاستشراق، وهل هو صنيعة الترجمة، بمعنى هل كان الاستشراق ممكناً لولا فعالية الترجمة؟ وأليس الاستشراق مشروعَ ترجمة بامتياز؟ سواء بالمعنى الحقيقي أو المجازي. وهل نحن مطالبون اليوم بالتخفيف من حد السجال الأيديولوجي مع الاستشراق والعمل بجدية وتواضع على ترجمة أعمال المستشرقين الأساسية لاعتبارات معرفية محضة؟ وناقش أدوارَ المستشرق ومَن يتحاملون عليه، وأيضاً ترجمة فكرنا إلى لغة، وهل لم تكن جزءاً من مشروع الاستشراق على الأقل في البداية؟

الاستشراق والترجمة

 قال الدكتور أنور مغيث، الكاتب والمترجم، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مدير المركز القومي للترجمة في مصر سابقاً: “تقريباً لا يمكن تخيُّل نشأة تخصص علمي يُسمى بالاستشراق دون المرور بالترجمة؛ لأن الكلمة نفسها تعني مواطن غربي يكتب عن الشرق، أو يعرِّفنا بالشرق، أو يبحث في أمور الشرق. وبالتالي هو يدخل في مجال مكتوب بلغة ليست اللغة الأم؛ فهو مضطر يعرف لغة أجنبية ويدقق فيها، ويستطيع أن ينتج إنتاجاً علمياً معتبراً ومعتداً به. ومن هنا الاستشراق هو محاولة لتملك لغة شعب آخر. البدايات بقى تختلف؛ يعني فيه جزء كان بسبب الحروب الصليبية والاحتكاك. وبداية الناس اللي بدأت يعني تهتم بتعريف الأوروبيين ما هو الإسلام وكيف يصلون وكيف يعيشون، وما هو كتابهم المقدس؟ أغلبهم كانوا رجال دين. ويريدون تعريف شعوبهم بفكر عن الإسلام، قد يكون فيه تحامل قد يكون فيه تعاطف، مش دي المشكلة…”.

مراكز المعرفة في الأندلس أو صقلية

وأضاف الدكتور أنور مغيث: “الجزء الثاني في ما يتعلق بمراكز المعرفة اللي موجودة في الأندلس أو صقلية أو مناطق أخرى؛ كانت الفكرة قائمة على أن هناك معارف مفيدة وفيه تطور للمعرفة بينتقل، وربما بنوع ما يُسمى بالترجمة الضمنية؛ يعني غير المحسوسة، بالذات في المسائل العلمية. يعني أن نعرف أن مثلاً نظرية فيثاغورس، أن المربع القائم على الوتر يساوي مجموع المربعَين، دي مش محتاجة أعمل كتاباً ومكتوباً.. لكن بتنتقل من ثقافة إلى أخرى، وبتتعرف. حتى إنه كتير من إبداعات العلماء العرب والمسلمين في مجال الرياضيات والبصريات كانت كلها تعليقاً في الهامش على الترجمات اللي تُرجمت من مدرسة الإسكندرية.. يعني يتقال (أبو لانوس) قال كذا في البصائر، فيكتب ابن الهيثم؛ يعني قصدي أن الترجمة هي نفسها اللي حفَّزت على الإبداع، وشجَّعت العربَ على أن يقرؤوا التراث العلمي السكندري اليوناني بنظرة نقدية. وبالتالي يضيفوا إلى المعرفة..”.

وتابع أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة: “هنا انتبه الأوروبيون إلى أنه في هذه البلاد بتخرج معارف تفهمهم العالم والطبيعة والكون بصورة أفضل من الأساطير الشائعة في ثقافتهم؛ خصوصاً في عصر الانحطاط، طبعاً في القرن الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر الميلادي.. كانت الترجمة موجودة، وهم كانوا يرسلون الناس يترجمون كتباً علمية؛ مش بقى التعريف في أديان هذه الشعوب؛ ولكن بما وصلوا إليه في العلم”.

