تحدَّثَ إبراهيم الحَيْسن، الباحث الجمالي والناقد الفني المغربي، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن فن التصوير الأوروبي وتطوُّر موضوعاته وأساليبه الفنية المتوارثة داخل دائرة مغلقة منذ عصر النهضة حتى بداية الفن الحديث، وعن طبيعة الفن خلال القرن التاسع عشر التي خضعت لتحولات ترتبط بالتواصل المباشر مع الشرق ووفود عشرات الرحالة المصورين والفنانين عليه، واكتشافهم عوالمه؛ ما أفرز مدرسة للتصوير الشرقي جعلت الحديثَ عن وجه فني للاستشراق أمراً ممكناً، وعن مدارات الاستشراق الغني وخصوصياته ورموزه، وعن دراساته النقدية التشكيلية؛ ومن أهمها كتابه “الاستشراق الفني في المغرب”.
هل تفاعل الفن الاستشراقي مع الفضاء العربي بدأ منذ العصر الوسيط؟
أجاب إبراهيم الحَيْسن، الباحث الجمالي والناقد الفني المغربي، عن سؤال “هل تفاعل الفن الاستشراقي مع الفضاء العربي بدأ منذ العصر الوسيط؟”، قائلاً: “نعم؛ كان هناك فعلاً نوع من الاحتكاك والتثاقف بين الثقافات المتجاورة، ولكن كان من الصعب أن نسمِّي هذا الحراك الثقافي والفني والإبداعي استشراقاً. من بوادر ذلك أن ميلاد المسيحية في الشرق العربي وانتقال المسيحية إلى أوروبا، بالإضافة كذلك إلى تأثير الفن الإسلامي في مجموعة من الثقافات في ذلك الوقت؛ منذ العصور الميلادية الأولى، أسهمت إلى حد ما في خلق هذا النوع من التثاقف والإبداعات، وكان من نتيجة ذلك أيضاً أنه حتى في عصر النهضة الإيطالية؛ لا سيما في فترتها الأخيرة، بدت عليها بعض ملامح تعبيرات الفن البيزنطي، وظل (الفن الاستشراقي) بين مزدوجتَين أو الفن الأجنبي في ذلك الوقت الذي لم يكن يُسمى استشراقاً إلا في ما بعد. وسنأتي إلى هذه النقطة، من مرد ذلك أن الفن انتشر؛ ولكن كان علينا أن ننتظر حتى القرن التاسع عشر؛ لكي تظهر ملامح الفن وتتكرس بشكل مختلف، غير أن الفترة الفاصلة ما بين أواخر النهضة الإيطالية وكذلك القرن التاسع عشر، شهدت مجموعةً من الفنون ومجموعة من الضوابط الأكاديمية التي لم تسمح، آنذاك، بإظهار الفن الاستشراقي كما هو معروف الآن”.
الفن الإسلامي وظهوره الأول
وأضاف إبراهيم الحَيْسن: “الفن الإسلامي منذ ظهوره الأول كان له هذا الامتداد وهذا التأثير؛ صحيح أن انفتاح الغرب على الشرق وعلى الحضارة الإسلامية، كان هناك هذا.. هذا التأثير المتبادل؛ صحيح أن فن العمارة الإسلامية خلق نوعاً من الانبهار لدى الآخر بحكم البنيات وبحكم المفردات المعمارية التي تتشكَّل منها العمارة الإسلامية، وكذلك الفلسفة الجمالية التي قامت عليها، بالإضافة كذلك إلى الديكورات الداخلية والأشكال الزخرفية التي كانت تتسم ولا تزال العمارة الإسلامية بما يُسميها الإبداع الخالص من أرابيسك أو فنون الرقص والنحت والكليجرافي.. إلى آخره. وبالتالي كانت دائماً هذه العمارة الإسلامية والفنون الإسلامية بأنواع متعددة؛ كان لها التأثير وهذا الامتداد وهذا سيظهر أيضاً لاحقاً، وقد نأتي إلى هذه النقطة حتى في بعض الأعمال الصباغية لبعض المستشرقين الذين يسمون أواخر القرن التاسع عشر، واستلهموا كثيراً من هذه المفردات”.
