تحدثت الدكتورة نائلة أبي نادر، أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية، خلال لقائها الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن مفهوم الثقافة الإسلامية وتحديده بما هو محصلة لتشكيلة من العادات والتقاليد والتمثلات الدينية والسلوك والقيم والعلاقات الاجتماعية، وكيف تنتظم كل هذه العناصر تحت غطاء الإسلام؛ عقيدةً وثقافةً، لتعطينا ما نُسميه اليوم “الثقافة الإسلامية”.
إسلام واحد أم إسلامات؟
وتساءلت الدكتورة نائلة أبي نادر، أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية: هل هناك إسلام واحد أم إسلامات؟ يعني هل المسلم الإندونيسي، اليوم، والمسلم التركي، هو ذاته بالمفهوم الثقافي مسلم شبه الجزيرة العربية أو فلسطين؟
وأضافت الدكتورة نائلة أبي نادر: إذن ما الذي يميز بين هؤلاء؟ هو الثقافة؛ فالدين واحد، لكن الثقافة والتربية والتنشئة وأنماط الحياة تختلف؛ لذلك: هل بإمكاني أن أقول إن هناك ثقافة إسلامية واحدة لدى المسلم الإندونيسي والتركي والسعودي مثلاً؟ لذلك مفهوم الثقافة هو مفهوم يفترض الكثيرَ من التشبيك لأكثر من عنصر؛ لكي نلج في الأخير إلى رسم شبه متفق عليه، ويقول بالتعددية؛ ليست هناك ثقافة واحدة لكن القرآن هو واحد، الكتاب هو واحد، وفرضَ قيماً معينة وشعائر معينة وممارسات معينة؛ كيفية عيشها وتلقيها تختلف من منطقة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، لذلك لست مع القائلين إن هناك ثقافةً إسلاميةً واحدةً.
وأوضحت الدكتورة نائلة أبي نادر أن هذه البلدان التي صارت تشكل العالمَ الإسلامي؛ العرقيات التي فيها، وربما الثقافات السابقة على الإسلام فيها، ما زالت مؤثرةً حتى اليوم، بطريقة أو بأخرى؛ لكن حتى لن أقول فقط الفرق بين إندونيسيا التي هي اليوم تعتبر أكبر دولة إسلامية، وأية دولة عربية إسلامية أخرى، حتى ضمن الدولة الواحدة؛ إسلام القرى والأرياف غير إسلام المدينة، وهذا يعود إلى الثقافة أيضاً؛ الثقافة الشعبية أو الثقافة الأرثوذكسية الرسمية، كما يميزها ويشير إليها محمد أركون في دراساته الأنتروبولوجية؛ لأن هناك عنصراً أنتروبولوجياً يجب لفت الانتباه إليه، هو هذه التنشئة التي تربيت عليها في هذا المنزل، في هذه القرية، بين هؤلاء الأساتذة.. كل ذلك سيطبع ذاكرتي وآفاقي في التعاطي وفي إنتاج حتى الملبس أو ديكور البيت أو العلاقات الاجتماعية، كلها ستتأثر باسم الإسلام؛ ولكن أيضاً باسم كل هذه العوامل الإنتروبولوجية والاجتماعية والتي يجب أخذها بالاعتبار، والعكس صحيح طبعاً.
