تحدث الدكتور بومدين بوزيد، أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مجتمع”، عن الصوفية والتصوف، وهل للصوفية منشأ فلسفي؟ وهل هناك علاقة ما بين الفلسفة والتصوف؟ وهل الصوفية أداة من أدوات سياسة الدولة؟ وكيف يمكن استخدامها في إعادة لحمة المجتمع؟ وهل الصوفية لها علاقة بإبقاء تخلف أو أدت إلى تخلف بعض المجتمعات نتيجة ممارسة الصوفية في طقوس خاصة؟
لماذا التخصص في التصوف؟
قال الدكتور بومدين بوزيد، أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، عن تخصصه بالتصوف: “الذي أدخلني إلى التصوف ربما عوامل يمكن حصرها في النقاط التالية: العامل الأول هو الدينية؛ تعرف أنه عندنا في بلداننا العربية غالباً النشأة الدينية التقليدية فيها دراسة بعض النصوص الأولى أو بعض المتون الفقهية، وهذه المتون غالباً ما تكون بداية النظم أبيات أو عبارات، عن العامل الثاني؛ هو التسعينيات وحجم العنف والإرهاب في الجزائر..”.
وأضاف الدكتور بومدين بوزيد: “كنا نحن مجموعة نحتاج إلى خطاب تسامحي فيه نوع من الحب؛ فكان هذا الاهتمام أكثر في هذه الفترة كوظيفة أيديولوجية من جهة، وظيفة معرفية؛ وفي نفس الوقت كراحة نفسية تجاه تزايد الخطاب المتشدد. هذان عاملان أساسيان”.
المخيال الشعبي والصوفي والثقافي
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، رداً على دخوله في موضوع الفلسفة؛ لدرجة أنه أخذ لقب (بومدين بوالغيث): “يمكن؛ لأن هذا الاسم له سطوته على المخيال الشعبي في الجزائر، وفي غالب بلدان شمال إفريقيا؛ لكون أن هذه الشخصية هي شخصية ارتبطت بعبد القادر الجيلاني، المؤسس الأول للطريقة القادرية في القرن الحادي عشر الميلادي. ولكون أيضاً هذه الشخصية شاركت في حروب صلاح الدين الأيوبي؛ لتحرير القدس. وكذلك ضريحه أصبح مزاراً؛ فهو أندلسي من إشبيلية، ورحلته دامت نحو بجاية التي كانت حاضرة علمية، ثم كان مدفنه بتلمسان؛ التي كانت حاضرة علمية في فترة الزيانية. من هنا المخيال الشعبي والصوفي والثقافي يرتبط بهذه الشخصية؛ ولذلك اختار الرئيس الراحل هواري بومدين عندما كان في ثورة التحرير في الخمسينات (كانوا يختارون الأسماء المستعارة)؛ فجمع بين اسمَين صوفيَّين: الهواري الذي هو أيضاً من الغرب الجزائري، سيد الهواري؛ وهو بربري، وسيدي بومدين الغوث، وسمَّى نفسه (هواري بومدين)؛ حتى يكون له القبول في الوسط الشعبي وأيضاً حتى تكون له البركة”.
هل اسم بومدين ليس أصليًّا؟
وأجابَ الدكتور بومدين بوزيد بشأن هل “بومدين” ليس اسماً أصلياً؟ قائلاً: “لا؛ هو محمد بو خروبة، فهو نسب لمدين؛ أولاً للتبرك بهذا الاسم والتبرك بالهواري محمد الهواري. وفي نفس الوقت أيضاً لما يشكله هذان الاثنان في المخيلة الشعبية وفي التراث الثقافي الجزائري. من هنا كان اختيار هذا الاسم، وأغلب بعض الزعماء الثوريين اختاروا أسماء مستعارة، وغالباً ما يأخذ أسماء مستعارة من تسمية الأولياء الموجودة في المدن؛ لأنها تعرف أن أحياناً كثيراً من المدن؛ حتى في بعض الدول الإسلامية، مثلاً في مصر أو العراق؛ موجود بعض المدن ترتبط رمزياً بوليِّها وبصوفها الذي تنسب إليه بعض الكرامات”.
القائد السياسي والعمق الثقافي.. الأمير عبد القادر الجزائري مثالاً
وتحدث أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، عن تأثير هذا التشبيك مع الثقافة المحلية؛ بين الشخص والسياسة والقائد المحلي سياسياً، والتشبيك مع العمق الثقافي أو الثقافة الشعبية للمجتمع، وما كانت ضرورته مثلاً في الثورة الجزائرية أو في الجزائر ما بعد التحرير، قائلاً: “هو دوره يمكن عودته إلى القرن السابق؛ قرن الأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاد المقاومة. الأمير عبد القادر الجزائري هو أيضاً من كبار المتصوفة، وانتهى به المطاف في دمشق، وأوصى أن يُدفن إلى جانب ضريح شيخه البرزخ الذي يبعد عنه بقرون؛ وهو الشيخ محيي الدين بن عربي، في ضريحه الموجود بدمشق؛ فالعلاقة هنا بين الانتساب إلى طريقة صوفية أو الانتساب إلى ولي من الأولياء ومن الصلحاء، وممارسة عمل سياسي؛ كالمقاومة والثورة، أو استحقاقات انتخابية.. يلعب دوراً في التأثير على الوجدان الشعبي هذا”.
التصوف والصوفية
وأجاب الدكتور بومدين بوزيد عن أسئلة؛ منها “هل يمكن ربط الصوفية بأي شيء من الفلسفة؟ وهل التصوف سابق على مرحلة نزول الإسلام أم هو تابع لها؟ ومتى بدأ التصوف؟، قائلاً: “بالنسبة إلى المصطلح؛ أحياناً نخلط ما بين كلمة التصوف والصوفية، ونخلط مع الطريقة والزهد والورع والزاوية.. فيه خلط، وعندنا في العالم العربي مشكلتنا الأساسية أن المفاهيم غير محددة أحياناً.. وهي التي تعبث بنا في تصوراتنا للعالم والكون والآخر.. تعبث بنا أيضاً في عدم الوصول إلى نقد حقيقي. وبالتالي؛ مشكلة إنتاج المفهوم في الثقافة العربية، فيه مشكل، ومشكل آخر يتعلق بالترجمة؛ أحياناً ترجمات سيئة لبعض المفاهيم الغربية، وهذا ما جعلنا نقف مواقف عدائية أو متحمسة لبعض القضايا الغربية نتيجة أيضاً المفهوم. ولذلك، كما يقول أحد كبار الفلاسفة، يقول إن الفلسفة لم تبقَ لها من مهمة اليوم سوى إنتاج المفهوم؛ القدرة على إنتاج المفهوم هو القدرة على إنتاج المعرفة، والتحكم في المفهوم هو الخروج من البلبلة، ومن أيضاً التشويش الفكري. فكلمة (صوفيا) الآن في الذهن العربي وفي التلقي عند العرب مختلطة، كما قُلت، بالزاوية، مختلطة بالطرقية، مختلطة بالفقر، مختلطة بلبس المرقع وبلبس الصوف. هذه التداعيات التي تأتي إلى الذهن تجعل عائقاً بينه وبين المعرفة الحقيقية للصوفية أو التصوف أو تاريخ الصوفية”.
