مقدمة عن مفهوم “الكتاب” في القرآن الكريم
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقةٍ جديدةٍ من بدايةِ موسمٍ جديدٍ من برنامجِ مفاهيم، وكالعادة نلتقي الدكتور يوسف أبو عود، أهلًا بك دكتور.
يوسف: أهلًا وسهلًا بك دكتور.
باسم: موسمٌ جديدٌ إنْ شاءَ اللهُ مُباركٌ لك.
يوسف: إنْ شاءَ الله.
باسم: في حلقات الموسم السابق تطرّقنا إلى الكثير من المفاهيم القرآنية وعلاقتها باللسان، تطرّقنا مثلًا إلى القصص القرآني والأمم التي أهلكت، ومفاهيم مثلًا الملّة اليهودية والملّة النصرانية، وعاد وثمود ومفهوم الله والإسلام إلى آخره، وبالتالي ركزنا الكثير، ألقينا مزيدًا من الضوء على هذه المفاهيم وعلاقتها وكيف تُفهم لسانيًّا. في الموسم الجديد أحببنا أن ندخل أكثر في عمق القرآن والكتاب، وبالذات على مرحلة الإنزال الثاني للكتاب، مرحلة النبيّ الكريم محمد عليه السلام، ونحاول أن نتطرّق إلى مثلًا مفهوم الكتاب والقرآن والذّكر والفرقان والحكمة والسُّنّة وإلى آخره.
يوسف: طيب، شكرًا لك دكتور، وأهلًا بالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات، وهو بالفعل حقيقةً ما انتهينا إليه من الموسمين السابقين هو النزول الأوّل للكتاب على موسى ومرحلة بني إسرائيل. الآن تبع هذا النزول الثاني للكتاب، فيعني حريّ بنا أن نبدأ أوّل ما نبدأ بمفهوم الكتاب، لأن التوسّع الكبير لمفهوم الكتاب واقتران أو ظهور كلمة القرآن إنما جاء بعد النزول الثاني، يعني نحن لا نجد كلمة القرآن كانت موجودةً في النزول الأوّل للكتاب الذي أُنزل على موسى وما قفّى الله بعده من الرسل، وإنما ظهرت في عهد الرسالة الخاتمة.
باسم: هذه تسمية جديدة في الحقيقة.
يوسف: أي نعم، تسمية جديدة.
باسم: يمكن نلقي المزيد من الضوء حول مدى دقة هذا الوصف لما وقع.
يوسف: بالضبط امتداده يعني، طيّب، أوّلًا مفهوم الكتاب، طبعًا الجذر اللغوي أو اللساني لنقول كلمة كتاب هو كَتَبَ، والكَتْبْ معناه الجمع لنظام، الجمع الذي يُقصد به إحداث نظام معيّن، هذا هو الكَتْبْ، ومنه تسمّى كتيبة الجيش مثلًا كتيبة، ثم بعد ذلك سُمّي الكتاب الذي يتعلّق بموضوع معيّن أو يحاول طبعًا لمّ شتات موضوع معيّن سمّي كتابًا. الآن قبل أن نتحدث عن الكتاب المضاف إلى ربّ العزّة سبحانه، نجد مثلًا في قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: “اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” (سورة النمل: 28). فهنا أضيف الكتاب إلى سليمان عليه السلام، ولاحظ القرآن يعْطيك مجالًا أن هناك سماحًا لاستخدام كلمة الكتاب مع غير الله، لأنه ليست أيّ كلمة في القرآن تُسْتخْدم مع غير الله، هناك كلمات خصّها القرآن بالله، مثل كلمة سُنّة، وسنأتي إليها في مجالها. إذن هذا ليس اعتباطًا، هنا لمّا يقول على لسان سليمان: “اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” (سورة النمل: 28)، نفهم أن هناك مُتَّسَعًا في استخدام كلمة كتاب فيما يتعلَّق بالبشر في الأمرِ المسطورِ أو المكتوب، ولمَّا وصل الكتابُ إلى الملكة: “قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ” (سورة النمل: 29)، هنا طبعًا قد يقول قائلٌ: لا هو سليمان، الكتابُ الذي أرسله ربما يكون جزءًا من رسالته، لأنَّها قالت: “إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ” (سورة النمل: 30)، فإذن قد يكون هناك إشكالٌ أنه حتى الكتابَ الذي أرسله سليمان هو جزءٌ من الكتابِ الذي أُنْزِلَ إليه، بحكمِ الإنزالِ الذي أُنْزِلَ إلى سليمان.
لكن نجد هذا الاستخدام على مستوى البشر في أماكنَ أخرى في القرآنِ الكريم، مثلًا قال تعالى: “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا”، (سورة النور: 33). فهنا لا بد أن نفهم معنى الكتاب، لأنه سيُعْطِينَا إضاءةً قويةً جدًّا على فهمِ معنى الكتاب قبل أن ندرسَ إضافتَه إلى الله.
باسم: يعني هنا يُعْطِي، وكأن الكتاب شيء فعلًا مكتوب في جزء ما، أو ورقةٍ أو ما شابه.
يوسف: هذه واحدة، وفيه نظامٌ لأمرٍ، يعني لاحِظ: “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ”. هذه فكرة، “وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”، طبعًا ملك اليمين هو أحد المفاهيم التي سيأتي لها حلقتُها المنفصلة، لأنه يحتاج إلى تفصيلٍ كبير، لكن ما يهمنا هنا أنَّ ملك اليمين هذا، هو تحت سيِّدِه، يعني يعمل بأجرة لسيِّدِه.
باسم: يعني وفق اتفاقٍ أو وفق عقدٍ أو وفق..
يوسف: موجود، الآن ما الذي يطمح إليه؟ يطمح أن يتحرَّر ليصبح يعني مستقلًّا في حياتِه وعملِه، منتجًا بذاتِه، فالآيةُ تَحُثُّ على السماح بهذا وإعطاءِ الفرصةِ له، تَحُثُّ أصحابَ العمل معناها، أنه إذا هناك من الأُجَراء من أراد أن يعمل معك كتابًا معيَّنًا، عقدًا يعني، تَكْفَّلَ بمهماتٍ معيَّنةٍ، قال لك: أنا سَأُنْجِزُ لك كذا وكذا وكذا..
باسم: فكاتبوه.
يوسف: خلال المدةِ الزمنيةِ الفُلانية.
باسم: يعني “ممَّا ملكت أيمانكم”، بهذه الآية المقصودُ فيها أجيرُ العمل؟
يوسف: طبعًا.
باسم: الموظف.
يوسف: الموظف الذي لا يستقلّ بأن يُولِّد ما يعتاش به، يحتاج إلى أن يعمل تحت إمرة سيِّدِه حتى يحصل على ما يعتاشُ به. الآن أصبح عنده طموح ارتفع، يريد أن يُنْهِيَ هذا العمل، هذا النوع من الإيجار، فماذا يفعل؟ يبتغي الكتاب، أن يطلب نظامًا، يريد أن يضع نظامًا، إنجاز مهمات معيَّنةٍ في فترة زمنية معيَّنة، مقابِلُه خلاص، تنتهي علاقتُه بسيِّدِه وينفكُّ عن عقدِ العمل هذا.
باسم: هنا: “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا”.
يوسف: هذا موضوع ثانٍ له علاقةٌ بالنكاح، ولكن ليس فيه كلمةُ كتابٍ.. هي مقدمةُ الآية هكذا..
باسم: “حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا”.
يوسف: نعم، شوف: “إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ”، أيضًا يُحِثُّ..
باسم: هل النكاح هنا مربوط بالزواج مثلًا أم..؟
يوسف: هذا النكاح دكتور له كتابٌ كاملٌ منفصلٌ، يعني تعرف، وسيأتي أيضًا له مناقشتُه، لكن أيضًا ملك اليمين قدرتُه قاصرة على النكاح، لذلك رُبِطَ في هذه الآية، لأن تحمُّل مسؤوليات النكاح بأكملِها، في كثيرٍ من الأحيان، الإنسان إذا كان في مرحلةِ ملك اليمين ربما يضعف عنها، ولذلك قال: “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ”، يُحِثُّ على الاستعفاف حتى يصبح غنيًّا.
باسم: لاحِظ هنا فيه ترابطٌ ما بين لفظتين ما بين: “الذين لا يجدون نكاحًا حتى يُغْنِيَهُمُ اللهُ من فضلِه”، “والذين.”. هل يتحدث هنا عن مجموعتين بشريَّتين، أو مجموعتين من الموظفين مثلًا، “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ..” فكأن.. مجموعتين..
يوسف: كأنَّه يُشِيرُ لك أن الوصول إلى مرحلة الغِنَى التي يستطيع فيها أن يقوم بعبءِ النكاح الحقيقي يحتاج إلى التحرُّر، يحتاج إلى أن يصبح منتجًا وليس فقط أجيرًا، وهذا على فكرة فكرةٌ في قمة التطوير المدنيِّ والتجاريِّ للمجتمعات، أنه تغْرَسُ طموحًا في كلِّ إنسانٍ أن يكون مستقلًّا وصاحبَ عمل منتجًا، ولا يقضي عمرَه أجيرًا. لاحِظ هذا تُغْرَسُ فكرةٌ في الجيلِ الناشئ، أنه حتى لو مرَّت بك فترةٌ في حياتك أنت مضطرٌّ أن تكون فيها أجيرًا، لكن ضع في ذهنك أنه لن تصل إلى الغِنَى ولن تقوم بالأعباء..