العروبة والإسلام وأغراض التلاعب بهما
وتحدثت أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية، عن عنصرَي العروبة والإسلام وصعوبة الفصل، اليوم، بين الثقافة الإسلامية والثقافة العربية، قائلةً إنها إشكالية عمرها قديم؛ يعني الفكر العربي والفكر الإسلامي، وهذا ما أحرج محمد أركون، عندما درس تاريخية العقل أو الفكر العربي الإسلامي، هل يضع تريدينيو الفكر العربي أو الفكر العربي والإسلامي أو الفكر العربي الإسلامي؟ يعني وجد نوعاً من الإرباك في التعبير ضمن العربي الإسلامي؛ كون القرآن أُنزل باللغة العربية لا يمكننا أن نتغاضى عن أهمية الفكر العربي، واللغة العربية تحديداً، وعندما نقول لغة أيضاً بالكتابات الأركونية نجد هذا الترابط بين الفكر واللغة والتاريخ؛ لا يمكننا أن نفصل بين هذه المفاهيم الثلاثة؛ للغة علاقة بالفكر الذي ينتجها وهي تنتجه في آن معاً، وكل ذلك مرتبط بالتاريخ، فهي تتبدل مع تبدل الأفكار ومع تبدل المجتمع في التاريخ؛ لذلك هناك إشكالية كبيرة. ولدينا أيضاً المسيحيون الذين لعبوا دوراً مهماً في ترجمة الفكر اليوناني إلى العربية، ومن ثم بُني ما بُني في عصر التدوين ومن بعده في بغداد.. كل المدارس والعلوم وما إلى هنالك..
وتابعت الدكتورة نائلة أبي نادر : هؤلاء ماذا نصفهم؟ هل هم مسلمون؟ ليسوا بمسلمين، هم مسيحيون؛ لكن ينطقون باللغة العربية وأسسوا لقواعدها، فهم عرب إذن وجدوا لهم مكاناً ضمن هذا الدين الجديد كعرب، ليسوا مسلمين يتكلمون نفس اللغة، لديهم نفس الانشغالات، نفس الهموم، يعانون المعاناة عينها.
السلفيون والوضع المربك
وأضافت الدكتورة نائلة أبي نادر: إذن يوجد وضع مربك ويجب الاعتراف بهذا الإرباك، والاختزال كما يختزل المختزلون؛ ليس بريئاً، له أهدافه؛ إما التبسيطية، لأنه ليس لدينا متسع من الوقت أو الانشغال لكي نفهم أكثر عمق المشكلة، وإما أيديولوجية؛ للاختصار وشطب إنجازات معينة، وإبراز إنجازات أخرى..
واستكملت أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية: فلذلك السلفيون أو الفكر السلفي، اليوم، يهمه أن لا يركز على العروبة ولا يركز على العربي كفكر عربي؛ يركز أكثر على التمايز الإسلامي، وعلى فضل القرآن والإسلام في إنتاج كل ما أُنتج.. هل نشطب كل ما سبق الإسلام وما واكبه، وهم عرب، وهم ينتجون ويفكرون، وأعطوا ما أعطوه؟.. يعني كلنا نعلم في مصر وفي غير مصر دورَ المسيحيين في التأسيس للنهضة العربية، وفي التأسيس للقواعد والمعاجم والترجمات.. وإلى ما هنالك؛ لذلك هذه الإشكالية صعبة، وتتطلب منا المزيد من البحث والتدقيق.
الاختزال جريمة
وشددت أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية على أن الاختزال هو الظاهرة المؤلمة التي تصل إلى حد الجريمة؛ لأنه نشطب، يعني نقتل؛ وهذا فعل اغتيال عندما نختزل، يعني نقتل هذا الجهد الحضاري الكبير، نقتل جهدَ الحضارة العربية قبل الإسلام، ونقتل جهدَ العرب الذين لم يعتنقوا الإسلام وساهموا وأسهموا بشكل أو بآخر في النهضة التي حصلت في العصر الكلاسيكي العربي في بدايات مدرسة بغداد، وكل ما نتج عن مدرسة بغداد أيام الحكم العباسي من إبداعات كبيرة جداً.
اختزال القراءة الاستشراقية.. ونبش النصوص المنسية
وأيَّدت الدكتورة نائلة أبي نادر القولَ بأن القراءة الاستشراقية قد تكون صادرةً عن المستشرقين أو حتى عنَّا بالنهاية، إذا كان الموحد بينها هو الاختزال، حينما تأخذ مثلاً الثقافة الإسلامية وتتحدث عنها كما لو أنها ثقافة غريبة هي بنت الدين وأسيرة الدين ومحكومة كلياً بتعاليم هذا الدين، وبالتالي من هذا الانغلاق داخل الدين؛ يعني توصف بالجمود، وتوصف بالتحجر، في حين مثلاً يظهر الغرب وتظهر الثقافة الغربية والثقافة الأوروبية باعتبارها بالمقابل فضاءً للتجديد والتطور؛ فضاءً للإيمان أيضاً، والمراهنة على العلم والعقل النقدي والفكر النقدي.. وما إليه.