التصوف لغوياً واكتمال علومه
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “دعنا هنا نلاحظ أن كلمة التصوف.. صحيح التصوف حتى من الناحية اللغوية نقول التصرف مثلاً، التصرف هو السلوك أو التدين هو السلوك غير الدين، أو التصرف هو سلوك غير صرف الشيء أو صرف نحوه.. فبالتالي الدلالة اللغوية، التصرف في الميزان الصرفي واللغوي مباشرةً يحيل إلى السلوك، أما كلمة الصوفية فناقشها القشيري في رسالته، وأعتقد أن أول واحد ناقش هذه المسألة وكتب عنها في رسالته في القرن الثالث الهجري والقرن الرابع، اكتملت علوم التصوف أو نقول توضحت الكتب الأولى المؤسسة لعلم التصوف كعلم؛ لأن ابن خلدون يقول التصوف علم حادث في الملة، هكذا يعرفه (علم حادث في الملة). ونعرف أن ابن خلدون في تصنيف العلوم كان بارزاً وقوياً وذكياً، ولأنه جاء في مراحل في ما بعد حيث تأسست العلوم وبُنيت؛ سواء أكان علم أصول الفقه أم علم الكلام. فالقشيري يميل من خلال التعريفات الكثيرة؛ بعضهم يرجعها إلى صوفيا بأثينا، وبعضهم يرجعها إلى لبس الصوف وغيره. لكن أهمية القشيري صاحب الرسالة وأخذها في ما بعد بعض المتصوفة أيضاً أو بعض الصوفيين حينما يشير إلى إما أنها تشير إلى الصفاء الروحي الداخلي وعرفها بالتالي أن التصوف كما عرفه صاحب (قوت القلوب) أبو طالب المكي، هو الزهد في ما في يد الخلائق، والتعلق بالله؛ أي بمعنى أننا لا نبقى متعلقين بالدنيا؛ وهذا سُمي بالورع وسُمي بالزهد، لكن مفهوم التصوف جاء في ما بعد.. لم يكن معروفاً في البداية؛ لا في القرن الأول الهجري ولا القرن الثاني الهجري.. لم يكونوا يعرفون هذا الاسم، كما لم يعرفوا كثيراً من المصطلحات. جاءت في ما بعد عندما بنى أصول الفقه أو علم الكلام أو علم التصوف هذه الموروثات من فترة التدوين ما يُسمى بفترة التدوين”.
وتابع الدكتور بومدين بوزيد: “ولذلك هذا تعريف يميل إليه الكثير ومنهم أنا. والتعريف الثاني الذي فيه الميل أكثر ويرتبط بسلوك تاريخي، وهو إلى مجموعة الصفة. وهذه مجموعة الصفة؛ أي الزاوية، كانت بالمسجد، وكان يلجأ إليها بعض الذين لا مأوى لهم ولا عيش لهم كريم؛ بمعنى أنه يتلقون المساعدات، والتضامن من الصحابة؛ ونفس الشيء العاطلون عن العمل، فكانوا يتخذون من صفة المسجد مكاناً معيناً للنوم والبقاء؛ فيسمون بأهل الصفة.. فهكذا الذين جاؤوا وكانوا يتميزون بهاتين الخاصيتَين؛ إما أنهم ضد الغناء والترف الذي ظهر في العصر العباسي بالخصوص، لأن بعضهم يربط من الناحية التاريخية على أن التصوف هو موقف ضد مظاهر البذخ والترف، وبعضه يربطه بضد الاستبداد السياسي من الحلاج الذي قتل أو السهروردي القتيل، أو غيرهما الذين دخلوا السجن على أنه مبدئي. هناك تفسيرات كثيرة تاريخية لا نأتي على ذكرها، ويعرفها الذي يعود إلى كثير من الكتب التي حاولت الدراسة الاجتماعية والسياسية لنشوء التصوف، فبالتالي كان هؤلاء الذين يتميزون، ويتميزون أيضاً بعداوتهم للبذخ والترف، ويعتزلون الناس كزهاد سُموا بالصوفية، ثم ظهر في ما بعد ما يُسمى بلباس المرقع أو المرقعات التي هي شعار عند بعض الصوفية الآن.. يعني هي شعار يلبسونها بشكل مزخرف؛ لأن الألوان فيها دلالات طبيعية وقرآنية.. فيها تفاسير كثيرة”.
التصوف بين الشرعية والظاهرة الإنسانية
واستكمل أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “وبالتالي هم يحاولون أن يجعلوا، أن يعطوا الشرعية من جهة للصوفية على أنها دينية. ولكن بعض التحاليل تقول إن التصوف هو ظاهرة إنسانية؛ عرفتها البشرية، نيرفانا في الهند. في إفريقيا أيضاً، وعرف هذا المظهر؛ وهو الارتباط بالله مباشرةً، أو هو الرياضة الروحية؛ لأن مفهوم الرياضة موجود في الكتابات، في النص الصوفي والخطاب الصوفي، الرياضة والمجاهدات.. أي كيف اترقى في المنازل والمقامات للانتصار على النفس؟ لأن أحياناً حتى بعض التعريف قال ما التصوف؟ أو أحدهم جاء إلى صوفي وقال أريد أن أكون صوفياً. قال: هل تستطيع أن تتغلب على النفس؟ قال له لا أدري. قال له: إذا استطعت أن تتغلب على النفس، والنفس هنا بمعنى الشهوانية والغضبية وغيرهما؛ فأنت صوفي، وهذا ما درسه الإمام الغزالي، الإمام الغزالي أبو حامد الغزالي، في القرن السادس الهجري، نهاية القرن الخامس الهجري.. يعتبر النقلة النوعية في تاريخ التصوف، يشكل لحظة فريدة في نوعها؛ لأنه وضع له أيضاً هذه الأسس، فتحدث عن الخوف ولرجاء والورع.. وهكذا وضع المقامات والأحوال، وتدريجياً أصبحت للتصوف مدرسة ومدارس تشكَّلت في ما بعد في القرن الحادي عشر والثاني عشر كطريقة صوفية”.
الصوفية والفلسفة.. هل يمكن اعتبار الحلاج فيلسوفاً مثلاً أو ابن عربي؟
قال الدكتور بومدين بوزيد، بشأن العلاقة بين الصوفية والفلسفة.. هل يمكن اعتبار الحلاج فيلسوفاً مثلاً أو ابن عربي؟: “نعم؛ يمكن اعتبار مدرسة صوفية، منحى صوفي ظهرَ في القرن السادس الهجري بالضبط.. هذا الملمح الذي ظهر أو هذا الاتجاه الذي ظهر لم يعد التصوف عنده هو الإكثار من العبادات والصوم وقراءة الأوراد؛ بل أصبح التصوف والتأمل في الوجود. فالتأمل في الله والتفلسف في قضايا أصل الكون وأصل الوجود والتفكير في الرحمة الإلهية.. هذا جعل منهم أنهم نعتبرهم فلاسفة؛ لأن مثلاً نجد أن محيي الدين بن عربي، الذي يعتبر من كبار المتصوفة النظريين، إن صح التعبير، أو التصوف النظري أو الفلسفة الصوفية، يرى أن الجود هو أصل العالم، وسُموا بالجوديين، فيه طيار سُمي بالجوديين؛ والجود هو قمة الكرم وقمة السخاء، بمعنى أن وجودنا في العالم هو كرم، هو جود من الله، سبحانه وتعالى، واستخلافنا في الأرض، وأيضا تمكننا، وسخَّر لنا الكونَ والحيوانات.. هذا أيضاً جود من الله، سبحانه وتعالى. ولذلك العلاقة المربوطة بيننا وبين الله، هي هذا الجود، وعلينا أن نكون نحن أكثر جوداً في وجودنا في الكون؛ لأننا بذلك نكون مخلصين لبدايتنا، الخلق الأولى، وأيضاً مخلصين صفة، أو مربوطين بصفة من الصفات الإلهية؛ وهي الجواد”.
