مقدمة
نورة: في بعض الأحيان، أنا أعود أيضًا إلى كتاب الكواكبي “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، ذلك الكتاب الرائع والصغير جدًا، والذي لا بدّ أن يُقرأ أبد الدهر. كيف المستبد يخلق المستعبَد؟ العبد، وهو عبد بطواعية.
باسم: بالرضا.
نورة: عبودية طواعية، كما يقول إيتيان دو لا بويسيه. هذا أيضًا له دور كبير، لأن المستبد يهيكل الذي لا يفكر، يخلق دينًا خاصًا به.
باسم: خلقوا دينًا. يمكن أن أطلق عليه الدين المدرسي، لا علاقة له بما هو موجود في النصوص أو في النص القرآني. لكن كيف تحدثين فكّ ارتباط وتتركين مجالًا للفرد أن يتعامل مع النص بمعزل؟
نورة: نحن نتعامل مع القرآن الكريم عبر الزخم التاريخي الموروث في الدين.
باسم: عبر أقوال الآخرين عنه.
نورة: لما نقرأ القرآن الكريم، نجده شيئًا. أما الممارسات الأخرى، فهي عبارة عن عادات وتقاليد موروثة حافظت عليها هذه المدارس الفقهية والصوفية، وزكتها أيضًا الخطابات الإعلامية. اليوم، هؤلاء الدعاة الموجودون في اليوتيوب، والموجودون في القنوات التلفزيونية، يتقولون أقوالًا في مكان الله، ويحكمون على الناس أحكامًا لا يعلمون أنها أحكام إنسانية، ويدربون الناس على هذه المخارج. لذلك، نحن في حاجة إلى ثورة، ثورة سلوكية وثورة عقدية.
هل خُلقت الفطرة مع الإنسان؟
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم، نلتقي الدكتورة والباحثة والكاتبة الجزائرية نورة بو حناش. الدكتورة نورة كتبت الكثير في حقل الأخلاق، وعلاقة الأخلاق بالواقع والأسرة ومنبع الأخلاق، ولكِ العديد من الكتب والأبحاث في هذا الاتجاه. عند الحديث عن الأخلاق، ماذا يقصد..؟ صحيح أنه قد يبدو سؤالًا تقليديًا، لكن، ماذا يقصد بالأخلاق؟
نورة: في الحقيقة، كان اهتمامي بالأخلاق اهتمامًا مركزيًا، نظرًا لدورها الخطير في بنية المجتمع. وإذا نظرنا إلى الأخلاق، نجد أن الأخلاق هي الميزة التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات. فإذا كان الحيوان، يفعل بالغريزة، وكان الملَاك لا يعرف الخير والشر، فالإنسان مكلف. لذلك، فدستور الإنسان هو الأخلاق. في الناحية الفلسفية، طبعًا، يُختلف كثيرًا في “ما هي المعايير الأخلاقية التي يضبط بها الإنسان السلوك؟” فلو نظرنا إلى المدارس الفلسفية، نجد هناك اختلافًا، وهناك تناظر، وهناك جدل. لكن إذا عدنا إلى الإنسان وفطرته، وبحثنا عن “ما هو السلوك الأخلاقي؟”، نجد السلوك الأخلاقي هو ذلك السلوك الذي يراعي قيمة. هل هناك اختلاف في فهم القيم بين البشر؟ طبعًا، إذا نظرنا إلى مضامين السلوك، يمكن أن نقول: إنها تختلف. لكن إذا نظرنا إلى مستوى الفهم، هل يمكن أن يوجد هناك اثنان يختلفان في العالم بين: ما هي السرقة؟ وما هو الكذب؟ وما هو الظلم؟ لذلك، أنا أرى أن الأخلاق هي: مجموعة القواعد السلوكية الإنسانية المرتبطة بميزان القيمة. معيارها هو مدى تطابق الفعل مع تلك القيمة، وكذلك نتائج الفعل. هذا لا يعني أننا نفعيون أو نديون، وإنما نتائج الفعل لها دور كبير في مصداقية السلوك الأخلاقي. لذلك، فإن الأخلاق هي فطرة إنسانية، ولا يمكن أن نعرّف الإنسان إلا أنه كائن أخلاقي. قد نقول إنه كائن عاقل، ولكن في بعض الأحيان، العقل لو تنازل عن الإرادة الخيرة بالمفهوم الكانطي، كما يقول كانط، يصبح الإنسان مجرمًا خطيرًا.
