Skip to content Skip to footer

الاستشراق وتبرير الاستعمار الغربي| مع د.جورج الفار

تحدث الدكتور جورج الفار، أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية، خلال حواره ببرنامج “في الاستشراق” مع الإعلامي ياسين عدنان، الذي بدأ بالحديث عن إفريقيا؛ قائلًا: أريد أن أسألك د.جورج باعتبارك رجلَ دين مسيحي، كنت تذهب إلى إفريقيا في رحلات تبشير مع كهنة غربيين؛ بعضهم كانوا مستشرقين: هل لمست أثناء تلك التجربة أن التبشير المسيحي في إفريقيا كان جزءٌ من جهوده ترسيخَ هذه الهيمنة الاستعمارية أم أنه فعلاً كان خالصاً لوجه الرب؟

الاستشراق والحملات الصليبية “حروب الفرنجة”

أجاب الدكتور جورج الفار، أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية، بأنه للحقيقة، يعني في زمن متأخر، الكنيسة ذاتها وعيت إلى فصل الروحي عن الزمن، ومن ثمَّ يمكن أن تجد أفراداً؛ ولكن كرسالة كنسية لم تكن قط تمهيداً للاستعمار، كانت تبشيرية ولم تكن قط تمهيداً للاستعمار أو تكريس الهيمنة غربية.

وقال الدكتور جورج الفار إن الاستشراق يمكن إرجاعه إلى الحملات الصليبية؛ لأنه كان هناك لقاء بين الغرب والشرق؛ كان لقاءً صادماً يُسميه العرب حروبَ الفرنجة، بينما سمَّاه الغربُ الحروبَ الصليبية. لم يكن الاستشراقُ بعد ذلك ناضجاً معرفياً؛ بل كان عسكرياً إلى حد ما، وبُهِرَ الغربُ بحضارةِ الشرق وعاداتهم وتقاليدهم، وعادوا إلى بلادهم، وبقي الحلمُ الشرقيُّ يراود عقولهم، إلى أن أتَى نابليون في نهاية القرن الثامن عشر إلى مصر، وحاول غزوها، ونجح في ذلك.

بداية الاستشراق المعرفي ووصف مصر

وأضاف أستاذ الفلسفة بالجامعة الأردنية: كان نابليون، حينها، يصطحب معه ثلةً من العلماء؛ هؤلاء العلماء أسسوا بدايةَ الاستشراق المعرفي.. كانوا يخدمون الإمبراطورَ نفسه، ويخدمون مصالح فرنسا؛ ولكنهم مع كل ذلك فكُّوا الخطوطَ الهيروغليفية، وانتبهوا إلى الآثار المصرية والحضارة المصرية القديمة، ومن ثم انتبهوا إلى الشرق كله.

وتابع الدكتور جورج: وعندما عادوا كان هناك وصف لمصر؛ هذا الوصفُ إذا قرأناه بتمعُّن نجده إلى حد ما ساذجاً، ومن عيون خارجية تُراقب؛ وليس من عيون أهل المنطقة أو من الداخل التي تعرف؛ هي عيون تراقب أكثر من كونها عيوناً تعرف وتراقب حتى تصف، ومن ثم جاء كتاب “وصف مصر”.

الاستشراق وخدمة الاستعمار

واستكمل أستاذ الفلسفة: يجب أن نذكر أن الاستشراقَ ليس كله في خدمة الاستعمار؛ الاستشراق الفرنسي والبريطاني حقيقةً كانت له أبعاد سياسية، وكان هناك استشراق ألماني وروسي إلى حد ما؛ الاستشراق الألماني والروسي كان خالياً هذه النزعة السياسية التي مزجت بين الأكاديمي والمعرفي والسياسي.. الاستعمار الروسي… أنا هنا أُسميه سقوطَ المعرفة؛ عندما تصبح معرفة منفعية، ومن ثم لها غايات سياسية وليست معرفة تُطلب لذاتها، والغرب يعرف جيداً أن المعرفة أصبحت قوة، ومن ثمَّ الاقتراب من هذه المعرفة يمهد له القوة التي سيسيطر بها على الشرق.