مفهوم وحدة الوجود
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “وتعرف أن الصفات أو الأسماء الإلهية أنزلها محيي الدين بن عربي، إلى الكائنات البشرية؛ فقال كيف أكون أيضاً أنا في الصفة الإلهية؟ وهنا مفهوم وحدة الوجود؛ ليس كما يفهمه البعض على أن وحدة الوجود تناسخ الأرواح، أو هي وحدة روحية واحدة؛ لا.. وحدة الوجود مع الله سبحانه وتعالى، هو في أن أسماءه تظهر علينا في سلوكنا؛ الرحمة والجود والمغفرة.. فهذه الأسماء وسمَّاها أسماء الجلال، التي فيها القوة والجهاد والشجاعة، وأسماء الجلال؛ فنقول إن هذه فلسفة الجمال والجلال والجمال، باب في التصوف الفلسفي كبير جداً، ونعرف عندما نقرأ قصائد ابن الفارض أو عمر الخيام في ما بعد؛ كيف نجد قوة التصوف فيها قوته في الجلالة.. في الجمال. أما الجلال فكان في ما بعد تمثَّل في ما يُسمى بالرباطات الجهادية؛ وهي مكافحة الأعداء بعد سقوط الأندلس وهذه قصة أيضاً تطول”.
الوحدانية ونشوء التصوف
وتابع الدكتور بومدين بوزيد:”أولاً؛ إذا جئنا إلى المجتمع العربي، زمن نزول الوحي؛ لم يكن هناك هذا التفكير في القضايا المتعلقة بالصوفية والتصوف. كما قُلت مع القرنَين الثالث الهجري والرابع الهجري عندما تُرجمت الكتب اليونانية وتداخلت الثقافات مع الثقافة الفارسية والهندية، بدأت تدخل بعض المسائل إلى العقل العربي؛ لكن إذا إلى ما قبل الإسلام، سوف نجد أن هناك سلوكاً يعني سلوك ورقة بن نوفل سلوكَ الأحناف الذين كانوا موحدين. كان هؤلاء الموحدون أو أهل التوحيد الذين يشير إليهم القرآن، ويشير إليهم أيضاً حديث النبي، عليه السلام.. كان هؤلاء يتميزون أولاً بالابتعاد عن ملذات الدنيا كسلوك، وأيضاً في التأملات الخاصة بهم، ويمكن أن نقرأ ذلك في بعض الأشعار المتعلقة بالآخرة؛ مثل شعر أمية بن أبي الصلت.. بعض الأشعار العربية التي كانت قبل نزول الوحي، ويمكن أن نقرأ ذلك في ما يُسمى بالهرطقات، يعني هي التي لم تعترف بها الكاثوليكية في ما بعد عندما تأسست المجامع في القرنَين الرابع والخامس الميلاديَّين، وأصبحت هذه الهرطقات؛ سواء العبوسية أو المسيحية في الشام وغيرها، أو الأريوسية؛ يعني شكَّلت هذه الطوائف المسيحية نوعاً من النزوع الصوفي”.
التصوف حركة إصلاحية في الأساس
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “ولذلك لم يكن العرب بعيدين عن التأثر أو عن الاحتكاك بهذه الثقافة المسيحية التصوفية؛ لأن هذا المنزع الصوفي المتعلق بالحب بالخصوص.. لأن الحب مسألة جوهرية في الخطاب الصوفي. يعني العرب كانوا يعرفون أصلاً هذه العلاقة. لكن ربما لأن في نظري طبيعة المجتمع العربي طبيعة تجارية، وأيضاً مجيء الإسلام الذي حدد العلاقة مع الله؛ في الصوم والزكاة والحج، والعلاقات مع الله علاقات تعبدية، التي أخذت في القرنَين الثالث والرابع الهجريَّين نوعاً من الخروج عن جوهر التوحيد. مهم. وهنا ظهر التصوف كمحاولة للإصلاح؛ لأنه حركة إصلاحية في الأساس، إصلاحية الرجوع إلى المصدر الأساسي، إلى التوحيد الأصلي الذي هو ربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى. ليس خوفاً من ناره أو طمعاً في جنته؛ ولكنه نعبده لأنه يستحق العبادة، كما قالت رابعة العدوية“.
ظهور الرُّتب الصوفية
واستكمل د.بومدين بوزيد: “هنا مفهوم العبادة لم يعد ذلك السلوك؛ ذلك التدين الذي نركز عليه على مستوى الشكل، بل التوحيد الحقيقي هو هذا. وبالتالي ظهر هناك الربط ما بين فكرة التوحيد والتأمل؛ سواء بالمعنى الفلسفي أو بالمعنى الروحي، وأيضاً شرح لمفهوم وحدانية الله على أن معنى الوحدانية هو هذا الإخلاص الروحي الأساسي. أما الصلاة والزكاة والصوم فهي فروض وواجبات؛ لكنها لا تغني عن شيء يُسمى النية، وعن شيء يُسمى الإخلاص، وعن شيء يُسمى الحب؛ الذي يربط بيننا وبين الله، وهناك خلقوا وكأنهم لجؤوا إلى أشكال من التعبد الجديدة.. هذه الأشكال من التعبد، هي ما سُميت بالمقامات والأحوال. كيف انتقل من مريد، ثم بعد ذلك عبر الصبر والمجاهدة انتقل إلى المشيخة. وهذه تأخذ ما سُمي بمنهج السالكين أو مقامة السالكين. ويعود المريد، على أن يتنقل من مرحلة إلى مرحلة؛ أن يصل إلى شيخ أو هذه الرتب الصوفية التي ظهرت في ما بعد. والمراتب الصوفية التي ظهرت هي مراتب في الأساس موجودة عند العسكر، عند الجيش. وموجودة عند الشيعة، وموجودة عند الإسماعيليين. وبالتالي؛ مسألة الرتبية لم تكن معروفة في الإسلام سابقاً. ولكنها ظهرت مع تطور المجتمع العباسي، وظهرت مع تطور المجتمعات الأخرى اللي تظهر فيها الرتب”.
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “من هنا يمكن القول إن الحركة الصوفية هي حركة إصلاحية من أجل العودة إلى التوحيد؛ ولكن هذه الحركة الإصلاحية سوف تسقط أيضاً في متناقضات في ما بعد، وتحتاج إلى التجديد؛ سواء من داخل التصوف أو من خارج التصوف عندما هاجمهم ابن تيمية في فتاويه، وفي كتاب له يُسمى علم السلوك؛ ولكنه فرقَ بين منهجَين في التصوف، منهج ابن عربي الذي انتقده لأنه بالنسبة إليه يؤدي إلى الإلحاد، وكذا منهج الجنيد الذي بقي بالنسبة إليه مخلصاً للصحابة؛ فهو يستثني الجنيد، ولذلك الآن الشاذلية في بعض المناطق في العالم الإسلامي يقولون نحن جنيديون؛ حتى يميزوا أنفسهم عن ابن عربي، يقولون نحن جنيديون غزاليون، يعني نسبة إلى الإمام الغزالي.. هكذا كنا أمام تيارَين؛ تيار سلوكي يركز على السلوك ولا يستخدم كثيراً من النظريات، وهذا التصوف وهذه التقسيمات جاءت في ما بعد، التصوف سُني غير سُني، وتصوف نظري الذي ينتمي إليه محيي الدين بن عربي”.