الفن الاستشراقي.. وتوافد الأجانب إلى بلاد الشرق
وتابع الباحث الجمالي والناقد الفني المغربي: “توافد الأجانب إلى بلاد الشرق كان في بداية الأمر بدافع الفضول؛ لا سيما بعد أن قرؤوا وأُعجبوا بمجموعة من القصص والأساطير التي وسعت لديهم هذا الفضول. مثلاً قصص ألف ليلة وليلة.. إلى آخره. الظاهرة الاستشراقية لم تأخذ شكلها كمدرسة إلا في أواخر القرن التاسع عشر؛ ولا سيما مع الفنان الأنثروبولوجي لكان يميل، أكثر للأنثروبولوجيا في أعماله، والثيموجرافي أيضاً.. استطاع هذا الفنان أن يؤسس في تلك الفترة أكاديمية الفنون الجميلة للفن الاستشراقي، وكذلك وقع على شفيق في بريطانيا بحكم أن فرنسا وبريطانيا كل الرسامين كانوا ينتمون إلى هذين البلدَين؛ وبالتالي فتأسيس الفن الاستشراقي باعتباره بين قوسين (كمدرسة قائمة الذات) ظهرت بالضبط في هذه الفترة. وكما قلت سابقاً بعد تجاوز المرحلة الحاصلة بين أواخر النهضة الإيطالية، وكذلك فنون القرن التاسع عشر، في هذه الفترة بالذات؛ سيتزكى أكثر التيار الرومانسي في الرسم ويعتبر أجندة مبلورة. إذن في هذا المجال وهو يعود له الفضل أيضاً كذلك في تأسيس الطليعة والحداثة الفنية منذ ذلك الوقت، كما عبر عن ذلك مجموعة من النقاد الفنيين، الاستشراق بشكل عام في مناحيه العلمية والتاريخية والسياسية والفنية كان مرتبطاً بالسفر والترحال..”.
وأضاف إبراهيم الحَيْسن: “هؤلاء الفنانون الرحالة منهم من عبروا وزاروا بعض مناطق بلاد الشرق والبلاد العربية، ومروا عليها بعد سنوات قصيرة؛ غير أن البعض منهم مكث وأقام بهذه البلدان، بل الأكثر من ذلك أن البعض منهم أسلم واعتنق الدين الإسلامي. مثال على ذلك إتيان دي نييه في الجزائر، صار يُسمى بنصر الدين؛ وهو رسام معروف رسم الكثير من اللوحات والبورتريهات في صحاري الجزائر، وبالتالي كان هناك فرق واسع بين الذين أقاموا واستطاعوا أن يحتكوا مع ساكنات تلك البلدان، واستطاعوا أن يتعرفوا عن قرب على عوائدهم وتقاليدهم؛ بل ودخلوا معهم في معايشة مشتركة.. إلى آخره، عكس الفنانين الآخرين الذين كانوا يرسمون انطلاقاً من الاستلهامات والأشياء التي كانوا يتخيلون ويسمعون عنها.. هناك فرق في صدقية التعبير في الألوان، في طبيعة الأعمال التي كانوا يقدمون آنذاك، وهي في الغالب رسومات وأسكيزات ولوحات مائية”.
لماذا المرأة خليعة وماجنة عند أغلب الفنانين المستشرقين؟
وأجاب الناقد الفني المغربي عن سؤال “لماذا كل المستشرقين أو أغلب الفنانين المستشرقين والاستشراقيين نظروا إلى المرأة على أنها خليعة ماجنة وتضجع عارية فوق أريكة أو ترقص لاهية في ليلة سمر؟ يعني تحس كما لو أن نظرتهم إلى المرأة الشرقية حولتها مع الأسف إلى جارية؟”، قائلاً: “صحيح؛ ولذلك ظهرت مجموعة من الانتقادات على ضوء مجموعة من التصاوير التي قدمت المرأة الشرقية في هذه الصور، مع أن الكثير منها غير صحيح لم يكن هؤلاء النسوة موديلات لهؤلاء الرسامين بأشكالهن العارية.. إلى آخره؛ الكثير من الرسومات التي تنتمي إلى هذا النوع من التصوير، الجسد العاري؛ تم داخل محترفات وبعيداً عن الفضاءات الأصلية والحقيقية في فرنسا؛ كانوا يجيبوا موديلات في الرسم، وكانت هناك جلسات تصوير ورسم.. إلى آخره والأكثرية هم نسبة أجنبيات كن يلعبن هذا الدور مقابل كذا.. إلى آخره. ولكن ظهرت انتقادات نحو هذا النوع من التوظيف التصويري لهذه الموضوعات، ولكن أعتقد أن بعض الفنانين استطاعوا بفعل مجموعة من التدخلات أن يلجوا بعض الفضاءات الرسمية، وأن يرسموا من داخل فضاء الحريم، وأعتقد أن الأمر كان مسموحاً به في حدود أخلاقية محددة”.