باسم: إلا إذا كنت حُرًّا..
يوسف: بالضبط. فهنا تُحِثُّ الأسياد أو أصحاب الأعمال أن من وجدت فيه الطموح على هذا والقدرةَ، “إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا”، إذا وجدت فيه الخير وطلب الكتاب فكاتِبْهُ، أي وافق له على هذا العقد الذي يُنَظِّم عملية التحرُّر من التبعية، ويُحِثُّ الآخرين، لاحِظ: “وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ”، يعني ساعدوه في إنهاءِ مرحلةِ ملك اليمين حتى يصبح..
باسم: يعني ممكن نُسَمِّيه مثلًا إنهاء خدمة مثلًا؟
يوسف: إنهاءَ خدمةٍ والوصولَ إلى الحُرِّيَّة المالية، وهذه النقطة هو سيصل.. لماذا سَيُنْهِـي خدمته؟ استغنى..
باسم: أو مكافأة إنهاء الخدمة؟
يوسف: استغنى لكن بقي مرتبطًا بالعقدِ مع سيِّدِه. الآن هذا العقدُ المفتوحُ يعني يمكنُ أن يقولَ له لا، أنا لن أتركك، أنت مُلْزَمٌ بالعملِ معي، هل القرآنُ يسمحُ بهذا؟ لا، يقولُ له: “فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا”.
لكن أهمُّ شاهدٍ فيما يتعلَّقُ بموضوعِ الكتابِ ما هو؟ أنا أريدُ أن أفهمَ ما هو تصوُّرُ الكتاب؟ يعني الكتابُ هنا لأنَّه لم يُضَفْ إلى اللهِ يُعْطِيكَ صورةً في الواقعِ وفي الحياةِ ما هو الكتاب: إنَّه نريدُ أن نعملَ نظامًا يُؤدِّي إلى تحرُّرِ ملك اليمين من التبعيَّة لسيِّده فيصبحَ مستقلًّا. هذا النظامُ يقتضي مجموعةً من المهمات أو الدفعات الماليَّة المعيَّنة والالتزام بها في وقتٍ معيَّنٍ، الآن متى ما وضعُ هذا النظام يُسَمَّى كتابًا، لكن إذن هو له بُعْدٌ عمليٌّ، الكتابُ معناها أساسٌ نظريٌّ يُنَظِّمُ ما سيصبحُ لاحقًا عملًا.
هل الكتاب يُحرر الإنسان من التبعية؟
باسم: عندي نقطةٌ تتعلَّقُ بالآيةِ نفسها، وكأنَّ أنا فهمتُها كذلك أنَّها تُخَاطِبُ مستويين من الناس.
يوسف: نعم.
باسم: يعني “الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ”، أطلبُ منهم الاستعفاف أو أن يستعفُّوا، “وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ”، يعني يوجد مجموعتان؟
يوسف: صحيح، لماذا؟ لأنَّ الذي ما زال ملك يمين لم يصلْ إلى الغِنَى الذي يُؤَهِّلُه للنِّكاح لنقل المريح، هذا هو. فالقرآنُ يطلبُ منه أن يَسْتَعِفَّ حتى يصلَ إلى مرحلةِ الغِنَى، ثم يقولُ له: من سُبُل الوصول إلى مرحلةِ الغِنَى التخلُّصُ من ملك اليمين والوصول إلى مرحلة الحُرِّيَّة الماليَّة أن تصبحَ أنت صاحبَ عمل، أنت مُنْتِجًا بنفسِك لنفسِك ما تحتاجُهُ لنفسِكَ. هذا هو الترابطُ بين موضوعي الآية.
باسم: أنت متفقٌ معي أنَّ الآيةَ تُخَاطِبُ مستويين من الموظفين مثلًا جَدَلًا؟
يوسف: هي تتكلَّمُ عن موضوعين لمستوى من الموظفين: الموضوعُ الأوَّلُ أنَّه لم يتحرَّرْ فيستعفَّ عن النكاح لأنَّ له مسؤولياتٍ كبيرةً، لكن يستعفَّ ويجلس أم يسعى إلى التحرُّرِ وإلى الغِنَى الذي به يصبحُ قادرًا على النكاح..
باسم: فهمت عليك.
يوسف: هذا هو المستوى الثاني في الآية أو الفكرةُ اللاحقةُ في الآية.
يوسف: المهمُّ فكرةُ الكتابِ هنا أخذنا صورةً، يعني الآن لما نتحدث.. سنُضِيفُ الكتابَ إلى اللهِ بعد ذلك، سنفهمُ أنَّه مجموعةٌ من الأنظمةِ والمحدِّداتِ المُتَرَابِطَةِ التي تُعْطِينَا في النهايةِ عملًا، وليست فقط مجرَّد أشياءَ نَتَبَرَّكُ بها. هذه نقطةٌ مهمَّةٌ جدًّا، ليس كلامًا فقط يُقْرَأُ فيَنَالُ الأجرَ على مجرَّدِ قراءتِه بالألفاظ.
باسم: يعني إذا لم يتحوَّلِ الكلامُ إلى فعلٍ، يصبحْ مجرَّدَ كلامٍ أو يبقَ مجرَّدَ كلامٍ.
يوسف: يأخذُ من مُسَمَّى الكتابِ القِشْرَةَ ويغيبُ الجَوْهَرُ الحقيقيُّ لمعنى كلمةِ كتابٍ. أصلًا هذا ليس كتابًا في هذه الحالة، ليس كتابًا، لماذا؟
باسم: يظل قصةً.
يوسف: مثلُ قصة، رواية، ولكن خيال، مجرَّد خيال. إذًا الكتابُ بطبيعتِه هو شيءٌ قابلٌ للتحويلِ إلى عملٍ. لذلك مثلًا هناك كثيرٌ من الأفكارِ الفلسفيَّةِ خيالٌ، لماذا؟ هي خيالٌ طَرَأَ في ذهنِ الفيلسوفِ، أكبرُ دليلٍ على أنَّه خيالٌ أنَّه لا يمكنُ ولا يتسنَّى يومًا ما أن يصبحَ عملًا، لكن اللهُ سبحانه وتعالى ما أنزلَه إلى الناسِ هو شيءٌ عمليٌّ يمكنُ أن يتحوَّل إلى عملٍ..
باسم: أو من الضروريِّ أن يحوِّلَه الناسُ إلى فعلٍ.
يوسف: هو إذا لم يُحَوَّلْ معناها العبءُ على الناسِ، هذا هو. فكما شرحنا هذا في مفهومِ هذه الآيةِ، أنَّه شيء صحيحٌ يُوضَعُ على شكلِ أشياءَ مَسْطُورَةٍ، ولكنَّه يُوضَعُ ليتحوَّلَ إلى عملٍ.
ما الفرق بين الكتاب المسطور والمنظور؟
يوسف: طيِّب، الآن أوَّلُ آيةٍ تتحدَّثُ عن الكتابِ في القرآنِ الكريم في سورةِ البقرة، لاحِظ: “الم” (سورة البقرة: 1)، “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ” (سورة البقرة: 2). طبعًا هذا سؤال، يعني أنت لو فتحتَ أيَّ كتابٍ من كتبِ التفسير كلُّ المفسِّرين استغربوا من الموضوع: لماذا “ذلك” وليس “هذا”؟
باسم: يعني اسمُ إشارةٍ للبعيد.
يوسف: بالضبط، يعني يُفْتَرَضُ للوهلةِ الأولى أنت لمَّا تقول: الكتابُ بين يديَّ وأنا أقرأُ فيه، فلماذا يقولُ: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” (سورة البقرة: 2)، وكأنَّه يفتحُ سؤالًا بعيدَ المدى جدًّا لموضوعِ الكتابِ والتأمُّلِ في الكتابِ. فلمَّا نبحثُ في القرآنِ نجدُ أنَّ الكتابَ له بُعْدَانِ، وقلنا هذا كثيرًا إشارةً في حلقاتٍ سابقةٍ أنَّ الكتابَ له بُعْدُ الكتابِ المَسْطُورِ وله بُعْدُ الكتابِ المنظورِ، وهما لا يفترقان، وهذا الآن سنتعمَّقُ فيه تعمُّقًا أَتَوَقَّعُ أن يكونَ جميلًا مفيدًا جدًّا.
أوَّلًا: أمَّا البُعْدُ المَسْطُورُ فنجدُه مثلًا في قولِه تعالى: “وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ” (سورة الطور: 1-2)، صح، و”وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا” (سورة الإسراء: 58)، فنجدُه في أكثرَ من آيةٍ.
ثم أيضًا يُشِيرُ القرآنُ أنَّ هذا الكتابَ المَسْطُورَ يُقْرَأُ، وهذه نقطةٌ مهمَّةٌ جدًّا، “أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ” (سورة الإسراء: 93).
إذن الكتابُ يُسطرُ؟ نعم، والكتابُ يُقْرَأُ؟ نعم، فهذه فيها ترجيحٌ كبيرٌ جدًّا أنَّ الكتابَ نزل مَسْطُورًا أيضًا، بمعنى ما سُطِرَ في المصاحفِ، يعني أُرِيه الرسولُ عن طريقِ الوحيِ، عليه الصلاةُ والسلام، لماذا؟ لأنَّه يقولُ لك: الكتابُ مَسْطُورٌ، لذلك نحن دائمًا قضيةُ الرَّسْمِ إلى الآن لم تُعَالَجِ المعالجةَ الحقيقيةَ.