لماذا استخدم القرآن كلمة رهبنة؟
وأجاب د.بومدين بوزيد، عن سؤال لماذا القرآن استخدم كلمة رهبنة في الوقت الذي يلاحظ فيه وكأن الرهبنة فيها نوع من التصوف أو الفلسفة؟ قائلاً: “نعم؛ وأصبح شعار الحديث المروي في بعض الصحاح، لا رهبانية في الإسلام؛ يعني لو نربطه بالواقع، المجتمعات العربية، فيه نوع من المغالاة؛ كان موجوداً عند بعض الأديان، أهل الكتاب سابقاً؛ فيه نوع من المغالاة في الاستمرار في الصوم، ولذلك كان الرسول، عليه السلام، عنده خوف من أن تديُّن الصحابة يمكن أن ينحرف إذا ذهبنا في أن الأحاديث هذه الصحيحة، لم نذهب إلى الذي يقول إن البخاري.. أو كتبت في ما بعد؛ لأن هذا يصبح له أيضاً تفسير متعلق بظهور الرهبنة داخل العباس.. نحن نقرأ كلا الرأيين؛ سواء الرأي الذي يقول إن هذه أحاديث صحيحة أو الرأي الذي يقول جاءت مع البخاري في فترة معينة.. أنا لا يهمني هنا صحة أو كذب؛ ولكن يهمني أن أقرأ النصوص، سواء ترى هذا أو ترى هذا في إطارها التاريخي؛ فبالتالي كان هناك بعض.. ذكرنا بعض المتدينين؛ لأن العرب عرفوا ما سُمي بالطوائف الدينية السابقة من المسيحية ومن اليهودية؛ عرفوها من خلال قوافل التجارة، ونحن نعرف أن في السيرة النبوية كيف ذهب مع بحيرة، كيف رأى الرسول تظله غمامة.. إلى آخره، وقال سيكون نبياً، ويعني؛ معروف هذه الحكايات تدل فعلاً على أنه كان هناك تدين”.
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “لكن الإشكال الموجود على أن الإسلام لم يكن يرى التدين في صومعة في الجبل، الانعزال عن الناس؛ لأن طبيعة الثقافة العربية حتى ما قبل الإسلام هي طبيعة اجتماعية في الأساس؛ طبيعة تجارية مربوطة بالعلاقات، الطبيعة التجارية عند قريش، ثم الطبيعة الفلاحية في ما بعد؛ في المدينة المنورة، وتعرف أن تشكل المجتمع المديني، هو متشكل من التجار في الغالب؛ لأن الهجرة إلى مكة جعلت أيضاً أهل المدينة يمارسون التجارة أكثر من الفلاحة المرتبطة بمواسم الغيث. فبالتالي كان بعض النزوع أحياناً، عند الصحابة في رفض الدنيا تماماً. ولذلك في الأحاديث أنا أتزوج وأصوم وأأكل وأصلي؛ فبالتالي كان الرسول دائماً ينبِّه على الخوف على هذه الرهبنة التي وجدت سابقاً؛ ولعلها كانت انحرافاً، سواء عن الكتاب، العهد القديم، أو انحرافاً عن العهد الجديد“.
تأثير ثقافة الأمم أو الملل نحو التصوف أو الانعزال في التدين
وتحدث د.بومدين بوزيد عن تأثير ثقافة الأمم أو الملل نحو التصوف أو الانعزال في التدين، على نشوء حركة عند المسلمين؛ والتداخل والتأثير، قائلاً: “نعم فيه تداخل، وفيه تأثير؛ لأن انتشار الإسلام في الهند، في آسيا، أو في إفريقيا؛ نقلوا معهم بعضَ التقاليد القديمة الثقافية، لكن أتصور أن أكبر تأثير كان من الثقافة الفارسية. الثقافة الفارسية كانت مشبعة من جهة بالحكم السياسية التي وضعها صاحب (كليل ودمنة)، ابن المقفع، أو صاحب كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي؛ ولكن التأثير الروحي كان أيضاً موجوداً. التأثير الآخر، الثاني، الذي جاء من السيتاجوريين. وجاء أيضاً من المنزع الروحي داخل الفلسفة اليونانية في عهد المأمون. عندما تُرجمت هذه الكتب، كان هذا التأثير موجوداً. يمكن نقرأ، أكثر هذا التأثير لم يكن صوفياً؛ ولكنه نقل بعض الأشياء، الذي هو أبو حيان التوحيدي، في كتابه (الإمتاع والمؤانسة).. فينقل بعض الآراء في جلساته المتعية الفكرية في العهد العباسي؛ ينقل لنا بعض الآراء من الرؤية الروحانية اليونانية”.
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “فيمكن هذه العوامل الثلاثة الأساسية؛ الهندية والفارسية واليونانية، كان بشكل ما موجود هذا التأثير؛ لكن أين برز تأثير هذه المفاهيم وهذه اللغة؟ برزت أكثر مع محيي الدين بن عربي، ومع ابن سبعين… نقلوا هذه القضايا أو بعض القضايا إلى التصوف الإسلامي؛ لكن ليس بمعنى أن التصوف هو نسخة طبق الأصل” .
التصوف قُرأ سياسياً ثم تحوَّل
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “ما كان في الأول حركة إصلاحية من أجل إرجاع المجتمع الإسلامي في العصر العباسي إلى عهده الأول، وهو عهد التوحيد، عهد أيضاً العلاقة مع الله، سبحانه وتعالى؛ لأن التصوف قُرأ سياسياً، يعني عندما تدعو إلى التوحيد مع الله سبحانه وتعالى، أنت ضد سلطة معينة؛ لأنه قرئ سياسياً بهذا الشكل. لكن تحوله في ما بعد أصبح وكأنه وثنية جديدة، لماذا؟ هل لأن العقل البشري أو العقل العربي الإسلامي لم يستطع أن يبقي على هذا التوحيد الخالص التجريدي الرمزي إلا عبر وسطاء؛ هؤلاء الوسطاء هم أولياء تُقام عندهم المواسم، هم مشايخ لا يمكن أن يرضى عنك الله، سبحانه وتعالى، إلا إذا رضي عنك شيخك، وأصبحت المشيخة؛ تحولت من جانبها العلمي إلى سطوة روحية وسطوة استغلالية في ما بعد، وسطوة مالية؛ لأنها مرتبطة أيضاً بالاقتصاد، لأن هذه المشيخات أحياناً تدخلها بعض الأموال، وبعض الغفارات وما يُسمى بالزيارات، وبالتالي الصراع الذي ظهر في ما بعد ضد هؤلاء؛ لأنه يمس بالعصب المالي أو العصب الاقتصادي لهذه الزوايا التي صارت مؤسسة”.
مفهوم وحدة الوجود وأبرز الشطحات
وتحدث د.بومدين بوزيد، عن “مفهوم وحدة الوجود، وهل هناك ما يدعم هذا المفهوم في القرآن؛ بمعنى أن هناك حلولاً لله في المكان، هل هناك ما يدعم هذا الفهم، لأن ابن عربي ابتدع أو يعني توسع في موضوع وحدة الوجود؛ أنه خلط كل شيء في بعضه؛ وبالتالي صار الله جزءاً من المكان، والقرآن، يعني يميِّز تمييزاً واضحاً، أن الله شيء وأن ما كان شيء.. أو الخلق شيء والخالق شيء. وجاء ابن عربي وقال لا.. هذا كله مع بعضه، مهم. فبدأ وضع أُسس فلسفته الصوفية؛ على اعتبار أن هناك فيه وحدة للوجود. ولهذا هو قال أنا الله…”، قائلاً: “ابن عربي وأيضاً مقولات الحلاج والبسطامي وردي؛ من هذا النوع ما يُسمى بالشطحات.. وأعطيت لها هذا التعبير الشطحات؛ لأنها تفهم غير المعنى الذي وضع، يعني على كل هذه تأويلات لأنه أنت تعلم جيداً أن علم الكلام هو العلم الذي جاء لإبطال بعض الآراء الصوفية، وكان ابن خلدون في المقدمة يُهاجم أيضاً ابن عربي وابن الفارض، ويعتبرهم خارجين عما تعارف عليه المسلمون من وحدانية تنزيهية لله، سبحانه وتعالى، لا ترتبط بالمكان؛ لكن هم أيضاً يستمدون أدلة. يقول من بين الأدلة الحديث الذي يروى، القدسي، خلقت الخلق فأردت أن يعرفني، فخلقت الخلق، فبه عرفوني.. بمعنى أن الإنسان هو صورة الله في الكون”.
