برنامج “مجتمع”، موضوع التعليم وهل هو حق للجميع أم مسؤولية الجميع؟ وتأثيرات علم الجمال على صياغة ثقافة إنسانية راقية، وهل الثقافة الحالية ضمن التطور التكنولوجي في العالم في خطر أم في مرحلة جديدة للتطور؟
جامعة هارفارد ومستقبل التعليم
قال الدكتور محمد المعزوز، أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “في الحقيقة هذه المحاور هي محاور مهمة جداً وهي ذات راهنية، العالم الآن كله يطرح هذه الأسئلة، وآخر نقاش كان في جامعة هارفارد حول ما مستقبل التعليم؟ على الرغم من أن هارفارد يعني تسير بخطى متقدمة جداً على مستوى التجديد التعليمي والتكتيكي، ورغم ذلك فهي تطرح كل الأسئلة الضرورية حول مستقبل العالم وأي برنامج تعليمي وأي تعليم نهيئه أو يهيئونه للتنشئة”.
المقصود بالتعليم.. البراديمات تغيَّرت
وأضاف الدكتور محمد المعزوز: “التعليم لا يعني اليوم تقديم معارف للمتعلم؛ المتعلم الآن لا يحتاج إلى معارف، ولكن نعلمه كيف يبني المعارف، وهذا ما وعت به (هارفارد) لما طرحت أخيراً هذا السؤال، السنة الماضية، أي نموذج تعليمي وأية طريقة في البحث يمكن أن يزود بها طلبة هذا العصر، طلبة اليوم؟ لأن البراديمات تغيَّرت من لحظة إلى أخرى، من جيل إلى جيل، والسرعة التي يعرفها العالم سرعة على مستوى إنتاج تكنولوجي، على مستوى تقبُّل الصورة والخطوط، والتعامل مع ما حول هذه السرعة الكبيرة والمتجددة لا يتطلب تعليماً ثابتاً أو لا يتطلب نموذجاً تعليمياً ثابتاً كما هو الشأن في السابق؛ لأنه كما قُلت هذه السرعة التي يشهدها العالم تفرض على التعليم أن يكون متجدداً ومتماشياً مع تحديات اللحظة”.
مَن يجدِّد التعليم؟ وما التعليم المطلوب؟
وأجاب أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال، عن سؤال “مَن يقرر أن هناك ضرورة لتجديد التعليم؟ وما التعليم المطلوب حتى نقرر كيف نجدده؟”، قائلاً: “أولاً الذي يجدد هو الدولة؛ لأنه لا يمكن أن نعزل مثلاً وزارة التعليم عن الدولة، لأن التعليم هو استراتيجية دولة، لا يمكن أن نفصل ما يُسمى بالسياسات العامة التي تدبرها الحكومات عن الاستراتيجية الكبرى للدولة؛ لا بد أن تكون هناك إرادة سياسية ناتجة عن وعي حقيقي بتحديات اللحظة، وما ينبغي أن يكون في المستقبل.. إذا حدث هذا الشيء بطبيعة الحال إنه يكون وعياً بهذه التحديات وهذا شأن الدولة”.
وقال د.محمد المعزوز رداً على “كيف تكون الدولة واعيةً لضرورة تجديد التعليم في حال اتفقنا ما التعليم المراد للمجتمع؟”: “نعم؛ التعليم المراد للمجتمع هو كيف يمكن بمفهومه الآن أن تنتج فرداً يستطيع أن يفكر في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والقيمية والثقافية، وأن يجد لها حلولاً.. التعليم يعني الجديد هو كيف يمكن أن ننتج إنساناً مبتكراً؟ كيف يمكن أن ننتج إنساناً وظيفياً على مستوى غير البناء الاجتماعي والفكري في بلده، في مجتمعه؟ بمعنى أن التعليم هو الذي يخلق إنساناً له كفاءات وقدرات معرفية ومنهجية؛ للتجاوب مع تحديات اللحظة، مع تحديات الواقع، وإيجاد حلول لهذه التحديات كذلك له القدرة على استشراف المستقبل، على إدراك ما ينبغي أو ماذا سيقع في المستقبل القريب والبعيد؛ بمعنى آخر التعليم هو الذي يخلق تلك الكفاءة الاجتماعية التي تكون في مستوى تحديات التاريخ وتطورات الإنسان والتاريخ”.
الدولة مجبرة الآن في العالم كله على أن تجدد تعليمها
وأضاف أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “أقول شيئاً بشكل واضح؛ الدولة الآن مجبرة، مضطرة، ليس في البلاد العربية فقط؛ ولكن في العالم كله، مجبرة على أن تجدد تعليمها وَفق أي معيار، ومعيار درجة وقدرة مساهمتها في كونية الإنتاجات التكنولوجية؛ لأن هناك اليوم تحدياً تكنولوجياً كبيراً، وهناك تحديات للذكاء الاصطناعي؛ العالم كله سيُرقمن في المستقبل القريب، المعيار قُلت هو شأن دولة أولاً، المعيار الأساسي هو كيف تحضر الدولة نفسها لتكون في مستوى السرعة التي يسير بها العالم، وإلا ستندثر، ستزول من خارطة التاريخ والوعي بتجديد التعليم، بمناهجه ومحتوياته واستراتيجيته؛ ينبغي أن يكون بإرادة سياسية استعجالية، مستعجلة، لا بد أن تكون هذه الإرادة استعجالية؛ حتى يمكن أن نحضر أو الإنسان، أنا لا أتحدث عن العالم العربي فقط؛ الإنسان يحضر، الآن هناك تحديات الميتافيرس، العالم كله سيصبح افتراضياً، لقاءاتنا هذه يمكن أن تكون عبر الميتافيرس، البيع أو الشراء، التطبيب، الإبداع، الفكر، عبر الميتافيرس، العالم سيتحول في هذه الاتجاهات.. مثلاً في بلادنا العربية؛ هل نحافظ على التعليم كما هو الآن حتى يمكن أن نسهم في المونتاج أو نسهم في الإنتاج القوي؟ لا يمكن، إذن الدولة أنا قُلت مثلاً الدولة، لأن الدولة هي التي تملك هذه الشهية على مستوى التغيير، ولا يملكها أفراد، لا يملكها المجتمع..”.
