Skip to content Skip to footer

الاستشراق والسينما | د. محمد طروس

تحدَّثَ د.محمد طروس، أكاديمي مغربي، مختص في سوسيولوجيا السينما، أستاذ الأدب والخطاب السمعي والبصري، الناقد السينمائي المتخصص في تحليل الأفلام والخطاب الفيلمي، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن الاستشراق واحتلاله عالمَ الفن السابع، وهل يمكن اعتبار السينما واحدة من الوسائل الناعمة التي استخدمها الغرب في العقود الأخيرة؛ لتكريس تفوقه الثقافي والأخلاقي؟ وبأي معنى يمكننا اعتبار السينما آلية استشراقية؟ وتحدَّث عن كتاب “الخطاب الفيلمي.. البنية والوظيفة”.

السينما الهوليوودية والاستشراق

وأجاب د.محمد طروس، الأكاديمي المغربي، المختص في سوسيولوجيا السينما، أستاذ الأدب والخطاب السمعي والبصري، الناقد السينمائي المتخصص في تحليل الأفلام والخطاب الفيلمي، عن سؤال “بأي معنى يمكن اعتبار السينما آلية استشراقية؟ كيف يلتقي الاستشراق مع الفن السابع؟”، قائلاً: “إكمالاً لدراستي التفاعل الموجود بين السينما ونوع السينما، سأتحدث عن السينما الهوليوودية بالأساس والاستشراق، يمكن أن نلاحظ أن هناك تلاقياً وهناك اختلافات على مستوى التلاقي. الاستشراق والسينما يلتقيان في بنية كونية عميقة؛ هذه البنية تقوم على التقابل بين عالمَين أو بين ذاتَين (الأنا والآخر).. الأنا الممجد، الأنا القائم على الغرب بالخصوص، والآخر؛ يعني بكل ما هو غير غربي اللي هو الشرق، الأنا هو المنتج، طبعاً حينما نتحدث في هذا المستوى نجد أن هذه البنية العميقة هي بنية كونية لا تقتصر على الاستشراق، والمشترك كل الإنتاج الفكري القائم على المواجهة، تتحكم فيه هذه البنية. طبعاً هناك اختلافات على مستوى الأدوار، فإذا كان الاستشراق ينتج الصور النمطية من خلال آلياته المعرفية والأيديولوجية؛ فالسينما لا تنتج الصورَ النمطية، وإنما تستغلها لتبني خطابها الاستشراقي إذا صح التعبير”.

الاستشراق نخبوي والسينما جماهيرية

وأضاف د.محمد طروس: “هناك أيضاً المستوى التاني، مستوى التلقي؛ فنلاحظ أن الاستشراقَ هو نخبوي يتجه إلى فئة محددة، وهي السلطات أو المؤسسة المتحكمة في الاستشراق. أما السينما فهي ليست نخبوية، هي جماهيرية؛ وبالتالي فهي تصل إلى أكبر عدد من المتلقين، وتكون أكثر تأثيراً.

والمستوى الثالث هو هذا الاتساع والانتشار، في مقابل محدودية الخطاب الاستشراقي الكلاسيكي، تجعل من السينما أداة أقوى وأكثر تأثيراً وأكثر تفاعلاً مع المتلقي بشكل عام، يعني في هذه المستويات تختلف السينما عن الاستشراق”.

تأطير عنصري للشرق في السينما الغربية  

وقال الأكاديمي المغربي المختص في سوسيولوجيا السينما، بشأن “هل يمكننا الحديث عن تأطير عنصري للشرق في السينما الغربية؟”: “هذا موضوع في الحقيقة لا أجيب عنه نظرياً، ولكن أجيب عنه تقنياً، لماذا؟ لأنه حينما أعود إلى بناء الآخر من خلال السينما، نركز أولاً على موقع الكاميرا وعلى زاوية النظر، ثم على التأطير، فزاوية النظر، أي قائل الفيلم الذي يوجد خارج الفيلم، دائماً يتموقع خارج الفضاء، ويأتي من أعلاه، يأتي بلقطات نازلة؛ ليأخذنا إلى عالم خالٍ من الناس، ويتحكم في توجيهنا، هو ليس لا يوجد معنى، ليست هناك نظرة ذاتية؛ ولكن إما نظرة علوية من أعلى، نظرة الكاميرا، وإما نظرة المؤسسة الهوليوودية بشكل عام. من هنا منظور التأطير يكون تأطيراً مبنياً على غايات وعلى مقصديات، حينما نأتي إلى الطرف المقابل اليوم والمتلقي نجده يستهلك صوراً يتلقاها دون أي تفاعل، اللي هو يقاد وينقاد مع التأطير، ثم التأطير، ماذا نلاحظ؟ نلاحظ أن هناك تأطيراً حينما تأتي الكاميرا من أعلى تؤطر لنا فضاء داخل الفضاء، توجد أناس دون هوية لابسين نفس الملابس، خيام.. إلى آخره، وبالتالي هنا تبدو النظرة الاستشراقية، وتختفي بشكل أكثر نعومة، إذا صح التعبير”.