الرسامون المستشرقون وتابوهات تحرِّم رسم العري
وقال إبراهيم الحَيْسن بشأن “حينما أتحدث عن رؤية استشراقية، لا يحتاج معها الفنان إلى السفر إلى الشرق، ويمكن في محترفه البارز أو الأوروبي بشكل عام؛ يجيب موديل ويعطيها نقوداً ويصورها، فامرأة شرقية مضطجعة أو في وضعية هكذا فيها نوع من الشبق وما إليه، ألا تعتقد معي أن الأمر يتعلق ربما بتصور غريزي لهؤلاء الرسامين المستشرقين، لتحس كما لو أنهم هاربون من الإملاءات الأخلاقية البرجوازية، فكان الشرق والمرأة الشرقية مجرد ذريعة لحسم مشكلات فكرية وأخلاقية مع المجتمع البرجوازي؟”: “صحيح؛ لا سيما أنه في تلك الفترة كان هناك نوع من التابوهات التي تحرم رسم العري، لقد عاني الأوروبي نفسه غير الفن الإسلامي، كانت هناك فترة في تاريخ الفن الأوروبي؛ كان هناك تحريم العري والتجسيد.. الأجساد العارية في الرسم وفي النحت، كانت هناك تصورات فقهية ودينية أسهمت في هذه المسألة، وهناك مجموعة من اللوحات الأوروبية المعروفة كلوحة غذاء على العشب لإدوارد ماني؛ هي التي فتحت باب الانطباعية في التصوير؛ وتعرضت لهجوم واسع، لماذا؟ لأنه يوجد بها بعض العورات؛ لذلك أعتقد أن هناك خيطاً رفيعاً يجمع بين المسألتَين، وبالتالي فهناك صحيح نوع من الهروب من الواقع المحلي وتجسيده بصورة فيها نوع الاحتيال، إن صح التعبير”.
إشكالية تلازم الاستشراق والاستعمار
وتحدَّث الناقد الفني المغربي عن كتابه “الواقع الاستشراقي الفني في المغرب” وأنه لا استشراق على المستوى الفني في هذا البلد خارج ارتباطه به وعلاقته المباشرة والأساسية مع الاستعمار أو مع الاستعمارين، لنقل الاستعمار الإسباني في شمال المغرب والاستعمار الفرنسي في باقي البلد، مجيباً عن سؤال “كيف يعني تلازم الاستشراق والاستعمار في نظرك؟”: “أعتقد أن الصورة التي ظلت لوقت طويل لدى الكثير من المتتبعين للحقل الفني؛ أنهم ربطوا فعلاً الفن الاستشراقي بالخلفية الكولونيالية. هذا شيء متداول؛ ولكن بالنظر كان علينا أن نفهم مختلف السياقات التاريخية والإبداعية والجمالية والسياسة أيضاً؛ لفهم هذا المتن البصري وهذه الأيقونة الجغرافية البرانية التي صورت البلاد العربية في مجالات مختلفة، وبالتالي فالبعد الاستعماري لهذه الأعمال هو وارد؛ لأن هذا حتمية تاريخية. والدليل على ذلك أن مجموعة من الرسامين لم يأتوا كرسامين؛ بل أتوا ضمن بعثات سياسية وعسكرية.. إلى آخره، وبالتالي جاؤوا إلى المغرب كما في الكتاب لدوافع معينة ومهام محددة؛ ولكنهم تركوا رغم ذلك، أعتقد أنهم تركوا إرثاً بصرياً تصويرياً مهماً جداً، ومجموعة منها الآن توجد بالأروقة والمتاحف المحلية والخارجية. وبالتالي فهي على الأقل شواهد مادية تؤرخ لفترة محطة معينة من الوجود الكولونيالي في شمال المغرب وجنوبه؛ بما انعكس على هاتين المنطقتَين بأشياء مهمة جداً، لا سيما في ما يتعلق بالدرس الجمالي وبمعاهد الفنون الجميلة.. إلى آخره”.