العالم وامتلاك القوة من خلال التعليم
وتابع د.محمد المعزوز: “الآن نتحدث عما ينبغي أن يكون في المنظومة التعليمية، الآن في العالم قُلت هناك تحدٍّ تكنولوجي كبير، وهناك تحدٍّ على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا الجزئية، كل ما يتعلق بالتغيرات، العلوم.. هناك وعي لدى الدول المتقدمة؛ خاصة أمريكا والصين والهند وكوريا، هناك وعي بمبادرة من الدولة، وعي من الدولة بطبيعة الحال، في إطار تواصل مع فئات، تواصل مع هيئات مفكرة تقدم اقتراحات للدولة، تواصل.. إلى آخره، هناك إرغام ووعي بضرورة حتى يمكن… لأن التعليم هو القوة، الصراع الذي يكون في المستقبل، هو القوة وامتلاك القوة من خلال التعليم، كيف يمكن لتعليمك أن يكون تعليماً متقدماً تمتلك به العالم، وتكون لك قوة وحضور في العالم؛ لأن مَن يمتلك العالم مَن يسيِّر العالم هو التكنولوجيا المعاصرة والذكاء الاصطناعي؛ فإذن لما قلت الدولة، هذه إرادة دولة؛ لا يمكن لي ولك كأشخاص أن نقرر ولو أن لنا هذا الوعي، نحن لا نتحدث عن أمريكا والصين، هذه الدول وعت هذه الأشياء، وهي الآن تعمل على تفعيلها على أرض الواقع، على أرض الواقع، هي واعية أن ما يُسمى الرهان الأساسي من أجل التقدم أكثر وامتلاك القوة والسيطرة على العالم لا بد من تجديد منظومتها التعليمية، نحن لا نتحدث، أما إذا أردنا أن نتحدث عن الدول السائرة في طريق النمو أو مثلاً بلادنا العربية، للأسف ليست هناك استراتيجية حقيقية، ولو أن هناك وعياً أن التعليم لا بد أن يتغير في بلادنا العربية، ولكن إيجاد استراتيجية عملية على أرض الواقع لترجمة هذا الوعي إلى تغيير واقعي ملموس في البرامج والمقررات وشكل ومحتوى التعليم، أعتقد أنه غير موجود بشكل.. لاحظ معي كيف ترتب الجامعات في العالم..”.
هل العرب يحضرون أنفسهم للثورة التكنولوجية الخامسة؟
واستكمل د.محمد المعزوز: “لاحظ معي ترتيب الجامعات العربية؛ في الذيل. إذن هذه صورة حية وناطقة عن واقع تعليمنا، ونحن لا نعي وعياً عملياً بما ينتظرنا في المستقبل، لهذا كنت أقول دائماً هل يحضر العرب أنفسهم للثورة التكنولوجية الرابعة أو الخامسة؟ الآن أنا أتحدث عن الثورة التكنولوجية الخامسة؛ هل العرب يحضرون أنفسهم لهذه الثورة؟ إجابتي من خلال تتبعي الكثيرَ والمنظومات التعليمية العربية، بعض الاستثناءات، فيه بعض الاستثناءات مثلاً الإمارات، التعليم فيه وعي، وفيه اشتغال، فيه توجه في الإمارات، في السعودية كذلك؛ ولكن الإمارات فيه توجه واضح، قطعوا فيه أشواطاً، حتى بعد تصنيف الجامعات؛ فالإمارات الآن هي متقدمة بالنسبة إلى البلاد العربية في هذا المجال، كما قلت هل هناك الآن استراتيجية؟ هل هناك خرائط عملية في البلاد العربية؛ لإخراج المنظومة التعليمية من سياقها التقليدي، من سياقها القديم إلى سياق جديد يراعي هذه التحولات التي حدثتك عنها؟”.
أسباب عدم وعي الدول
وقال أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال بشأن عدم وعي هذه الدول: “أعطيك مثالاً اقتصادياً واضحاً؛ أن ما تخصصه دولنا العربية للتعليم كميزانية هزيل جداً وضعيف جداً؛ ربما نخصص ميزانية ضخمة لأشياء تافهة، ونهتم بأشياء تافهة؛ من أجل التعليم والوعي، الفرد العربي، ولا يعني نكون بسخاء أو حاضرين بسخاء في الإنفاق على التعليم؛ أنا قلت في البداية إن تغيير هذه المنظومة هو شأن الدولة أولاً، والدولة لا بد أن تمتلك هذه الإرادة السياسية، وإذا غابت هذه الإرادة السياسية في تحويل منظومة من المنظومات التعليمية، سنكون تابعين أو مستهلكين للتكنولوجيا الغربية، ولما نستهلك هذه التكنولوجيا سنكون دائماً على الهامش إذا لم ننتصر على مستوى الهوية؛ لأنه إذا أسسنا لتعليم متقدم وتعليم يراعي شروط التحولات؛ سنحافظ، ستكون لنا هوية عربية من خلالها يمكن أن نحاور الآخر ونحافظ عليها؛ ولكن الآخر المتقدم المتجدد إذا رأى أنك دائماً تراوح مكانك التقليدي، فلا يعترف بك”.
