تحدث الدكتور عبد الحسين شعبان، الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي، خلال برنامج “مجتمع” مع الدكتور باسم الجمل، بأنه أول شخص نادى بمحاكمة إسرائيل شعبياً وقانونياً، وكيف كان ذلك؟
ملاحقة الإسرائيليين مجرمي الحرب
قال الدكتور عبد الحسين شعبان: في الواقع من خلال دراساتي القانونية وأبحاثي، توصلت إلى ضرورة ملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم، الإسرائيليين؛ أعرف أن هناك تعقيدات قانونية وتعقيدات سياسية، فضلاً عن توازن القوى؛ لكن هذا جزء من المعركة الدبلوماسية التي على الفلسطينيين أن يتبعوها على المستويَين القانوني والدولي، وأيضاً بوسائل متنوعة وبضغوط مختلفة؛ منها وسائل ناعمة.
وأضاف الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي: لهذا السبب أصدرت كتاباً في عام 1987 بعد عدد من الدراسات والأبحاث والمقالات والمحاضرات في جامعات وفي مراكز أبحاث مختلفة وأوساط ثقافية متعددة؛ أصدرت كتاباً عنوانه “سيناريو أوَّلي لمحكمة القدس الدولية العليا”، ثم عُدت ذلك في عام 2010، وأصدرت كتاباً من خلال مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت؛ عنوانه “لائحة اتهام حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل”.
فلسطين.. أكثر القضايا المعاصرة ظلماً
وتابع الدكتور عبد الحسين شعبان: قدمت كل هذا بصفتي كاتباً وناشطاً سياسياً وخبيرَ قانون دولي؛ إضافةً إلى الجانب الإنساني، عن أكثر القضايا المعاصرة بالتاريخ ظلماً وأذًى لشعب كامل يُقتلع من أراضيه؛ هو الشعب العربي الفلسطيني، فلا بد من اتباع كل الوسائل المشروعة وصولاً إلى تحقيق الشعب العربي الفلسطيني حلمَه في العودة إلى أرضه أولاً وتمكينه من قيام دولته المستقلة، وبالتالي لا بد من مساءلة ومقاضاة الذي تسبب في هذه المأساة، التي عنوانها اليوم أو تاريخها اليوم يزيد على ثلاثة أرباع القرن؛ بل أكثر من ذلك إذا أردنا القول منذ بداية القرن العشرين وإلى اليوم.
واستكمل الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي: انحزت للمقاومة كلياً منذ ذلك التاريخ إلى اليوم منذ عام 1967؛ شكلت هزيمة 5 حزيران (يونيو) منعطفاً جديداً في حياتي الشخصية. وإذا لاحظت اليوم كميةَ الكتب والأبحاث والدراسات التي أنتجتها منذ ذلك التاريخ إلى اليوم؛ ستلاحظ أنه لا يوجد يساري واحد في كل العالم كرَّسَ مثل هذا العمل الفكري والثقافي بجانبَيه النظري والعملي للقضية الفلسطينية، ربما لاعتبارات كثيرة..
مؤسس اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية
وتابع الدكتور عبد الحسين شعبان: في الجانب الإنساني أشارت إلى ذلك مأساة الشعب العربي الفلسطيني التي عشتها يومياً مع الفلسطينيين، ثم النكبة؛ يعني النكسة التي حلَّت بالشعب العربي الفلسطيني بـ67، وبالأمة العربية، ثم المراجعات التي جرت.. هذه كلها كانت سبباً من الأسباب التي دفعتني للتفكير في الوسائل العملية النظرية الأكاديمية وغير الأكاديمية الممكنة، لمساعدة الشعب العربي الفلسطيني..