باسم: يصبح شريرًا.
نورة: سيصبح شريرًا. لذلك، الأخلاق هي عبارة عن رسائل وقواعد وقوانين تنظم العلاقات الإنسانية.
الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟
باسم: قبل الحديث عن المعيارية، ربطتِ أن الأخلاق كقيمة هي فطرية. هل يقصد أن الإنسان خُلق بالفطرة هذه، خلق وفطرة القدرة على تحديد القيمة موجودة فيه، أم أنه تم اكتسابها من الممارسة مع الواقع؟
نورة: هو الإنسان، حسبما تجادل الفلاسفة. لو ننظر إلى الخطاب الفلسفي، نبدأ مباشرة بالرؤية السقراطية السوفسطائية. فجدل سقراط والسوفسطائيين حول هذه القضية. فسقراط يرى بأن الإنسان قد عرفها في عالم آخر، وتذكرها، القيمة الأخلاقية، الفضيلة، وهو كان يبحث كثيرًا عن الفضيلة. أما السوفسطائي، فهو يرى بأنها قيمة مكتسبة من الحياة ومن الممارسة، وهي معيار النجاح الإنساني.
باسم: يعني: أنتِ تقولين: إن الأخلاق كقيمة هي أصلاً ذات مستوى فطري قديم؟
نورة: مستوى فطري مع الإنسان.
باسم: خلق مع الإنسان، وتم تطويره من خلال تفاعل الإنسان مع واقعه.
نورة: أنا أرى أن الأخلاق كمدرك للقيمة هي موجودة مع الوعي الإنساني، مع درجة الفهم البشري، مع إدراك الإنسان للمعاني. وبالتالي، فيبدو أن الأخلاق بالنسبة للإنسان مركزية. لذلك، الآن هذا القرن هو قرن الأخلاق، قرن فلسفة الأخلاق، قرن الاهتمام بالأخلاق. تجاوزت الفلسفة كل النطاقات، وبقيت تنظر إلى الأخلاق؛ لأنها رأت بأن الإنسانية تجاوزت كل الأطر الفطرية التي ولد عليها الإنسان. أنا أرى أن الرسالة الأخلاقية مفهومة، وتُبعث عبر أرجاء العالم، لأن الإنسان لديه مدرك أخلاقي فطري.
إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق
باسم: هذا المدرك الفطري هل تم التعبير عنه في أي نصوص دينية، أم هو فطري، الإنسان فعلاً اكتشفه وأنه موجود عنده نتيجة الممارسة اليومية، أم هناك فيه نص أو نصوص؟
نورة: هي النصوص الدينية وافقت.
باسم: هناك نحو عشرة بنود ما يطلق عليه في النص القرآني الصراط المستقيم، التي هي عبارة عن منظومة القيم العامة عند كل البشر. مثلما تفضلتي في البداية أن الكل يعرف أن القتل والسرقة وتطفيف الموازين والغش فيها، هذا جزء النفس البشرية تأباه دون أن أحدًا يقول لك: هذا خطأ أم صواب. معناه إذن، هناك نصوص تدعم أو توضح المعيارية الخاصة للأخلاق أو للسلوك الأخلاقي.
نورة: إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق إشكالية عميقة جدًا، بدأت من العصر اليوناني ومستمرة إلى يومنا هذا. من يستوعب من؟ هل الأخلاق تستوعب الدين أم الدين يستوعب الأخلاق؟
باسم: لا، أنتِ تحدثتِ أنّ الأخلاق كقيمة هي قيمة فطرية، بالتالي هي سابقة على اليونان أصلاً.
نورة: هي سابقة، هي موجودة مع وجود الإنسان.