الدول العربية وهجرة الأدمغة واشتغالها في كبريات الجامعات
وأضاف د.محمد المعزوز: “فيه مشكلة في الدولة العربية، لا بد أن نقول هذا الكلام بصراحة؛ أن الدولة لا ترعى بما فيه الكفاية كفاءاتها وعقولها العلمية والابتكارية. لاحظ معي هجرة الأدمغة العربية واشتغالها في كبريات الجامعات على المستوى البيولوجي والتقني والإلكتروني.. قُل ما شئت؛ وهي كفاءات عربية مميزة على جميع الأصعدة. لماذا هاجرت هذه الكفاءات إلى الخارج؟ لأنها لم تحظَ بالرعاية التي ينبغي أن تكون لها من طرف دولنا العربية، وبالتالي عندما أقول وأكرر إن الدولة في هذا الجانب، إذا لم تمتلك أو إذا لم يكن لها حس سياسي بهذه الإشكاليات الكبرى، فبطبيعة الحال أن تعليمنا سيراوح مكانه وسيستمر استنزاف هجرة الأدمغة والكفاءات واستنزافها وخروجها ومغادرتها إلى بلدان أخرى، وهذا ما نعيشه اليوم.
فيه نقطة ثانية كذلك؛ أنه أحياناً هذا سؤال لا أقدم جواباً، هل الدول العربية فعلاً تريد لها هذه النية، أن تحتفي بكفاءاتها الفكرية والعلمية؟ وهل لها هذه النية أو هذه المصلحة كأنظمة لها هذه المصلحة في تغيير تعليمها وإيجاد جامعة قوية لها القدرة على مسايرة التحولات؟ هذا سؤال لا أجاوب عنه، لا أملك جواباً”.
وقال د.محمد المعزوز رداً على سؤال “لو بدنا نجاوب عن هذا السؤال يعني، هل هناك فعلاً اهتمام بالكادر؟ يعني هل الدولة ككيان معني أو ككيان مؤسساتي تهتم بالقدرات الفكرية الموجودة ضمن هذه الدولة مثلاً، واضح ما فيه اهتمام؟”: “قصدت ألا أجيب؛ لأن هذا مؤلم، لأنه يؤلمني كثيراً، وما دام أنه مؤلم وجارح، حاولت أن أحوله إلى سؤال للأسف الشديد؛ فالدولة في البلاد العربية لا تهتم بطاقاتها العلمية والفكرية، ولا تعير اهتماماً حقيقياً للثقافة في بناء قيم عربية حقيقية قادرة على أن تحافظ على هويتها، وقادرة على أن تناظر الآخر وَفق خصوصياتها ووَفق ثقافتها وتاريخها”.
أسباب عدم اهتمام الدول العربية
وأضاف أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “هناك لوبيات تدور حول الدولة كهامش، وهذا الهامش هو اللوبيات.. هذه اللوبيات للأسف أنها في البلاد العربية حاضرة بقوة ومتحكمة، وهي التي تعرقل حتى إن كانت فيه إرادة من طرف الحاكم لإحداث هذه التغييرات والانفتاح على الكفاءات، فهذه اللوبيات لمصلحة ما تحاول أن تعرقل هذه المصلحة أو تعطل هذه الإرادة؛ نظراً لغياب الديمقراطية والشفافية. وغياب الديمقراطية في بلادنا العربية، كلما غابت الديمقراطية وتم التعتيم على الشفافية استقوت هذه اللوبيات، والمثقف أو المفكر لا يجد نفسه، فيضطر إما إلى الانزواء والركون والاستكانة أو إلى الهجرة، وهذا واقع نعيشه يومياً في بلادنا العربية، ومن خلال سفرنا لمختلف بلاد العالم، نلتقي كفاءات عربية كبيرة على المستوى الثقافي الفكري والتكنولوجي.. إلى آخره، وتردد هذا الكلام، أنا ما أقوله لك ليس بأشياء جديدة؛ ولكن أقول لك من خلال ملاحظة”.
حب الوطن وإشكالية غياب الديمقراطية والشفافية
وتابع د.محمد المعزوز: “هناك بعض العرب، وأعرفهم شخصياً، لهم غيرة كبيرة على أوطانهم، ويحبون العودة إلى أوطانهم؛ من أجل المساهمة، انطلاقاً من حاسة المواطنة؛ من أجل المساهمة في بناء الوطن، ولكن غياب الديمقراطية، غياب الشفافية، أحياناً ليس فقط ما هو مالي؛ البعض يفضل أن يتخلى عن عشرة آلاف دولار ويشتغل في بلده بألف دولار حباً في البلاد حباً في أن يسهم في بناء بلاده؛ ولكن الواقع السياسي لا يتركه يشتغل ضمن هذا الأفق”.