القرن الثاني عشر وترجمة بطرس المبجل للقرآن

وقال الدكتور أنور مغيث بشأن ترجمة بطرس المبجل للقرآن في القرن الثاني عشر، وإلى أي حد كانت علامة فارقة في مسار الاستشراق، ترجمة الشرق؟: “طبعاً هي كت علامة مهمة؛ لأنه يعني ممكن بعض المحاربين يروحوا ويرجعوا يحكوا حصل إيه وشافوا إيه.. لكن هذا ليس نقلاً علمياً. كل واحد هيبقى يعني شاهد ظاهرة جزئية يعممها ويعطي انطباعاً خاطئاً. إنما فكرة إنه أترجم أو أدقق أو أبحث أو أحقق مخطوطاً؛ هي دي اللي بتطرح أمام الآخرين كلاماً علمياً حقيقياً. من هنا حتى ترجمة القرآن فتحت بعد كده البابَ على الفلسفة والأدب؛ يعني لمَّا حب يرد على أطروحات ابن رشد، فكان يقول له أنت في هذا تخالف ابن سينا والغزالي. (توما الأكويني) اللي بيقول له، يعني الثقافة الأوروبية يعني قفزت قفزة كبرى بالترجمة عن العربية، والترجمة عن العربية أو التعريف بالثقافة العربية هو ما نسميه الاستشراق”.

ورد أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة على قول إن “الاستشراق كصيغة تفتحنا على الاستغفار؛ طلب المغفرة، الاسترحام من طلب الرحمة، الاستسقاء طلب المطر، الاستجداء، طلب المال.. هل يمكن القول إن صيغة طلب الشرق، بمعنى من المعاني كانت ترجمة بفكر ولا وعي عربي إسلامي أكثر مما هي ترجمة دقيقة لمصطلح أورينانتاليزم؟”، قائلاً: “بالطبع هو أورينانتاليزم؛ لما نشوفها في معناها الأوروبي أو الفرنساوي أو الإنجليزي هنلاقي هو تخصص في دراسة الشرق. أما الاستشراق فده يعني واحد يريد أن يمتلك الشرق أو يفهمه؛ يعني فعلاً فكرة الطلب والاستجداء موجودة فيها. وده طبعاً يحيلنا إلى الجوانب النفسية والدوافع الكامنة في موضوع الاستشراق؛ لأنه نقرأ يعني أنه مثلاً أحد المستشرقين، وأغلبهم حتى، كانوا يقولون لك قعد ٢٠ سنة عشان يعمل معجم ألفاظ الحديث الشريف (لمانك)، أو تاريخ القرآن ( نولدكه) أو تاريخ الأدب العربي ( لبروكلمان).. دول ناس قضوا من أعمارهم سنوات وسنوات.. أفنوا، وبالتالي يعني هم هيفنوا الموضوع ده لمجرد أنهم يعني يسيؤون إلى ثقافة أو أنهم يروجون انطباعاً سيئاً. ده همَّ باحثين عن الحقيقة بالمعنى الحقيقي. ما حدش هيفني عمره إلا إذا كان حاسس إنه وراه رسالة ومهمة أنه يبحث عن الحقيقة، هل وصل لها؟ لأ؛ مش دي، مش مضمون؛ بس على الأقل هذا الدفع ينبغي أن يُحترم”.