باسم: بالضبط، والنصوص الدينية، كما تفضلتِ، هي دعمت هذا الوجود أو فصّلته.
نورة: أو ذكّرت الإنسان.
باسم: أو ذكرت الإنسان، {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}.
نورة: أو ذكّرت الإنسان بعدما ينسى ويغفل عن هذه القيم، ذكّرته. هي دائمًا تذكّره.
باسم: لو أردنا أن نتحدث عن العلاقة ما بين الأخلاق والتدين، هل هناك علاقة، أو هل إحداهما تردف الأخرى؟
نورة: هي إشكالية كبيرة. علاقة التخلق، علاقة، أولاً، الأخلاق بالدين. هذه إشكالية، وهي قضية تم النقاش فيها طويلاً. بدأت في الفلسفة اليونانية على أن الأخلاق تصحيح للدين. في الفلسفة اليونانية، الأخلاق كانت عند سقراط وأفلاطون تصحيحًا للدين اليوناني القائم على تعدد الآلهة، آلهة أوليمبيا، كأنها مملكة بشرية فيها القتل، فيها الزنى، فيها الفواحش. ولما ننظر ونقرأ المحاورات الأفلاطونية، سقراط حينما يحاور رجل الدين “فيدون”، يحاوره في إشكاليات عميقة جدًا في التدين، في قضية التقوى، في قضية الطقوس، إلى آخره، لكي نخرج بعد ذلك إلى منطق، لا أقول بمفهوم التوحيد القرآني، منطق توحيدي، لأن الإله عند أفلاطون واحد، وعند سقراط واحد، وعند أرسطو واحد. كانت الفلسفة الهيلينية ردّ فعلٍ على تشوش الدين. يعني: الدين لما يكون مشوشًا، يفسد الأخلاق. لذلك، المخارج الفلسفية عند سقراط وعند أفلاطون وحتى أرسطو هي مخارج تصحيحية للعقيدة اليونانية. بعد ذلك نجد أن الإله السقراطي والإله الأفلاطوني، إله يتميز بالتعالي، وإلى آخره. بينما كان، في المدينة اليونانية، الدين الشعبي، الدين الوثني، القائم على تعليم الشباب الرذائل وليس الفضائل. ولذلك من هذا الباب أيضًا يمكن أن نقول: إن سقراط حُكم عليه بالإعدام لأنه اتهم بأنه يفسد أخلاق الشباب. إذن، هناك فرق بين التخلق وبين التدين. في بعض الأحيان، التخلق يصلح التدين، وفي بعض الأحيان الأخلاق، التخلق يصلح التدين. ثورات الفلاسفة مثلًا في عصر الأنوار، المسيحية، كيف كانت المسيحية في أوروبا؟ ألم تكن المسيحية قهرًا للناس وكانت تقتل العلماء؟
باسم: كان فيها توحش.
نورة: ولذلك، السؤال الأخلاقي عند كانط هو تأسيس إنسان يفهم ويتعقل الأخلاق، ولا تُملَى عليه الأخلاق من الكنيسة. إذن، هناك إشكالية خطيرة في مسألة مصدر الدين وعلاقته بالإنسان.
باسم: الدين أم التدين؟ خلِّنا نفصل ما بين المفهومين.
نورة: بين التدين والتخلق. في كثير من الأحيان يكون التخلق شعورًا باعوجاج التدين، التخلق شعور وإدراك باعوجاج التدين.
التدين المخالف للدين!
باسم: هناك مجتمعات متدينة، وهناك أشخاص متدينون، لكن على مستوى الأخلاق السلوكية، ترين أن هناك شيئا معاكسا.
نورة: نعم.
باسم: كيف يجوز للشخص المتدين الذي يمارس بعض الطقوس الشكلية، أنا أسميها، ويسلك سلوكًا مخالفًا للنص الديني؟
نورة: هذه الظاهرة، ظاهرة، (مصطلح فرنسي) أو الانقسام في المجتمعات الإسلامية.
باسم: الانفصام.