كيف تجدد الدولة أدوارها؟
وقال أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “هناك أشياء مترابطة ومتداخلة، وبالتالي هذا التداخل والترابط بالأشياء يعود إلى شيء واحد؛ هو كيف تجدد الدولة أدوارها؟ الحل هو الدولة، في البلاد العربية اليوم لا بد أن تخرج من أدوارها التقليدية المتجاوزة، ولمّا أقول الخروج من أدوار تقليدية متجاوزة لا بد من تجاوز شخصنة السلطة، السلطة ينبغي لها ألا تشخصن، ينبغي أن تكون السلطة عبر المؤسسات، احترام المؤسسات من خلال إعادة البناء، تبني الدولة أدوارها الجديدة.. آنذاك لا يكون هناك مكان للوبيات ولا يكون مكان للعلاقات الزبونية؛ ولكن تكون الكلمة الفيصل للكفاءة، والكفاءة للاستحقاق في إطار الشفافية”.
دور مؤسسات التعليم في المجتمعات العربية
وأجاب د.محمد المعزوز عن سؤال “أين دور مؤسسات التعليم في المجتمعات العربية.. الجامعات، المدارس، المعاهد، مراكز الأبحاث، مراكز الدراسات؟ هل لها دور فاعل في توجيه الدولة إلى ما يجب أن تقوم به بالتالي؟”، قائلاً: “طبعاً لها دور؛ لا بد أن مراكز الدراسات ومراكز الأبحاث والجامعات أن تبلور، أن تنتج تصورات، أن تقدم اقتراحات؛ ولكن لاحظنا أن كثيراً من الاقتراحات التي بلورت في إطار مراكز الدراسات وفي إطار الجامعات، وقدمت إلى أصحاب القرار؛ لأن دور الجامعة ينتهي أو المؤسسات تنجز عملاً ما وتقدمه إلى صاحب القرار؛ إما يتخذ قراراً في تنزيل هذه المقترحات وجعلها عملية واقعية أو جعلها على الرفوف أو رفضها واحتقارها، وبالتالي يبقى السؤال، أحب أن أطرح سؤالاً آخر، من خلال ما ذكرت؛ هو: هل هناك فعلاً في بلادنا العربية تناغم وتناسق ما بين الدولة والجامعة ومراكز الدراسات الحقيقية؟ هل هناك تعاون حقيقي؟ أنا أعتقد أن دولنا العربية بصفة عامة لا تشتغل انطلاقاً من مقترحات الجامعات ومراكز الدراسات”.
الحضور السياسي في البلاد العربية يحتقر كل ما هو ثقافي
وأضاف د.محمد المعزوز رداً على “واضح أنه المستوى السياسي لا يقيم وزناً للمستوى الأكاديمي”: “ليس لا يقيم وزناً المستوى السياسي.. الحضور السياسي في البلاد العربية يحتقر كل ما هو ثقافي، وكل ما هو منج من طرف العقول المفكرة عبر مجالات الدراسات والجامعات، لماذا؟ لأن العقل الثقافي والعقل الأكاديمي هو عقل ناقد مستفز للعقل السياسي المتخلف؛ وبالتالي حتى يتحاشى هذا الاستفزاز ويتحاشى هذه المشاكسة، لا بد من إبعاده على خلاف.. أعطيك مثالاً في أمريكا، كم القرارات الكبرى؛ خصوصاً تقسيم الشرق الأوسط، كانت من طرف مفكرين؛ على رأسهم برنارد لويس، وكم من اقتراح مراكز دراسات مؤسسة راند، كم قدمت من اقتراحات للكونغرس الأمريكي ولأصحاب القرار في أمريكا.. كوريا، الصين، نعتقد أن الصين هي بلد ديكتاتوري، الدولة حاضرة فيها لوحدها لا في الصين، هناك انفتاح على مراكز دراسات تابعة للدولة صحيح؛ ولكن مراكز ودراسات موضوعية في إنتاجها العلمي، وتقدم اقتراحات حقيقية على مستوى تدبير الدولة، تدبير الاقتصاد، تدبير المجتمع والسياسة بما يُسمى بالطريق الحرير، الدولة لم تبتكر وحدها وإنما هناك مركز دراسات، خلية للتفكير؛ قدمت للدولة مفهومَ طريق حرير أو بما يسمى القوة الناعمة، وقد تم التجاوب مع هذا المقترح، وقد نجح الآن على أرض الواقع، ونجح في السيطرة على مقابل النموذج الأمريكي الذي تبدو القوة الموصوفة…”.
المستوى السياسي بالدول العربية وضرورة التطوير الوطني
وتابع أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “مفيش فهم وطني لدور الدولة؛ لاحظ معي أنه في أحسن الحالات في بعض دولنا العربية لاعتماد، من خلال موضة التكنوقراطي؛ الاعتماد على التكنوقراطية في تدبير شأن من الشؤون، وكان خطأ الآن في الاعتماد على التكنوقراط في دولنا العربية، كل التجارب تعلن فشلها؛ لأنه لما تأتي بتكنوقراطي ليس خبيراً في الوزارة مثلاً التي يدبرها ويسيِّرها ويتم الإنصات أو الاعتماد على المدراء الذين يحيطون به.. إلى آخره، كيف يملك ودون رؤية إذن كيف يملك الأدوات بلا انقطاع ونجاح فيه؟ نأتي بوزير ثقافة مثلاً لا علاقة له بالثقافة، لم يكتب حرفاً، ولم يقرأ حرفاً، مثلاً نأتي بوزير للتعليم، وكنا نتحدث عن التعليم؛ ربما تكون له هذه النظرة الاستباقية، ولكن لا يفهم البنيات العميقة للمنظومة التعليمية، كيف تتحرك؟ وكيف تحركت؟ وكيف ستتحرك في المستقبل؟ في الأفق الذي يديره، هذا يحتاج إلى خبراء، إلى السياسي الخبير؛ ليس الخبير الشامل.. مفهوم التكنوقراط في البلاد العربية يعني يمكن أن يكون وزيراً للداخلية، يمكن أنه يكون وزيراً للإعلام، يمكن أن يكون وزيراً للطاقة ويمكن أن يكون وزيراً للتعليم؛ يعني هناك خبير شامل وهذا خطأ، لا بد أن نعتمد على الخبير المتخصص في مجال دقيق من المجالات. طبعاً مع رؤية أن يمتلك رؤية سياسية؛ لهذا نجد أن الآن في أمريكا، دعوة في أمريكا وفي الدول المتقدمة، وأعطيك مثالاً بالصين، هي نموذج ناجح يمكن أن نبلور أن ننتج خبيراً ويُسيَّس، يعني أن يمزج بين الخبرة والحاسة السياسية، بالنظرة السياسية؛ لا يمكن الفصل بين الخبرة والسياسة”.