٨٩٠ ترجمة للقرآن الكريم حتى ٢٠٠٢

وأيَّدَ الدكتور أنور مغيث القول أيضاً “إن هذا الدفع يجب أن يُحترم وإلا سنصير نحن أيضاً نشتغل بمنطق اختزالي يشبه في العمق المنطق الاستشراقي ذات نفسه؛ حينما تقول مثلاً إن ترجمات المستشرقين لنصوصنا المؤسسة، يعني النصوص المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية، بدءاً بالقرآن الكريم إلى الشعر الجاهلي والكتب الأساسية في ثقافتنا.. كل هذا لكي يتلاعب بنا، يعني الترجمة أو اختزال الترجمة إلى أنها مجرد أداة تلاعب بخلفية أيديولوجية محضة”، مضيفاً: “وهذا الأمر فيه مبالغة كبيرة، وأنت يعني دلوقتي تقريباً عدد الترجمات الفرنسية للقرآن تصل إلى نحو ٨٠ ترجمة (٨٩٠ ترجمة للقرآن الكريم إلى حدود ٢٠٠٢، والأكيد من ٢٠٠٢ إلى اليوم؛ يعني مر عقدان، وترجمات أخرى للقرآن ومعانيه ربما قد صدرت في هذه الفترة).. وده اللي يبيِّن فعلاً إن مش ممكن تكون مجرد تلاعب لتشويه المعنى، يعني جاك برك، بكل ما كتبه في نهاية حياته، قال (أتمنى أن أختم حياتي بترجمة أحد كتابَين؛ إما القرآن وإما الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني)، وترجم الاثنين.. يعني قصدي دي أمنية حياته، عايز يتوِّج حياته. وكنت في فرنسا التقيت مدرسةً للأدب العربي والثقافة العربية في جامعة سيينا، وهي لابسة تيشرت وجينز، وشابة، وقدموها لي على أنها مترجمة القرآن إلى الإيطالية. فقُلت لها (غريبة، يعني أنتِ إيه اللي خلاكي..؟) قالت لي (أصل كان الطلبة ييجوا لي في المدرج ويقولون لي بعض أحكام كده مسبقة وبتاع عن العرب والمسلمين، وأقول لهم أنتم ازاي تقولون الكلام ده؟ مش تروحوا تقروا القرآن مكتوب فيه إيه؟ فيقولون لي بنقرأه ما بنفهمهوش)؛ لأنه فيه الترجمة الكلاسيكية وعاملها مستشرق كبير. وكان رأيه أنه يكون عندك قمة البلاغة العربية، فينبغي أن يترجم بقمة البلاغة الإيطالية. وتعب نفسه بحيث يعمل لغة رصينة وجزلة وصرح. أما هي فحبِّت تترجم القرآن، حسب تعبيرها، بلغة القهاوي؛ عشان الطلاب بتوعها لما يقروه يفهموا.. (ترجمت معاني)؛ بالظبط إنه يعني ببساطة بحيث الشاب اللي عايز يقرأ ويتعرف على الإسلام يبقى سهل ومتاح يقدر يفهمه، فأنا نظرت إلى الاثنين، فلقيت الدافعين محترمين.. واحدة حريصة على أن الشباب يفهم ويقرأ.. وواحد حريص على أنه يطلع القرآن بما يليق به من عظمة”.

محاكاة الإيقاع القرآني

وأضاف أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بشأن أنه “توجد ترجمات اشتغلت على الجانب الإيقاعي، فحاولت أن تحاكي بمعنى من المعاني الإيقاع القرآني، الموسيقى الداخلية للنص مش بالضرورة نجحت؛ ولكن يوجد مجهود..”، قائلاً: “فيه بعض المسلمين قدموا ترجمات، ويشكرون؛ لكن بصراحة يعني مش باين أنها فرقت كتير يعني. يعني عمل الترجمة مسلم أو غربي، مهم يترجمها”.

التبرم من ترجمات المستشرقين

وأجاب الدكتور أنور مغيث عن سؤال “هل تضايقك حواشي المستشرقين أسفل الصفحات المترجمة؟”، قائلاً: “لا بالعكس؛ بس هو برضه على حسب أنا محتاج أقرأ الترجمة دي ليه؟ أنا كنت وأنا أعمل رسالتي للدكتوراه في فرنسا؛ فيه بعض آيات قرآنية، وأحب أكتبها بالفرنساوي؛ لأن النص فرنساوي. فكنت أروح لـ(ريجي بلاشير) ألاقي الترجمة صعبة أوي؛ حتى الفرنسيين مش هيفهومها، فرجعت لـ(تجريه كاريزي ميسكي) اللي في القرن الـ١٩؛ لأنها بسيطة. فيعني رغم أن أنا ما مقدر الشغل المدقق بتاع بلاشير فعلاً؛ لأنه ده واحد بيقعد على الآية، ممكن يقعد سنة يدور فيها.. الهدف من أن أنا أنقل المعنى بشكل بسيط؛ لكن يعني هو في النهاية المستشرقين بالتدقيق بتاعهم هذا أمر نحترمه فيهم؛ لأنهم بالفعل علماء ويحترمون المنهج العلمي وتخصصه، لأنه فيه فرق بين واحد صحفي مليء بالأحكام العنصرية والمسبقة، ويقول كلمتين هجوم على العرب، وهجوم على أفكارهم، وعلى دينهم.. ده مش مستشرق ده واحد عنصري وخلاص؛ لكن المستشرق، ولو كتب مستشرق بنوع من الاستهانة، مفيش دليل، ويصدر أحكاماً، المستشرقون نفسهم هينبذوه.. لأنه فيه قواعد تُحترم في البحث العلمي”.