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “هو يضرب أُسس الوحدانية؛ لأن المشكلة بالنسبة إلى هؤلاء المتصوفة أو المفكرين حتى اليوم، هو منساق أو مندمج في سياق تاريخي واجتماعي. ويحتاج إلى وظيفة أيديولوجية بالمعنى عندنا.. الوظيفة الأيديولوجية هي التي تجعله يشوه النص ويشوه حتى تاريخ التصوف الذي ينتمي إليه”.
ابن عربي ومفهوم وحدة الوجود وإثبات الوحدانية في الكون
وتابع د.بومدين بوزيد: “موضوع وحدة الوجود؛ هو موضوع مهم جداً في قراءة الفتوحات المكية لابن عربي؛ فيه كثير من التفسيرات، يعني مَن يندمج مع ابن عربي ويدافع عنه على أنه مفهوم وحدة الوجود؛ ليس هو المفهوم الفلسفي الذي وجد سابقاً عند القائلين بتناسق الأرواح أو القائلين إن العالم واحد، لكن كما قُلت فعلاً إن ابن عربي وغيره أسسوا للقداسة؛ للقداسة ما يُسمى بتقديس المشيخة المعروفة حتى في المجتمعات الأخرى، يعني حتى في المجال السياسي، قداسة الزعيم.. هذا الشعور العاطفي يتحول تدريجياً إلى نوع من التقديس. ومن هنا مسألة التوسل، هل يجوز التوسل بالأولياء الموتى أو الأحياء؟ فالحاجة الإنسانية دائماً إلى العلاقة مع الله، سبحانه وتعالى، قد تنحرف؛ ولكنهم يقولون إن نحن نتوسل إليهم ولا نعتبرهم آلهة.. وكذا. والجوهر والحديث الآية القرآنية (ادعوني أستجب لكم) مباشرةً؛ ليس فيها فاصل، و(إن شكرتم لأزيدنكم) مباشرةً؛ ما فيهاش إن شاء الله، الآية الوحيدة اللي فيها الشكر والمزيد؛ لذلك الإشكال في المجتمع العربي أن التحولات التي حدثت في بنية المجتمع العربي كانت كلها مؤهلة للوصول إلى هذه الحالة التي تحدثت عنها، وهو ظهور طريقة صوفية كانت حتى في بداياتها مشكلة من مجموعة من المرابطين؛ مجموعة من المريدين ارتبطت أحياناً بما سُمي الرباطات الجهادية، بعد سقوط الأندلس ١٤٩٢، ثم الدفاع عن الثغور الإسلامية عموماً عبر هؤلاء المريدين أو التكايا أو الزوايا التي نشأت خصيصاً لهذا المجال.. طبعاً إلى جانب الوظيفة الاجتماعية؛ إطعام الفقراء، الوظيفة المعرفية، ووظيفة فض النزاعات؛ لكنها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في ظل الدولة العثمانية التي لعبت دوراً كسند، ومن هنا بدأت الطريقة الصوفية ترتبط بالسلطة السياسية؛ لأنها شجعت وأقنعت الشعب مثلاً في تونس والجزائر، أقنعت هذه الشعوب بضرورة التحالف مع العثمانيين؛ فتحالفوا مع العثمانيين”.
مكانة خاصة للمتصوفة
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “فجزاء هؤلاء الطرقيين كانوا يجعلونهم على ركب الحجيج، ولهم امتيازات، ولا يدفعون الضرائب. بعضهم؛ الشيوخ الطرقية أو بعض الأشراف الذين ارتبطوا بالزوايا. نتيجة هذا الاتفاق أو العقد الذي كان منذ السادس عشر مثلاً في الجزائر. وأصبحت للمتصوفة مكانة خاصة قبل الاستعمار الفرنسي؛ نتيجة التدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وأيضاً المجاعات والأوبئة. لا ننسى أن المجاعات والأوبئة لعبت دوراً. الوباء يلعب دوراً في التدهور الفكري والثقافي والأخلاقي؛ فنتيجة غياب العلاجات وتطور الطب، أصبحت قضية الكرامة كعلاج للمجاعات؛ كفهم للأزمات، للزلازل، للنكبات.. فهذا كله أثر على الطرق الصوفية وأثر على التصوف كميراث، وأيضاً ارتباط المشيخة؛ لأن عندنا مشيخة القبيلة لا يوازيها إلا مشيخة المتصوف الذي يعطي له البركة ويعطي له الوجود والشرعية. فبالتالي كلما أوغلنا في الخرافة وفي الطقوسية، استطعنا أن نحافظ على بنية المجتمع وبنية القبيلة وبنية سياسية تقليدية؛ ولذلك لا نتصور من حركة من هذه أنها تصلح نفسها من داخلها؛ بل تحتاج إلى قرون وأزمنة، أن يظهر مصلحون من داخلها أو من خارجها؛ مثل حركة الشيخ ابن باديس وجمعية العلماء، الذي كان جنيدياً.. ابن باديس كتب مقالاً عن الجنيد في العشرينيات من القرن العشرين، وشكل جمعية مع بعض المتصوفة؛ لكن خرجوا، خرج اثنان من المشايخ وشكَّلا جمعية أهل السُّنة، وهو شكَّل جمعية العلماء المسلمين الإصلاحية التجديدية، وكان ضد هذه المظاهر، وقال (جئنا لنصلح الزوايا لا لنهدمها)؛ ففيه نوع من تعايش، ولكن ينبغي إصلاحها من الداخل”.
العهد المملوكي والعثماني وانتشار الطرق الصوفية
وقال د.بومدين بوزيد، بشأنه أنه “صار يوجد نوع من أحد منتجات الحركة الصوفية؛ مثلاً ممكن نقول الفقر أو الجهل أو التنجيل في المجتمعات العربية؛ خصوصاً في ظل الحكم العثماني”: “نعم؛ هذه عوامل، مثلاً في مصر منذ العهد المملوكي بدأ العهد الفاطمي ثقافياً؛ حذر لمسألة الولي والكرامة، كان موجوداً في الفترة الفاطمية المعزية، لكن العهد المملوكي ثم العثماني هو الذي شجَّعَ على انتشار هذه الطرق الصوفية؛ لأنها أصبحت جزءاً من الدنيا الاجتماعية. وهي إلى اليوم جزء من البنية الاجتماعية في الدول الإفريقية وغيرها من الدول. لكن كيف يمكن معرفياً وسياسياً واجتماعياً؛ كيف يمكن إصلاحها، التجديد فيها، يمكن إرجاعها إلى فهم التوحيد الذي ذكرته بدايةً؛ أن التوحيد هو هذا، ليس بالمعنى الذي نُسب إليه؛ لأن التصوف جاء في البداية كإصلاح في القرنَين الثالث والرابع الهجريَّين، كان هذا هو دوره؛ لكن قبل أن يتحول في القرنَين التاسع والعاشر الهجريين، أنه يختلط بكثير من الخرافات وكثير من الآراء الفلسفية أو ليس الفلسفية؛ ولكن الآراء.. بعض الطوائف والأديان أو الملل السابقة، يمكن القول فعلاً إن القهر الاجتماعي بجميع أشكاله، والقهر السياسي بجميع أشكاله؛ قد يكون عاملاً أساسياً في تخلف أية أمة من الأمم”.