وتابع الدكتور جورج: وهنا بدأت علاقات المعرفة بالقوة؛ أيام سقراط كانت المعرفة فضيلة، ومن ثم في ما بعد أصبحت المعرفة قوة، وأول قوة هو المعرفة واقعياً؛ لأنه إذا كنت تجهل عدوك فأنت لا تستطيع السيطرة عليه، وعندما تعرف عدوك معرفةً تفسيرية، قدرَ الإمكان، فأنت قادرٌ هنا على الدخول إلى نقاط ضعفه، قادرٌ على استعماره من خلال ذاته؛ يعني هم يستخدمون مجموعات من الإنجليز لحكم مصر أيضاً.. فهنا، هذا لم يتأتَّ لهم؛ لولا معرفتهم بالداخل المصري والعقلية المصرية، ومن ثم تركيبة هذه المجتمعات، هذه المعرفة خدمتهم خدمةً سياسيةً عظمى في ذلك.

الاستعمار في مصر والهند

وقال أستاذ الفلسفة: عندما ذكرت كلمة جوهر، تأخذنا هذه الكلمة إلى الفلسفة المثالية، والفلسفة المثالية هي تصورات العقل أكثر منها الواقع المادي المحسوس، ومن ثمَّ جاء هذان الاستعماران؛ الفرنسي إلى مصر والإنجليزي إلى الهند، ومن ثم عاد الإنجليز إلى مصر واستعمروها بتصوراتهم عن الثقافة المصرية والشعب المصري، وتصوراتهم عن الهند والشعب الهندي..

ونوه الدكتور جورج بأن تلك التصورات نمَّطت الشعب الهندي والشعب المصري بقوالب معينة، وهذا التنميط كأنه يقول إن المصري هو كذلك، والهندي هو كذلك.. نعرف التنوع الكبير جداً في الديانات واللهجات في أقاليم الهند من الشمال إلى الجنوب، ومع ذلك بقي هذا الهندي جوهرياً في عقل البريطاني؛ الهندي الفقير الجائع، الهندي غير المتعلم، ومن ثم الهندي الذي بحاجة إلى حماية أو بحاجة إلى حماية عسكرية من الخارج، فهنا استعملت هذه المعرفة في ما بعد لتفصل مثلاً باكستان عن الهند.

الاستشراق الاستعماري وشرف المعرفة النزيهة

واستكمل الدكتور جورج: ليس شرف المعرفة أن تأخذها إلى حيث تريد خدمةً لك؛ المعرفة هي شأن إنساني من المفترض أن يفيد البشر جميعاً، ولكن أن أكرس معرفة ما بشعب ما لاستعماره والسيطرة عليه للهيمنة عليه؛ هو خيانة للمعرفة بذاتها، فلذلك يوصم الاستشراق الاستعماري بأنه استشراق مغرَّض، وهو ليس أكاديمياً ولا يصنَّف بين المعارف الصارمة أو بين المعرفة الصارمة التي تتطلب بحثاً عن الحقيقة، إنما يصنف باستشراق منفعي خدمَ أغراضاً سياسية وأغراضاً عسكرية أكثر منه يوضع برفِّ الكتب المعرفية التي حاولنا البحث فيها عن الحقيقة؛ على الأقل حاولنا البحث فيها عن الحقيقة، إنما هي ليست البحث عن الحقيقة؛ هي بحث عما يسهل الهيمنة الجغرافية الجيوسياسية على منطقة من هذه المناطق.. فهو ليس معرفة ولا يرتقي إلى شرف المعرفة النزيهة.