مستعرب أم مستشرق؟.. الأحكام السلبية على كلمة مستشرق

ورد أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة على أسئلة “بلاشير ترجم القرآن لكي يتلاعب به؛ ولكن لماذا ترجم المتنبي؟ ومستشرق آخر هو  أندريه ميكيل؛ لماذا قال أنا مستعرب لا مستشرق، أنا مستعرب أشتغل على اللغة والثقافة العربية؟”، قائلاً:  وهو صح يعني، طبعاً مقدر شغل أندري ميكيل كمان؛ لأنه كان بعيداً حتى عن الدخول في الجدل الديني ومهتم بقيس وليلى وبالأدب العربي، وبيقدم عنه صورة فعلاً إنسانية رحبة وجميلة جداً؛ لكن كتير من أصدقائنا الشبان اللي في سننا همَّ كانوا نفسهم فرنسيين ومتخصصين، سواء في علم الاجتماع في مصر أو في جغرافيا سوريا، كانوا يرفضون كلمة مستشرق، ويطلبون منَّا أن نعتبرهم مستعربين أولاً، لاستبعاد الأحكام السلبية التي لصقت بكلمة مستشرق؛ ولكن هي أيضاً تسمية لها مبرر علمي، إنه أنا حينما أتحدث مثلاً عن تحول الاقتصاد المصري من القطاع العام إلى القطاع الخاص؛ أنا عالم في الاقتصاد متخصص في مصر، مش مستشرق باتكلم عن الشرق، فده اللي بيخلِّي الجيل الجديد يصنَّف نفسه حسب التخصصات العملية التقليدية، فلسفة اجتماع، اقتصاد، أنثروبولوجي، ومتخصص بقى في أحد البلاد العربية؛ يبقى هنا مستعرب. لكن أن يصبح الاستشراق مجالَ تخصص في حد ذاته؛ دي بدأت يعني تهتز مع أنور عبد الملك ثم مع إدوارد سعيد بعد كده”.

ترجمة أبحاث ودراسات المستشرقين.. تقصير كبير

وأضاف الدكتور أنور مغيث: “إن مؤسساتنا مقصِّرة على مستوى ترجمة أبحاث ودراسات وموسوعات المستشرقين تقصيراً كبيراً جداً؛ ولكن السبب مفهوم إلى حد ما، وهو أن المستشرقين بصرف النظر عن دوافعهم، إلا أنهم يمتلكون نظرة نقدية للتراث، واحنا عايزين، يعني مش احنا بقى يعني بعضنا، عايزين طبطبة ونداري على الأخطاء وما نبرزش، وحاجات زي كده. بدليل إنه حتى يعني مثلاً أما ييجي قاسم أمين، يتكلم عن تحرير المرأة، يقول لك أو منصور فهمي.. ده ليفي بريل، في فرنسا قال له عليها. ميركليوس يقول لك آه علي عبد الرازق، الدولة، ميرغيوس هو اللي كتب مش عارف إيه. طه حسين في الشعر الجاهلي، ده بروكلمان ولا شارل بلا هو اللي اتكلم عن الانتحال. وكأنه حتى كل رواد النهضة اللي حبوا يضيفوا شيئاً للتحديث. نرجعه إلى المستشرقين. والله لو المستشرقين عملوا كده يبقى يُشكروا يعني بصراحة؛ لكن إحنا بننزع الفضل من روادنا وننسبه إلى المستشرقين”.