وبسؤال أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية: ألا يبدو مثلاً أن ثقافتنا الإسلامية تحديداً، تحتاج إلى أن نشتغل سوياً لإخراجها من هذا التمثُّل الذي يخنقها ويقتلها والذي تواطأ فيه المستشرق ومَن يزعم الدفاع عنها، فهي صارت ضحية مرتَين؟ أجابت: طبعاً، وهذا ما يشير إليه محمد أركون في أكثر من بحث له؛ هذا التواطؤ وهذا التفاهم والانسجام بين هؤلاء المستشرقين وبين السلطة الرسمية التي تمسك بين أيديها الدين الإسلامي والعقيدة الإسلامية.. طبعاً عملية الشغب في الفكر ليست مستحبة، والخروج عن النمطية أمر دائماً يثير القلقَ ويثير الحفيظةَ، ويدعو مَن يمسكُ بزمام الأمور إلى أن يكفِّر، أن يستبعِد.. إذا رأينا أو نظرنا إلى الموضوع من الناحية الإسلامية الصرفة أو الأرثوذكسية، كما يسميها أركون، نجد أن هناك هؤلاء الغرب؛ هؤلاء حملة صليبية جاؤوا إلينا، سيفتكون بنا.. وإلى ما هنالك. علماً بأن حتى محمد أركون يشير إلى أن للمستشرقين فضلاً كبيراً في نبش نصوص كانت منسيةً فعلاً في التاريخ؛ بذلوا الجهدَ في البحث عنها وفي الاحتفاظ بها ودرسها وكشفها وتحقيقها، وهذا فضل يجب أن نشهد به لهم.
وتابعت أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية:.. فهارس ألفاظ القرآن وألفاظ الحديث، هناك جوزيف فان إس وجاكلين شابي وغيرهما كثر.. وهذا فضل يجب الاعتراف به؛ ولكن في المقابل لدينا العنجهية والاتنوسنترسم؛ الذي ينطلقون منه ويتصدقون بالشرق عليه، إنه نحن نبذل، وهذا يكفي.. يعني هذا يكفي ما نبذله من جهد من أجلكم، هذا كافٍ؛ استمتعوا به ولا تطلبوا منا الأكثر، بينما عندما يدرسون تراثهم وتاريخهم، يدرسونه بأدوات مختلفة وبمنهجيات مختلفة؛ لكن أود أن أشير إلى كلود كاهن، وفي كتاب أركون “نقد العقل الديني”، يشير إلى أهمية هذا المستشرق، ويقول إنه تعاطى مع التاريخ العربي الإسلامي بمستوى تعاطي الغرب مع تاريخ أوروبا ومع تاريخ اليونان، ويقول إن ما أنتجه يصلح للتدريس في كبرى الجامعات الأوروبية؛ يعني هناك مَن يشذ عن القاعدة، لكن المناخ العام بقي محصوراً بالتأريخ وليس بتطبيق المنهجيات التاريخية الحديثة، وبقي محصوراً بمنهجية الفيولوجيا؛ يعني دراسة تاريخانية أو تاريخية.
هل يكره المسلمون الموسيقى؟
وبشأن حديث الدكتورة نائلة أبي نادر عن التمركز الإثنوغرافي حول الذات وحول الثقافة وقول دانيال كيمون إن الثقافة الإسلامية مثلاً تبعث على الخمول الذهني والبدني مع الإغراق في الملذات ونبذ كراهية الفنون، وقوله تخصيصاً للموسيقى “يكره المسلمون الموسيقى”، قالت: وكيف نفهم كل الفن الإسلامي، وكل الدراسات التي ناقشت في أوروبا، وفي نيويورك تحديداً، الفن الإسلامي؟! فهذا اختصار.