لا بد للدولة أن تجدد أدوارها
واستكمل د.محمد المعزوز: “قلت في السابق لا بد للدولة أن تجدد أدوارها، ومن ضمن الأدوار الدور الإداري، والدور السياسي، والدور الاقتصادي، والدور الاجتماعي، والدور الثقافي والبيئي.. إذا لم تجدد أدوارها وَفق منظور واستراتيجية وخرائط عملياً وقوية وجيدة ستظل تراوح مكانها، ولا يمكن أن نتحدث عن منظومة تعليمية وَفق هذا الخلل الموجود، لا بد من إصلاح الخلل واعتماد نظام حوكمي في إطار الحوكمة يقوم على الشفافية ويقوم على الإيجازية، إذا لم يتم ذلك لا يمكن أن نتحدث عن منظومة تعليمية بالشكل الذي تناقشنا فيه”.
وأجاب أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال، عن سؤال “هل هناك في الدول العربية أو المستوى السياسي في دولة عربية ما ينصت إلى مثلاً ما تنتجه الجامعات؟ هل هناك مراكز دراسات أو مراكز إنتاج علمية ومعرفية أو حتى التصنيعية يمكن الإنصات إليها عند العرب؟”، قائلاً: “أنا أرى الرأي الذي يكون سياسياً ليس بالضرورة أن يكون ملماً بالقطاع الذي يشتغل فيه أو القطاع المسؤول عنه؛ لأنه سيعتمد على طاقة من التقنيات. أنا لا أتفق اليوم حول هذه الفكرة، لماذا مثلاً لما نتحدث عن سياسي في التعليم ويشتغل مع مكاتب الدراسات أو مع مراكز تقدم له اقتراحات وهو لا علاقة له به، بالتالي لا يمكن لحسه السياسي، ليس بالضرورة أن يكون عالماً؟ أنا لا أقول أن يكون عالماً في التعليم؛ ولكن أن يمتلك حداً أدنى من المعرفة في التعليم؛ حتى يستطيع أن يتجاوب أن يفهم أن يستوعب مقترحات مكاتب الدراسات وأن يستوعب مقترحات الجامعات، حتى إذا قدم له مثلاً ثلاثة مقترحات، يقول لأ أنا لا آخذ هذا الاقتراح، الأول أو الثاني، أنا آخذ الثالث مثلاً أو آخذ الأول، اختياره بناء على معرفة أولية؛ أما إذا كان تقنياً بدون هذا الشرط المعرفي اللي تحدثت عنه، سنظل نراوح مكانه، هذا رأي من خلال التجربة”.
العرب والغرب.. وإشكالية الخبرة في إدارة الملفات
وأضاف د.محمد المعزوز: “أنا أحبذ أن يكون هذه المؤهلات، أحياناً تكون علاقة عن طريق الزبونية، أنا لا أتحدث عن هذا الشأن، شخص لا علاقة له بالقطاع فقط؛ لأنه يدخل ضمن لوبي معين، أنا أتحدث عن هذه الكوارث، أنا لا أتحدث عما يحدث في الغرب، الغرب ربما اختاروا وزيراً للتعليم ليس خبيراً في التعليم؛ ولكن له عقله، يشتغل بحد أدنى من المعرفة المتعلقة، ويستطيع أن يتجاوب، له خبرة في التدبير، خبرة إدارية في تدبير الملفات التعليمية والمنظومات”.
وتابع المعزوز: “حتى في الغرب فيه اختيارات سيئة؛ مثلاً في بريطانيا فيه كثير.. نعم هذا الاستثناء لا يُقاس عليه، أنا أتحدث في بلادنا العربية، هنا كقاعدة، أصبحت كقاعدة؛ إما أن يختار المسؤول من داخل العشيرة، من داخل القبيلة؛ سواء أكانت قبيلة سياسية أو كانت قبيلة دموية أو قبيلة من عائلة أخرى، فيتم الاختيار وَفق هذا الشكل، وهذا خطر ليس على الديمقراطية فقط؛ ولكن خطر على الناشئة، على الفرد المستقبلي في المجتمع الذي سيكون غداً…”.
سبيل الخروج من هذه الدائرة
وقال أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “إن السبيل للخروج من هذه الدائرة هو أنه لا بد للمجتمع أن يتحمل مسؤوليته.. وكيف يتحمل المجتمع مسؤوليته خصوصاً النخب؟ إذا لم تحدث مسافة مع الدولة، حتى تؤسس لما يسمى بالسلطة المضادة، ومسمى السلطة المضادة عن طريق جمعيات لفئات المجتمع المدني، عن طريق إعلام حر ونزيه، عن طريق مثقف، ليس مثقف السلطة؛ ولكن مثقف نزيه، نعم يدافع عن الدولة الوطنية، الدولة الوطنية؛ وهي مقدسة بشكل مقدس.. دون دولة سنعيش في فوضي، ولكن كيف يمكن تحدث أو أن تنتج سلطة مضادة قادرة على نقد وتوجيه الدولة ولها القدرة ولها الجرأة أن تقول لأ؟ الدولة الآن تسير في اتجاه غير صحيح؛ إذن السبيل إلى ذلك هو خلق هذا، هو المجتمع الحي، هذا هو المجتمع الذي له القدرة على النقد وله القدرة على البناء..”.