رواد النهضة ومناظرة المستشرقين

وتابع أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بشأن رواد النهضة ومناظرة المستشرقين: “كان هناك إسهام إيجابي.. في الفكر الحديث؛ كتاب (حياة محمد)، لمحمد حسين هيكل، وهو من رواد النهضة؛ وهو أول مفكر يكتب عن فيلسوف فرنسي، اللي هو جان جاك روسو، في البدايات، والدعوة لفكره وفي البلاد العربية. هو يعني كتب الكتاب، وقال يعني أنا سأقول محمد ولا أقول صلّى وسلّم؛ لأنني أقدم محمد الإنسان؛ فهي إعادة نظر للسيرة، عشان ما يبقاش مصدرنا للسيرة هو كتب التراث بس؛ فإعادة زيارة للتراث وتقديمه بصورة حديثة. وغامر؛ مثلاً (طيراً أبابيل)، فقال هو وباء الطاعون أو الكوليرا. المهم اجتهد؛ بس قصدي إنه هنا نحس إنه بداية الاهتمام بأنه يبقى فيه رؤية علمية عقلانية في حديثنا عن التراث. يعني لطفي السيد كان بيتكلم عن كتاب القاموس الفلسفي لفولتير، وقال (هذا الكتاب هو الذي صاغ عقول جيلنا كله)؛ فهنا يعني ناس اتعلموا إنه يبقى فيه نظرة علمية ما يتقالش الكلام مجرد عنعنة، مش عشان فلان ابن فلان قال كذا كلام ما يدخلش العقل يبقى هناخده ونعتبره مسلماً به، كل دي حاجات اتعلمناها من القراءة والرؤية النقدية للمستشرقين”.

لماذا نال استشراق إدوارد سعيد كل هذا الاهتمام عبر العالم؟

وقال الدكتور أنور مغيث بشأن “الاعتراف للمستشرقين بالفضل لا يعني الغفلة عن خلفياتهم الأيديولوجية. إدوارد سعيد كان له فضل التنبيه إلى العمق الأيديولوجي في كتابه الشهير الذي تُرجم إلى ٣٦ لغة، والمؤكد أنه ترجم إلى لغات أخرى.. لماذا نال استشراق سعيد كل هذا الاهتمام عبر العالم؟”: “طبعاً هو يعني هذا الرواج والاستقبال المتحمس لإدوارد سعيد، له؛ مش بس تفسيره، تأثيرات كثيرة. أنا كنت حاضراً محاضرة لفرنسي متخصص في الهند. يعني مستشرق بس في شؤون الهند. وبيحكي لنا عن علم الاجتماع في الهند؛ ففي علم الاجتماع، المرحلة الاستعمارية، اللي هو كلها متاخدة يعني المناهج الغربية زي ما هي، ثم علم الاجتماع في مرحلة الاستقلال اللي هو دراسة حاجات ما درسهاش علم الاجتماع القديم؛ لكن بنفس المناهج الغربية، ثم المرحلة الثالثة بيسميها إدوارد سعيد.. اللي هو أصبح عندنا إنتاج في علم الاجتماع في الهند، تحت تأثير هذا الكتاب..”.

وأضاف أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة: “فده تجاوز حتى حدود الغربية والعربية كمان؛ تأثير إدوارد سعيد، هو حذَّر من  ميول الاستشراق إلى ٣ أخطاء، ربما تكون ليست موضوعية ولا معرفية. الإسقاط والتمثيل والتوظيف؛ الإسقاط هو الغربي المكبوت؛ اللي الجنس مضطر يمشي حسب القواعد اللي بيحطها المجتمع أو الكنيسة، في رأي في الحريم وفي الموسيقى والخلاعة والحاجات دي.. شيء بيبحث عنه ويرى أن الشرق يترك المجال لذاته أو للتمثيل. هو إنه فكرتي عنك ليست بالظبط مطابقة لواقعك، أنا كوِّنت عنك صورة صارت هي المرجع، تصوري في ذهني مش أنت، وده بيبان؛ يعني أي واحد أجنبي بييجي يمشي في السوق ويلاقي ناس بتتعب وناس شقيانة؛ لكن يصور واحدة بترقص مثلاً فنانة أو حاوي، ويبقى هي دي بالنسبة له الشيء اللي بيمثل الشرق؛ وهو الشرقي يمثل له هذه الصورة، باقية الصور، ما جابش ما وعاش بها، ولا أحاط بها. وفيه التوظيف؛ أنت يعني ممكن تبعت جيوش بأسلحة تحتل بلد. لكن عشان تحكمها يوم واتنين محتاج معرفة، مش محتاج سلاح”.