وعلَّقت أستاذة الفلسفة الإسلامية على قول هملتون جيب، “إن مشكلة الإسلام تكمن في هيمنته على تصرفات المسلمين؛ فالإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين، ولكنه ثقافة شاملة”، وأجابت عن سؤال: بأي معنى يمكن اعتبار الإسلام ثقافةً شاملةً، وهل هو كذلك؟ قائلةً: من خلال هذين الاستشهادَين تُثار نقطة مهمة؛ وهي اختصار الإسلام كدين وروحانية وفكر صوفي وإنتاج فكري وشعري، بالسلفية أو الفكر السلفي أو الفكر الصراطي المستقيم.. هذا أمر أيضاً غير مقبول، المسلكية الكنسية في روما لا تختصر كل المفكرين المسيحيين، ولا يجب النظر إلى التراث الفكري في أوروبا فقط انطلاقاً مما يصدر عن الفاتيكان من أحكام أو من مؤلفات؛ فنفس الشيء.. إنه يفعل ذلك في الإسلام؛ لا يمكن اختصار الإسلام بمسلك معين وبمسار معين، صحيح هذا المسلك هو المسيطر وهو الغالب؛ لكن أنا كباحث لا يجوز لي أن أحجِّم أو أختصر كل ما لدينا.. لدينا مفكرون ملحدون في الإسلام، لدينا مفكرون خرجوا عن الصراطية، لدينا مفكرون كالمعتزلة؛ علماء كلام، وقاموا بإعطاء الأولوية للعقل، لدينا ابن رشد وكلامه عن العقلانية..
واستطردت الدكتورة نائلة أبي نادر: لماذا نريد أن نتغاضى عن كل هذه النماذج؛ ولدينا التصوف بكل ما له وما عليه، بشطحاته وتحرره من هذه النمطية الجامدة في ممارسة الدين؟!
التصوف وشطحات الخرافة
واستطردت أستاذة الفلسفة الإسلامية: (لديَّ ملاحظة حول استخدام مصطلح الفكر الخرافي أو الخرافة؛ لكي أميِّز بين ليجونت ومييت؛ فالمييت هو الأسطورة التي تحمل في طياتها حقيقةً معبَّراً عنها بأسلوب مجازي وبلغة وبقصة.. لذلك أركون كان حذراً عندما استخدم كلمة القصص؛ لكي يبتعد عن الخرافة)؛ هذه ملاحظة بين قوسين. أما في ما يتعلق بما تثيره من مشكلة مهمة؛ فاليوم المستشرقون الذين درسوا الإسلام، إما كانوا ملحدين وإما كانوا مؤمنين. الملحدون بالنسبة إلى أركون لم تكن لديهم أهمية في إبراز الإسلام وأهمية الإيمان، فإن جعلته تحت خانة الأسطورة أو الخرافة في المعنى السلبي، لا يهم، هذا ليس من انشغالاتهم الضرورية.. كان انشغالهم في مكان آخر، وإن كانوا مؤمنين كان لديهم الهم بإبراز تفوق الإيمان المسيحي أو تفوق الموروث المسيحي على غيره؛ فكانت هناك ثغرة أيضاً يجب الإشارة إليها؛ لكن في كل الحالات هناك فكر استشراقي درس الإسلام.
وتابعت الدكتورة نائلة أبي نادر: هذا الفكر نشأ في الغرب.. هل هو فكر حداثة أو ما بعد الحداثة؟ هو فكر حداثة متمسك بمفهوم العقل والعقلانية الصارمة؛ لكن أركون هو ابن ما بعد الحداثة، ويشير إلى ذلك.. يعني نيتشة وما بعد نيتشة؛ الذي أعطى المجال للّا عقل والمتخيل واحترمه واعتبره إنتاجاً من إنتاجات العقل، ولا يجب تحقيره؛ بل يجب وضعه على الطاولة، ودرسه كآلية اشتغال مختلفة عن آلية المنطق المستقيم والوجَّاف؛ هناك آلية للعقل تشتغل، لكن بطريقة أخرى.