واستطرد الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي: هذا في جانب، وتوجد جوانب عملية أيضاً؛ أقول باعتزاز وتواضع أيضاً لي الشرف أني أسَّست اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية التي كان لها اسم سابق؛ هو “اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379″، الذي صدر في نوفمبر عام 1975، والذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، وكنت أنا الأمين العام، واللجنة مؤلفة من عدد من الشخصيات المهمة؛ بينهم دكتور جورج جبور، الذي كان مستشاراً للرئيس حافظ الأسد، كان رئيساً للجنة، وأعضاء اللجنة هم: أستاذ إنعام رعد، الذي أصبح في ما بعد رئيساً للجنة، وناجي علوش وعبد الرحمن نعيمي من البحرين، وصابر محيي الدين، رئيس تحرير مجلة “من فلسطين”، وسميح عبد الفتاح ود.غازي حسين وسعد الله مزرعاني، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني.. وشخصيات أخرى.
ونوه الدكتور عبد الحسين شعبان بأن هذه اللجنة عملت منذ أواسط الثمانينيات في إطارَين؛ إطار محلي بمناشدة الزعامات العربية الرسمية وغير الرسمية، لدفعها لتبنِّي هذا القرار، وعلى الصعيد الخارجي الدولي أيضاً تحركت لفضح المزاعم الصهيونية ولنقض الرواية الإسرائيلية.
مساواة الصهيونية بالعنصرية.. قرار الأمم المتحدة 3379
وقال الدكتور عبد الحسين شعبان: أشير هنا، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أنني كنت قد وجهت رسالةً إلى الرئيس حافظ الأسد؛ دعوته لكي يعطي تعليماته للوفد العربي السوري الذي كان يتجه إلى الكويت لحضور مؤتمر القمة الإسلامية، بتبني موضوع دعم قرار الأمم المتحدة 3379، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، كما أشرت، وفعلاً تبنى الوفد العربي السوري هذا القرار، ومن خلال المؤتمر صدر القرار باعتماد هذه الفقرة كجزء من وثائق مؤتمر القمة التي انعقدت في الكويت عام 1987.
يهود العالم وجهود نقد الرواية الصهيونية
وأضاف الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي، إن الرواية الصهيونية تزعم أنها تمثل يهودَ العالم بمَن فيهم يهود البلاد العربية، وأنت تعرف أن الكثير من يهود البلاد العربية هُجِّروا أو اضطروا إلى الهجرة أو فُرضت عليهم الهجرة إلى إسرائيل تحت مزاعم لا علاقة لها برغباتهم على أقل تقدير، وإنما كان هناك تواطؤ ما بين الصهيونية وما بين بريطانيا التي كانت حاكمةً للعراق ودول أخرى، وفرنسا أيضاً في سوريا ولبنان، إضافة إلى مصر.. بريطانيا كان لها دور هنا أيضاً؛ هذا التواطؤ مع أوساط محلية داخلية للضغط على اليهود للهجرة إلى فلسطين، دعماً للمشروع الصهيوني؛ دعماً سكانياً؛ لأن إسرائيل تعاني نقصاً كبيراً في السكان، لذلك هذه المزاعم كان لا بد لها أن تُفضح.
وذكر الدكتور عبد الحسين شعبان أنه في العراق؛ اليسار العراقي، آنذاك، بقيادة الرفيق فهد يوسف سلمان يوسف، الذي أُعدم عام 1949 بتواطؤ صهيوني- بريطاني مع الرجعية المحلية؛ لأنه حاول أن ينقض الرواية الإسرائيلية، الرواية الصهيونية تلك التي تقول بتمثيل يهود العالم؛ أسسَّ عصبةً لمكافحة الصهيونية، وأصدرت أنا كتاباً عنوانه “في نقض الرواية الإسرائيلية.. عصبة مكافحة الصهيونية”؛ هذه العصبة من شخصيات يهودية تقدمية تقول نحن يهود ونحن العرب ونناقض الصهيونية، يعني من يهود عراقيين عرب يقولون نحن يهود ونحن ضد الصهيونية والصهيونية خطر؛ ليس فقط على العرب وعلى وحدتهم القومية، وإنما خطر على اليهود أيضاً كما ورد في رسالة العصبة الموجهة إلى وزارة الداخلية العراقية.