نورة: الانقسام في المجتمعات، نحدد المجال، وهو المجتمعات الإسلامية التي نشهد فيها إنكسارًا كبيرًا بين التدين وبين التخلق. في بعض الأحيان، المتدين ينتهي إلى خلاصات لا أخلاقية إلى أبعد مدى. هذه وحدات نشاهدها في حياتنا اليومية في المجتمع القريب منا. ظاهرة التطفيف في الكيل والغش. أنا لما أذهب للسوق في قسطنطينة، نروح لنشتري حاجة، يقول لي البائع الآخر: “راح يصلي العصر”. لما يجيء من العصر، يقدم لي طماطمَ أو تفاحا فاسدا، لأنه فرز الجميل ووضعه أمامي والفاسد وضعه…
باسم: وهو يختار لك.
نورة: وهو لا يعرف أنه هنا يتوعده الله بالويل والثبور، لأنه: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}. لماذا؟ سؤال كبير يُطرح، لماذا مجتمعاتنا تتدين في فراغ؟ الآن المجتمعات الإسلامية تتدين في فراغ. أولاً وقبل كل شيء، نحن مجتمعات، من الناحية الأنثروبولوجية، مرت بقرون من الغفوة. مجتمعات نامت واعتقدت بما كان يقدمه لها السلطان، وبما كان يقدمه لها الرجال المرتبطون بالسلطان. وأيضًا هناك أزمة أخرى من الأزمات التي أرى أنها، بالنسبة لي، تتناقض مع الإسلام، كما يقول مالك بن نبي رحمه الله، ذلك الإسلام الفعال النشيط الذي يأمرك بأن تزيح المنكرات، ومن بين المنكرات أنك لا تؤدي أعمالك كما ينبغي أن يكون.
باسم: بالضبط.
نورة: نعم، لماذا؟ لأن هناك قرونًا من الغفوة. الصوفية أيضًا أصبحت اتكالية، وهناك برمجة على الروح الأشعرية السلبية، يعني: نحن، مثلاً، هنا في المغرب العربي، لدينا المذهب المالكي، ولدينا المذهب الأشعري، وبرمجت المجتمعات.
باسم: على هذا الأساس.
نورة: على مفهوم أن كل شيء قدر من الله سبحانه وتعالى، حتى أتفه الأشياء. لذلك يرددون في المجتمع الجزائري أن واحدًا، مثلاً، قام بتخطي أو بعدم احترام قوانين المرور، صار حادث مرور، صارت كارثة، هذا مكتوب من الله سبحانه وتعالى. نحن قمنا بالانسلاخ عن المسؤولية، من بين أزمات الفراغ.
باسم: صحيح، برأت الناس.
نورة: الفراغ، فراغ الدين الذي نعيشه، أننا لا نصبح مكلفين، والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم جعلنا مستخلفين، لأننا مكلفون، لأننا مسؤولون. لذلك، فالمجتمعات الإسلامية، إذن، من الناحية الأنثروبولوجية، أعيدت برمجتها وهيكلتها على ألّا تفكر، وعلى أن تنزع مسؤوليتها عن الوجود وعن الواقع. لذلك، هذا الذي يصلي اليوم، ممكن أن يكون لابسًا، مثلاً، قميصًا ولحية، وملتزمًا بالطقوس.
باسم: ومسبحة…
نورة: الظاهرية للدين، وفي بعض الأحيان، أنا عندي بعض الأمثلة، ممكن أنه يشتغل حتى بالمخدرات. لماذا؟ لأنه لا يدرك أن الدين الإسلامي هو عبارة عن تجربة أخلاقية. حتى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يتحدث عن النبي الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. ويوم القيامة، أقرب الناس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام هم أقربهم إلى الأخلاق. لذلك، فإن التدين والتخلق…
باسم: صنوان.
نورة: مرتبطان ببعضهما البعض، ولكن الظاهرة الأنثروبولوجية في المجتمعات الإسلامية التي بُرمجت على نوع من العلمانية، لأننا نعيش انفصال الدنيا عن الآخرة.