واستكملت أستاذة الفلسفة الإسلامية: والدليل على ذلك الغائب عن الوعي أو المجنون بين الزوجَين؛ لا يمكنه أن ينتج نصاً أسطورياً؛ ما الذي ينتج هذا النص؟ ما الذي يحبكه حبكةً ذكية؟ ما العقل؟ لكن بأدوات تختلف عن خطاب الفقهاء، عن خطاب الفلاسفة؛ فهذا ما يشير إليه أركون، وهذا له فضل عليَّ أيضاً؛ لأنه فعلاً عندما تقرأ مثلاً الجابري، تجد نفسك في الأخير تحقِّر العقلَ الصوفيَّ أو العقلَ المستقيل (يُسميه)، أو يضعه في خانة اللا عقل يتجرأ ويقول ذلك. بينما عندما تقرأ أركون ويبرز لك قيمة فكر ابن سينا وقيمة فكر الحلاج وقيمة هذه التجربة، تجد أنها تجربة عقلية؛ لكن بمنحى آخر، فلذلك لماذا قام المستشرقون بتهميشها وتحقيرها أو صبغ كل الإسلام بها؟
وتابعت الدكتورة نائلة أبي نادر: .. هذه أسئلة نجد لها أجوبةً في المنحى الأيديولوجي، هل هل كان هناك يعني من محفزات أيديولوجية جعلتهم يقولون ذلك؟ أم لأنهم لم يواكبوا عقلَ ما بعد الحداثة، الذي أعاد الاعتبار للمتخيل والأسطورة والرمز والمجاز؟ وهنا السؤال لكي نجيب عنه يجب أن نعيد درسَ كل مستشرق بمفرده؛ لكي نرى تكوينه المعرفي، هل كان في زمنه قد أَنتَجَت ما بعد الحداثة ما أنتجته؟ عندها لا يكون بريئاً لأنه تغاضى، وإن لم يكن كذلك يصبح بريئاً؛ لأن التسلسل التاريخي للفكر كان قد وصل إلى هذا الحد، ولا يمكننا أن نطالبه بأكثر من ذلك.
المرأة بين “مصدر شهوة” و”عاملة”
قالت أستاذة الفلسفة الإسلامية: هاتان الصورتان معاً تختزلان المرأة؛ طبعاً الصورة الأولى لديها سند، والنصوص الفقهية، يعني فقه المرأة واضح؛ عندما يحكم أي مستشرق واضح أنه اتكل على هذه النصوص، ليس فقط على ما سمعه أو رآه.. هناك نصوص فقهية ولدينا العديد من محاولات تفكيك هذه النصوص للدفاع عن المرأة ونقدها، هذا لا يمكننا أن ننكره، وكذلك في المسيحية يعني عندما يستلم الرجل التشريعَ لن يشرع لصالح المرأة، سيشرع القانون الديني لصالحه في المسيحية كما في الإسلام. لكن عندما جاؤوا في حملة نابليون بونابرت وصار هناك تماس مع الواقع المعيش، وجدوا أمراً آخر.
وأضافت الدكتورة نائلة: أذكر هنا أكثر من كتابة؛ ومن بينها السيرة الذاتية للجابري، عندما كان يصف النساء في عائلته، في فجيج، في منطقته الأمازيغية؛ كيف كانت الأم هي التي تحكم، والرجل يريد رضاها، والابن يرغب في رضاها، ولها الكلمة، وإن رفضت أمراً ما فهو مرفوض، فالمجتمع الأمازيغي مجتمع أُمومي، وهم مسلمون، فكيف أختزلهم؟! كيف سأختزل؟! أيضاً المرأة حرام اختزالها بنص فقهي أو فتوى فقهية، وجعل وتعميم كل شيء انطلاقاً منها، هذا أمر أيضاً للأسف يظلم الحقيقة.