وأضاف د.محمد طروس، رداً على (يعني هذه القضية ديال الفضاء تتكلم مثلاً عن عنصر الصحراء؛ لأنه في هذا التأطير العنصري نحس أننا إزاء أولاً إما جغرافية واعرة، صحراء، رمال جمال.. شخصيات غريبة الأطوار؟): “ودون ملامح، شخصيات دون ملامح تلتقي في الملابس، تتلقى في الشكل الخارجي؛ ولكن لا ترى، لا تنظر إلى العالم، والعالم هو مؤطر من طرف قائل الفيلم، إذا صح التعبير”.

المُشاهد ضحية التنميط.. والقبول بالدونية

وتابع الأكاديمي المغربي، المختص في سوسيولوجيا السينما، مجيباً عن “صحيح إذن هناك تلاعب بالنهاية ما دامت هذه الصورة مؤطرة بعناية، ولها مقاصدها؛ تتحكم في المُشاهد طبعاً وتوجهه وتحوله إلى ضحية لهذا التنميط؟”: “أكثر من هذا، أنه تفرض عليه أن يتلقى ويستقبل ويستوعب، وطبعاً يعيش خارج ذاته، وبالتالي يقبل أن يكون دونياً، يقبل أن يكون أقل قيمةً من الذي يصوره”.

تحوُّل الضحايا إلى أداة ومادة حكائية

وقال د.محمد طروس رداً على “إذن، حينما نقول إننا نتحول إلى ضحايا لهذا التنميط، هذا بالتأكيد من أجل تثبيت صور وأفكار تنال منّا من جهة، وتكرس الغربي باعتباره متفوقاً من جهة أخرى”: “هو أكثر من ضحايا، يتحول إلى أداة، إلى مادة حكائية، يتحول إلى عالم غير موجود؛ ولكنه يوجد بفضل هذا التأطير”.

إصرار هوليوود على تشويه صورة العربي

وأجاب الأكاديمي المغربي، المختص في سوسيولوجيا السينما، عن سؤال “هذا التحكم الفيلمي عبر الصورة، هذا التحكم منتج بالنهاية وخصم؛ لأنه أنتج صورة معينة للعرب في السينما. الناقد الأمريكي اللبناني جاك شاهين في كتابه العربي (السيئون في السينما الأمريكية)، أحصى ما يزيد على 900 فيلم، قدمت صورة شريرة للعرب إلى 2001، تاريخ صدور هذا الكتاب. 900 فيلم تمتد منذ عصر السينما الصامتة حتى عصر الأفلام التي تعتمد على أعقد التقنيات.. كيف تتلقى وتفسر إصرار هوليوود على تثبيت هذه الصورة المشوهة للعربي بهذا الشكل؟”، قائلاً: “أولاً بالنسبة إلى جاك شاهين، المفكر اللبناني- الأمريكي، هو ناتج عن ثقافة أمريكية، ما قام به هو عمل محمود، مجهود جبار؛ ولكنه لم يصل إلى تفكيك البنية المتساوية خلف إنتاج الأنماط، فقط هو أحصى الأنماط وقدمها لنا في شكل صور نمطية، فلا فرق بين أن ندرس ألف فيلم وألفَي فيلم، إذا كانت هناك أربع بنيات أو خمس؛ هي المتحكمة، إذن بالنسبة إليَّ أنا ينبغي التركيز على هذه البنيات”.