باسم: دكتورة، أنتِ تتحدثين عن شيء، وضعتِ يدكِ على الجرح العميق الموجود في المجتمعات العربية الإسلامية، أو بشكل عام المجتمعات الإسلامية. هناك تناقض صارخ، وفيه انفصام في الشخصية كامل ما بين ما يتعلمه الناس من النص وما بين السلوك العام للمجتمع. والغريب جدًا أن هذا السلوك تُحسِّين في لحظات كأنه مبرر. إن الذي يقوم بالتطفيف، بالغش في الموازين، تُحس وكأنه يبرر ذلك، لأن علاقته مع الله علاقة عدّ. إذا كنتُ أعدّ فأقول: سبحان الله، عشرين ألف مرة في اليوم، فإني لو انخصم من عندي اليوم عشرة آلاف، يظل عندي رصيد عشرة آلاف. هذه الطريقة في التعامل مع الله، أنا في رأيي، تدل على أن الناس لا تعرف الله حق معرفة، وبالتالي، تمارس الغش حتى في الإيمان.
دين مدرسي!
نورة: أنا أرى حسبما ألاحظ وحسبما أعيش، أنّا نحن خلقنا إسلامًا جديدًا. قضية الحسابات مع الله في الميزان عبر الطقوس وتبرير الميزان الخاسر في الأفعال. هذه ناتجة عن أننا قمنا بتأسيس إسلام جديد. هذا الإسلام الجديد يبرر هروب الإنسان من الواقع، لذلك، نحن في مرحلة تتطلب إعادة القراءة وإعادة التأسيس وإعادة الاجتهاد والتدريب. ممكن أن نقول إنه لما اندمجت الأنظمة الحداثية من الاشتراكية والرأسمالية في حياتنا اليومية، زادت من فسادنا وأفسدتنا. لم تصلحنا. ربما في المجتمعات الغربية تنظمت إلى حد ما بطريقة بحيث إن الإنسان يتدرب على طاعة القانون، بينما نحن هنا، زادت في فسادنا لأننا أصبحنا…
باسم: نحن نتعمد الإساءة للقانون.
نورة: نتعمد الإساءة، في بعض الأحيان أنا أعود أيضًا إلى كتاب الكواكبي، “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وذلك الكتاب الرائع والصغير جدًا، والذي لابد أن يُقرأ. أبد الدهر، كيف المستبد يخلق المستعبَد. العبد؛ هو عبد بطواعية.
باسم: بالرضا.
نورة: لديه عبودية طواعية، كما يقول إيتيان دو لا بويسيه. فهذا أيضًا له دور كبير، أن المستبد يخلق، أو المستبد يهيكل الذي لا يفكر، يخلق دينًا خاصًا به.
باسم: خلقوا دينًا، أنا أطلق عليه الدين المدرسي، لا علاقة له بما هو موجود في النصوص، أو في النص القرآني. وبالتالي، خلقوا أدوات تنفيذية له، وخلقوا له مؤسسات، وخلقوا له نظمًا قائمة. وبالتالي، أنا في رأيي، أن المجتمعات العربية الإسلامية، أو المجتمعات الإسلامية بشكل عام، مأسورة بهذا الشكل. لكن كيف تحدثين فك ارتباط، وتتركين مجالًا للفرد وللمجموع بشكل عام أن يتعامل مع النص بمعزل عن العودة أو المرجعية؟
الحاجة إلى ثورة عقدية
نورة: الزخم التاريخي، نحن نتعامل مع القرآن الكريم عبر الزخم التاريخي الموروث في الذهن.
باسم: عبر أقوال الآخرين عنه.