مغرب ديلاكروا
وقال إبراهيم الحَيْسن بشأن التلازم وقدوم هؤلاء الفنانين إلى المغرب مع الاستعمار بشكل مباشر مثل ديلاكروا: “حضور ديلاكروا بدأ بداية كما تعلمون أن الحرب على الجزائر تمت في التدخل الفرنسي في الجزائر منذ 1830، بعدها بسنتين زار ديلاكروا الجزائر، وبعدها زار المغرب، زار طنجة، وزار أيضاً مكناس، وتميَّز من بين الفنانين الذين زاروا المغرب بدقة رسومه، وكان ينجز أيضاً ما يُسمى بدفاتر سفر؛ كان يملؤها بالأسكيزات والرسومات التوضيحية، وكان أيضاً يكتب نقطة أساسية في هذه التجربة التي تنتمي إلى ديلاكروا.. هو أنه أيضاً كان يكتب الرسائل والمذكرات وكان يبعثها إلى أصدقائه.. إلى آخره، إذن في هذا الكتاب ساعدتني هذه المذكرات، استطعت أن أرى حضور ديلاكروا؛ ليس فقط من خلال لوحاته ولا من خلال أيضاً نصوصه التي تعتبر أساسية، وترجم البعض منها، ويعتبر موريس أراما. وبالمناسبة موريس أراما هو أول مدير لمدرسة الفنون الجميلة في مدينة الدار البيضاء، كان من أكبر المهتمين بفن ديلاكروا، وأنجز عنه كتاباً كبيراً تُرجم مؤخراً إلى اللغة العربية؛ بعنوان (مغرب ديلاكروا)”.
المغرب وتيمة النور والانطباعيون
وأضاف الناقد الفني المغربي بشأن “نبحث عن الجمالي، ديلاكروا صحيح أنه جاء أول مرة في مهمة دبلوماسية؛ ولكنه عثر على النور في المغرب، فنان رومانسي عَم يبحث بالنهاية، أهم شيء يبحث عنه هو هذا النور تحديداً؛ ولكن ديلاكروا يعني تجاوز هذا الأمر ديال أن ينبهر بالنور، إلى أن يراجع العلاقة ما بين اللون والرسم في لوحته؛ مما جعل مروره بالمغرب أساسياً في التمهيد لظهور التيار الانطباعي. أريدك أن تتوقف مع هذا الدور الذي لعبه ديلاكروا على المستوى الفني انطلاقاً من علاقته بالمغرب”، قائلاً: “تماماً صح؛ هو من الفنانين الأساسيين الذين ركزوا أساساً على تيمة النور، وأيضاً متأثر بفنانين سابقين؛ أبرزهم بريبانس، كان أيضاً يشتغل على الظل والضوء في اللوحة؛ مسألة النور أو الضوء أثارت الكثير من الفنانين الذين كانوا يبحثون عن هذه الشمس الساطعة التي وجدوها في المغرب، وأغرتهم بشكل كبير، وسنلاحظ أنه حتى في ما بعد؛ بدوره روماتيس أيضاً الذي أطلق على المغرب بلد النور، أيضاً كان مولعاً بهذه المسألة، مسألة الانطباعيين، ينبغي أيضاً أن نعلم أن الانطباعيين أو التأثيريين؛ الحديث بدأ صحيح معهم، ولكن أيضاً اهتموا بتيمة الضوء”.
وتابع إبراهيم الحَيْسن: “يعتبر الانطباعيون الأوائل الذين طرحوا بعد الفكرة؛ أعتقد أن ديلاكروا كان ممهداً لهذه المسألة، فبإلقاء نظرة على لوحاته التشخيصية فيها العمق الرومانسي، وإذن كان يركز على هذه التيمة الشاعرية؛ هي تيمة النور والضوء”.
البحث عن مصادر إلهام فنية لا موضوعات استشراقية فقط
وقال الناقد الفني المغربي ردّاً على “أعتقد أن العديد من الفنانين الذين ساروا على درب ديلاكروا؛ جاؤوا إلى المغرب وإلى الجزائر وإلى مصر، وكذا في ما بعد أعتقد أنهم كانوا يبحثون عن مصادر إلهام فنية، وليس فقط عن موضوعات استشراقية، ما رأيك؟”: “صحيح؛ لأن مصادر الاستلهام هي أساس العالم الفني؛ هذا النوع من الفن كان يقوم في تلك الفترة على مسألة الاستلهام، كانوا يستلهمون كل شيء، يستلهمون من عادات الساكنة، من اللباس، من الخيول، من الأسواق الشعبية، من الدروب، من العمارة التقليدية.. إلى آخره. كل هذه الأشياء استهوتهم، وكانت تدخل في نطاق أعمالهم الفنية؛ هذا الأمر سينعكس لاحقاً على مجموعة من الفنانين الذين سيأتون إلى المغرب في شماله.
أنت تعلم أن ماريانو بيرتوتشي، هذا الفنان الغرناطي الكبير الذي جاء أيضاً في سياق تاريخي معين؛ استطاع أن يؤسس مدرسة في منطقة الشمال، وهذه المدرسة يعود الفضل في تأسيسها إلى هذا الفنان ماريانو بيرتوتشي منذ عام 1945؛ كانت تحمل آنذاك اسم (المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة)، وستتعرض هذه المدرسة لمجموعة من التحولات؛ لا سيما بعد الزيارة التاريخية للملك محمد محمد الخامس، لمدينة الشمال”.