التنويم والتماهي.. خطاب السينما في المطلق

وقال د.محمد طروس رداً على “دور جاك شاهين والجانب الإحصائي، وأنه كان مهماً؛ لأن هذه المقاربة الكمية تستحق منا الاهتمام؛ لأنه حينما تقول 900 فيلم.. 900 فيلم تنتج وكلها تكرر نفس الصورة السلبية عن العربي، هو في إحصائه أحصى 12 فيلماً فقط، هو الذي كان مستثنياً وفيه صورة تقريباً إيجابية”: “نعم؛ ولكن هذا الإحصاء لا يكفي، ليس مهماً في العمق، الأهم هو البنيات. حينما ننظر إلى السينما بشكل عام، حينما يكون لها خطاب السينما في المطلق، مرتبطة طبعاً؛ لأن هناك أنواعاً، ولكل نوع له قواعده وثوابته، وبالتالي لا ينبغي لصاحب الفيلم أن يخرج عن هذه الثوابت. إذن فالنمطية الأساسية تتجلى في بعض الخصائص.. أولاً الخطية؛ نجد أن الفيلم فيلم خطي يسيل بسلاسة من البداية إلى النهاية؛ يعني هذه الخطية، ثم هناك بناء أو محاولة الاستيلاء على المتلقي؛ إنها أساسية، لكي أستولي على المتلقي لا ينبغي أن يكون هناك تشويش، ينبغي أن نقدم له الفيلم كمادة حكائية سلسة مسترسلة، حتى لا أزعجه؛ لأنه إذا انزعج سيستيقظ من التنويم الذي وضعته في الفيلم، وبالتالي سيتحول إلى عقل نقدي؛ لأن هذا التنويم حينما ينوم نعطيه حكاية، نعطيه شخوصاً، نعطيه أحداثاً، ونسمح له بالتماهي معها، أي بالتفاعل السلمي معها، ويصبح بالنهاية أسيراً لها. إذن هذه النمطية، ثم إنها في الأفلام الصامتة والأفلام في العشرينيات والثلاثينيات.

النقطة الثالثة، هي التنويم، هي التماهي، يتماهى مع الشخصوص، يتماهي مع الأحداث ويستقبلها ويستضمرها؛ بل ويتبناها في مواقفه، وفي نظرته هو بدوره إلى الآخر؛ فهو بالتالي يتحول تحولاً استشراقياً إذا صح التعبير، ثم إن هذه أفلام تعمل على الإعلاء، على الإبهار، أفلام مثل (علي بابا) ،مثل (ألف ليلة وليلة).. إلى آخره، هي تقدم لك عالماً خيالياً، عالماً غرائبياً؛ ولكنه مقبول واقعياً، فتبني قصوراً وهمية، تبني كائنات غريبة، صراعات.. إلى آخره، وأنت تندمج؛ لأن الحكاية قوية”.

صورة العربي في السينما الهوليودية.. 3 مراحل

وتابع الأكاديمي المغربي، المختص في سوسيولوجيا السينما: “أنا لا أتحامل على شاهين.. شاهين قُلنا هو بداية؛ ولكن ينبغي أن تأتي أعمال لتستثمر ما أتى به الرجل. بالنسبة إلى صورة العربي في السينما الهوليودية، عرفت مراحل تطور للصورة؛ مراحل يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى

هي المرحلة الغرائبية، مرحلة الأنثربولوجية؛ حيث كان السينمائي يبحث عن الأشياء الغريبة، الأشياء التي لا تشبهه، التي توجد في العالم الآخر، وبالتالي أفلام محل علي بابا، محل علاء الدين، محل ألف ليلة وليلة، محل الشيخ، محل العربي.. أشياء كثيرة، والشيء اللي قُلت لك أنا، هذه الأشياء لها نفس البنية؛ يعني ليس بالضرورة أن أشاهد 400 ألف فيلم لأخرج هذا التصور اللي أنا شخصياً أدافع عنه وأؤمن به.

إذن؛ فهذه المرحلة كانت مرحلة العربي الهمجي البدوي، وصورته هذه الحالة على مجموعة ديال المعايرة أولاً اشتغلت على المظهر الخارجي، ثم على مستوى نمط العيش، نمط العيش؛ خصوصاً بعد ظهور البترول أصبحنا نتكلم عن بدوي، ولكنه غني لا يعرف قيمة الحياة ولا يعرف قيمة المال. في هذه المرحلة كانت هذه المرحلة نتحدث عن كائن لا هوية له، لا ملامح له، لا نظرة له إلى عالمه.