نورة: عبر أقوال الآخرين. لما نقرأ القرآن الكريم نجده شيئا، أما الممارسات الأخرى فهي عبارة عن عادات وتقاليد موروثة حافظت عليها هذه المدارس الفقهية والصوفية، وزكتها أيضًا الخطابات الإعلامية اليوم. فنجد أن هؤلاء الدعاة الموجودين في اليوتيوب والموجودين في القنوات التليفزيونية يتقولون أقوالاً في مكان الله، ويحكمون على الناس أحكامًا، وهي أحكام إنسانية، لا يعلمون أنها أحكام إنسانية، ويدربون الناس على هذه المخارج. لذلك، نحن في حاجة إلى ثورة، ثورة سلوكية وثورة عقدية. هذه الثورة العقدية نجد أنها كانت موجودة، مثلاً، نحن في مدينة قسطنطينة في الجزائر، ندرس أعلام المسلمين الجزائريين، الشيخ عبد الحميد بن بديس خلق إنسانًا حيًا. عبد الحميد بن بديس كان في قسطنطينة، بدروسه، كان القسطنطيون موتى فأحياهم. ونستطيع أن نقول: إن الثورة الجزائرية، ربما جمعية العلماء لم تكن حزبًا سياسيًا، ولكنها هيأت الإنسان لكي يعرف من هو؟ وكيف يكون؟ وكيف يثور؟ وكيف يعيد تأسيس ذاته مرة أخرى؟ لأن الشيخ عبدالحميد بن بديس استطاع أن يثير الجزائريين.
باسم: هل يمكن تطبيق هذا النموذج الذي تم تطبيقه من ابن بديس مثلاً، أم إن كل مجتمع له خصوصيته الخاصة؟
نورة: الشيخ عبد الحميد بن بديس كان تأثر كثيرًا بالنزعة الإصلاحية في العالم الإسلامي كله، من المشرق إلى المغرب. تأثر بالشيخ طاهر بن عاشور، بمحمد عبده، بجمال الدين الأفغاني، حتى بمحمد عبد الوهاب في قضية تكسير أصنام البدع والخرافات التي كانت موجودة في الحجاز. لكن هذه التطبيقات ممكن أن تكون مختلفة من منطقة إلى أخرى، ولكن، هي فعالة في إعادة إحياء جذوة العلاقة بين الأخلاق والدين. فيصبح تدين تخلقٍ، الإسلام في حد ذاته مجموعة من القيم، ويقدم لك العبادات باعتبارها أدوات للتخلق. الناس لم يفهموا هذا. اليوم، لا يفهمون أن الصلاة ليست مقصودة لذاتها.
باسم: هي وسيلة.
نورة: هي عبارة عن…
باسم: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، هي أداة استعانة.
نورة: هي عبارة عن تذكير بالقيم. أنت أمام الله سبحانه وتعالى..
باسم: الدكتور محمد شحرور، الله يرحمه، قال: إن أحد المسببات الرئيسة، القول بأنه بني الإسلام على خمس، كان هو الحديث الذي نُسب إلى الرسول الكريم، والذي هدم منظومة القيم الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية لأنه قلبها..
نورة: ما هو الحديث؟
باسم: “بني الإسلام على خمس”، الشهادتان، وإلى آخر الخمس. واعتبر أن هذه، حسب قول الدكتور شحرور، أسس الإيمان وليست أسس الإسلام، لأن الإسلام، الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. فبالتالي، التركيز كله على ما يُسمى بين قوسين “العبادات”، والعبادات مختلفة كليًا عن الطقوس. ممارسة الطقس لا تعني أنك أصبحت مسلمًا، قد تكون أنت أصبحت متدينًا.
نورة: متدينا، نعم.
باسم: وبالتالي، نرى في مجتمعاتنا كثرة الصلاة وكثرة المساجد. أنا لست ضد كثرة المساجد، بالعكس، إنما سوء استخدام تأدية الطقوس والالتزام بها أدى إلى أن تصبح هذه المجتمعات بشكل عام منافقة. وبالتالي، نرى الخلل والخراب الموجود في هذه المجتمعات.
نورة: القرن الثامن الهجري هو قرن بداية ما نسميه عصر الانحطاط، تراجع الأمة الإسلامية بدأ بسقوط الأندلس. الرهان هو رهان مرتبط منذ القدم، وليس جديدًا. إنما زادت الوعكة من الاستعمار، زادت الوعكة أيضًا من الدولة الوطنية الحديثة ما بعد الكولونيالية. فأصبحت الأمور الآن مفضوحة، واستغلال التدين من أطراف أجنبية إلى آخره.
باسم: كما يحدث الآن في مجتمعاتنا.