باسم: تقصدُ الرَّسْمَ القرآنيَّ أو الصيغةَ التي كُتِبَ بها القرآنُ؟
يوسف: هذا السطرُ، دعنا نُسَمِّيه: السطرَ القرآنيَّ. لأنَّه: “وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ” (سورة الطور: 1-2)، فبمصطلحِ القرآنِ يُسَمِّيه سطرًا.
باسم: صحيح.
يوسف: هذا هو. إذن هذا الكتابُ المَسْطُورُ لا يوجد إشكالٌ، الآن الكتابُ المنظورُ. أين نجدُ الإشارةَ إلى الكتابِ المنظورِ في القرآنِ الكريم؟ إشاراتٌ كثيرةٌ، وعلى فكرة الكتابُ المنظورُ دائمًا يُعْطِيكَ مفاتيحَ لدراسةِ الكونِ.
باسم: كيف؟
يوسف: مثلًا: “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ” (سورة الأنعام: 38). هنا لمَّا تقولُ تكملةَ الآية: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” (سورة الأنعام: 38) لا يمكنُ أن يكونَ الكلامُ هنا عائدًا على الكتابِ المَسْطُورِ، إلَّا كإشارةٍ، معناها أنَّ اللهَ بما أنَّه أشار لهذه الفكرةَ في الكتابِ المَسْطُورِ، هذا ما يتعلَّقُ بالكتابِ المَسْطُورِ، وخَلَاص، أمَّا فهمُ تفاصيلِ هذا الكتابِ هو يُحِيلُكَ إلى ماذا؟ إلى الدوابِّ وإلى الطيورِ. ما فائدةُ هذه الإحالةِ؟ يعني يقولُ لك: لا تنظرْ إلى أيِّ دابةٍ في الكونِ على أنَّها موجودةٌ اعتباطًا، صحيح؟ يقولُ لك: أُمّة، يعني يجتمعُ بعضُها مع بعضٍ وتُشَكِّلُ منظومةً مع بعضِها، وأيضًا الطيورُ. طيِّب، الآن متى بدأ الإنسانُ يُفَكِّرُ في موضوعِ الطيرانِ بشكلٍ جِدِّيٍّ؟ لمَّا اقتنعَ أنَّ الطيرانَ كتابٌ، معنى كتابٍ: أي له أسسٌ نظريَّةٌ، وهذه الأسسُ النظريَّةُ إذا بدأنا تحويلَها إلى عملٍ سيصبحُ لنا، سيصبحُ في إمكانِنا القدرةُ على.. والدوابِّ…
باسم: يعني الإنسانُ استنبط قوانينَ الطيرانِ من المشاهدةِ؟
يوسف: طبعًا.
باسم: في الكتابِ المنشورِ؟
يوسف: لكن راح يبحثُ في الكتابِ المنشور أو المنظورِ عن قوانينِ الطيرانِ، يبحثُ عن الكتابِ، هذا كتاب الطيران، ما هو كتابُ الطيرانِ، صحيح؟ كيف تستخرجُه من الكونِ. لأنَّه دكتور، نحن تحدَّثْنَا كثيرًا عن السُّنَنِ الكونيةِ، وبعضُ الناسِ يَسْتَكْبِرُ علينا: أنت تتحدَّثَ عن الفيزياء والكيمياء! معظمُ القرآنِ يتحدَّثُ عن الفيزياء والكيمياءِ والأحياءِ، معظمُ القرآنِ يُشِيرُ لك إلى التعمُّقِ في هذا، تخيَّلْ لو فُعِلَ هذا منذ اللحظةِ الأولى لنزولِ الوحيِ أين كُنَّا الآن سنكونُ؟
باسم: فالناسُ فَعَّلُوا البخاريَّ!
يوسف: تعرف: “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” (سورة الفرقان: 30)، وفي الأخير الخسارةُ لعدمِ تفعيلِ الكتابِ. “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ” (سورة الأنعام: 38) هذا كتابٌ، صح؟ الآن مثلًا حصل هناك مرضٌ، هذا المرضُ سببُه جرثوميٌّ أو بكتيريٌّ أو فيروسيٌّ، كان الناسُ يعيشون فترةً طويلةً جدًّا على الخرافاتِ، إنَّه مرضٌ، لماذا يصيرُ المرضُ؟ فيه جِنٌّ لَبِسَه، فيه لا أدري ماذا، انتهى، هكذا صار المرضُ وانتهى، هكذا أراد اللهُ. طيِّب هكذا أراد اللهُ ولكن أراده بكتابٍ، فلو بحثتَ عن حركةِ هذه الدابة التي سبَّبَتِ المرضَ، لأنَّه لا يمكنَ أن يتحوَّلَ شيءٌ ساكنٌ إلى وضعٍ متحرِّكٍ أو يتغيَّرَ عليه حالُه إلَّا بسببٍ. ابحث..
باسم: هنا المقصودُ بالدابةِ..
يوسف: كلُّ ما يدبُّ.
باسم: كلُّ ما يدبُّ على الأرضِ؟
يوسف: كلُّ ما يدبُّ، نعم.
باسم: وليس مجرَّدَ يعني، البغل والحمار و…؟
يوسف: لا، لا، لا، لا، لا، كلُّ ما يدبُّ هو دابَّةٌ، يعني الدالٌ حرف دفع، والباءُ حرفُ انبثاق وتحولٍ من جهةٍ إلى أخرى..
باسم: فيشملُ حتى الحشراتِ؟
يوسف: طبعًا، كلَّ ما فيه حركةٌ، يشملُ الفيروساتِ والبكتيريا أيضًا، لأنَّ حركةَ الدَّبّ موجودةٌ أم لا؟
باسم: موجودةٌ لا شك.
يوسف: بالضبط، هذا هو. حركةُ الدَّبّ موجودةٌ، يوجدُ حركةٌ أصلًا، لو ما فيه حركةٌ ما فيه حياةٌ، انتهى. لكن الفيروس مثلًا في علمِ الأحياءِ يقولُ لك: هو كائنٌ شِبْهُ حيٍّ، يعني دبيبُه يحصلُ فقط إذا دخل في كائنٍ حيٍّ آخر يتطفَّلُ عليه فيعيشُ عليه ويندمجُ مع الكروموسومات أو المُوَرِّثات، لكن هذا هو كتابُ دَبِّهِ إن صحَّ التعبيرُ. لمَّا فهمنا طريقةَ دَبِّ الفيروسِ وطريقةَ دَبِّ البكتيريا وطريقةَ دَبِّ الفطرياتِ وغيرها من الكائناتِ، حتى الكائناتِ البحريةِ، بدأ الإنسانُ يستفيدُ من هذا كثيرًا في علاجِ الأمراضِ، في تطويرِ الحضارةِ، في إنتاجِ الأشياءِ المشابهة لبعضِ هذه الدوابِّ ممَّا يخدمُ حياةَ الإنسانِ.
يعني انظر آيةً واحدةً تفتحُ لك بابًا كبيرًا جدًّا، يقولُ لك: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ” (سورة الأنعام: 38).
باسم: يعني توكيد على أنَّ الكتابَ المنشور ما فيه شيءٍ مُفَرَّطٍ فيه.
يوسف: أي نعم، يعني لو درسته بعمقٍ وإتقانٍ وحيادِيَّةٍ..
باسم: ستكتشفُ كلَّ شيءٍ.
يوسف: ستكتشف، هذا هو معنى تسخيرِ السماواتِ والأرضِ.
طيِّب، في آيةٍ أخرى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ” (سورة هود: 6). الآن هنا لا يتحدَّثُ عن فكرةِ الدَّابّة كدبيبٍ أو دَبٍّ، إنَّما يتحدَّثُ عن الرزقِ، وحركةِ الدابَّةِ في تَوَلُّدِها ويعلمُ مُستقرَّها ومُستودَعَها. طيِّب، ما معنى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا”؟
كثيرٌ من الناسِ أخذ هذه الفكرةَ أنَّه اتكاليَّةٌ، خلاص..
باسم: أنَّه خلاص الرزقُ عند الله سيأتي متى يأتي. وبالتالي..
يوسف: طيِّب، أنا أرى بعضَ الدوابِّ تموتُ من الجوع..
باسم: صح.
يوسف: وبعضُ الناسِ يموتون من الجوع، وبعضُ أشرارِ البشرِ يُمِيتون ناسًا من الجوع.
باسم: بمنعِ الطعامِ عنهم. طيِّب، الآن ماذا أستفيدُ من الآيةِ؟ لمَّا يقولُ لك: “إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا”، ثم يقولُ لك: “كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ”، أيِّ أنَّ الله وضع كتابًا كفيلًا بأنَّ كلَّ دابةٍ يوجد لها رزقُها، قد يقفُ البشرُ في الوسط، قد تقفُ عواملُ طبيعيةٌ في الوسط، هذا دورُ الإنسانِ، أنَّه أنت ستفهم.. والإنسانُ الذي فَكَّرَ بعقلٍ فِطْرِيٍّ حُرٍّ حسّنَ كثيرًا جدًّا في أحيانٍ كثيرةٍ على غذاءِ النباتاتِ وعلى غذاءِ الدوابِّ وعلى غذاءِ الحيواناتِ وأساء أيضًا، فيه سلوكٌ صحيحٌ وفيه سلوكٌ شيطانيٌّ، أحيانًا أساء فَخَرَّبَ رزقَ هذه الدوابِّ فَخَرِبَتِ الدوابُّ.