الوسائل المثالية التحليلية

وقال أستاذ الفلسفة: أنا أخاف من الوسائل، وأخاف من فكرة تمويل هذه الحملات؛ مَن الذي يدفع؟ مَن الذي يموِّل هذه الحملات؟ أو حتى يدفع للمستشرقين أو للرحال ليقوم برحلاته؟ عادةً كانت هناك دائرتان؛ دائرة أولى عسكرية والدائرة الأخرى استخباراتية، ومن ثمَّ هذه الدوائر التي كانت تدفع بالأفراد إلى أن يقوموا، من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون، بهذه الاكتشافات وبهذه الدراسات؛ بحيث تخدمهم.. وسيلة المعرفة أكيد هي وسائل ما نُسميه بالوسائل المثالية التحليلية التي لا تتعمق في عمق المشكلة، ومن ثمَّ في واقع المشكلة وفي حساسيات المشكلة. إنما إلى حد كبير وصفية؛ إلى حد كبير نمطية تنميطية، إلى حد كبير اختزالية؛ لتقدم معرفةً للدوائر التي أرسلتها.. لم تقدم حقيقةً معرفةً توضع على رفوف المكتبات في الجامعات، ومن ثم تهيئ للبشرية كلها مجالاً لمعرفة الهند أو مصر أو أي مكان آخر في العالم العربي أو العالم الإسلامي.

لمحات المستشرقين الذكائية والخروج من تحت العباءة الغربية

واستطرد الدكتور جورج الفار: هناك لمحات ذكائية لدى المستشرقين؛ يمكن أن نلتقطها نحن ونعيد البحث فيها أو نعيد استخدامها من أجل بحث نزيه؛ من أجل بحث عميق، من أجل بحث لا يرتبط بأية دائرة من الدوائر الاستعمارية.. نحن كعرب ومسلمين والهند، يمكن أن نلتقط بعض الإشارات لتراثنا، لتاريخنا، حتى لغاتنا، حتى نطورها ومن ثم نخرج من تحت العباءة الغربية إلى عباءتنا الخاصة، نحن أولى بدراسة تاريخنا وتراثنا وبعيون ناقدة؛ يجب أن تكون لدينا عيون ناقدة في بحثنا في التراث وفي التاريخ، وإلا لأسقطنا أنفسنا في الوصفية أو في تمجيد الذات أو في نوع من تبجيل التاريخ.. دعنا نرى ونحن ننقد هذا التاريخ، نرى ما هو جميل فيه وما هو قبيح، ونبرزه لناسنا وشعوبنا وطلابنا.

عدة الاستشراق.. ورسم خرائط المنطقة

وأضاف أستاذ الفلسفة: أنا أتوقع أنه هناك عدة مناهج؛ أصدق هذه المناهج هو الرحالة الذين أُرسلوا لاستكشاف المنطقة ورسم الخرائط للمنطقة واستكشاف التجمعات السكانية والأقليات والعرقيات التي كانت موجودة.. الرحالة جاؤوا مشياً أو ركوباً ورسموا خرائط المنطقة، وهذا مهم جداً.. استخدمها الجيوش في ما بعد في تحركاتهم لأنهم فهموا مَن سبقهم إلى هذه المنطقة، مَن سيطر ومَن هيمن على هذه المنطقة، وكيف عمل المهيمنون والسلطة في تلك المنطقة.

المنهج الثاني هو منهج فيليولوجي تحليلي لغوي؛ فقه اللغة، استخدموا الألفاظ وهذا جميل؛ لأنه لأول مرة نحن نعرف عن هذا العلم، هو الفيليولوجيا، لأنه لم نكن نعرف عن هذا العلم.

المنهج الثالث والمهم؛ هو المنهج التحليلي، وهو قضية مهمة، تحليلي أن أعرف أن أجمع معلومات ومن ثم أوصلها ببعض وأحلل محتواها.. هذا المنهج التحليلي هو منهج سليم معرفياً؛ ولكن مع التحليل يجب أن يكون هناك منهج نقدي؛ أن أفصل بين الغث والسمين، أن أتأكد من الخبر، أن أتأكد من معرفتي، ولكن هذا المنهج التحليلي يهيئ مادةً جيدةً لامتلاكها.. عندما أحلل شيئاً ما وأعرف عناصره الأولى وأفككها يمكن امتلاكه.

