Skip to content Skip to footer

هل “يُعمل” على جعل البيئة والدنيا أمام ناظرينا أخطر مما هي فعلاً في الواقع؟ لماذا يرى البعض أن هذه البيئة هي في حالة خطر متنام وأن الغد هو أسوأ من اليوم، وأن كل أنواع الحياة حولنا على أفول؛ عاجلاً أم آجلاً؟ هل هذا التقدير دقيق؟ هل يعكس فعلاً الواقع؟ ما نسبة التهديد حولنا؟ ما نسبة التحدي؟ وكيف نستجيب لكل ما يحدث ولكل هذه العوامل الاعتباطية التي تظهر فجأة في عالمنا من دون أن نتوقعها؟


 

الحق؛ إن الكثير من المحترفين والاختصاصيين من بيننا هم بحاجة إلى أن تكون هناك بيئة خطيرة؛ لكي يكسبوا قوتهم ويعيشوا حياة مرفهة مضمونة. مثال على ذلك؛ بعض السياسيين والصحفيين والمتعهدين، وآخرون ممن يتاجرون بالعدم، إنهم حرفياً يبيعون البيئة الخطيرة للناس. هذه هي دكاكينهم غير المعلنة، وهذه هي بضاعتهم الأساسية التي يتاجرون بها؛ إنهم يشعرون أنه إذا لم يبيعوا الناس فكرة أن العالم في خطر، فإن طريقهم هو الإفلاس. لذلك؛ يعمدون إلى تسويق هذا الخطر، كبضاعة؛ من أجل زيادة مداخيلهم وأسهمهم وتنامي رؤوس أموالهم. وبذلك؛ يصبح الكل خائفاً ويتحول “هذا الكل” إلى أُذن مصغية إليهم وإلى ما يقولون ويتفوهون به ويخططون له. أن تخلق تحديات في مجتمعك لكي يتقدم ويزدهر؛ هذا أمر جيد، بل ومطلوب. لكن هذا لا يعني بالضرورة رفع نسبة التحذير والخوف من الخطر إلى درجة تجعل الخوف يتحكم في قدرات الناس على التمييز والتصرف الجيد. يقدم المؤرخ أرنولد توينبي (1889- 1975) في واحد من كتبه المهمة (دراسات في التاريخ) نظرية حضارية واسعة النطاق؛ تشير إلى أن الحضارات تمر بمراحل صعود وهبوط وانحدار، معزياً ذلك إلى قدرتها على التحدي والاستجابة للتحديات التي تواجهها. لقد رأى أن الشروحات التقليدية حول العرق والقيادة وملكية الأرض والوصول إلى الموارد الطبيعية، إنما كانت كلها خطأ أو على الأقل غير بعيدة النظر. بدلاً منها، أخذ توينبي يبحث عن السبب الخفي الذي يكمن وراء النجاح أو الفشل الاجتماعي. بالنسبة إليه، يشكِّل “التحدي” عاملاً أو حدثاً لا يمكن التنبؤ به، وهو يخلق تهديداً أمام الطرق أو الوسائل التي اعتمدتها مجموعة من الناس أو الشعوب من أجل عيشها؛ لكن “التحدي” ليس كله سلبياً، وذلك لأنه يحمل في تضاعيفه جرثومة الفرصة من حيث التحفيز على الإبداع والابتكار (إيجاد حلول جديدة مبتكرة)، ومن خلال توسيع شبكة العلاقات (الشراكات والعلاقات وفرص العمل الجديدة)، ومن خلال تطوير المهارات والقدرات (كنوع من مواجهة الظرف الجديد والتعامل معه)، وكذلك من خلال التعلم من الفشل (تجنب الأخطاء في المستقبل).. إلخ.