باسم: خاصةً أنَّ الآيةَ تقولُ: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا”، ما قال: إلا عند الله رزقها.
يوسف: هذا هو، “إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا” وليس إلا عند الله رزقها، “عَلَى اللَّهِ” يعني تَكَفَّلَ بهذا الموضوع من خلال ماذا؟
باسم: القوانينِ.
يوسف: من خلال القوانينِ: “وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا”. هذا أيضًا يَحُثُّكَ على دراسةِ حركةِ تَوَلُّدِ وتشكُّل الكائناتِ، لأنَّ الدوابَّ تمرُّ بمرحلةِ الاستيداعِ ومرحلةِ الاستقرارِ، الاستيداعُ معناها فترةٌ مؤقتةٌ. طيِّب، أليس الآن العلمُ لمَّا تَعَمَّقَ كثيرًا عَرَفَ مستودعَ كلِّ دابَّةٍ من خلال الجينوم، الَّذي هو مجموعةُ الصفاتِ الوراثيةِ؟
باسم: صح.
يوسف: وصارت هذه المعرفةُ كفيلةً بأنه حتى على مستوى الجينوم نبدأ بالتحسينِ قبل أن نُفَاجَأَ بـِ -مَثَلًا- دوابَّ أو غيرها حتى من البشر فيها أمراضٌ.
باسم: صح.
يوسف: فلمَّا تعرف مرحلةَ المستودعِ ومرحلةَ أيضًا المُسْتَقَرِّ، الذي من أمثلتِه مثلًا الاستقرارُ في الرَّحِمِ.
هل يعتبر الكتاب منهجًا للحياة أم مجرد نصوص للبركة؟
باسم: تعرف أنَّ الآيةَ واضحةٌ: الكتابُ المسطورُ والكتابُ المنشورُ، واضحةٌ، كيف فات على عقلِ المُشَرِّعِ الإسلاميِّ على مدارِ ألفٍ وأربعمائةِ عامٍ، لم يتطرَّقْ مطلقًا إلى أنَّ المقصودَ بالكتابِ “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (سورة الأنعام: 38)، أنَّ المقصودَ هو ليس القرآنَ الذي بين أيدينا؟
يوسف: لا، هو هنا فيه كثيرٍ من المفسِّرين أشاروا إلى هذا.
باسم: فيه؟
يوسف: نعم. طبعًا نحن لمَّا نتحدَّثُ دكتور عن الانحرافِ.. الآن أعطني النتيجةَ أو المُنْتَجَ النهائيَّ لفهم الدِّين إن صحَّ التعبير طبعًا، لأنَّ الدِّينُ شرحنا ما هو معناه، لكن لنقل لفهم رسالة السماء، المنتجُ النهائيُّ لمَّا يقرأ آيةً مثل: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا” (سورة هود: 6) يشعرُ بماذا؟ بالكسل. من أين جاء هذا الشعورُ؟ من فكرةِ ما يُسَمَّى بالقدريَّةِ، إنَّه خلاص، كلُّ شيءٍ..
باسم: كل شيء مخطط له وقُدّر..
يوسف: كلُّ شيءٍ قًدِّر، وكأنَّنا دمى في الحياةِ، فقط.
باسم: وإخلاءٌ للمسؤوليةِ عن الفعل.
يوسف: بالضبط. هي الفكرةُ وُجِدَت. الآن، قرئ النصُّ، رُكِّب النصُّ على الفكرة، وليس أنَّ الفكرةَ هي شرحٌ للنصِّ. لو تُحَلِّلُ النصَّ كلمةً كلمةً لِسَانِيًّا لا يُعْطِيكَ هذا المعنى، لكن لمَّا أنت شَبَّعْتَ رأسَكَ بفكرةٍ ووجدت لسببٍ أو لآخر، إمَّا لشعورٍ بالانهزاميَّةِ أو الضَّعفِ أو غير ذلك من الأسبابِ الكثيرةِ التي ولَّدت فكرةَ أنَّه كلُّ شيءٍ كُتِبَ علينا، فلمَّا تقرأُ آيةً فيها إلمَاحٌ سهلٌ أن تُجَرَّ إلى مساحةٍ أو إلى مكانٍ آخر، فتُفَرَّغ من معناها وتُفَرَّغ من مضمونِها بهذه الطريقةِ.
ومثلُها أيضًا: “مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ” (سورة الحديد: 22)، إذن كلُّ المصائبِ التي تُصِيبُ الناسَ لها كتابٌ، ما معنى لها كتابٌ؟ متى ما اكتشفتَ كتابَ الزلازلِ، متى ما اكتشفتَ كتابَ البراكينِ..
باسم: كتابَ الأمراضِ..
يوسف: يعني الآن اليابان أرخبيلٌ.
باسم: صح.
يوسف: يعني مجموعةُ جزرٍ، واكتشفوا أنَّ هذه منطقة نشاط زلزالي لا يمكنُ مقاومتُه، حتى الآن ليس في قدرةِ الإنسانِ مقاومتُه، لكن اكتشفوا أيضًا أنَّ من ضمن كتابِ الزلازلِ إذا فعلتَ أنظمةً معيَّنةً ستحميكَ من قوةِ الزلزالِ، فراحوا وضعوا النوابضَ (الزنبركات) في الأبنية حتى تُقاوِمَ قوةَ الزلزالِ، فيأتي الزلزالُ وكأنَّه لم يحدثْ شيءٌ. أليس هذا تفعيلًا حقيقيًّا لقوله تعالى: “مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ..”
باسم: “.. إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا”.
يوسف: نعم، “إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ”، فالله وضع النظامَ ووضع الكتابَ، وهو عليه يسيرٌ، ولكن طلب من الإنسان أن يبحثَ فيتعمَّقَ فيستفيدَ فيُقَلِّلَ من المصائبِ أو يُواجِه المصائبَ أو يُطَوِّر على حياتِه.
لكن في الآيةِ اللاحقةِ، طبعًا، لأنَّني أنا لا أحبُّ الاقتصاصَ وأتعاملُ بحيادِيَّةٍ تامة، في الآيةِ اللاحقةِ ماذا قال؟ “لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ” (سورة الحديد: 23)، لأنَّه قد يقول قائل: أنا الآن في منظومةٍ لا أستطيعُ أن أعملَ شيئًا وحدي، مثلًا، منظومة الزلازل والبراكين، هناك بعضُ الأحداثِ إلى الآن ليست في قدرةِ الإنسانِ، صحيحٌ أنَّ الإنسانَ في قدرتِه أن يبحثَ عن الكتابِ فيعرفَ الأسبابَ، لكن ليس في قدرتِه أن يُحِيط، هذا أوَّلًا. ثانيًا ليس في قدرتِه وحده أحيانًا أن يفعلَ شيئًا. في هذه الحالة يقولُ لك اللهُ سبحانه وتعالى: خلاص، أنت فعلتَ ما عليك، فإذا حصل الأمرُ بسبب المنظومةِ الكليَّةِ أو التقصيرِ الكُلِّيِّ وقد كنتَ فعلتَ ما تستطيعُ، فلا تأسَ على ما فاتك، ولا تفرحْ أيضًا، يعني لا تَغْتَرَّ بما آتاكَ إذا لم يكن حقيقةً عن طريقِ تفعيلِ كتابِ، لأنَّه مثلًا أنا أتاني نقودٌ كثيرةٌ أو جاهٌ كثيرٌ أو سلطانٌ كثيرٌ بدون ما يكون هذا الإتيانُ سببُه تفعيل حقيقي لمنظومةِ الكتابِ، إنَّما، يعني لنقل أفعالٌ خارجيَّة، خارجة عن إرادتي أدَّت إلى وصولِ مالٍ، ميراثٍ إليَّ أو جاهٍ أو سُلطة. هل أفرحُ بهذا؟ لا، لأنِّي سأفقدُه أو سأسيء استخدامه. إنَّما عليَّ أن أبحثَ كيف أتعاملُ معه، فأدرس الكتابَ مرةً أخرى، إذا أردتُ فعلًا أن تكونَ الأحداثُ الإيجابيَّةُ أو السلبيَّةُ تسيرُ في مسارِها الصحيحِ فلا تُؤَثِّرَ على الإنسانِ، يجبُ العودةُ إلى دراسةِ الكتابِ.
باسم: كلامٌ سليمٌ، صح.
لماذا تتأخر العقوبة ويؤخّر الجزاء؟
يوسف: طيِّب، الآن القرآنُ يُشِيرُ إلى كتبٍ كثيرةٍ، هذه الكتبُ هي كما قلنا هي السُّنَنُ التي نظَّمَ اللهُ عليها الوجودَ: “لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (سورة الأنفال: 68)، وهذا جوابٌ عن سؤالٍ كبيرٍ: لماذا لا يُعَاقَبُ المُسِيءُ في نفسِ اللحظةِ التي يُسِيءُ فيها، والظالمُ في نفسِ اللحظةِ التي يظلمُ فيها؟ لأنَّه ليس هذا هو كتابُ اللهِ الكونيُّ، كتابُ اللهِ الكونيُّ أنَّ العقوبةَ ليس دائمًا تأتي مُلاحِقَةً للفعلِ، خلاص هذا نظامٌ موجودٌ في الكونِ. لذلك قال: “لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ”. هذه الآيةُ تشْرحها آيةٌ أخرى، مثلًا: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ” (سورة النحل: 61)، تخيَّل لو أنَّ اللهَ يُؤَاخِذُ الناسَ بظلمِهم؟ لا يبقى على الأرضِ دابَّةٌ. “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى” (سورة فاطر: 45). الآن هذا الأجل قد يأتي في الدنيا أحيانا. وقد يكون إلى يوم القيامة.