من المركزية الأوروبية إلى تفوق الرجل الأبيض 

قال أستاذ الفلسفة: أتوقع أن كارل ماركس لم يعنِ محوَ المجتمع الآسيوي خلال حديثه عن الاستشراق، وإنما أراد محو الاستبداد الآسيوي؛ نمط الإنتاج الآسيوي. وهنا نمر من فكرة المركزية الأوروبية إلى فكرة تفوق الرجل الأبيض، والذي كان يفكر ذاته أنه أعلى جنس في البشر، وأنه هو مَن يملك العقل المفكر، والآخرون لا يملكون عقلاً ليفكروا به؛ فكان على الرجل الأبيض، العرق الأسمى، أن يحكمَ الأفارقةَ ويضعهم في خدمته، وكل ذلك ليقول إن الله أعطى لنا إفريقيا.. مَن أعطى لك إفريقيا؟ مَن أعطى لك أرض الميعاد؟!.. كل هذه المقولات هي كلمات تُنسب إلى الله، ولكن بتحليلها هي تبريرية للفعل المتوحش، وهو السيطرة والهيمنة على الآخرين.

الكنيسة وفصل الروحي عن الزمن

 قال الدكتور جورج الفار: في زمن متأخر؛ الكنيسة وعيت إلى فصل الروحي عن الزمن؛ ومن ثم يمكن أن تجد أفراداً، ولكن كرسالة كنسية لم تكن قط تمهيداً للاستعمار، كانت تبشيرية، فلم تكن لتكريس هيمنة غربية.

الاستشراق وموجة العولمة

وأفاد أستاذ الفلسفة أن حركات التحرر الوطنية أنهت الاستعمارَ، ومن ثمَّ أنهت هذا الدور الاستشراقي القديم الذي كان يُمارس؛ ولكن الاستعمار تركَ موالين له من السكان المحليين، ومن ثم ترك له جسرَ مصالح.. بالنسبة إلى الاستعمار ترك الرأسمالية، ودولنا العربية كثير منها يعتبر أطرافاً رأسمالية للمركز الرأسمالي المتركز في لندن وباريس وفرانكفورت.. وغيرها، وهكذا؛ فنحن لا نقوم بشيء إلا مرتبطين بالمركز، ومن ثم هناك مصالح بعض الطبقات مرتبطة بهذا الاستعمار، وبإدامة الحالة على ما هي عليه.

مهدي عامر ناقش هذا الموضوع، وعندما اتهم العقل العربي بالتخلف، قال هو البرجوازية العربية المرتبطة بالاستعمار؛ الدور العربي هو الذي يعيش أزمةً، لم يدخل في الاستقلال؛ بل بقي تابعاً لهذا الاقتصاد الأجنبي.

ونوه الدكتور جورج الفار بأن الاستشراق انتهى خارجياً؛ ولكن جاءت موجهة العولمة بعده، ومن ثم هي امتداد رأسمالة العالم، والنفوذ الغربي إلى كل العالم. وأنا أرى أن الإسلام السياسي هو نوع من الاستشراق المخابراتي أو الاستخباراتي، صُنع كثير من هذه المنظمات الإرهابية في دول استخباراتية غربية، بناءً على بعض المعارف البسيطة التي قدمها المستشرقون القدامى؛ مثلاً لماذا نرى هذا الانقسام الحاد بين الشيعة والسُّنة في العالم العربي؟ مَن يغذي هذا الانقسام؟ مَن يغذي هذا الصراع السُّني؟ في فترة كان منسياً ولم يكن مثاراً، مَن يغذي الأقليات الدينية وبعض الحركات الانفصالية؟.. دوائر استخباراتية من الاستشراق، رحل من مكتبات ومن كتب إلى دوائر استخباراتية.. برنارد لويس نعرف ارتباطه الواضح بالخارجية الأمريكية والبنتاجون.

هناك كراسٍ للدراسات الإسلامية في جامعات غربية كثيرة، وهذا جيد، وبعض العرب وصل الأمر لأن يكونوا هم الرؤساء لهذه الأقسام؛ ولكن يبقى علينا أن نقدم نحن دراساتنا ولا ننتظر الآخرين ليدرسونا، لا نكون موضوعاً بل ذاتاً فاعلة.

Leave a comment

0.0/5