المجتمعات العربية وإنتاج النظام الإداري المعرفي
وأجاب د.محمد المعزوز عن سؤال “ما الذي يمنع المجتمعات العربية من إنتاج هذا المستوى من النظام الإداري المعرفي الذي تنادي به؟”، قائلاً: “للأسف الذي يمنع ولا بد أن نقول هذا الكلام كذلك أن النخب العربية أصبحت مدجنة؛ لأنها تماهت مع السلطة، لا أقول الدولة؛ النخب العربية تماهت مع السلطة، ولمّا تماهت مع السلطة انزاحت إلى كل ما هو ريعي، تتعامل مع السلطة وَفق المصلحة الخاصة، وَفق المصلحة الريعية، ولما حضرت لدى النخب المصلحة الريعية ضاعت المصلحة العامة، وضاع الحس النقدي الذي نتحدث عنه الآن؛ فبعض المثقفين والمفكرين والنخب الحية الحقيقية أمام هذه الفوضى وأمام هذا التهافت واللهاث وراء السلطة ووراء الريع؛ فاضطرت للانسحاب والعودة إلى الوراء تعيش غربة، غربة على كل المستويات؛ غربة فكرية، غربة ثقافية، غربة إنسانية، ولا يعتد بها في أي شيء، للأسف الشديد هذه الشخصية الاستكانية، أصبحنا أمام شخصية عربية ارتكانية تتهافت وراء الريع، وتضع الشخصية الاجتماعية الناقدة التي تدافع عن الدولة الوطنية؛ ولكن تنقد الدولة كلما لاحظت أن الدولة زاغت عن السكة الحقيقية، والسكة المنوط بها كدولة في إطار تعاقداتها مع المجتمع. دون ذلك سوف لا نقل حديث البيضة والدجاجة، دون ذلك سنحكم على هذه المجتمعات بالتفتت والانهيار التدريجي؛ ولكن التدريج بطريقة ثانية”.
المجتمعات في تأخر شبه متسارع إلى الخلف
وأضاف أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال، رداً على أن المجتمعات في تأخر شبه متسارع إلى الخلف: “بمسؤولية أكاد أقول اليوم إن هناك تواطؤاً في البلاد العربية ما بين السلطة؛ ما بين النخب بمختلف مشاربها، تواطؤاً حول المجتمع الحيوي أو المجتمع الناقد الذي يضع المسافات بينه وبين الدولة، وبالتالي الدول العربية بصفة عامة تشتغل في هذا الاتجاه؛ لا تريد أن يتم إنتاج نخب ناقدة نخب قادرة على خلق هذه المسافة، ونخب لها القدرة على الدفاع عن الدولة الوطنية الأهم؛ ولكن أن توضح المسارات الخاطئة بكل جرأة لهذه الدولة”.
البعد التقليدي يسيطر على دولنا العربية
وأجاب د.محمد المعزوز عن سؤال “في رأيك؛ لماذا وصلت الدولة إلى هذا المستوى من الشك أو خلينا نقول مستوى من الابتعاد عن العقل الأكاديمي فيها؟”، قائلاً: “لأن هذه الدول تقليدية؛ لأن البعد التقليدي سيطر على دولنا العربية، إلى درجة أنها تماهت مع القوة والسلطة؛ يعني كأنها هي القوة، كأنها هي السلطة؛ ولكن إذا حاولت أن تفتح على النخب المتفكرة والمثقفة، يعنى أن ستفتح الطريق أمام صوت آخر، أمام رأي آخر، يخلخل هذه القوة ويخلخل هذه السلطة التي تريد لنفسها أن تكون مطلقةً ولا أحد يغايرها ولا أحد ينقدها وأنها على صح، تريد الدولة التقليدية أن تقول لنا أنا دائماً على حق، أنا دائماً صح، والمجتمع إذا انتقد والنخب إذا انتقدت؛ فهي مخطئة، هذه طامتنا، هذه معضلتنا”.
وأضاف المعزوز: “لاحظ معي في البلاد العربية، مصير كل مَن حاول يعني يطور انتقاداته للدولة، ما مصيره؟ مصيره أنه يعني التشطيب عليه؛ إما التشطيب عليه بملاحقته قضائياً أو جعله من المغضوبين عليه، ويقف في الرفوف، إلى أن يهلك.. هذا واقع نلمسه في البلاد العربية، هل يمكن أن تكون حراً في آرائك وأفكارك ونقدك في البلاد العربية؟ لأ، لأن الدولة للأسف العربية تمجيدها للقوة وتمجيدها للسلطة وَفق منطوق أو وَفق منظور تقليدي يجعلها هكذا.. لاحظ معي الآن أن مثلاً حجم المثقفين الذين ينتقدون قرارات الدولة في البلاد العربية ضئيل جداً، حتى إذا حاولوا الانتقاد، يعني المصير هو مصير معلوم معروف”.