طيب، في آيةٍ أخرى: “وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ” (سورة الحجر: 4)، وهذا كلامٌ في غايةِ الأهمِّيَّةِ، هذا يُعْطِينَا رابطًا للحلقاتِ السابقةِ، دكتور، هذا (Hyperlink)، لماذا؟ لأنَّ كلَّ قريةٍ درسناها فعرفنا لماذا أُهْلِكَت، فإهلاكها كتابٌ ينبغي أن يُدْرَسَ، لأنَّه لو تكرَّر التصرفُ بنفس المُعْطَياتِ سيأتي الهلاكُ مرةً أخرى.
باسم: سيأتي نفسُ الكتابِ ويُطَبَّقُ على الحالة ذاتها.
يوسف: بالضبط، هكذا يُتعاملُ، ليس قصصًا، هي تعرف، قصصُ الأنبياءِ للأسف من أكثرِ ما ابْتُذِل أنَّه قصصُ الأنبياءِ شيءٌ للأطفالِ، وكأنَّها رواياتٌ وخيالٌ، وبعد، ماذا غايتُها؟ غايتُها أنَّه إمَّا تَحَوُّلٌ إلى نوعٍ من التقديسِ الذي لم يردْه اللهُ، يعني فقط أنَّه وكأنَّكَ تقرأُ قصصَ الأنبياءِ لتَرْسُمَ شخصيَّاتٍ خياليَّةً وتُقَدِّسَها، وتقتربَ شيئًا فشيئًا من فعلِ عَبَدَةِ الأصنامِ، أو أنَّه للتسلية، أو تلك أمة أو أقوام لا شأنَ لنا بهم، نحن الحمدُ لله مسلمون.
كيف يؤرخ الكتاب للأمم السابقة؟
باسم: آية صغيرة جدًّا، ولكن تحوي من المعارفِ إذا المجتمعاتُ أخذت بها قد تتَّقي شرَّ الفساد أو الظلم الذي يُمَارَسُ في هذه المجتمعاتُ.
يوسف: هو شرّ النتيجة.
باسم: “وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ” (سورة الحجر: 4).
يوسف: هنا قال: “معْلُومٌ” لاحظ، لماذا؟ لأنّ أنا وضعته لك في الكتابِ، يعني حتى هذا أَرَحْتُكَ من عِبْءِ البحثِ في التاريخِ حتى تصلَ إليه، لأنَّ البحثَ في تاريخِ هذه الأشياءِ فيه ضوضاءُ كبيرةٌ جدًّا، فاختصرها الكتابُ وأعطاك إيَّاها، فأصبحت بين يديك، يمكنك أن تقرأَ كتابَ قرية قومِ نوحٍ، وقرية عادٍ، وقرية ثمودَ، وقرية مَدْيَنَ، وقرية قومِ لوطٍ، وحتى قوم موسى وقوم إبراهيمَ، فمن كلِّ أولئك ممَّن كَذَّبَ الرسلَ أُهْلِكَ.
هل يُمكن أن يكون العلم مدخلاً للإيمان؟
يوسف: طيِّب، “قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (سورة الروم: 56)، هذا الكتابُ المؤجَّلُ الذي ذكره في الآيةِ السابقةِ أنَّه يُقَالُ للناسِ يومَ القيامةِ: لَبِثْتُمْ في كتابِ الله، أنت لم تخرج، انتبه، عندما كنت تؤخر عن الفعل..
باسم: “لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ”. صح.
يوسف: أنت كنت ضمن الكتاب مع أنَّك شعرتَ أنَّك خرجتَ عن قوة وسلطان وسيطرةِ الله بما هو قوة عظمى يعني مغلِقة على كلِّ ما في الكون، هو يشعرُ نفسه كما قال فرعونُ: “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ” (سورة النازعات: 24)، لكن هو في يومِ القيامةِ يقولُ لك: أنت كنتَ تَلْبَثُ، لكن لَبْثُك هذا مَحْصُور، مَحْصُور في كتاب الله.
باسم: مَحْصُور في كتاب الله، أي نعم. لاحظت هنا استخدام لفظتين: العلم والإيمان.
يوسف: جميلٌ جدًا.
باسم: وكأن هناك تمييزًا واضحًا ما بين العلم والإيمان.
يوسف: هو قدّم العلم على الإيمان، وهذا قلناه كثيرًا يا دكتور. العلم بما هو في الكون هو ما يؤدّي إلى القناعة بفكرة الكتب التي تولّد الإيمان، ولذلك أنا سأقول هذه الكلمة، لا أدري، أجري على الله. معظم الناس الذين يتعلّمون علمًا حقيقيًا وصافيًا ونقيًا تجده لا يؤذي أحدًا، بل تستطيع أن تؤمّنه على أشياء كثيرة جدًا، يعني ترتقي أخلاقه.
باسم: صح.
يوسف: العلم دائمًا يولّد الإيمان ويقترن معه بالنتيجة الطبيعية، إلا هذا الإنسان أصلًا من الأساس هو لا يريد علمًا، هناك أحد الناس يدخل ميدان علم وهو لا يريد علمًا، يريد جاهًا، يريدون مالًا، إذًا غرضه الأصلي ليس العلم. لكن الذي يدخل العلم وهو متعطّش ويريد أن يفهم كيف بُني الكون، العلم يهذّبه فيوصله إلى مرحلة الإيمان. وهنا يعرف قطعًا أنه لو لم يعاقب إنسان فيستحيل في هذه المنظومة المتماسكة والقوية جدًا التي بُني الكون بناءً عليها، يستحيل أن لا يكون هناك عقوبة وحساب. لذلك قالوا لهم: ” لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (سورة الروم: 56).
لو الإنسان فعّل العلم بالكون سيستنتج أنه لا بدّ أن يكون هناك جزاء.
باسم: صحيح.
كيف يؤثر الكتاب على عمر الإنسان وحياته؟
يوسف: “فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ “، نفس الشيء: ” حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ”. (سورة الأعراف: 37). إذًا حياة الإنسان، المدّة التي يعيشها، هي خاضعة لفكرة الكتاب.
الآن في التقويم أيضًا القرآن يصفه بأنه كتاب كونيّ، وهو قضية مهمة جدًا: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ..”. أي كتاب؟ أكمل: “يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (سورة التوبة: 36). جميل. إذًا نحن نتحدث عن كتاب الخلق، الكتاب الكونيّ.
باسم: الكتاب الكونيّ الشامل.
يوسف: بالضبط. “مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ”. لماذا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا؟ لأن هذه الـ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا كفيلة بدوران الأرض حول الشمس فتتشكل الفصول الأربعة، وهي مربوطة بحركة القمر في دورانه حول الأرض، فتُشكّل 12 شهرًا. ولذلك الشهر الحرام وهذه قضية أخرى طبعًا تحتاج إلى تفصيل ضروريّ، والأشهر الحرم ضرورية، لكن حتى لا نخرج عن حيّز البحث سنتركها إلى وقتها.
باسم: هي حقيقةً هذه الآية –أعتقد– بحاجة إلى مزيد من إلقاء الضوء عليها..
يوسف: هي كتاب. يعني الكتاب الآن سيفصّل إلى كتب، تمام.
هل يمكن للعلم أن يصل إلى النواميس الكونية؟
يوسف: “قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ”. هذه آية في غاية الأهمية؛ لأنه ربما قائل يقول أنت تتكلّف في كل ما قلت، وأنه إذا درسنا الكون وكذا وكذا. طيب هذا النص: لاحظ “قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ”.. هذا جاء في قصة سليمان عليه السلام: “أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ” (سورة النمل: 38-40). ما معناها يأتيه بالعرش قبل أن يرتدّ إليه طرفه؟
باسم: يعني ليس شخصًا جاهلًا.
يوسف: ليس شخصًا جاهلًا. وهذه الآية تعطينا تنبيهًا: إن دراسة الكتاب الكونيّ المنظور ستنقلنا مرحلةً أخرى في التكنولوجيا والعلم. طبعًا –للأسف– حظيت أمم أخرى بهذا المجال، ونحن تركناه؛ لأننا حيّدنا وأبعدنا النصّ. لكن الآية تقول لك: سيصل الإنسان إلى مرحلة ينقل الموجودات قبل طرفة العين، وهذا يؤمن به –على فكرة– العلماء اليوم، ولكنهم يسعون جاهدين إلى تحقيقه شيئًا فشيئًا. من كان يتخيل أنه مكالمة فيديو أو صوت ينقل من أقصى الأرض إلى أقصاها؟ لا أحد كان يتخيل.
باسم: يعني أينشتاين –يبدو لي– قرأ الآية.
يوسف: هو قرأها من كتاب الكون، إن لم يكن قرأها من القرآن فقد قرأها في كتاب الكون. نعم قرأها في كتاب الكون، لما تحدّث عن النظرية النسبية ومقاربة سرعة الضوء وغيرها من المعطيات.
باسم: يعني أينشتاين كان عنده علم من الكتاب.