نورة: نعم. لذلك، بالنسبة لقضية الفصل بين قضية العبادات وقضية الإسلام والإيمان كما طرحها الأستاذ…
باسم: شحرور.
نورة: ربي يرحمه، الأستاذ شحرور، هي قضية مهمة جدًا. إذن، قبل أن أتأسسَ عباديًا، عليّ أن أعرف الله، وأعرف الإيمان، وأعرف قواعد الإيمان. ولكن نحن في الحقيقة في مجتمعاتنا، المجتمعات الإسلامية، دائمًا نسأل: أيصلي أو لا يصلي؟ لكن لا نسأل إذا سرق أم لم يسرق؟
باسم: هو كذب أو لم يكذب؟ غش أو لم يغش؟
نورة: الحديث الذي يُكرر دائمًا لتبرير الأفعال السيئة: “من قال لا إله إلا الله دخل الجنة”، أضعه تحت كثرةٍ من علامات الاستفهام.
باسم: بالضبط، والقرآن يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.
نورة: وقضية من قتل 99 نفسًا ثم المئة لم يقتلها، دخل الجنة، وهذه أيضًا مناقضة تمامًا..
باسم: هذه أحاديث مدسوسة جدًا، هذه الروايات مشوهّة النص.
نورة: مناقضة لمقاصد الشريعة في المحافظة على النفس. لذلك، فأنا أرى أن مجتمعاتنا في حاجة إلى يد، وهذه اليد في بعض الأحيان ممكن أن تكون، لا أقول عنيفة قتلًا، وإنما عنيفة زجرًا، لأننا نعيد موقع الأخلاق.
الفرق بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية
باسم: بهذه النقطة نرى المجتمعات الأخرى التي الأخلاق فيها فاعلة سلوكيًا. هناك انضباطات في الشارع، انضباطات في الغش، هناك معايير. هذه المجتمعات لديها معايير، لا يعني أن الناس أصبحوا ملائكة، إنما هناك معايير مفروضة بقوة القانون، وأصبحت جزءًا من عادة الناس في ممارسة الحياة. كيف توصلت تلك المجتمعات، وليس لها تدين بشكل التدين الممارس عندنا؟
نورة: أنا هنا أربط بين السياسة والأخلاق في هذا السؤال الذي أجيبك عنه. السياسة والأخلاق في المجتمعات الغربية، فالدولة التعاقدية هي التي أعادت إنتاج الفرد في المجتمعات الغربية. هو تعاقد، أنا أتعاقد معك، أتنازل عن جزء من حقوقي لكي تدافع أنت بعد ذلك عن جميع…
باسم: الحقوق.
نورة: الحقوق، سواء عند هوبز أو عند جان جاك روسو، “مصطلح فرنسي”، أو حتى في العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو. في نهاية المطاف، الدولة الغربية دولة مدنية قائمة على القانون. وقضية أخرى أساسية، هل نعاقَب نحن حينما نفعل شيئًا ضد القانون في مجتمعاتنا؟ لا نعاقَب. بينما في المجتمعات الغربية، الفرد يعاقَب ويراقَب. هناك معاقبة وهناك مراقبة.
باسم: والمسؤول يعاقَب ويراقَب.
نورة: والمسؤول يعاقَب. هنا الإشكال الكبير، لما يريد المسؤول ألا يعاقَب، فهو لا يعاقِب المواطن أو الرعية.