المرحلة الثانية.. لورانس العرب

هي مرحلة وسطى، وأمثل لها ببروز العربية. إذن نتكلم على بداية وعي، بداية وعي سياسي؛ ولكنه يظل وعياً قبلياً، ولهذا سيأتي لورانس إلى الجزيرة، أولاً يدخلك إلى عالم جميل، هذه الصحراء الرائعة، يقول لك واحات.. إلى آخره، هنا يمكن أن نتكلم عن العربي في المرحلة الأولى، يمكنك تتكلم عن إنسان صافٍ، الشرقي حتى هنا، أصبحنا نتكلم عن العربي؛ خصوصاً أسماء القبائل، يتكلمون عن قبائل حالية. إذن فهذا الفضاء ديال لورانس العرب وليس نتكلم على، أصبحنا نتحدث عن وعي قبلي، يحتاج إلى التأطير، يحتاج إلى التكوين، يحتاج إلى القيادة، وهذه القيادة هي قيادة غربية، مرحلة بروز العربية، هناك وعي قبلي يحتاج إلى وعي سياسي، إلى تأطير، إلى تكوين، إلى تدريب، وهذا يأتي من الغرب، أي من لورانس العرب، ويتماهى معه. أصبح لدينا شخوص بنظرتها بصفتها بملامحها، الأمير فيصل.. إلى آخره، هنا أصبحنا نتكلم عن الثورة العربية في الجزيرة العربية، فيلم لورانس كان مؤطراً من طرف طبعاً معاهدة سايكس بيكو، يعني محاولة الإنجليز والفرنسيين الاستيلاء على الجزيرة العربية، معناه تزيد الخلفية الأيديولوجية لهذا الفيلم.

المرحلة الثالثة.. العربي المسلم

هي مرحلة العربي المسلم، الآن أصبح، أصبحت هذه المرحلة هي مرحلة بعد دور البترول، بعد الصراع العربي مع دول المنطقة مع ظهور الدولة الإسرائيلية. هنا أصبح الكائن العربي أصبح كائناً مسلماً، وهذه مهمة، وأصبح له موقف، له رأي، أصبح مع ذلك يوصف على أنه همجي، على أنه متوحش، قاتل، مدمر، مفجر.. إلى آخر كل الصفات اللي كانت موجودة في هذه الفترة.

إذن؛ باختصار هذه هي المراحل الثلاث، المرحلة الأولى مرحلة الأنثروبولوجية الغرائبية، والمرحلة الثانية هي مرحلة بداية ظهور الوعي القبلي والوعي السياسي وحضور الغرب ليس كمكتشف؛ ولكن كمؤطر ومستعمر، وهناك المرحلة الثالثة؛ وهي المرحلة التي أتت من بعد لتضع العربي في مواجهة مع طبعاً الآخر، اللي هو الغرب”.

نساء الشرق بين رسامي الاستشراق والسينمائيين.. فيلم “السندباد” مثالاً

وقال د.محمد طروس، رداً على أن “رسامي الاستشراق أو رسامي التصوير الاستشراقي، قدموا نساء الشرق كجوارٍ، فماذا عن السينمائيين؟”: “حتى السينما وقفت على نفس الشيء؛ مثلاً في فيلم (السندباد) والأفلام المشابهة، نجد أن المرأة هي محظية؛ نساء جميلات، هن وصفيات للأميرة يلبسن الحلي.. إلى آخره، ويظهرن كمتعة جمالية إضافية إلى الفيلم، ثم كذلك من جهة أخرى، هذه المرأة في المجتمع القبلي نجدها لا وجود لها؛ هي فقط ترتدي السواد، ليس لها ملامح أو نظرة إلى العالم، هي في مرتبة ثانية خلف الرجل الذي يضطهدها، هذا مستوى. مستوى آخر أن مثلاً فيلم (السماء الحامية)، نجد أن المرأة هي متشابهة، في هذا الفيلم نجد النساء متشابهات، وهذه صورة عامة كما لاحظنا قبل ذلك، هي متشابهة؛ نفس اللبس.. ثم من بعد مثلاً في (كليوباترا) تتحول المرأة إلى ساحرة، إلى مشعوذة، إلى إنسانة يسكنها الشيطان، وبنهاية التحليل هي كائن دون الرجل؛ وهي ووضعيتها نتيجة لجبروت الرجل وهيمنته”.

السينما الهوليوودية حوَّلت العربي إلى كائن شرير

وأيَّد الأكاديمي المغربي المختص في سوسيولوجيا السينما، القول إن “السينما الهوليودية حوَّلت العربي إلى كائن شرير، وهذه الوصفة مجربة أيضاً مع الهنود الحمر في أفلام الكاوبوي أيضاً، جُربت ضد الشيوعيين زمن الحرب الباردة”، قائلاً: “هي بنية عميقة كونية تجلَّت في الاستشراق في السينما، وتجلَّت كذلك في الصراعات الفكرية بشكل عام”.