جريدة العصبة وحُكم الإعدام
واستكمل الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي: في عام 1946م، كان وزير الداخلية سعد صالح، هو شخصية وطنية عراقية، أجاز العصبة؛ وعملت العصبة بصورة شرعية وأصدرت جريدة باسم “جريدة العصبة”، ونظمت عدداً من الفعاليات والأنشطة في العراق في ذلك الوقت؛ لكن المد الرجعي في حينها سيطر، وأُقيلت الوزارة، ثم بالتدريج تقلصت الحريات، وقُدِّم هؤلاء الذين ناضلوا ضد الصهيونية إلى المحاكمات، وحُكم عليهم بأحكام غليظة طويلة. أما فهد ورفاقه فقد حُكم عليهم بالإعدام، وبعد الحملة التي نُظِّمت تضامناً معهم خُفِّض حكم الإعدام إلى مؤبد، ثم جاء نور السعيد، وخلال 40 يوماً من عام 1949 أعاد المحاكمة، وصدر الحكم بالإعدام ونفذ في 14 و15 شباط (فبراير)، بحق أربعة من القيادات اليسارية العراقية؛ هم: فهد يوسف سلمان، وحسين محمد الشبيبي، ومحمد زكي بشيم، ويهودا صديق؛ يعني يهودا من اليهود العرب العراقيين، ثم أُعدم بعده ساسون دلال الذي تولَّى إدارة الحزب الشيوعي بعد إعدام هذه القيادة، وقيادات أخرى حُوكمت وحُكم عليها بالإعدام.
حادثة الفرهود.. إجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين
وتابع د.عبد الحسين شعبان: حادثة الفرهود سبقت ذلك في عام 1941.. حصلت حركة رشيد علي الجيلاني، ثم تدخل الجيش البريطاني وقمع هذه الحركة واعتقل عدداً من قادتها، وهرب قادة آخرون، وجرت عملية مداهمة لبعض الأحياء اليهودية، ولم تتم مداهمة الأحياء الراقية اليهودية ولا المحلات التجارية الكبيرة التي كان يملكها اليهود؛ وإنما دُهِمَ فقراء اليهود الكادحون، اليهود هم الذين جرت عملية المداهمة لهم وصودرت أملاكهم وحُرقت، يعني طُردوا وتعرضوا إلى الأذى في تلك الفترة من قِبل بعض المتعصبين؛ إضافة إلى أن هناك أيادي صهيونية وقفت خلف هذه العملية أيضاً، حتى إن هناك بعض التفجيرات التي حصلت في نهاية الأربعينيات بغرض إجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين بزعم أنهم مضطهدون، وبزعم أنهم ملاحقون، وبزعم أن هناك عدم رغبة في بقائهم في بلدانهم. واتضح عبر محاكمات في إسرائيل، أن أحد الذين قطعت رجله أو يده أقام دعوى في القضاء الإسرائيلي عام 1960، بعد أن انكشف أن الصهيونية والموساد الإسرائيلي كانا وراء عملية التفجيرات التي حصلت في كنيس يهودي وفي محلات تجارية وفي منازل لليهود في مناطق البتاوين وغيرها من بغداد.
بريطانيا المسؤولة الأولى عن مأساة الفلسطينيين
وأفاد الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي، أن بريطانيا هي المسؤولة الأولى عن مأساة الفلسطينيين؛ أولاً بإصدارها وعدَ بلفور سنة 1917، وقبل ذلك اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916؛ التي قسَّمت البلاد العربية، وأصبحت فلسطين من حصة الانتداب، من حصة بريطانيا.. حصل الانتداب البريطاني بقرار في معاهدة ساريمو سنة 1920، ثم صادقت عليه عصبة الأمم التي تعتبر أيضاً مسؤولاً عما تعرَّض إليه الفلسطينيون لاحقاً من أذى.
في عام 1922 رخصت بريطانيا للهجرة اليهودية؛ حيث بدأت أعداد اليهود تزداد في فلسطين عن أعداد العرب، وأخذوا يتجهون نحو 3 خطوط؛ احتلال العمل، واحتلال السوق، واحتلال الإنتاج.. هذه الخطوط اشتغلت عليها الصهيونية بالتدريج.