استغلال الطرق الصوفية سياسياً وكذراع دبلوماسية دينية
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، بشأن استغلال الطرق الصوفية سياسياً وكذراع دبلوماسية دينية: “اليوم أكثر نموذج هو العلاقة أو استخدام الدبلوماسية والسوق التجارية والروحانية، إن صح هذا التعبير، أو التصوف؛ هو تركيا. تركيا نموذج فريد في استخدام (الناعمة) التي اصطلح عليها القوة الناعمة أو الدبلوماسية الدينية؛ سواء في نزاعاتها في الغرب.. أو في وجودها في إفريقيا أو في بعض البلدان؛ تمشي بالتوازي التجارة، والاقتصاد يمشي بالتوازي في تشجيع هذا الانتساب إلى النقشبندية أو لبعض الصوفية؛ ترعاها، أو بعض التيارات الصوفية التي ترعاها تركيا”.
“الإخوان” كانت حركة صوفية في البداية
وتابع د.بومدين بوزيد: “وتعلم جيداً أن حركة الإخوان المسلمين تقريباً كانت حركة صوفية في البداية؛ فحسن البنا لم يكن معادياً للتصوف؛ بل نشأ نشأته الصوفية. وتعايش الحركة الإخوانية كحركة سياسية سمح أيضاً للإخوان أن لا يصطدموا رغم إصلاحهم، رغم تبنيهم كثيراً من الآراء التي يتبنونها، هي إصلاحية؛ ولكنه جعلهم لا يصطدمون مع الشارع في الاستحقاقات الانتخابية. وبالتالي نجد الآن أن الملف الصوفي في إفريقيا مثلاً أو في بعض البلدان ميراث يستند إلى شرعية.. ما الشرعية التي يستند إليها؟ أنه قاوم الاستعمار؛ لأن التيجانية والمريدية جزء من الحركات الوطنية منذ القرنَين السابع عشر والثامن عشر. فكل الزعماء؛ الفودي في نيجيريا، في السنغال، في مالي، حماها الله في مالي، الأمير عبد القادر في الجزائر، في القرن التاسع عشر، السنوسية في ليبيا، التي بنت ليبيا السنوسية، كتيار صوفي، ولو أنه يتميز عن بقية الطرق؛ لأنه لا يوجد فيه الحضرة وبعض المظاهر الطقسية؛ لا توجد عند السنوسيين”.
الطرق الصوفية تقاوم الاستعمار
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “فهذه التيارات هنا.. قاوموا إيطاليا هنا، فرنسا هنا، بريطانيا هنا، البرتغال.. شكلت لهم شرعية تاريخية، على أن هذه الطرق الصوفية قاومت الاستعمار، ولعبت دوراً في التحرير، وبالتالي شكَّلت جزءاً من الشرعية السياسية في سياق الدولة الحديثة الاستقلالية بعد سنة ١٩٦٠؛ لأن أغلب الدول الإفريقية استقلت، أخذت استقلالها وسيادتها سنة ١٩٦٠ (ومن هذا المنطلق جاء كتابي)، هذا الكتاب يدرس هذه المسألة في علاقة التصوف بالسلطة، ومفهوم صاحب الوقت؛ لأن مفهوم صاحب الوقت أو صاحب الزمان هو مفهوم أصلاً أيضاً شيعي؛ ولذلك الشيب في فترته العراقي كان ذكياً عندما درس علاقة التصوف بالتشيُّع؛ فحاول أن يجد للتصوف منبتاً شيعياً، وأنا أقول يمكن أنه ليس المنبت الشيعي بالمعنى المذهبي العقدي؛ لكن كفضاء يمكن أنه وفرته الدولة الفاطمية التي تحدثت عنه؛ وفرته في بعض الأماكن التي عرفت انتشار الشيعة، فالشرعية التي أخذتها هذه الطرق الصوفية؛ هذا جانب.. أخذت شرعية أخرى؛ أن بعض الدول قامت على أساس ديني، قامت على أساس البيعة، والذين بايعوا في هذه الفترة هم الزوايا. يعني مثلاً الدولة العلوية في المغرب جوهرها البيعة إلى اليوم. لكن تاريخ البيعة هو مبايعة في الزمن الأول، زمن الجد المؤسس للدولة العلوية؛ كان من الزاوية الدلائية، وغيرها من الزوايا التي كانت موجودة في القرنَين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديَّين. وتأسست هذه الدولة حتى في ما قبل. الدولة السعدية وغيرها في المغرب، كانت أيضاً سندها هو المتصوفة..”.
شرعية الطرق الصوفية.. 3 عوامل
واستكمل د.بومدين بوزيد: “وبالتالي يمكن القول إن الشرعية لهذه الطرق الصوفية هي شرعية أولاً مرتبطة بمواجهة الآخر، بمجابهة الآخر. الشرعية الثانية، أن بعض السلط أو بعض الأنظمة في العالم العربي هي قائمة على البيعة، وقائمة على هذه العلاقة؛ مثل ما كان عند العثمانيين، في زمن العهد العثماني. والعامل الثالث الذي أخذته شرعية جديدة؛ وهي مجابهة الإرهاب. فمثلاً بمجابهة (داعش) في إفريقيا الذين جابوا داعش هم هؤلاء المتصوفون؛ ومنهم مَن قُتل ومنهم مَن اغتيل، ولعبوا دوراً في التعاون مع السلطة والجيش؛ يعني في نيجيريا لعبوا دوراً في شمال نيجيريا؛ من متصوفة من القادرين التيجانيين، ارتبطوا بالعسكر النيجيريين في مكافحة (داعش) و(القاعدة)، وفي مالي نفس الشيء، وفي السنغال نفس الشيء. وهذا الارتباط راعته أيضا (الأزهر الشريف)؛ لأن الأزهر الشريف أيضاً، صحيح هو جامعة ومسلك سُني كمؤسسة أزهرية دينية؛ لكنها في نفس الوقت ترعى هذا النوع من التصوف، لنشر قيم التعايش والمحبة والتسامح والوسطية في الدين. فبالتالي يمكن ذكر هذه الأسباب الثلاثة التي تترك هذه الحركات لهذه القوة الرمزية كقوة ناعمة، ووصولاً إلى ما ذكرته؛ وهو الدبلوماسية الدينية، واعتماد المشايخ الروحيين”.
أمريكا أول من اعتمدت “المشايخ الروحيين”
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “وكان أول مَن اعتمد شيخاً روحياً بعد ١١ سبتمبر؛ اعتمدتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ اضطرت إلى اعتماد زعماء دينيين من الإسلام وغير الإسلام؛ لفض أو للإصلاح أو للقبول بالطرح الأمريكي، وهناك في وزارة الخارجية الأمريكية ما يُسمى بـ(الدبلوماسية الدينية) كملحق.. طبعاً بعض الدول العربية الخليجية بدأت تستخدم في وزارة الخارجية، آه يُسمى وزارة التسامح مثلاً في الإمارات عندها وزارة التسامح، في دول أخرى موجود في وزارات ما يُسمى حوار الأديان. وبالتالي الاستناد إلى المشايخ الروحيين عموماً؛ سواء كان ينتمي إلى التصوف أو ينتمي إلى تيارات دينية أخرى؛ مثل التيارات المارونية والقيادات المسيحية أو التيارات الشيعية أو القادمية، وغيرها.. استخدامهم والاستعانة بهم لمجابهة التطرف. إذن هنا يأخذون شرعية جديدة أيضاً في هذا المجتمع.. لكن يبقى الإشكال الحقيقي؛ هل هذه الشرعية تعطي لهم أن نبقي على هذه مظاهر التخلف أو القداسة التي تضر ببنية المجتمع وتضر أيضاً بحرية التفكير، وتضر أيضاً انتشار العقلانية داخل هذه المجتمعات. ألا يمكن أن يكون هذا التوظيف الأيديولوجي والدبلوماسي سياسياً والسياحي أيضاً؛ لأن السياحة تعتمد أيضاً عليهم؟”.