يوسف: طبعًا طبعًا. الآن الناس سيستكبرون: عنده علم عظيم من كتاب الكون؟ طبعًا، ودرسه بنقاء شديد فلم يصل –لاحظ– لم يصل إلى هذه النتائج التي غيّرت وجه الأرض هو وغيره من العلماء الذين سبقوه مثل نيوتن وكذا، بغضّ النظر عن أنهم يقولون… أنا أقول لك: داروين سعى سعيًا حثيثًا لفهم كتاب المخلوقات من خلال الأحافير. الآن دعك من فكرة العقيدة وربط الموضوع بالمعتقد أو الفلسفة، لكن هل هو حاول أن يفهم: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا”. طيب من الأشياء التي استقرّت فيها الدوابّ، وكان في كتاب الله الأول أنها تستقرّ، أن تحوّل إلى أحافير تكون ضمن الصخور أو ضمن الثلوج أو ضمن غيرها، ليهتدي بها الإنسان فيكتشف سرّ الكتاب.
باسم: ممكن، صحيح.
يوسف: هو قضى ثلاثين عامًا من حياته يبحث في الأحافير، في الكون حتى يفهم كيف نشأ الخلق. طبعًا موضوع المعتقد هذا اعزله: لماذا نشأ؟ ولماذا ما نشأ؟ لكن أنت خذ فكرة أنه أعطاك تسلسل وجود الكائنات، ومن أكمل –طبعًا– بعده من العلماء.
يعني عودة للآية..
باسم: “طَرْفُكَ”. يعني ليس فقط اختصار الزمن، يعني تلاشي الزمن.
يوسف: prompting، يعني.
باسم: نعم “”prompt.
يوسف: بالضبط، تلاشي الزمن، تحوّل الزمن إلى لا شيء في عملية انتقال المكان.
باسم: يعني علماء الفيزياء الذين اهتدوا أنه يمكن أن ترسل معلومةً ما، تركبها على بروتون وترسلها في اللحظة، الذي يسمّونه “Teleportable”.
يوسف: نعم.
باسم: لتختصر الزمن إلى لا زمن.
يوسف: إلى لا شيء، نعم، فتحوّل الانتقال المكاني بدون زمن، أو حتى انتقال الأشياء بدون زمن.
باسم: يعني “يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”، ثلاث كلمات فتحت آفاق العلوم في الفيزياء لا نهاية لها.
يوسف: نعم، وهناك ما يشار إليه في الفيزياء بانثناء النسيج الزمكانيّ، انثناء النسيج الزمكانيّ الذي يختصر الانتقال من مكان إلى مكان في الكون، يعني أشار إليه علماء الفيزياء. طبعًا قد يقول قائل لنا: أنت تفسّر تفسيرًا علميًا. أنا لا أقول تفسيرًا علميًا..
باسم: يعني لا نريد، لكن يمكن الاستنباط من ذلك.
يوسف: هي محاولات. دكتور لنا أن نسعى أن نقارب النصّ مع الواقع الموجود، ولا نعتبر هذا حقيقةً؛ من يأتي بعدنا قد يصحّح لنا؛ لأنه تزيد الاكتشافات، هذا ليس إشكالًا..
باسم: قد يُكتشف شيءٌ مختلف، صحيح.
يوسف: نعم، التحدّي أنه: هل لا يزال هذا النصّ يواكب تمامًا ويتوافق مع الموجود، أم فيه معارضة للواقع؟
باسم: يعني القول: “قَبْلَ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ”..
يوسف: صحيح.
باسم: تعبير عن انعدام الزمن.
يوسف: أي نعم، انعدام الزمن، أو النهاية تؤول إلى انعدام الزمن.
باسم: أو تلاشي الزمن.
يوسف: بالضبط، وهي إشارة، يعني كلّ هذا استحثاث على دراسة الكون والاهتمام بما في الكون. لاحظ، على فكرة معظم آيات القرآن الكريم من أوّله إلى آخره تتحدث عن الكون: إما في علم الاجتماع، أو في علم تاريخ البشر..
باسم: أو علم السلوك.
يوسف: أو علم السلوك، أو الفيزياء والكيمياء والسماوات والأرض وإلى آخره، معظم القرآن، معظمه. وهذا لا تجده لا في كليات القرآن، ولا الحديث، ولا الشريعة، ولا..
باسم: بينما معظم كتب الفقه كلّها تركز على الحيض والنّفَاس والطهارة والمسواك والكحول.
يوسف: حتى لما تتكلم عن المعاملات، لأنهم قالوا لنا إنه توجد كتب معاملات، يا أخي والله لما تتكلم عن المعاملات تلاحظ الحرفية التي تتكلم بها: يقول لك: إذا قال “أنت الحقي بدار أهلك” طالق أم ليست طالقًا؟ يربطون الأمور بشكل، بكلمة. هذا جوهر. مثلًا موضوع الطلاق، موضوع هل تربطه بكلمة “أنت طالق”؟ هكذا طلاق! “عليّ الطلاق” يقول لك: هذه قصة، قصة، قصة تُحوّل إلى فتاوى وإلى آخره. أنا قلت لزوجتي: “عليّ الطلاق وإلى آخره”. يا أخي انظر تحويل الموضوع إلى ألفاظ وأشكال حتى في المعاملات. هذا في كثير من كتب الفقه، هناك فقهاء ومجدّدون في الفقه وناس واعون، لكن نحن نتحدث عن الصبغة التي غلبت عبر قرون طويلة. صحيح، لا يستطيع أحد أن ينكر هذا.
كيف يوثق الكتاب كل دقائق الكون؟
يوسف: طيب، هناك ما يمكن أن نسميه يا دكتور: نظام الإحصاء أو كتاب الإحصاء في الكون، وهذا ما أسميه دائمًا أنا ما استفادته علوم الحضارات التي تطورت اليوم بالأرشفة؛ يعني موضوع الأرشفة للعلم والمعلومات وللأشخاص. نحن في تاريخنا حُرِقت كتب، ودُفِنَت كتب، ورُمِيَت في الأنهر والبحار كتب، وأُحرِق علماء، وقُطِعت رؤوسُهم، وحُرِمنا من علومهم. لماذا؟ لأنه يعارض في رأي، أو مسألة، أو فكرة، أو إلى آخره. الآن علم الكمبيوتر والإنترنت من أوله إلى آخره يقوم على فكرة الأرشفة التي لا تُفَرِّط في أي جزء من الـ”داتا”، بالمصطلح طبعًا المستخدم يعني للمعلومات أو البيانات؛ لا يُفَرِّط بجزء. لماذا؟ لأنه اكتشف الإنسان أنه من أثمن ما يؤدّي إلى التطور والتحضر الحفاظ على كل معلومة صغيرة كانت أو كبيرة.
هل هذا نظام كوني؟ نعم: “وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ” (النمل: 75). هل هو: الآية كيف تُفهم؟ أن الله يعلم الغيب! ماشي، الله يعلم الغيب، لكن هو يقول لك: الغائبة هذه في كتاب..
باسم: يعني الأرشفة موجودة..
يوسف: بالضبط، ومتى ما فهمت قانون هذا الكتاب سيكون في وُسعك أن تفهم هذه الغائبة. سأعطي مثالًا: نشأة الكون أو بداية الكون أو ماذا كان في بداية الكون غائبة على الإنسان الآن، صح؟
باسم: صح.
يوسف: لكن دراسة إشعاع الخلفية الكونية هل جعل في وُسع الإنسان أن يستطيع أن يعرف هذه الغائبة؟
باسم: صح، صح.
يوسف: النجوم البعيدة، الثقوب السوداء، بل أقول لك أكثر من هذا: هناك أشياء غائبة في داخل أجسادنا، لكن كيف توصلنا إليها؟ بدراسة الكتاب المبين الذي يتعلق بها. لماذا الذرة هي رُئِيَت بالمجاهر مثلًا؟ والـ”كواركس” والنيوترونات والبروتونات. هذه غائبة..
باسم: آثارها موجودة.
يوسف: جميل، ما هي آثارها؟ يعني الكتاب.
باسم: صح.
يوسف: كتابها موجود. لما بحث الإنسان عن كتابها فوجده اهتدى إليها فعرفها.
باسم: حتى ما اندَثَرَ من نجوم أو كواكب أو شموس في الكون ما زالت موجودة في كتابها الذي يتمثّل على شكل تحليل الطيف، الشعاع.
يوسف: مئة بالمئة، بالضبط، هذا نموذج من النماذج. لذلك هذه طبعًا معلومة خطيرة جدًا للإنسان: كل كلمة يتفوه بها، كل حركة يفعلها تُؤَرْشَف. هذا نظام الكون الطبيعي؛ يعني لا تستغرب، هكذا كل الكون قائم على هذا، فلا يفلت شيء.
هل علم الغيب متاح لمن يبحث في كتاب الكون؟
يوسف: “أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ” (الحج: 70). جميل، هذا علم الله المطلق، لكن هو قال لك: إن ذلك في كتاب..
باسم: ليس متروكًا هكذا.
يوسف: يمكنك أن تبحث فتعلم، لكنه على الله يسير، وعلى الإنسان يحتاج إلى وقت، يحتاج إلى جهد حتى يعلم: “وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ” (البقرة: 255).
إنما استحثاث على ماذا؟ يعني هذه الآية يقرأها الناس، ماذا يفهم؟ يذهب يركز على أنه.. علم الله كله مطلق. يا أخي معروف هذا، الأطفال يعرفونها. أين فائدة الآية التطبيقية العملية الاجتماعية الإنسانية ما هي؟
باسم: يعني كيف أحصل على هذا العلم المؤرشف في الكتاب؟
يوسف: إي نعم، كيف أحصل عليه؟ بالبحث عن الكتاب الذي نَظَّمَه: الكتاب النظري الذي خلّاه الآن وجعله واقعًا عمليًا هو الآن واقع، صح؟ أنت تراه معقدًا، هناك كتاب نظري، نظريات، معادلات، قوانين، متى ما اكتشفتها، اكتشفت كثيرًا جدًا من علوم السماء والأرض: “وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (الأنعام: 59).