واستطرد د.عبد الحسين شعبان: لقضم فلسطين خطوةً خطوةً وشبراً شبراً؛ جاء قرار التقسيم؛ عندما تخلت بريطانيا عن دورها دفعت القضية إلى الأمم المتحدة، بعد أن هيأت كل المستلزمات، وصدر قرار التقسيم عام 1947، ثم تأسست إسرائيل في 15 مايو 1948، ونشأت أول حرب عربية إسرائيلية؛ إذا جاز لي التعبير أن أقول.
فضح الرواية الصهيونية.. والسردية التاريخية الصهيونية
قال الدكتور عبد الحسين شعبان: الادعاءات التاريخية الصهيونية مستمرة منذ ذلك اليوم إلى الآن؛ ولذلك انظر إلى الحفريات في القدس في الأماكن المقدسة وادعاء أنها يهودية الأصل.. قبل فترة احتفلت إسرائيل بمرور 3000 سنة على أول مملكة يهودية في فلسطين. في الجانب الثقافي في التراث في كل المجالات تحاول إسرائيل أن تسرق تراثَ الشعب العربي الفلسطيني؛ بما فيها الأزياء والمأكولات وغيرهما لصالحها، باعتبارها هي التي عاشت في هذه البلاد، في حين أن حتى هذه المملكة اليهودية لم تعِش أكثر من 70 سنة في كل تاريخ فلسطين.
محاربة الادعاءات الصهيونية
وتابع الدكتور عبد الحسين، بشأن كتبه الأخرى التي تعالج قراءة التراث: هناك جوانب مختلفة اشتغلت عليها؛ أولاً اشتغلت على 4 حقول إذا جاز لي التعبير.. حقل يتعلق بالجوانب القانونية وكل ما يتعلق بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان، وحقل يتعلق بالجوانب الفكرية والنظرية بشكل عام، وحقل يتعلق بالدين والأديان خصوصاً بصفتها المعاصرة ليس بتاريخ الأديان، وحقل يتعلق بالثقافة؛ وأيضاً نقد وأدب وفن.. وغيرها من الحقول؛ هذه الحقول بينها قنوات، وهناك علاقة عضوية بينها؛ ولذلك عندما أكتب بالقانون كأني أتحدث عن الحب، وعندما أتحدث عن المرأة كأني أتناول الدين، وعندنا أتحدث بالدين أتحدث عن الفقه والسياسة، وكل هذه الحقول متصلة.
أمريكا وأسلمة الحرب العراقية- الإيرانية
تحدث الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي عن كتابه الذي أثار ضجةً كبيرةً من النقاش حوله، وله علاقة بقراءة الفقه التراثي والدين والتدين، قائلاً: في الفكر الديني على أقل تقدير عندي عدد من الكتب؛ على هذا الصعيد أول كتاب صدر لي حول الفكر الديني عام 1987 عنوانه “أمريكا والإسلام”؛ كيف تنظر الولايات المتحدة إلى الإسلام؟ كيف حاولت أن تضفي فكرة أسلمة الحرب على الصراع العراقي- الإيراني أو النزاع العراقي- الإيراني؟ فترة الحرب العراقية- الإيرانية، اشتغلت مراكز أبحاث كثيرة لأسلمة الحرب؛ لكي تقول إن الصراع بالمنطقة ليس بين العرب وإسرائيل، وإنما هناك صراعات أخرى أكبر وأهم من الصراع العربي- الإسرائيلي، بدليل أن دولتَين جارتَين؛ عراق وإيران، ودولتَين نفطيتَين؛ عراق وإيران، ودولتَين إسلاميتَين؛ عراق وإيران، هناك صراع بينهما لأسباب تتعلق بالعرب والفرس.. هكذا حاولت أن تضفي على الصراع، ثم بين شيعة وسُنة؛ لكي تضفي الطابع الطائفي على هذه الحرب.