مجموعة من التحولات الجذرية
وأضاف إبراهيم الحَيْسن: “ما حدث هو مجموعة من التحولات الجذرية في تاريخ هذه المدرسة. بيرتوتشي كان آنذاك يشتغل مفتشاً؛ ولكنه ترك أثراً، مثله مثل مجموعة من الفنانين الذين استطاعوا أن يؤسسوا فضاءات تمهيدية للتلقين والتعليم الفني في هذا البلد أو ذاك. على سبيل المثال معهد الفنون الجميلة في مصر كان يحمل اسم (ليوناردو دافنشي)، كذلك الأمر ينطبق على تطوان وحتى الدار البيضاء مع تجربة الفرنسيين عندما أسهم بنسبة كبيرة الفنان جاك ماجوريل في تأسيس المدرسة البلدية التي كانت تُسمى آنذاك الفنون الجميلة، والآن تُسمى بالمدرسة العليا للفنون الجميلة؛ وهي تابعة للمجلس الجماعي بالمدينة. إذن سنرى أن الإسبانيين في الشمال والفرنسيون في الجنوب، ماذا ترتب عن هذا الأمر؟ ترتب عنه هو أن مجموعة من أبناء البلد، آنذاك، تتلمذوا على يد مجموعة من الرسامين الأجانب، واستطاعوا في ما بعد أن يتمموا تكوينهم الفني والإبداعي بالمدارس الأوروبية، وتحديداً بفرنسا، باريس، إسبانيا، مدريد، وفي ما بعد ستظهر مجموعة من الأكاديميات ومعاهد الفنون الجميلة؛ لتتكون إثر ذلك نخبة من أبناء البلد ممن أُنيطت لهم مهمة تدريس بهذا المعهد أو ذاك”.
التأثير الإيجابي للاستشراق في البلاد العربية
وقال الناقد الفني المغربي ردّاً على “الاستشراق الفني طور الفن في العالم العربي وطور الفن عموماً.. تكلمنا عن التمهيد؛ ديلاكروا الانطباعية والتأثيرية في الفن، ذكرت قبل قليل ريبان ماتيس، لا ننسى أن أهم ردود ماتيس على المدرسة التكعيبية طورها هنا في المغرب”: “تماماً صحيح؛ هو أيضاً كان متأثراً بفنون الشرق؛ وتحديداً بالسجاد الفارسي، وأيضاً بفنون التزويق وفنون الأرابيسك. عودة إلى مسألة التأثير الإيجابي للاستشراق في البلاد العربية؛ فعلى الأقل كان في فترة محددة على الأقل، وبالتالي تزامن هذا مع بزوغ الاستقلال لدى العديد من البلاد العربية، وكان من الضروري تكريس الفن التشخيصي لتأكيد الهوية المحلية، درس العادات والتقاليد واليوميات.. إلى آخره؛ ولكن في ما بعد في إطار التحول الجذري الذي شهده الفن، سنرى أن مجموعة من الفنانين العرب استطاعوا تجسيد هذه الأنماط التقليدية في الرسم، وبدؤوا يبحثون عن أساليب ذاتية تميزهم وتثبت أدواتهم وشخصياتهم”.
فن الملصق والخلفية الاستشراقية
واختتم إبراهيم الحَيْسن بالإجابة عن سؤال “ما العلاقة بين فن الملصق والخلفية الاستشراقية؟”، قائلاً: “فن الملصق نتفق على أنه سند بصري ورقي طباعي.. إلى آخره؛ برز في هذا المجال مجموعة من الفنانين الاستشراقيين. كل هذه الملصقات كانت تطبع في فرنسا وكانت تخدم مصالح مجموعة من المؤسسات في الملاحة البحرية والسكك الحديدية.. إلى آخره. من أبرز الفنانين أيضاً الذين برزوا في هذا السياق من الفن في المغرب من خلال وجودهم، ماريانو بيرتوتشي؛ رسم أنجز العشرات؛ عشرات الملصقات في العرائش وتطوان ومدن الشمال، وكذلك أيضاً الفنان ماثيو بروندي، كان بارزاً في هذا المجال.. الآن الذين في المغرب، التلمذة تحديداً، مؤسسة متحفية نتمنى أن تحظى بزيارات واسعة؛ بها مئات الملصقات للرسامين الاستشراقيين، وهي مؤسسة متحف عبد الرحمن السلاوي، توجد هنا بالدار البيضاء، والتي تعتبر أرشيفاً ضخماً ينبغي استثماره”.