الجهل المجتمعي في التعامل مع المقام.. حالة جمود فكري
قال أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر، بشأن الجهل المجتمعي في التعامل مع المقام وصاحبه: “أنا أتصور أنه يمكن في مع مرور الزمن؛ يكون نوع من تطوره من الإصلاح؛ مثلاً كثير من المظاهر الطقسية الصوفية الآن هي فن. يعني بعض الأغاني وبعض الفنون استغلت هذا التراث الصوفي وحولته إلى فن؛ مثل بعض التقاليد في إفريقيا أو الهند، هي تقاليد شعبية بقيت كتقاليد؛ ولكن راحت في مجرى سياحي وفني وجمالي. يعني لم تعُد في ذلك الشكل الديني.. فكلما أخرجنا هذه المواسم التي تُجرى سنوياً عند هذه الأضرحة وبعض الرقصات من مجالها على أنها تعبُّد ونجعلها من الرؤية الأنثروبولوجية على أنها عادات وتقاليد اجتماعية، تنفع كسياحة، كفن.. هنا يبدأ العقل الاجتماعي يفرزها ولا يلغيها ويتخلى عنها تماماً؛ ولكن يحولها إلى شكل جمالي وشكل فني، وأنت تعرف كثيراً من الأغاني الصوفية، وحتى تعرف أنه في مصر الآن الرقصة الصوفية، والحضرة الصوفية؛ أصبحت لفرق، مغنيين، سياحية أكثر منها جانباً تعبدياً”.
وأجاب د.بومدين بوزيد، عن “هل الأضرحة جزء من الثقافة الصوفية أم طارئة عليهم؟”، قائلاً: ” لا، الأضرحة، العلاقة مع الضريح هي علاقة بشرية في تاريخنا العربي الإسلامي. ما هي العلاقة والتصوف مثلاً، لا علاقة بدأت بالتصوف؛ الأضرحة كيف نشأت؟ أولاً عامل قداسة هذا الشيخ تجعل منه الضريح؛ يبنى عليه الضريح، رغم أن الإسلام يرفض هذا النوع من البناء، ورغم أن الحديث يُقال لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاث: للمقدس والمسجد الحرام ولمسجدي هذا، يقصد مسجد المدينة، وهذا واضح، النصوص، في قضية شد الرحال، وفي قضية بناء القبور؛ لكن بناء القبور هو شكل أنثروبولوجي اجتماعي؛ فيه نوع من الولاء والتعهد على أننا ما زلنا عندنا ولاء عند هذا الشيخ، وولاء للأجداد، وتعرف العلاقة مع القبور وولاء الأجداد؛ سواء داخل الثقافة الصوفية أو خارج الثقافة الصوفية؛ هي مسألة بشرية، لكن أخذت تدريجياً هذه الأضرحة، تحولت من هذا الولاء وهذا العهد مع الميت إلى موسم سنوي ثم إلى طقوس وإلى مهرجانات وإلى سياحة، وأكبر الأضرحة يعني السيد البدوي في مصر، ابن عطا الله السكندري، وأضرحة في إيران، العتبات المقدسة في المغرب، في العراق، عندنا في الجزائر عين ماضي، عندنا ضريح الثعالبية، ضريح سيدي بومدين الغوث… وهكذا تدريجياً هذه الأضرحة بعد القرن الخامس عشر الميلادي، لم يكن لهذه الأضرحة بهذا الشكل موجودة قبل القرن الخامس عشر الميلادي؛ نشأت في ما بعد”.
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “في الجزائر كانت الزوايا؛ ما يُسمى بالزوايا، ويُسمى التكايا في مناطق أخرى أو الخوانق في مناطق أيضا من نواحي ليبيا، الزاوية أو الزوايا هي مدارس قرآنية في الأصل. ورباطية جهادية، كما ذكرت، شرعيتها في تحرير مثلاً مدينة وهران في سنة ١٩٧٠ من الإسبان، الفرنسي، نهائياً من الاحتلال الإسباني.. قام به مجموعة من الزوايا. هذه الزوايا كانت هي التي تدرس المتون الفقهية المالكية والأشعرية والصوفية الجنيدية. كثلاثية أحكم المنظومة العقل، شمال إفريقيا وإفريقيا؛ لأننا نلتقي في هذا مع ليبيا، مع تونس، مع المغرب، ومع البلدان الإفريقية بالخصوص جنوب الصحراء وغرب إفريقيا”.
تدعيم الزوايا والمدارس القرآنية
وتابع د.بومدين بوزيد: “إذن هذه الزوايا التي حافظت على هذه البنية لعامل أو عوامل أخرى تاريخية ربما لم تتطور. لم تشهد تجديداً في المناهج. ربما لم تشهد أيضاً نوعاً من الاهتمام الكبير؛ فظهر التيار التأويلي الجديد السياسي أو ما يُسمى بالإسلام السياسي في نهاية السبعينيات من القرن الماضي والثمانينيات؛ تطور الإسلام السياسي في الجزائر بعد حادثة الجامعة المركزية ومقتل طالب في سنة ٨٢، سوف تكون حركة مسلحة في ٨٧؛ حركة بويعلي، ثم تظهر على المسرح السياسي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) التي ستتفرع إلى مسلحة في الجبال. هنا السلطة لم يكن أمامها من بد في قضية، لم يبقَ الحل الأمني هو الوحيد. هناك حل للمفاوضات؛ ولكن هناك حل ثقافي رمزي روحي؛ وهو اللجوء إلى تدعيم هذه الزوايا والمدارس القرآنية وإلى اعتماد مشايخهم في الخطاب المنبري والمسجدي.. من هنا كان الاهتمام أكثر من السلطة للزوايا، لم يكن فقط لمصلحة انتخابية ولحساب انتخابي، وكان يدخل في الانتخابات البلدية والتشريعية والانتخابات المحلية؛ كان نوعاً من المحبة لهذه الزوايا وزيارتها للتأييد أو الانتخاب. لكن في السبعينيات كانت الحاجة أكبر إلى هذه الزوايا؛ لأنها هي الحصن، ما يسمى بالأمن الفكري أو المرجعية الوسطية الثلاثية؛ كما ذكرت المالكية والأشعرية والصوفية.. هذه الزوايا لقيت اهتماماً، وتم الاعتراف فيها؛ بحيث إن هي مؤسسات خيرية لها شكل جمعية، مثلاً جمعيات من وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. لكن اعتمد الخريجون منها كمعادل شهادة سنة رابعة متوسط للدخول إلى الأئمة.. وأصبح الذي يحفظ القرآن والمتون تجرى له اختبارات شفهية وتعطى له شهادة سنة رابعة متوسط، حتى يقبله الوظيف العمومي. وهكذا دخل إلى المساجد التي بلغ عددها الآن حالياً أكثر من عشرين ألف مسجد في الجزائر.. التشكيلة، الأئمة، هم من هذه المدارس ما يُسمى بالإمام المدرس، أما إمام أستاذ فلازم يكون خريج جامعة؛ فشكلوا طاقة أو المادة الخام للأئمة في المساجد، من الزوايا.. هكذا شكَّلوا هذه القوة، وبالتالي الزوايا في الجزائر لها القدرة ولها هذا التأثير؛ لكونها رَعَت الانتماء المالكي الأشعري الصوفي، وبالتالي أحياناً يعني؛ ولكن ليس في كل مناطق الجزائر موجودة هذه الظاهرة، أكثر في الغرب الجزائري. وفي الجنوب الجزائري بالخصوص في توات. أما في الشرق فلا يوجد بهذا الشكل وبهذه القوة”.