ادعاءات بأن إسرائيل حمل وديع وسط وحوش كاسرة
وأضاف الخبير القانوني: وتحاول في الوقت نفسه مراكز الأبحاث؛ مثل مؤسسة راند والعديد من المؤسسات المرتبطة بالمجمع الحربي والصناعي أو تروس للأدمغة الأمريكي؛ اشتغلت مثل هذا العمل، أن تقول إن الصراع بين العرب وإسرائيل هو صراع بين اليهود والإسلام. وبما أن اليهود أقلية؛ فالمسلمون يحاولون أن يبتلعوا اليهود أو يرموهم بالبحر، ولذلك يا عالم غربي تفضَّل لدعم إسرائيل، وإسرائيل حمل وديع ودولة ديمقراطية وسط هذه الوحوش الكاسرة؛ في حين أن الصراع بين العرب وإسرائيل صراع حول الحقوق؛ حول اغتصاب الأرض، ليس حول قيم السماء؛ ليس صراعاً بين أديان.. هذا مثلاً الكتاب الأول.
وتابع د.عبد الحسين بأن كتابه الثاني صدر في عام 2002 عنوانه “الإسلام والإرهاب الدولي.. ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين- القانون- السياسية”، بعد أحداث “داعش” أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية؛ لأنه أيضاً جرت محاولة لاعتبار كل ما له علاقة بالمقاومة إرهاباً، وكأنه امتداد لتنظيم القاعدة ولابن لادن.. وغير ذلك، ثم أصدرت كتاباً بعد ذلك تحت عنوان “سؤال التسامح”؛ حوار حاورني به 7 من أساتذة الجامعة الأردنية، وصدر في كتاب في عام 2004 على ما أتذكر، وأصدرت كتاباً مهماً بعد ذلك بعنوان “فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي.. الثقافة والدولة”، قدم له المطران جورج خضر، وأصدرت بعده كتاباً في الحاجة إلى التسامح أيضاً، وحول الفكر الديني والفقه الديني أصدرت كتاباً بعنوان “مقاربات في سوسيولوجيا الدين والتدين”. ومن الكتب التي أثارت ضجةً كان كتاب “دين العقل وفقه الواقع”؛ وهو عبارة عن مناظرات، وجزؤه الثاني مناظرات مع الفقيه السيد أحمد الحسن البغدادي آية الله؛ هو أحد كبار الشخصيات الدينية في مدرسة النجف، ومدرسة النجف معروفة مرجعيتها والحوزة العلمية.
كتاب دين العقل وفقه الواقع
قال الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي، إن هذا الكتاب أثار جدلاً لأنه يناقش عدداً من القضايا التي تهم الناس يومياً؛ مثلاً مَن هو المؤمن؟ ومَن هو غير المؤمن؟ أنا سألت سماحة السيد أحمد الحسن البغدادي، ما الذي يميزك عني؟ هل العمامة لكي تكون مؤمناً، أم أنك تؤدي الطقوس والشعائر؟ على سبيل المثال، أنا ربما لا أؤدي الطقوس أو الشعائر ولا أدَّعي هذا ولا أزعم؛ ولكن ثمة إشارات غامضة تأتيني من السماء تشعرني بالطمأنينة والراحة النفسية، هي عبارة عن إشارات أقرب إلى كهرومغناطيسية، ما الذي تسميه أنت على سبيل المثال؟ هكذا دار الحوار بيننا حول الدين والعنف الديني والإرهاب الديني والطائفية.. المرأة هل هي فعلاً ناقصة عقل ودين كما يقول بعض المتفقهين أو بعض الذين يعملون في الحقل الديني بتوجهه التقليدي؟ على سبيل المثال، وكيف ينسب هذا إلى شخصيات إسلامية كبرى على سبيل المثال؟ ثم مَن الطاهر ومَن النجس؟ هل يولد إنسان طاهراً وآخر نجساً؟ لماذا يخلق الله نصف البشر أو أكثر من مليارَي إنسان أنجاساً؟ على سبيل المثال، وكيف تكون المرأة ناقصة عقل ودين وهي نصف البشرية؟!