قد يحدث التحدي كنتيجة للعديد من الأمور؛ مثل زيادة عدد السكان، استنفاد الموارد الحيوية، التبدل المناخي.. إلخ، كلها تحديات تفرض أمام الإنسان وتطلب منه استجابة محددة. الحرب مثلاً من بين التحديات التي، متى وقعت، فإنها تقلب الدنيا رأساً على عقب؛ وهي تتطلب معالجة فورية من قِبل الناس، للتحايل على الظروف التي تخلقها وتبدلها حولهم. إن الاستجابة للتحدي تستوجب وجود رؤية، قيادة، وتصرف حكيم؛ من أجل التعامل مع التهديد وخلق أُسس من أجل البقاء، وطبعاً خلق ازدهار، في نهاية المطاف. لكن الاستجابة هنا ليست كلها على نفس المستوى المطلوب؛ إذ إنها تتراوح بين عدم التصرف وبين التغيير الدرامي في شروط عيش الأفراد والمجموعات. إذن، وكما أن التحدي لا يمكن التنبؤ به، كذلك هي الاستجابة لا يمكن التنبؤ بها، كما أن نتائجها لا يمكن معرفتها إلا مع الوقت. مع ذلك؛ إن تصنيع البيئة الخطيرة من قِبل المستفيدين -أي إحداث تغييرات سلبية في البيئة- يؤدي إلى تدهورها وتدهور كل حياة فيها؛ إنما يخلق تحديات مهولة تؤثر على بقاء الإنسان، أذكر من بينها تلوث الهواء والتربة والمياه، تخزين وتصريف النفايات السامة، التجارب النووية، التصنيع الصناعي غير الصحي، تصنيع المبيدات الزراعية، استخراج وتكرير النفط، تصنيع المواد البلاستيكية، تعدين المعادن، إنتاج الطاقة من الفحم، إزالة الغابات واستصلاح الأراضي، تصنيع المواد الكيميائية الخطيرة، تصنيع المبيعات المزيفة والمقلدة، التصنيع النووي، استخدام الموارد الطبيعية بشكل غير مستدام؛ مثل احتراق الوقود الأحفوري وإطلاق غازات الاحتباس الحراري. كل هذه أصبحت من التهديدات التي لا يستجيب لها الناس في أغلب الأحيان؛ باعتبارها جزءاً من طبيعة الحياة المعاصرة ومتطلباتها. إذن، هناك إما استسلام تجاه تهديدات جدية حقيقة وإما استجابة خاطئة لتلفيق مضخم عن وجود بيئة خطيرة. في كلتا الحالتَين، يخسر الإنسان ويتدهور إلى درك أقل، وهكذا يُقاد من قِبل الخوف بدلاً من عقله الواعي ذي القدرات التحليلية. إن بث الخوف بين الناس من أجل دفعهم باتجاه سلوكي معين؛ إنما هو عنف واضح بكل أبعاده. مثل هذا العنف يقوم به “تجار العدم” الذين يستفيدون من انتشار الخوف الذي يمهد للفوضى والاضطرابات وتعزيز العنف في المجتمع، وكل هذا من أجل صب المزيد من النقد في حساباتهم المتضخمة. إن تاجر العدم هو الإرهابي المتطرف، وهو السمسار في الحروب والصراعات، وهو الناشط الاجتماعي العنيف الذي يشعل البيئة حوله بالعنف والاضطرابات والاحتجاجات. إنه أيضاً الفاسد، والمتلاعب القانوني، والمرتشي. كل هؤلاء يعرفون جيداً كيف يروجون للبيئة الخطيرة؛ بل ويصنعونها بحرفية عالية، مستغلين أنه متى “وقع المجتمع في الخوف”؛ فإنه يستسلم إلى أية فكرة يمكن أن يُوحى بها إليه. من بين تجار العدم الأكثر انتشاراً اليوم هناك “المروجون للكراهية” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يستخدمون مثل هذه المنصات لتأجيج النعرات الطائفية؛ العنصرية والدينية والسياسية، وتكريس الخلاف. ليس ضبط هذه المنصات أمراً يتنافى مع الحرية الفردية بالمطلق، وذلك لأن حرية التعبير لا تفترض إهانة الآخر، كما لا تفترض أن يكب المرء كل مشاعره السلبية من دون أية مسؤولية تجاه ما يقول. 