نفس الفكرة أنه هنا أعطاك تفاصيل شديدة جدًا: كل ما يجري في البر والبحر، وأي حَبَّة أو ورقة تسقط في ظلمات الأرض هي في كتاب؛ يعني لو حصلت أي..
باسم: يعني كل حركة في الكون بغض النظر عن منشئها أو منشِئوها هي في كتاب مبين؟
يوسف: بالضبط، وهذا معناه أنه لا يوجد جريمة لا يمكن اكتشاف المجرم الذي قام بها ولا حيثياتها، لكن يوجد تقصير من البشر في البحث، أما أرشفة الجريمة بكل ما فيها فقد تكفّل الله به. والآن الإنسان لمّا.. ظل يتعمق فمثلًا اكتشف فكرة البصمة، أو حتى بصمة الـDNA، أو بصمة العين، أو غيرها من الأمور، أليس هو تعمق في الكتاب؟ هذا كتاب الأرشفة الكونية؟ فجعله يهتدي، فثق تمامًا أن كل ما يحدث في الكون يمكن معرفته ولا شيء يُخبَّأ، لكن من الذي عليه أن يجتهد في هذا؟ الإنسان، عليه أن يجتهد فيبحث في هذا ليناله. طبعًا الله سبحانه عالم بهذا تلقائيًا.
ماذا يحدث للكتاب يوم القيامة؟
يوسف: “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ” (الزمر: 69). هذه آية مهمة؛ لأنه هنا كلمة “وُضِعَ” لها بعدان جمعا في كلمة واحدة. كيف؟ الآن طبعًا هذه الآية تتحدث عن يوم القيامة: ” وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”، لأن هذه في سياق سورة الزمر في نهايتها: “وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا”… وإلى آخره. لكن هنا ما معنى “وُضِعَ الْكِتَابُ”؟ معناه اثنان: الأول توقف؛ الوضع هو خلص، انتهى، توقّف..
باسم: أُغلِقَت السجلات.
يوسف: إي نعم، توقّف يعني فاعلية كتاب السماوات والأرض الذي كان موجودًا قبل هذا اليوم؛ لذلك “تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ” (سورة إبراهيم: 48).
باسم: أن تتوقف الحركة، ويتوقف الزمن.
يوسف: كل شيء كان في الحياة الدنيا يتوقف لننتقل إلى مرحلة أخرى، التي هي مرحلة السماوات والأرض في الآخرة. ولكن في نفس الوقت لم.. يُوضَعِ الكتاب يعني أُلْغِيَ؛ “وُضِعَ” بمعنى أُوقِفَ وجُمِعَ، الآن هو موجود، فكل إنسان سيرى في هذا الكتاب ماذا فعل، وكل حركة وكل سكنة كانت في الكون..
باسم: لأنه “وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ”..
يوسف: صحيح “وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ”، لأن النبيين هم أحد سطور هذا الكتاب الذين يشهدون، والشهداء، كل ما في الكتاب من شهادات أيضًا تشهد على أحداث شيء معين. يعني الآخرة حسابها يُعامل فيه الإنسان على قدر اقتناعه وعقله. تخيّل العدالة الإلهية كيف، ويقول لك هذه أحداثك مسجلة، أرشيف لا يمكن أن تنكره؛ كيف مخالفات المرور لما تستخدم الهاتف وأنت تنكر يقول لك رجل الأمن: تعال، يفتح الفيديو يفتح، فالله سبحانه وتعالى يُعامل الإنسان على قدر ما أعطاه فيقول له: هذا أرشيفك، وهذا كتابك. الآن توقّف العمل طبعًا، لا توجد رجعة، “وُضِعَ الْكِتَابُ”، ولكنه وُضِع يَشهد، و”وُضِع” يعطي كل إنسان ما فعل.
وعلى فكرة، لعله من الخروج عن البحث اللساني أن أقول: إنه في تجارب الاقتراب من الموت (Near-Death Experiences) التي يتحدث فيها كثير من الناس يقولون: من أول ما يُشَاهِد الإنسان في لحظة شعور انفصال النفس عن الجسد، يمر في لحظة يرى فيها كل ما عمل، هكذا في لحظة واحدة؛ يعني كتاب الأعمال التي عملها..
باسم: يُكشف كله..
يوسف: إي نعم، في لحظة؛ لأنه خرج عن بُعد الزمن طبعًا، فيشاهد كل شيء في لحظة واحدة.
ما الفرق بين كتاب الأبرار وكتاب الفجار؟
يوسف: الآن هذا الكتاب سينتقل بعد ذلك إلى الآخرة، فيقول لك: “كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ” (المطففين: 7). والفجور هو أحد أشكال معاكسة الإسلام: “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ” (القلم: 35)، أو “أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ” (ص: 28)؛ يعني عكس التقوى الفجور؛ التقوى هو الإنسان الذي يحتاط أنه لا يقع في الخطأ..
باسم: والفجور الـ”reckless” الإنسان الذي لا يهتم لشيء..
يوسف: نعم، فاجر، فاجر معناها، يفجر، عنده: الانفجارية.
باسم: معنى الانفجار واضح.
يوسف: يعني ما يسأل، لا يسأل في كلماته حين يتهم الناس، أو يُلقي على الناس، أو مثلًا ينال من أعراض الناس، لا يسأل في أفعاله، وأذاه، وأخذ المال..
باسم: ولهذا سُمي الانفجار انفجارًا لأنه يفلت من كل الضوابط.
يوسف: بالضبط، مئة بالمئة، فقال: أين كتاب هؤلاء؟ في سِجِّين: عقوبة الجزاء من جنس العمل، هو أنت كنت تتعامل مع الحياة والكون والموجودات والناس الآخرين بانفجارية، الجزاء أنه لازم تُسْجَن. الجزاءُ الطبيعيُّ لمثل هذه النفس الفاجرة…
باسم: نعم، “سجّين” من سجنٍ يعني.
يوسف: طبعًا، هذا الكتاب الطبيعيّ، لماذا قال لك كتاب؟ نظام، جزاءٌ من جنس العمل، ونحن قلنا لكلّ فعلٍ ردّ فعلٍ.
باسم: يعني إذا أنت كنت منفجرًا وطائشًا وضارب الدنيا فجرًا كما يقولون، لازم نقبض عليك ونضعك في السجن.
يوسف: مئة بالمئة، الحالة الطبيعية..
باسم: حشر.
يوسف: أن يُسجن.
“كِتَابٌ مَّرْقُومٌ” (المطففين: 9)، طبعًا معناها الرقم هو العلامات المحدّدة، التي تعطي علاماتٍ واضحةً جدًا تبيّن أنه أنت -كما قلنا- فجرت في كذا وكذا وكذا، فكانت نتيجتك كذا.
بينما: “كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ” (المطففين: 18)، والبرُّ هو الإحسانُ ليس فقط السِّلْمُ ولا فقط مجرَّدُ الإيمانِ، بل هو أعلى من هذا، يعني نحن ذكرنا الدرجاتِ التي هي: السِّلْمَ، والإيمانَ، والولاءَ بما هو التضامنُ المجتمعِيُّ مثل عقودِ التضامنِ الاجتماعيِّ، الآن مرحلةُ البرِّ هذه أعلى، وهذه طبعًا ذكرها القرآنُ في حقِّ الوالدين، وذكرها في حقِّ المؤمنين بين بعضِهم بعضًا، وذكرها حتى في حقِّ من لم يؤمن بالرسالةِ الخاتمةِ، فقال: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” (الممتحنة: 8)، فلأنَّه هذا البرُّ، طبعًا البرُّ معناها أنت ستضع على نفسك قيودًا وتمنع نفسك، البرُّ يمنعك من العُلُوِّ في الأرضِ، صح؟ يعني أنت مثلًا عندك مليون دولار، فاستخدمتَ مبلغًا كبيرًا في البرِّ، كان هذا المبلغُ ممكنًا أن يجعلك تَعْلُو، الجزاءُ في علِّيِّينَ، أعلى ما يمكن أن تصلَ إليه نفسٌ بشريَّةٌ سيناله الإنسانُ البَرّ، فهذا أيضًا جزاءٌ من جنسِ العملِ.
لماذا جاء التعبير: يُؤتى الإنسان كتابه بيمينه أو وراء ظهره؟
يوسف: طيب، وطبعًا نشاهد من مشاهدِ الآخرةِ.. طبعًا، الآن الكتابُ هذا السِّجِلُّ نفسُه، لاحظ، هو السجلُّ نفسُه الذي بدأ من اللحظةِ الأولى للكونِ: “فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ” (الانشقاق: 7)، “وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ” (الانشقاق: 10)، ومعروفٌ جزاءُ كلِّ هذا.
باسم: يعني: “فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ”، “وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ”، هل المقصودُ اليمينُ بمعنى اليد اليمين، والظهر بمعنى الظَّهرِ أم هذه تعابير معنويَّة مثلًا؟
يوسف: هو هناك مستوى في اللسان، لسان أيّ أمَّةٍ، وأيّ لسان مستقيم، هناك مستوى يُسَمَّى المستوى الأسلوبيّ، أو يُسَمِّيه العلماءُ قديمًا المستوى البلاغيّ، بمعنى أنني أستخدم مشهدًا معروفًا للتعبير عن معنى، وليس بالضرورة..