إذن لا بد من البحث في هذه الإشكاليات، ثم هل هناك إنسان معصوم؟ هل هناك علم للغيب؟ كيف نتعامل مع الردة والمرتد وما بينهما؟.. إلى آخره من القضايا التي تثير جدلاً وإشكاليات.
وتابع د.عبد الحسين شعبان: نوقش هذا الكتاب في عمان في منتدى الفكر العربي الذي يرعاه سمو الأمير الحسن، ونوقش الكتاب أيضًا في السليمانية في العراق، وفي أربيل وبغداد، ونوقش في دمشق باتحاد الكتاب العرب بدعوة كريمة، ونوقش أيضاً في الكويت، وفي بيروت.. ونوقش كذلك عبر الزووم؛ أكثر من حلقة صارت عبر الزووم، ونوقش أيضاً مناقشةً مباشرةً كذلك في أوسلو، وفي النرويج.
مَن هو المؤمن؟
وعلق الخبير القانوني والسياسي على مَن هو المؤمن؟ هل الذي يؤدي الطقوس أو يتميز بزي مختلف عن الآخرين أم كيف؟ موضحاً: قولوا أسلمنا ولا تقولوا آمَنَّا، إلى أن يدخل الإيمان إلى قلوبهم. ولمَّا يدخل الإيمان إلى قلوبهم لمحنا من المعاني أن هناك فارقاً بين الجانب الشكلي والجوهر الروحي أو الروحاني.. الإيمان الحقيقي ليس كل عين ترى كما يقول ابن عربي.
وأجاب الدكتور عبد الحسين عن سؤال: هل الإيمان المقصود روحي؛ إيمان داخلي أم سلوكي؟، قائلاً: الاثنان معاً؛ الإيمان أولاً هناك علاقة بين القلب والعقل، هذه العلاقة علاقة متصلة.. الإيمان بالقلب، والعقل يأتي ليعقلن هذا الإيمان، ويضعه في قالب؛ يعني أقول مثل ما يقول الموسيقار شوبان: القلب في باريس والعقل في وارشو؛ ولكن هناك علاقة جدلية بين العقل والقلب بالفكر الحسي أو النظرية الحسية، يقول في فيورباخ إن الصوت أول ما يتلقاه الإنسان؛ الصوت يذهب إلى الأذن، أول مَن يتلقى الصوت الأذن، والأذن تنقله إلى الدماغ، والدماغ قبل أن يفلتره يرسله إلى القلب، وتحصل هنا عملية التفاعل بين القلب والعقل؛ فالقلب يقترب مما يحب أو يكره ما هو سلبي.
واستطرد الخبير القانوني والسياسي: الإيمان في القلب، والسلوك أحياناً يعبِّر؛ تعرف أن هذا صادق وأن هذا يتعامل معك بالتعامل اليومي ولديه إيثار محبة الآخر، ومساعدة المظلوم، والانتصار ضد الظالم، والعدل.. هذه معايير أساسية للمؤمن الحقيقي.
وقال الدكتور عبد الحسين، بشأن أنه في النص القرآني لا يوجد تعريف مثلاً، يعني توجد مواصفات أو شروط للمؤمن؛ مثل الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، بأن هذا ما هو معلن؛ أنا أستطيع أن أقدم لك هذا: الإيمان بالله والعمل الصالح ورسوله لساناً، أما قلباً فأنا باتجاه أن العمل الصالح يقود؛ يعني العمل الصالح هو جزء من هذا السلوك.