900 فيلم تتكرر نفس الصورة التحقيرية

وأجاب د.محمد طروس عن سؤال “هنا بنية عميقة؛ ولكنَّ وراءها وسائل دعاية أمريكية التي استفادت حتى من النازية، لأنه لا ننسى أن جوبلز النازي كان يصرف في تكرار الصور الكاذبة، حتى تصير هذه الصورة لدى العامة حقيقة واقعية وواقعة، هنا نجد أهمية رقم 900 فيلم؛ تتكرر فيها نفس الكليشيهات، ونفس الصورة التحقيرية.. ألا ترى معي أن هذه البنية التي تضع الكاوبوي بمواجهة الهنود الحمر، طبعاً تتكرس الصورة الدونية عن الهنود الحمر، ثم الشيوعيين في لحظة معينة في زمن الحرب الباردة.. ألا ترى أننا مجبرون على العودة إلى أفلام الكاوبوي، لكي نفهم الميكانيزمات التي بها اشتغل على صورة العربي.. أتحدث عن أفلام البستان؟”، قائلاً: “وهي في حق المواجهة، في حق بين الكاوبوي في الغالب، وبين الهنود الحمر، وبين العساكر.. هناك يثبت تجريدات عسكرية، تأتي إلى عالم الهنود؛ إما لتخضعهم وإما لتقتلهم وإما.. إلى آخره، وهي صورة عامة؛ ولكن تأتي من أين؟ تأتي من التكوين العقلي للأمريكي الأبيض؛ اللي هو لا يمكن أن يعيش دون عدو، يحتاج دائماً إلى عدو؛ لأنه مهدد بالتفكك، إذا لم يكن هناك عدو خارجي، حتى لو أتى هذا العدو من كواكب بعيدة، مثلاً فيلم (يوم الاستقلال)؛ في هذا الفيلم يأتي غزاة من خارج الكرة الأرضية، ويستولون على العالم بكامله، وهنا تتحرك أمريكا بفضل يهودي؛ لحل وفهم آليات اشتغال تلك المركبة، هنا ينتهي الفيلم وتعود الحياة إلى طابعها، ويطمئن الأمريكي على وضعه وعلى مستقبله”.

مغزى الصحراء فارغة حتى في أفلام ويسترن!

وقال الأكاديمي المغربي المختص في سوسيولوجيا السينما، رداً على “كيف أن الصحراء فارغة حتى في أفلام ويسترن؟ يعني الفضاءات تحسها فارغة، ما دلالة هذا الفراغ؟ لماذا الكاميرا تأتي هكذا، وتأخذك امتدادات فارغة؛ لا في الشرق ولا في أمريكا يعني؟”: “هذه مقصودة، عندها وظيفة أيديولوجية واضحة؛ إنه كلما كان الفضاء خالياً من منشآت العمران ومن البناء ومن آثار الإنسان؛ فهي أرض بكر، فهي لم يأتها أو يصلها أي شخص من قبل. إذن فنحن هنا أول وأكثر الناس أحقية بهذه الأرض؛ لأن الأرض هي خالية، أي دون صاحب، وهذا الذي يأتي يتطاول عليه لأأتي أنا الذي أقوم بالمعمار في توظيف الفضاء. طبعاً هو توظيف حكائي وضع شخصيات في أمكنة تصوير الأحداث، في حركتها؛ ولكن هذا التوظيف وظيفة أيديولوجية، وهي إبادة الآخر، الآخر لا وجود له، الآخر طبعاً هو متسلط مترامٍ مجرم”.