باسم: التعبير عن تحقيق المشهدِ بنفس الصورة.
يوسف: لا، ليس بالضرورة المشهد الحرفيّ، لما إنسانٌ يأتي شيءٌ فيلزمه يبعد يدَه، فتصبح وراءَ ظهرِه، وهذا مشهدٌ، هو فهمُك الفكرة: أنه يريد أن يهربَ من كتابِه، أمَّا الإنسان الذي يريد أن يتقدَّمَ فيُكَافَأُ دائمًا، ماذا يفعل؟..
باسم: يأخذه باليمين.. صح
يوسف: كلُّ عرفٍ العالمِ يقدِّم يدَه اليمينَ. فاستُخْدِمَ المستوى الأسلوبيُّ في اللسانِ للتعبير عن هذه المعاني، وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًا في فهم صفات الله والجنة، هذا المستوى مهمٌّ في فهم اللسانِ لفهم كثيرٍ من الآيات.
هل يمكن تفادي ظلم التاريخ عبر الكتاب؟
يوسف: طيب، وقال هنا: “وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” (المؤمنون: 62)، صار واضحًا أنه ما معناه يَنطِقُ بالحقِّ، وهم لا يُظْلَمُونَ.
وبالنسبةِ للقرونِ الأولى أيضًا يُبَيِّنُ القرآنُ أنها سُجِّلَتْ، هو قال فرعون: “قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى” (طه: 51). يعني يقول لموسى: أنت أتيتني بكتابٍ ورسالةٍ، طيب والقرونُ الأولى؟ “قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ” (طه: 52).
باسم: يعني لا يوجد شيءٌ ضائعٌ.
يوسف: لا يوجد شيءٌ ضائعٌ، “لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى”، لأنَّه النظامَ الذي وضعه الله لتثبيت المعلوماتِ هو الكتابُ. لكن، هذه إشارة قويَّة جدًا، يا دكتور، أنّ التاريخ.. أنا أقول تاريخ الرسل والقرى، لم يدرس إلى الآن، لماذا؟ لأنّه كما أشرنا في حلقة سابقة لم نعثر على الأدلة الأركيولوجية على التاريخ أو تسلسل الرسل المذكور في القرآن، إذًا معناها أنّه لم ندرسه دراسةً صحيحةً، ما زلنا بحاجة إلى أن ندرس الجغرافيا والتاريخ بطريقة نعرف فيها أين كانت القرى وكيف كانت عقوبتها.
باسم: الكثير من ما بين قوسين الباحثين والكتّاب من استنتج كونه لا يوجد آثار لهؤلاء، فأصبحوا عبارة عن شخصيّات غير تاريخيّة وشخصيّات خرافية.
يوسف: طبعًا هو جزم وكأنّه درس كلّ الأرض وطبقات الأرض وكل شيء.
باسم: وكأنه درس كل شيء واستنبط الكثير.
يوسف: هذا من الغرور الذي يصيب الناس، لأنّه ليس هدفه الأصلي العلم، قديمًا قال علماء المنطق: عدم العلم ليس علمًا بالعدم. أنت إذا كنت لا تعلم عن شيء ليس معناه أنّ هذا شيء معدوم.
باسم: صحيح صح.
يوسف: يعني يأتيك شخص يتبجّح: لا أدري كيف، يقول لك: لا يوجد يوم آخر ولا جنّة ونار. يا أخي قل: أنا لست مقتنعًا. أنت، انظر يعني..
باسم: لا تعرف، ذهبت ورأيت ورجعت..
يوسف: كيف يجزم؟ الجزم هذا غريب غريب حقيقةً، وكأنّه إله يتحدث، كأنّه باسم الذي خلق السماوات والأرض، عجيب، فهذا عدم احترام الإنسان لمحدوديّته أحيانًا تجعله يقع في هذه الأمور.
يوسف: طيب، فالفكرة، دكتور: “فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى” (طه: 52)، نستفيد منها أين؟ في علوم التاريخ والجغرافيا. لاحظ: كلّ آية تفتح لك بابًا لعلم كامل من العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، التي مرةً أخرى أقول، للأسف معظم المشايخ يقول لك: ماذا يسمونها؟ العلوم الدنيويّة..
باسم: يعني لا داعي منها.
يوسف: والفقه علوم أخروية، يعني يشعرك باسنتقاص أنه أعلى منك، هو درس كتب الفقه، ودرس وكذا وكذا، ووالله لا أقوله من باب السخرية والاستهزاء، لا، أنا أقولها من باب استنطاق النصّ، لاحظ النصّ ماذا يقول، وأنتم ماذا تقولون؟ تسمّيها علومًا دنيويّةً، كيف؟ الله يسمّيها كتبًا، كتبًا مبينةً، كتبًا هو سبحانه تولّى وضع قوانينها وتركها في الكون ليهتدي منها الناس، ودراستها من أعظم القرب إلى الله..
باسم: ويأتي شيخ في زاوية، إمام من زوايا إحدى القرى، يقول لك: لا، هذا..
يوسف: يقول لك: العلم قال الله، قال الرسول، قال الصحابة، هم أولو العرفان، وباقي العلوم هذه كلها مشغلة، ليس لها أيّ قيمة، فطبعًا ماذا النتيجة؟ تخلّف حضاريّ كبير جدًا.
كيف يسجل الكتاب كل تفاصيل حياة الإنسان؟
يوسف: طيب: “وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا” (الكهف: 49). وأيضًا “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا” (الإسراء: 13). إذًا هذا كتاب السّجلّ، أو كتاب الأرشفة، الذي يوضع يوم القيامة، يتوقّف ثم يفتح لكلّ شخص ماذا عمل..
باسم: يعني كلّ ما يفعله الفرد في حياته، وكلّ حركة موجودة في الكون سواء قام فيها فيروس أم نتج عن حركة الشمس، كلّها مسجّلة في كتاب.
يوسف: كلّه مسجّل، أصلًا كيف نفهم قوله تعالى: “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (لقمان: 20)، يعني ما في الأرض ممكن أقول إنه حقًا تصل قدرة الإنسان إلى كلّ الأرض، حتى المحيطات وقاع المحيط. والسماوات؟ كيف تسخّر؟ مع أنّ الإنسان لا يُمكن أن يصل إلى آخر الكون، العمر.. الوجود المادّي له لا يسمح.
باسم: ممكن تراكمية الحياة قد تسمح..
يوسف: البحث في أسرار الكتاب يجعله يصل إلى آخر ما في الكون، ليس فقط يصل، ويفهم، ويسخّره، وهذا أمر أعلى، التسخير أمر أعلى، ولذلك هذه فكرة: “أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ” (النمل: 40).
للأسف، للأسف، يعني، كما أقول، الحضارات، أو الأمم الأخرى، تؤمن بهذا، فتسعى إلى التطوير في علوم الفضاء، ونحن نقول: لا يوجد أحد صعد على القمر، تخيّل، إلى الآن نقول: لا يوجد صعود على القمر، ولا يوجد أقمار صناعية، والأرض مسطّحة، ويعني أشياء عجيبة جدًا.
باسم: نتحدّى أنفسنا بالجهل.
يوسف: أنا أسمّيه، يعني، كيف أقول لك؟ يعني محاولة أن الإنسان يريح نفسه، يعني أنا لم أصل إلى هذا فيريح نفسه، خلاص، هو هذا كلّه كذب، كيف الذي يجعل الفقر مثلًا.. هناك بعض الناس يجعل الفقر هذا كأنّه قربى إلى الله، وأنّ الفقراء يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، وما أدري ماذا، هذا تبرير اختُرِع، لماذا؟ أنّه خلاص، أنت فقير ولست قادرًا أن تصير غنيًّا، خلاص، أنت تدخل الجنّة قبل الغنيّ، تثبيط، بينما الآية ماذا قالت لك: “وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ..” (النور: 33)، تستحثّه على أن يصبح غنيًّا.
باسم: أنه لا تظل فقيرًا وتردّ على الشيخ..
يوسف: بالضبط، بالضبط، اسع وفق الكتب والالتزام بسنن الله أن تصبح غنيًّا، هذا هو المطلوب أصلًا، ولذلك ملك اليمين القرآن يعطيك تشوّفًا كبيرًا إلى إنهائه، لماذا؟ لأنّ ملك اليمين يجعلك ستبقى في مرحلة أن تكون أجيرًا يعني.
باسم: أنه الآن انتهينا من مفهوم الكتاب كلفظة مباشرة كذا إلى آخره؟
يوسف: يعني هكذا نكون، دكتور، استعرضنا مفهوم الكتاب بتحليله اللسانيّ، والكتاب إذا أضيف للبشر، والكتاب الذي أضيف لله، سواءً أكان الكتاب المنظور أو الكتاب المسطور، طبعًا هناك تفاصيل أخرى مثلًا: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” (البقرة: 183)، وإلى آخره..
باسم: نعملها في حلقة أخرى.
يوسف: طبعًا، لأنّه فيها كلام كثير أيضًا.
باسم: لأنّه توجد مرتبة أخرى من فهم الكتاب، لما يكون مضافًا إلى صفات أخرى.
يوسف: تمام، تمام، إن شاء الله.
باسم: نلتقي في حلقة جديدة، إن شاء الله، شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عوّاد، ومفهوم الكتاب والقرآن والذكر الحكيم والسنة، شكرًا لكم.