التاريخ المقارن للأديان
وتابعت أستاذة الفلسفة: لا يمكنني أن أقول أيضاً إن المرأة في أحسن حالها، طبعاً في القرون الوسطى المرأة في كل الديانات كانت تعاني.. المرأة كانت موضوعَ الشهوة ليس فقط في الإسلام، والمرأة مهمتها الإنجاب وتربية الأطفال ليس فقط في الإسلام. يجب عليَّ أنا كمستشرق، مسيحي أو غير مسيحي، أن أنظر أيضاً في المقارنة، ومن هنا أهمية التاريخ المقارن للأديان الذي يشدد عليه أركون؛ يعني قبل أن تقصف أو أن ترمي باتهام معين لدينٍ لأنه ليس دينك أو لفكرٍ لأنه ليس فكرك؛ انظر إلى تاريخك وقارن، وستجد الكثيرَ من التشابه في المسلكيات، لماذا؟ لأن الأُطر الاجتماعية للمعرفة في زمن معين كانت ترى المرأة أو تفهم المرأة بهذا المفهوم، وتعطيها هذا الدور.. وتبدَّلتِ الأمور، وتبدَّلتِ الأطر، إذن أصبح هناك مفهوم آخر يجب علينا أن ننتبه إليه.
قوامة الرجل والمرأة والمجتمع
وأكدت أستاذة الفلسفة الإسلامية أنه فعلاً لا يمكن عزل المرأة عن الأسرة والمجتمع؛ ورداً على أن المستشرقين في تلقيهم المرأة، ناقشوها في علاقتها بالمجتمع وطرحوا مسألة الزواج كمؤسسة، وتكلموا عن القوامة للرجل على المرأة، واعتبروها نوعاً من التفوق الجنسي القائم على السيطرة، وويليام موير الذي يتهم المسلمين بأنهم شعوب تجهل معنى الارتباط الزوجي، قالت د.نائلة: طبعاً هذه أحكام مجحفة وقاسية جداً وعابقة بالأدلجة، ومن المعيب أن نطلقها هكذا ونعمِّم..
حداثة اللبس والميك آب!
وأضافت الدكتورة نائلة: يعني كيف نفسر دورَ المرأة بأماكن عدة في عصر النهضة وما قبل النهضة؟ كيف نفسر كل ذلك في قلب الأسرة؟ يعني هذه نماذج تدحض، وهناك عديد من الباحثات في مجالس سيسيولوجيا اليوم، عربيات يقمن بدراسات حول نساء مفكرات؛ إن في الفقه أو في غير الفقه، في عصور قديمة، يعني في بدايات الإسلام.. يعني لماذا نريد طمس كل ذلك واختزاله بحكم غير بريء. أما المرأة اليوم فهي أيضاً فاقدة الثقة، يعني من كثرة ما تلقت هذه الأحكام، وكأنها صدقت أنها كائن ما دون، أو انتفضت وذهبت إلى مكان آخر، وهناك انفصام؛ يعني إثبات الحداثة أو إثبات القوة أصبح بـ”الأوفر” باللبس وبـ”الأوفر” بالـ”ميك آب”؛ ليس هذا أيضاً المطلوب، يعني هناك أمور أخرى يجب الاشتغال عليها كنساء؛ لإثبات وجودهن وكفاءتهن داخل هذا المجتمع.
ظلم متراكم
وقالت أستاذة الفلسفة الإسلامية: عند الحديث عن نظرة الرجل إلى المرأة، يجب أن نعود أيضاً إلى ما قاله أحمد شوقي وغيره؛ أن هذا الرجل هو مسكين مقموع أيام الحكم العثماني؛ يؤخذ من بيته، ويؤخذ من أرضه، ومن أولاده؛ يلبِّي، عليه أن يخضع، فليس لديه مجال لكي يعوّض هذا الكبت إلا بالتحكم في الكائن الأضعف الذي هو المرأة، والولد؛ يعني مجموعة ظلم.. ظلم متراكم يولد سلوكاً ظالماً.
د.مصطفى حجازي وسيكولوجية الإنسان المقهور
واستكملت د.نائلة أبي نادر: بالضبط هذا مثل سيكولوجية الإنسان المقهور للدكتور مصطفى حجازي؛ يعني هو رجل مقهور في الشغل يأتي ليقهر الزوجة في البيت، والزوجة المقهورة تقهر الأطفال، والطفل المقهور يضرب ابن عمه أو ابن الجيران.. وهكذا هي سلسلة.