أول ترجمة للفرنسية لمقدمة ابن خلدون واحتلال الجزائر

وتابع الدكتور أنور مغيث: “أما بنلاقي مثلاً إنه أول ترجمة للفرنسية لمقدمة ابن خلدون، عملها كاترو مير، بعد احتلال الجزائر مباشرةً؛ عشان الناس تشوف إزاي تحكم العرب وتتحكم فيهم وتسيطر عليهم. لكن عبد الله العربي بيقول كل هذه الدوافع فعلاً مهم الإشارة إليها؛ لكنها لا تلغي يعني أهمية المعرفة التي يحملها. يعني ممكن واحد يبقى عنصري ضدك، ويقول لك أنت عندك الأخطاء الفلانية، وأنت تتهمه بأنه عنصري، بس ده مش معناه أن ما عندكش. والمثال المهم في هذا الموضوع هو قاسم أمين، الكونت داركور، كتب كتاباً؛ هو عبارة عن مستشرق، جِه زار مصر، قعد ثلاثة شهور، وكتب كتاباً سيئاً جداً، إنه المرأة مضطهدة ومفيش نظام ومفيش نظافة. قاسم أمين قال أنا قرأت الكتاب وأُصبت بالحمى. وبدأت أدافع عن بلدي، وقعد يدافع، والمرأة لازم تفضل موجودة، وده حشمة؛ وهي اللي بتربِّي الابن فتقعد في البيت؛ لكن بعد سنتين تلاتة، راجع نفسه، وقال الراجل ده عنده حق في بعض الحاجات. فيعني هنا بنلاقي إنه بالفعل الإشارة إلى هذه الدوافع التي أشار إليها إدوارد سعيد، مهمة، وبتحرر المستشرقين نفسهم أو المهتمين بالثقافات الأخرى من الأحكام المسبقة والعنصرية؛ لكن فكرة أنه بما أنه هو من ثقافة مغايرة، وبالتالي ثقافتنا هتبقى مغلقة عليه؛ حتى لو كان عند حُسن النية، فحاجات كتيرة مش هيفهمها، وهتفلت من إيديه، والمعرفة اللي هيطلعها تبقى مالهاش قيمة. وأنا رأيي ده حكم عبثي؛ لأن أنا عربي، لو حبيت أتعرف على الثقافة اليابانية. ورُحت درست القصة القصيرة اليابانية، ولَّا الشعر الياباني، وكتبت عنك، طب هل ده يعني ما لوش معنى؟ هل مش هنستفيد به؟ هل أنا بالنسبة إلى اليابان هذا الكتاب لا يستحق النظر إليه؟ كل الناس.. يعني منفتح لها المعارف، وبالعكس أنا ممكن آخد بالي من حاجات ما ياخدش باله الياباني في ثقافته، يعني ده مفيد”.

النقد العلماني الإنساني

واستكمل أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة: “وبالتالي هنا يعني فكرة أنه نعمل أسوار صينية بين الثقافات؛ بحيث إنه مفيش ثقافة هتفهم التانية، دي فكرة خاطئة. وعشان كده إدوارد سعيد في كتابه الأخير كان بيدعو إلى ما يسميه النقد العلماني الإنساني؛ لأنه هدفه مش إقامة أسوار، بالعكس بناء جسور.. ولما حَب يعرَّفنا، طب احنا كعرب إيه اللي ممكن نستلهمه من الفكر الأوروبي؟ ذكر لنا ماركس وفرويد وفرانتس فانون، على أساس أن دول كاتبين بلغة أوروبية وأوروبيين؛ لكن ممكن يبقوا نافعين بالنسبة إلينا. وبالتالي يعني فكرة أنهم مش هيفهمونا، لأ؛ مش صحيح”.