المثقف وإشكالية التماهي مع السلطة خوفاً أو طمعاً
قال أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال: “فيه نوعان من المثقفين؛ المثقف الذي حاول أن ينتقد، وكان مصيره التهميش والتحقير، فوصل في مرحلة معينة من الهوة، وقال لا بد أن أتوارى عن الأنظار، ويحاول أن يكتب الرواية بطريقته أو أن يكتب كلاماً مترجماً أو أن يكتب أشياء للأسف أحياناً لا علاقة لها بسخونة الواقع وبتحديات الواقع، وهذا جانب قد احترم نفسه، وفيه نوع من المثقفين لم يحاولوا أن يتماهوا كما قُلت مع السلطة؛ من أجل انتفاع ريعي، أم هل هناك مقاومة ثقافية حقيقية في البلاد العربية؟ أقول لك لا ليست فيه مقاومة”.
المقصود بالدولة
وأضاف د.محمد المعزوز بشأن المقصود بالدولة: “الدولة هي مؤسسات الإدارة، ومؤسسات الجيش، ومؤسسات الشرطة.. هي مؤسسات”.
إشكالية انتقاد الدولة
وأجاب المعزوز عن سؤال: “مَن يقرر ملاحقة مثقف لأنه انتقد أداء ما في الدولة، هل رئيس الدولة مثلاً؟ هل رئيس الشرطة؟ هل مدير المخابرات؟ هل المعلم في المدرسة؟ يعني هل رجل الدين مَن يقرر هذا انتقد الدولة؟ يعني الدولة هي كيان معنوي وهي كيان متنوع الوجود وبمستويات مختلفة في المجتمع، إذن أنت لما تنتقد أداء ما أكيد يعني أنت تنتقد وزير خارجية مثلاً، أنت تنتقد أداءه في تلك اللحظة، لماذا يفهم وكأنك أنت انتقدت الدولة؟”، قائلاً: “نعم؛ قرار الدولة ليس قرار شخص، هي مؤسسة متشابكة متداخلة؛ وبالتالي أن أحياناً الدولة لها مصلحة، هناك ما يسمى مصلحة الدولة؛ البعض يوهم أصحاب القرار أو يجعل أصحاب القرار يخطئون ويقولون لهم من مصلحة الدولة أن نكتم هذا الصوت أو نكسر هذا القلم أو أن نعتقل فلاناً أو أن نهمش فلاناً أو علاناً؛ فبالتالي فهي بنية مركبة كما قُلت، الدولة هي بعد معنوي، هي حضور معنوي ينصرف عبر مؤسسات متداخلة ومختلفة، وهنا يأتي سؤال عريض ومعمق في إطار المقاومة الثقافية والفكرية: هل لنا بنية لهذه المقاومة تُسمي الأشياء بمسمياتها، وتعين مخصوصاً وتحدد المطلوب؟ هذا سؤال أظن كانت فيه فترة معينة من تاريخ البلاد العربية، كانت لنا أن ننهي هذه المقاومة، اليوم غير موجودة، كان فيه مثقفون كبار قالوا الحقيقة ومفكرون كبار كتبوا عما يحدث، وسموا الأشياء بمسمياتها؛ منهم من قضى نحبه، ومنهم مَن انتهى مهملاً مهمشاً لا يذكره أحد، وبالتالي أن الذي برز على السطح وأصبح يتسيد هم هؤلاء كما قُلت المتكسبون وهؤلاء الريعيون.. لاحظ معي كم من زعيم في البلاد العربية تم خلقه؟ الدولة خلقت زعامات فارغة، خلقت زعامة لا تاريخ سياسي لها، ولا تاريخ علمي ولا تاريخ فكري ولا تاريخ حقوقي، زعامة هكذا طُبخت بضربة عصا وأصبحت تتزعم وتتناول الكلمة في البلاد العربية ويضرب لها ألف حساب، هذه قمة الرداءة التي تشهدها بلادنا العربية اليوم، وهذه الرداءة في المستقبل المتوسط، أنا متأكد سنؤدي فاتورتها غالية؛ لأنها ستسبب مقاومة أخرى، هذه المقاومة ظلامية؛ وهي أنه سنعطي فرصة للأصولية بمختلف فروعها أن تحتل هذا الفراغ، وأن تقول كلمتها”.
الدين وصناعة المعرفة
وأجاب أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال عن سؤال “أين دور الدين في صناعة المعرفة؟ هل هناك دور للدين في صناعة المعرفة وليس للمؤسسة الدينية؟”، قائلاً: “الدين له دور أساسي في صناعة المعرفة؛ أقول الدين في أصوله الحقيقية ليس دين الفقهاء، لا أتحدث عن دين الفقهاء، لماذا؟ لاحظ معي أن النص الديني هو غني جداً بقيم الإنسان، وغني جداً بقيم التسامح، وهو بازغ بالدعوة إلى العلم وبازغ كذلك باحترام الآخر، وبازغ بكل ما يجعل الإنسان إنساناً فاعلاً وَفق ضوابط أخلاقية تجعله بعيداً عن كل الشبهات.. هذا النص أنا لا أتحدث عن تجار الدين، كل الفلاسفة حتى الآن، الفلاسفة المسيحيون وفلاسفة اليهود الفلاسفة في الإسلام يعني يتفقون؛ هناك اتفاق حول هذه القيمة، الدين كدين لن يكون إلا إيجابياً في خلق التساكن والعيش المشترك، وفي خلق قيم المعرفة وقيم الانفتاح دون عنف”.