إنتاج ليس بريئاً أيديولوجياً.. واشنطن وهوليوود ووول ستريت كممول

وقال د.محمد طروس إن إنتاجهم ليس بريئاً أيديولوجياً.. واشنطن وهوليوود ووول ستريت كممول لهم… السينما أثبتت أولاً نجاحاتها، وأثبتت قدرتها على إعادة بناء العالم، وعلى توجيهه والتأثير فيه. وطبعاً القضية لا تفوت البنتاجون ولا تفوت واشنطن. إذن هذه القوة الناعمة القوية ينبغي استغلالها، كيف ينبغي استغلالها؟ أولاً بأنها تبرر الوجود الاستعماري، تبرر الهيمنة.. إلى آخره. وبالعكس؛ هناك تدخل البنتاجون حتى في الأفلام، لأنها تعطيك اللوجستيك، تعطيك المدرعات والمروحيات، حتى الجنود. وتجعلك تقوم ببناء أفلام أكثر واقعية مما يجري في الواقع، وأنا يمكن أتكلم عن مجموعة ديال الأفلام، مثلاً فيلم دلتا، قوة دلتا مثلاً أو فيلم قواعد الارتباط، هذا الفيلم يمكن تقسيمه إلى عنصرَين متقابلَين؛ الجانب الأمريكي الذي يمجِّد المارينز، ويظهر القوة العسكرية، ويظهر حتى ما نراه الآن في غزة، مثلاً، نشاهده.. نشاهد حاملات الطائرات.. إلى آخره، والمروحيات، استعراض الترسانة العسكرية. في الجانب الثاني تجد اليمنيين السنايبر؛ اللي همَّ الأهالي.. هؤلاء الأهالي مجرمون؛ ولكنهم يخفون إجرامهم، هم الذين بدؤوا بضرب الجنود، والجنود ردوا على الفعل، ولكن ليست هناك حجة، كان لا بد أن أعوض، أن تذهب أمريكا كضحية للحدث، كان لا بد من تضحية بأحد جنود المارينز المعروف بقيمه النبيلة وبتاريخه.. إلى آخره، لكن هذا الفيلم لا يسير في هذا الاتجاه، ويقدم لنا روايةً أو سرديةً مخالفةً، وهو أن الذي بدأ بالهجوم هم اليمنيون الهمجيون الذين قتلوا بعضهم.. إلى آخره، وبالتالي فالمارينز بريئة”.

العلاقة بين هوليوود والبنتاجون

وناقش طروس العلاقة بين هوليوود والبنتاجون، قائلاً: “الاستفادة أو المصلحة متبادلة؛ لا يمكن للبنتاجون أن تعيش دون قوة ناعمة، ولا يمكن لهوليوود أن تعيش دون داعم لوجستيكي وداعم مالي.. ينبغي أولاً أن نعرف أن متلقي السينما الأمريكية هو ليس دائماً من الخارج؛ ولكن هذا المتلقي الداخلي الأمريكي الخائف المذعور، وبالتالي ينبغي طمأنته بانتصارات وهمية؛ باستعراض القوة العسكرية.. إلى آخره، وبدفعه إلى الانخراط في العالم الآخر، الصراع العربي- الأمريكي. هذه الوظيفة الأساسية عند هوليوود ليست هي دائماً محاربة الآخر أو تشويه الآخر.. تشويه الآخر من أجل طمأنة الذات، وهذه مسألة بالنسبة إليَّ، كيف يمكن القيام بهذه العملية؟ هناك أفلام الأكشن، أفلام الإثارة، تتوجه إلى المتلقي الأمريكي، المغرم بالسينما؛ والذي يعيش أسبوعياً حفلاً سينمائياً، وأهم ما في أفلام الإثارة وظيفتها، هو كما قُلت سابقاً الاستيلاء على المتلقي، حينما أضعك كمتلقٍّ في زوايا متعددة للنظر، أضعك كذلك في أماكن متعددة، أضعك في إيقاع سريع ومتنام، وأضعك في مواجهات عنيفة، في مطاردات.. إلى آخره. هذا ما سيجعلك غائباً عما يجري حولك”.

أهمية الأكشن 

واختتم الأكاديمي المغربي المختص في سوسيولوجيا السينما، رداً على “هي ستحبس أنفاسك على كل حال، تلاحق مطاردات، محبوس الأنفاس”، قائلاً: “طبعاً أنت موجود في كل مكان؛ معناها أنك لا توجد في مكانك كمشاهد المسرح الذي يجلس في مكانه ويتلقى المعطيات بشكل هادئ.. إلى آخره، أنت في صراع وفي سرعة لا حدود لها. إذن لن تتمكن من التأمل، لن تتمكن من الوقوف عند بعض الدقائق، ستمر الرسائل دون أن تعيها ودون أن تصل إليها. هذا في رأيي أهمية الأكشن، ثم إن العالم كله الآن يقلِّد الأفلام الأمريكية؛ خصوصاً في ما يتعلق بجانب الأكشن، لأنه في الحقيقة هو وسيلة قوية للاستيلاء على المتلقي وتوجيهه والتحكم فيه”.

Leave a comment

0.0/5