تفكيك الخطاب الاستشراقي.. من إدوارد سعيد لماركس

وقال الدكتور أنور مغيث بشأن مقولة “قوة إدوارد سعيد هو أنه حينما انتبه وتحكم وفكك الخطاب الاستشراقي وقبض عناصره الأساسية يعني؛ سيكتشف أن ماركس بنفسه كان ضحية هذا الخطاب، لا في مقولاته حول الاستبداد الشرقي، ولا موقفه مثلاً من استعمار الجزائر.. الاستشراق مع إدوارد سعيد، صار قوة عابرة حتى للتحيزات الأيديولوجية والفكرية، وما إليه”: “هو طبعاً ضربَ مثالاً بماركس مش علشان يدينه باعتباره مستشرقاً؛ لكن عشان يقول إلى أي مدى وصل تأثير الاستشراق، فعشان يقول لك حتى ماركس اللي احنا كنا متوقعين إنه ما يكونش متأثر، وده بالعكس مثال حي وبارز على فعلاً إن الاستشراق خلق تياراً عاماً ورأياً عاماً وتصوراً عاماً… وهذه انطلاقة أيضاً من فكرة ماركس، ونهاية الاستشراق. ماركس متأثر بالاستشراق آه، لكن يعني قراءته للواقع وتحليله للتطور التاريخي، للبشرية، وتحليله رأس المال وآلياته؛ هو اللي خلَّى الأحكام الاستشراقية التقليدية بأنه الغرب ميال إلى العواطف، الغرب لا توجد فيه الفردية، الغرب المدينة ما لهاش دور، الغرب الديمقراطية لا تستساغ.. كل دي بتحول الشرق، إن هذه طبيعته. لكن مع ماركس إنه هذه آفات أحدثها الاستغلال الاستعماري له. وبالتالي ألغى فكرة الجوهر. إنه جوهر الشرق كذا وجوهر الغرب كذا. إنما هناك استغلال وهناك مستغلون. وبالتالي النضال من أجل التحرر الإنساني يشمل يعني نضال هذه الشعوب من أجل تحررها من الاستعمار، وده اللي خلَّى الماركسية تنتشر في هذه البلاد كلها”.

وأجاب الدكتور أنور مغيث عن سؤال “أية ترجمة حققت أمنية إدوارد سعيد، الذي قال يوماً، لا بد في يوم من الأيام أن يحظى الاستشراق بترجمة ميسرة؛ تختزل الكثير من الصعوبات التي يمكن أن يواجهها القارئ العربي؟”، قائلاً: “هو طبعاً يعني أنا قرأت الاستشراق في ترجمته الفرنسية؛ لكن أنا لاحظت في ترجمة كمال أبو ديب، وبذل فيها مجهوداً كبيراً. هو كان بيحاول يدخل إلى العربية بعض التركيبات الموجودة في اللغات الأجنبية؛ بحيث نتعود ونستخدمها”.

“وصف مصر” صدر بأمر من نابليون

واختتم أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة: “جزء كبير من فلاسفتنا وشعرائنا وعلمائنا، عرفناهم عن طريق المستشرقين. وأنا يعني أستغرب شوية إنه كتير من زملائنا بقى فيه لغة صينية ولغة روسية ولغة يابانية.. أقسام كتيرة وبيطلع منها متخصصين. ما شُفناش تاريخ الطبقة العاملة مثلاً في اليابان أو تحرر المرأة أو الدستور الياباني، أو وضع المرأة هناك.. حقوقها إيه؟ وبتاخد إيه؟ يعني احنا عايزين نتعرف على العالم ونقرأه، وهنا حنقوم بنفسنا بالدور اللي كان بيقوم به المستشرقون لما كانوا عايزين يعرفوا جمهورهم بالثقافة العربية الإسلامية (ولكن حينما كتب وصف مصر؛ صدر بأمر من الإمبراطور نابليون، وهو الذي أصدر الكتاب، يعني مؤسساتنا الثقافية الرسمية أيضاً يجب أن تفهم أن هذا مشروع يستحق أن يُصرف عليه).. طبعاً هذا الكتاب (وصف مصر) كان هو بطريقة فكوا استخدام المعرفة، لترسيخ السلطة، إذا يعني الجهد العلمي مهما كانت دوافعه، حتى تستخدم لتوظيف تمكين الاستعمار، تظل قيمة الجهد العلمي الذي بُذل باقيةً حتى بعد انتهاء الاستعمار”.

Leave a comment

0.0/5