الفارق بين الدين والتدينوأكد الخبير القانوني أن القصد من الحديث أن هناك معايير لتحديد مَن هو المؤمن من غير المؤمن.. الجانب الأول يتعلق بالفرد وعلاقته بالخالق، هذا أولاً، والجانب الثاني هو السلوك والتعبير عما يؤمن به الإنسان، الجانب الثاني هذا له علاقة أيضاً بهذا الربط بين الفقه والواقع، وهناك فارق بين الدين والتدين؛ الدين مجموعة تعاليم منظومة قيمية، أما التدين فهو مجموعة من الممارسات أو الطقوس أو الشعائر، وهناك فارق بين هذا وذاك؛ أحياناً هذه الطقوس والشعائر لا يربطها رابط بالدين، لا يربطها رابط حقيقي بالدين؛ لأنها ممارسات أحياناً شاذة، لأنها لا تنعكس على سلوك الفرد نفسه، لا تنعكس على سلوك الإنسان.
وتابع د.عبد الحسين شعبان: وبالتالي هذه الفكرة هي التي أثارت الجدل ومجموعة الأفكار؛ كل ما قدمته أثار جدلاً لأنه أولاً به جدية في التناول، وثانياً مع فقيه، آية الله، أن يقبل في بحث مثل هذه الإشكاليات التي تهم الناس والتي يتشوق الناس إلى سماعها.. يريدون أن يستمعوا أو يقرؤوا أو يطلعوا على فقه. دعني أقول أحدهما أكاديمي علماني والثاني ديني طقوسي، كيف يمكن البحث عن المشتركات، إضافةً إلى تأثير المختلفات؛ اختلفنا في أكثر من مجال، ولكننا اتفقنا على عدد من المعايير والقيم الإنسانية؛ لأنك لو جردت الدين من القيم الإنسانية سيصبح شيئاً آخر، وبالتالي الكثير من ممارسات الطقوس هي تسيء إلى الدين نفسه.
إصلاح الفكر الديني
وقال الخبير القانوني والسياسي عن كيفية نقل هذا الفهم إلى أكبر قطاع من الناس، بأن أول شيء لا يمكن إحداث تطور في المجال الديني أو في الحقل الديني دون إصلاح الفكر الديني، وإصلاح الفكر الديني لا يتم من خارجه؛ بل يحتاج إلى عمل لإصلاح الفكر الديني من داخله، إضافة إلى من خارجه، وبحوار هادئ وعقلاني وغير إقصائي وغير إلغائي؛ حوار يعترف بالآخر ويعترف بحق الآخر في الاختلاف، وبالتالي يفتح الحوار على مصراعَيه.. جميع النوافذ تكون مشرعة لقبول هذا الحوار؛ بحيث يتدفق هواء نقي يستطيع المتحاورون فيه الوصول إلى أن يتفاهموا وأن يستنشقَ كل منهم جزءاً من هذا الهواء.
الشيء الآخر مهم لكي يتطور الحقل الديني، يحتاج إلى تراكم، وتراكم طويل.. يحتاج إلى إرادة مجتمعية؛ ليس فقط إرادة سياسية.. إرادة مجتمعية؛ يحتاج إلى قوى التنوير أيضاً وقوى التغيير تكون قادرة وقابلة بمثل هذا الحوار؛ لأنه إذا كان هناك تيار ديني إقصائي وهناك تيار آخر إقصائي إلغائي من خارج التيار الديني؛ سمِّه علمانياً سمِّه مدنياً، يريد أن ينتقص من الآخر، ويريد أن ينتقص من عقائد الآخر.
واستطرد الخبير القانوني والسياسي والمناضل العراقي: أنا باحترام كامل، تعاملت مع هذا الوسط، وأتعامل مع هذا لأنني أفهمه؛ لأنني جزء من هذا الوسط عائلياً وشخصياً.. جزء من هذا الوسط؛ لذلك أتقبله ويتقبلني إلى حدود كبيرة؛ هكذا كان الحوار سلساً ناعماً هادئاً مثيراً مشوقاً أو شائقاً، وبنفس الوقت طرح أسئلة عليَّ وطرحت أسئلة كبرى عليه، وطرحنا هذه الأسئلة على المتلقي؛ على القارئ الذي مثل ما أشرت أنه تلقى مثل هذا العمل باهتمام كبير، على أقل تقدير لست أنا الذي أتحدث عنه وإنما الصدى وصل إلى أوساط واسعة وكبيرة.