ليست هناك معرفة بريئة
وأيَّدت أستاذة الفلسفة الإسلامية أن ما يعنينا في النهاية، اليوم، هو أن ننتصر للمعرفة وندافع عن المعرفة ونطالب بحق مجتمعاتنا في المعرفة، وقراءتنا للاستشراق هي فضح الأيديولوجي فيه؛ لكي ننتصر للمعرفي، لأن المعرفي سيصالحنا مع جانب أساسي في ما خلفه المستشرقون للتحدي على إيجابية أركون في تلقيه الإرث الاستشراقي، قائلةً: بالنهاية ليست هناك من معرفة بريئة، هكذا يقولها أركون، كما يقول كل دارسي الفكر.. بالنهاية نحن بشر؛ حتى مثلاً ابن خلدون الذي انتقد المؤرخين، وفي كتابه “المقدمة” ينتقد منهجية مؤرخين؛ اقترف أخطاء كان قد أشار إليها لدى من سواه؛ يعني بالنهاية نحن بشر ولدينا هذه العاطفة وهذا المنحى الانحيازي.. يجب أن نقبل دائماً بأننا نخطئ، وأن نقبل أن الآخر بإمكانه أن يرى هذا الخطأ أكثر منا. وهذا ما نطلبه من المستشرقين؛ قد رأوا ما لدينا من أخطاء، لكن يجب أن يقبلوا بأننا نحن أيضاً يمكننا أن نرى فيهم، أو بما أنتجوه طبعاً (ليس فيهم)؛ فنحن لا نحاكم الأشخاص، طبعاً أن نلحظ فيها هذا الإجحاف وهذا الاختزال.
وردًّا على سؤال: لماذا جرى تعميم لحظة تاريخية معينة مفروض أنها محدودة في الزمان والمكان، وهي لحظة حملة نابليون على مصر، أواخر القرن الثامن عشر، والمكان هو مصر؟ ولكن نأخذ هذه اللحظة التي اشتغل عليها، يعني ذلك الفريق من الكتاب الذين سيشتغلون مع نابليون ويكتبون كتابه أو كتابهم أو كتاب الحملة الشهير “وصف مصر”، بالنهاية يتكلمون عن الثقافة الإسلامية كما لو أن اللحظة التي كتبوا عنها هي ممثلة، نعم هذه لحظة نموذج؛ ولكن فقط لا يمكنها أن تكون نموذجاً، والمصيبة هي أنك تتكلم عن الثقافة الإسلامية من وحي لحظة محكومة، شئت أم أبيت، بسياقها الاستعماري الواضح والصريح.. هذا الجانب بالضبط هو الذي يعنينا أن نتوقف عنده ونفضحه.
أجابت أستاذة الفلسفة الإسلامية بالجامعة اللبنانية، مختتمةً: أما آن الوقت أو حان الوقت لكي ننظر إلى مسائل الإرث البشري كله من زاوية إنسانية؟ يعني أنا كمستشرق أوروبي، أريد أن أدرس هذا كموضوع معرفة، وأعطيه أهميته، كما أنا كباحث مسلم أو باحث عربي أريد أن أدرس أوروبا وأَفِيها حقَّها؛ ليس كل تاريخ أوروبا حملات صليبية، وليس كل تاريخ أوروبا بفلتان أخلاقي، كما أيضاً يتم الحكم عليها..
لذلك علينا أن نرى بعينَين تشتهيان الجمالَ والإبداعَ بعقل يزن الأمورَ؛ لماذا هذا التعصب الأعمى الذي يسدل الستار على كل ما هو جميل، ولا يحتفظ إلا بالقبائح؟ وهي حصلت؛ لا يمكننا أن ننكرها، حصلت في التاريخ؛ لكن هناك جمالات كثيرة، لِمَ لا نلفت الانتباه إليها وندرسها ونسعى إلى تعميمها؟! إن كان في حملة نابليون أو غيرها؛ الشرق استفاد والغرب؛ لِمَ لا نقول ذلك؟! لِمَ لا نبرز ذلك؟!