إن ضبط هذه المنصات هو أمر مجتمعي مُلزم ولازم في آن، وذلك منعاً لتجار العدم من فرد أجنحتهم فوق أمن المجتمع وسلامته. هناك أيضاً “المتسلل السياسي” الذي يتاجر بالعدم حين يستغل الفوضى السياسية والانقسام؛ فيعمد إلى تحقيق أهداف شخصية له، وكذلك “المتطرف الديني”، تاجر العدم العنيد الذي تكرج المسبحة بين أصابعه، بينما يستغل الخطاب الديني من أجل القيام باعتداءات إرهابية باسم هذا الخطاب بالذات. إن الصعود الهوليوودي مؤخراً لهؤلاء خلال الفوضى العارمة التي عاشتها بعض الدول العربية؛ إنما هو أمر رآه وتيقن منه الصغير قبل الكبير. الحق أن تجارة العدم غدت منظمة ولها قوانينها وقواعدها الخاصة، “فالشركات العسكرية الخاصة”، وهي من أبرز تجار العدم في العصر الحديث، والتي تقدم خدمات الأمن والتدريب العسكري؛ هي الأخرى تستغل بكل وضوح النزاعات والحروب، لتحقيق أرباحها الخاصة، وكذلك يفعل “المضاربون في البورصة” من خلال التلاعب بالأسعار والمعلومات، و”تجار السلاح غير الشرعي”، و”المتاجرون بالبشر”، و”القراصنة الإلكترونيون ” وكذلك “المتاجرون بالثقافة والتراث”، و”المتاجرون بالمخدرات”، و”المتاجرون بالحيوانات المهددة بالانقراض”، و”المتاجرون بالآثار الثقافية”.. إلخ. من دون شك، أن الذين يريدونك أن تخاف وأن تتحول حياتك إلى فوضى لا يريدون لهذا العالم أن يكون مكاناً أفضل للعيش. وإلى أن يتوقف السياسيون حول العالم عن إعاقة الحلول السلمية، وإلى أن تتوقف المؤسسات العسكرية حول العالم عن تصدير المزيد من الحروب، وإلى أن تتوقف الميديا أو وسائل الإعلام حول العالم عن التخلي عن أرباحها المهولة التي تحصل عليها نتيجة نشر الأخبار السيئة؛ فإن هذه الكوارث حولنا سوف لن تتوقف وسوف يظهر المزيد من تجار العدم ومروجي الفوضى. لكن لننتبه. إن العالم الذي نعيش فيه الآن هو عالم مختلق من رأسه حتى أخمص قدمَيه.. إنه ليس العالم الحقيقي؛ إن العالم الحقيقي هو في مكان آخر تماماً، حيث هناك مَن يقدم المساعدة للآخرين من غير توقف وعن سابق تصور وتصميم، ومن يمضي لياليه وأيامه في الاكتشاف والاختراع والتحسين عن سابق تصور وتصميم، ومَن يدعم كل عمل يهدف إلى تحسين حياة أخيه الإنسان أيضاً عن سابق تصور وتصميم. العالم الحقيقي هو العالم الذي تنتعش فيه القيم الأخلاقية والإنسانية وتمارس بكل شغف عن سابق تصور وتصميم. هذا هو العالم الحقيقي. الآن، يمكننا أن نعرف الفرق بين الإنسان الكفؤ (ونعني بالكفؤ؛ الإنسان الذي يملك القابلية والمعرفة والمهارة، لكي يقوم بعمل ما بشكل ناجح)، وبين ذاك الذي لا يملك أية كفاءة أو جدارة. الحقيقة أن الفرقَ يكمنُ في البيئةِ أو المحيطِ اللذين يخلقهما كلٌّ منهما حوله. 

الأول، أي الكفؤ، يخلقُ حوله بيئةً صحيةً وسليمةً؛ وهو الذي يؤثر بها ويطوعها لما يريد، أما الآخر غير الكفؤ فهو يعيش تحت وطأة الظروف؛ يذهب أينما تأخذه، لا بل يضع الجميعَ حوله في خطر، مدفوعاً بالخوف الذي يصدره لكل مَن حوله.