واستكمل أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “وبالتالي؛ السلطة رأت أن ترعى هذا الانتماء الثقافي أو المذهبي العقدي؛ للحفاظ على انسجام المجتمع. هم يرون أن الحفاظ عليه هو حفاظ على انسجام؛ لكن دستورياً الإسلام هو دين الدولة. لكن لم يفصلوا في الدستور القضايا المذهبية؛ لأن هذا متروك للأجيال. لأن اليوم أنا يمكن نقبل بواحد من أتباع التيمية أو الحنفية؛ ونحن في الجزائر عرفت المذهب الحنفي في العهد العثماني. وفي عهد الأغالبة في القرن الثاني الهجري. وبالتالي؛ لا يتم التضييق المذهبي، ولكن يتم التضييق على كل تيار متشدد متطرف يتهم هؤلاء بالقبوريين أو بالوثنية أو بكذا. طبعاً تظهر هذه الفتاوى؛ لكن لا يعاقبون أو يشدد عليهم”.
كبح جماح التطرف الديني
وأجاب د.بومدين بوزيد عن سؤال “هل هذا الأسلوب نجح مثلاً في كبح جماح التطرف الديني؟ هل ساعد على إعادة لحمة المجتمع بعد هذه الهزة؟”، قائلاً: “إلى حد ما استطاع هذا الخطاب الصوفي أن يحافظ؛ لكن المشكل إنه دخله كثير من الانتهازيين سياسياً، وأصبحت الزاوية والصوفية مرتبطة أساساً بهذه الأمور، ولم تصبح مرتبطة بالجانب الاجتماعي والروحي وفض النزاعات وتدريس القرآن الكريم، وأصبحت وكأنها شهادة اعتراف أو رخصة من وزارة الداخلية؛ يضعها في محفظته ويتسول بها أو يبزنس بها؛ من أجل المناصب، وهذا هو الخطر الذي سيأتي على ميراث ينبغي أن يجدد من الداخل، وترجع له هيبته ووظائفه الروحية والإنسانية؛ لأننا أيضاً نحتاج ممكن من ناحية أخرى إلى هذا الميراث، في القضية الوسطية وفي قضايا السلم والمحبة. لكنَّ الدخول عليه وإبقاءه في مجال الدروشة والانحراف في أهدافه النبيلة.. طبعاً سيؤثر على المجتمع وتتحول الصوفية بعد سنوات إلى طائفة، وهذا هو الخطر؛ لأنه وقعت أحداث في بلدان عربية أن مشرباً صوفياً أصبحوا يكفرون مثلاً الوهابية. هذا خطر؛ لأن معناها الطريقة الصوفية التي هي أسسها الحب والتعايش والتسامح (أصبحت قطباً سياسياً دينياً)؛ لأن المذاهب عموماً تاريخياً تدريجياً قد تنغلق، وانغلاقها يؤدي إلى تطرفها..”.
تحول الصوفية في البلدان العربية
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “فالصوفية أشهد الآن أنها بدأت تتحول في بعض البلدان العربية والإسلامية إلى طائفة، وعندما تتحول إلى طائفة تغلق وتصبح تمارس نفس الممارسات التي انتقدتها في الطائفة السابقة؛ وهذا تاريخياً”.
ما العمل للحيلولة دون هذا الانغلاق؟
قال د.بومدين بوزيد: “للحيلولة دون هذا الانغلاق؛ ينبغي أن نشجع أي تجديد من داخل المتصوفة.. هناك شباب جديد يريد أن يفكر بطريقة جديدة؛ يستخدم وسائل التواصل الجديدة في التعبير عن أفكاره، التركيز على الشباب المتصوف الجديد وتعليمه العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ أي يصبح علم الاجتماع والفلسفة والعلوم الاجتماعية جزءاً من المنظومة التدريسية في تكوين الأئمة.. في معاهد تكوين الأئمة، في كليات الشريعة، وأيضاً عند الزوايا التقليدية، هذا عامل. عامل ثانٍ؛ هو التوقف عن الاستغلال والتوظيف الأيديولوجي الزائد لهذه الزوايا؛ سواء أكان في انتخابات أم غير انتخابات، لأن التوظيف هذا يعطي له القوة ويعطي له الغطرسة، وبالتالي يتحول إلى رافض للآخرين؛ إما معي وإما ضدي”.
هل استمدت الطرق الصوفية شرعيتها من النص القرآني أم الطقوس؟
واختتم د.بومدين بوزيد بالإجابة عن سؤال “هل تستمد هذه الطرق شرعيتها من النص القرآني أم من الطقوس التي تراكمت على مدار الزمن، وبالتالي أصبحت طريقة صوفية تقول إنها مسلمة؛ لكن العلاقة بينها وبين النصوص ضعيفة؟”، قائلاً: “صحيح، وحتى إذا لاحظت تفسير القرآن الكريم ما يُسمى بالتفسير الإشاري؛ هو قليل عند المتصوفة، يعني ارتباطهم بالنص القرآني يفسر كمية التفاسير، إذا ذكرنا روح المعاني للألوسي أو غيره من التفسير الإشاري.. هو قليل؛ فيه تفسيرات تحاول أن تجمع ما بين التفسير كما هو معهود عند القرطبي وعند ابن كثير، والتصوف والصوفي.. هناك محاولة لهذا الجمع؛ لكن غالباً الميراث الصوفي هو ميراث المشايخ، هو ميراث النصوص التي تصل إلى القداسة.. يعني مثلاً روح المعاني للتيجانية، هناك نصوص تشكل قداسة عند التيجانيين ينبغي أن تقرأ، وكأنه صحيح البخاري”. (لدرجة أنها طغت على النص القرآن.. غير موجود في ثقافتهم؛ يعني قليلاً جداً)؛ ولذلك ينبغي العودة هنا إلى النصوص القرآنية الأساسية التي تتحدث عن النفس البشرية وعن رفض الأهواء..”.
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة وهران في الجزائر: “.. هو هذا؛ هو المعنى الصوفي الذي تحدث عنه القشيري وأبو طالب المكي، صاحب (قوت القلوب)، وعن الغزالي في (إحياء علوم الدين) عندما تحدث عن ربع المهلكات وربع المنجيات، وقال إن المهلكات للمجتمع البشري وللفرد؛ هو الطمع والحسد والبغضاء والكراهية، وهذا هو القرآن الكريم؛ عندما كان في مكة أو في المدينة، خصوصاً في مكة عندما كان ينبذ وينتقد التجار غير الورعين، والربا هو ليس الربا مالية في حد ذاتها؛ لأنها فيها استغلال؛ يعني القرآن الكريم هو ضد السلوكيات النفسية المصاحبة للعمل التجاري من بغض وحسد وكراهية.. إلى آخره. أعتقد أن التصوف هو هذا؛ هو تطهير النفس وزكاة النفس من ربع المهلكات التي تحدَّثَ عنها الغزالي”.