وأضاف د.محمد المعزوز رداً على “كيف يمكن استنباط أدوات تصنيع المعرفة من النصوص بعيداً عن المؤسسات الدينية، بعيداً عن الدين والمدرسة؟ كيف يمكن أنه أنا مَن سيتولى استنباط أدوات تجديد المعرفة من النص، إذا استثنينا المؤسسة الدينية؟”: “هذا دور الجامعات؛ كنا نتحدث عن دور الجامعة، لأن دور الجامعة والمؤسسات البحثية ليس دوراً تقنياً علمياً تكنولوجياً؛ ولكن لا بد أن تلعب كذلك على مستوى القيم وعلى مستوى الأخلاق، لأنه أكبر تحدٍّ ينتظرنا في المستقبل إذا كانت هذه الثورة العارمة والسريعة على مستوى الابتكارات التكنولوجية والعلمية دون قيم، سيضيع الإنسان هويته وسينجرف إلى الروبوت، سيتحول إلى روبوت، سيتحول إلى فزاعة لا هوية لها، لا شكل لها ولا ملامح لها؛ فقط هذه الفزاعة تخرج عن نطاق الإنسان، عن نطاق الإنسانية. إذن دور الجامعة ودور المؤسسات البحثية.. التقنية والعلمية، نعم؛ ولكن القيم، الحفاظ على القيم الإنسانية والأخلاق التي جعلت الإنسان يتميز عن غيره من المخلوقات الأخرى”.
الجامعة والدولة والمجتمع
وتابع د.محمد المعزوز: “تضافر العناصر الثلاثة؛ في الجامعة والدولة والمجتمع، كنخب؛ إذا تضافرت هذه الجهود، إذا حدث هذا التناغم وهذا الانسجام، سوف نتحدث آنذاك عن تعاقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، وهذا التعاقد الاجتماعي الجديد سيفرض أدواراً جديدة للدولة وانخراطاً جديداً للفرد والمجتمع، في أفق واقع تاريخي أو في أفق مرحلة تاريخية جديدة.. دون هذه الأشياء سوف يكون كلامنا عبارة عن طاحونة كلام، سنطحن الكلام دون شيء”.
المجتمعات وإشكالية صياغة هوياتها الوطنية
وأجاب أستاذ علم الأنثروبولوجيا وعلم دراسة الإنسان وعلم الجمال عن سؤال “ليه في مجتمعات أخرى الدولة تعي دورها وتهتم بتطوير مجتمعها وتهتم بصياغة هوياتها الوطنية؟ لماذا هذا الوعي غير موجود مثلاً في الكثير، بلاش نقول عند الكل، في الكثير من النظام العربي بغض النظر أين هو؟ ليه مفيش وعي لتطوير المجتمع؟ ليه مفيش وعي لتطوير الهوية الوطنية الجامعة؟ لماذا لا يوجد وعي بأن هذا المجتمع يجب النهوض فيه للوصول لمستوى معرفي وبالتالي تقوية الدولة أو تقوية أسس المجتمع؟ لماذا هناك فيه وعي، وليه هناك طبقة سياسية تعي مهمتها وهويتها وضرورة يعني أن تقود المجتمع إلى مستوى ما، بينما عندنا هذا الوعي غير موجود، تحس كأن الدولة مصاغة لخدمة أفراد مش مصاغة لخدمة المجتمع؟”، قائلاً: “لأن هناك غياب ديمقراطي، لما تغيب الديمقراطية يحدث الاستبداد والتحكم، من جانب آخر غياب نخب مقاومة وغياب مجتمع حي، يعني الرداءة نخرت كل شيء، الرداءة استحكمت كل مفاصل.. الكل الذي نتحدث عنه، وهنا لا بد أن نعترف أن العالم العربي الآن بدوله ومجتمعاته ونخبه يعيش رداءة مقيتة جداً، وتجاوز هذه الرداءة لا بد أن يتم من خلال قول الحقيقة لفائدة الدولة الوطنية ولفائدة الفرد العربي والمجتمعات العربية؛ لا بد أن نقول الحقيقة كل الحقيقة مهما كانت جارحة، وهذا دور المثقف اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذا لم يقم بهذا الدور فسيكون مساهماً في يعني تضخيم هذه الرداءة، وفي الزيادة منها..”.
واختتم د.محمد المعزوز: “أقول هذا الكلام وأنا متألم جداً؛ لما أنظر إلى التعامل من بعض أو كثير من المثقفين مع القضايا العربية الكبرى والقضايا الوطنية والقضايا القومية والعربية الكبرى، كيف يتعاملون معها؟ لا يتعاملون، إما يتعاملون بازدواجية وهذا فظيع، يعني ما يميز هذه النخب، هذه الازدواجية الفرضية، وإما يتعاملون معها بيعني التنكر المطلق لتاريخية ثقافتهم وهويتهم، مثلاً كالتماهي مع إسرائيل، التماهي المطلق، التباهي والتماهي معها، أو التماهي مع ثقافة أخرى؛ احتقاراً للمكون التاريخي والمعرفي العربي والإسلامي.. أنا كمحمد المعزوز أفتخر بكوني عربياً وبكوني مسلماً وبكوني أمازيغياً وبكوني كردياً وبكوني قبطياً.. هذا الافتخار بالتعدد الذي يؤسس للهوية، هذه الهوية الجامعة والهوية المتميزة بطبيعة الحال كلما حاولت أن أتماهى مع السلطة أو كلما حاولت أن أكون متكسباً أو ريعياً، سأضرب هذه الهوية، سأقصم ظهرَ هذه الهوية التي تحدثت عنها، وهذه إشكالية كبرى ما زلنا كنخب نعيشها بمرارة للأسف الشديد”.