باسم: إذن، أنتِ ترين أن المشكلة في صيغة التعاقد ما بين الدولة والفرد؟
نورة: قضية التعاقد بين الدولة والفرد. وأنا لا أرى أننا نحن مجتمعات، لأننا لسنا نحن مجتمعات تعاقدية، لأننا لم نمرّ على عصر الأنوار، لم نمرّ على فكرة نقد الأنوار، لم نؤسس دولة. لحد اليوم، لم نؤسس دولة. أنا دائمًا أقول لطلبتي: نحن الآن تائهون في التاريخ. بعدما مات الرجل المريض، عندنا الآن مئة سنة ونحن تائهون في التاريخ. ليس لنا دولة مؤسسة على تعاقدية. كيف تكون تلك التعاقدية؟ المجتمعات الغربية تعاقدت بعد سقوط الكنيسة بفكرة القانون الطبيعي، لكن نحن ليس لدينا نظرية القانون الطبيعي. نحن استلهمنا نظرية القانون الطبيعي، وورثنا دولة تعاقدية بعد خروج الاستعمار. لذلك، نحن لا نتوافق سياسيًا ولا أخلاقيًا في هذه الدولة. لذلك، الغربي والذين يعيشون في الغرب يعرفون ذلك. يحترم القانون وتضمينه الأخلاقي، لأنه تربى على طاعة ذلك القانون، وعلى العقاب إذا اخترِق القانون، وعلى المساواة بين الحاكم والمحكوم إذا اخترِق القانون.
باسم: أمام القانون إذا اخترق القانون.
نورة: لذلك، أنا لا أرى أنهم أكثر تخلقًا منا، لأننا في بعض الأحيان نكون أكثر تخلقًا منهم بيننا وبين أنفسنا، ومع الذوات الأخرى. وإنما كيف أصبحوا متخلقين؟ لأن الدولة أخذت على عاتقها مهمة هذا التخليق. وفي الحقيقة، تخليق في إطار…
باسم: مأسسته وحمايته.
نورة: مأسسة الدولة الحديثة.
مواطنون أم رعايا؟
باسم: ما الذي يمنع في المجتمعات الإسلامية بشكل عام، وبالذات في المجتمعات العربية، أن تقوم الدولة بعملية مأسسة للقيم الأخلاقية وللسلوكيات، وأن تضع القانون ليحفظها ويحميها؟ إذا تراجعين معظم دساتير المجتمعات العربية، تحسّين أن هذه مجتمعات فظيعة! هذه مدينة أفلاطون الراقية. لكن على المستوى التطبيقي السلوكي، سواء بين السياسة والحاكم وما بين الإنسان العادي، ما موجودة. ما فيها شيء.
نورة: لما تحدثت عن قضية: هل تتخذ الدولة المبادرة في تخليق الناس؟ نحن نعيش، أولاً وقبل كل شيء، إشكالية عدمية، بين أن نفهم ما هي الدولة؟ ما هي أدوات الدولة؟ كيف تخلق الدولة المؤسسات؟ وكيف يكون الفرد في إطار هذه الدولة؟ هناك مأزق كبير بالنسبة لنا كمجتمعات عربية إسلامية. هناك مأزق كبير: ما هي هذه الدولة؟ ما طبيعة هذه الدولة؟ وما علاقة الفرد بالدولة؟ وهل أصبح الفرد أولا مواطنًا؟ كلمة المواطن، كلمة لا نستعملها هكذا جزافًا. المواطن في المجتمعات الغربية هو ذات…
باسم: هو كيان.
نورة: كيان محترم إلى آخره. وفي سياقاتنا العربية الإسلامية، ليس لنا كلمة “مواطن” من مفهوم “مصطلح فرنسي”. أنا لا أساوي بين كلمة “مصطلح فرنسي” أو “سيتزن” بالإنجليزية، وكلمة مواطن. لو نبحث في الجذور اللغوية، نجد أن “مصطلح فرنسي” ينتمي إلى المدينة، “مصطلح يوناني” المدينة اليونانية، وهي المدينة التي كان يحكم فيها القانون الأفراد. القانون هو الذي يحكم الأفراد. لما نأتي للمواطن، كلمة المواطن هو من الوطن. وما هو الوطن؟ الوطن فضاء جغرافي وليس مجموعة قوانين.
باسم: نعم، هذا تفريق دقيق، دكتورة، صحيح.
نورة: لذلك، أنا عندي كتاب لم يُتداول كثيرًا، ممكن أنه لم يطبع منه طبعات كثيرة، خرج سنة 2021، “شذرات منتزعة من نص عربي إسلامي قديم”، وحاولت أن أعالج إشكالية المواطنة في الثقافة العربية المعاصرة. ومشيت وراء المفهوم والمصطلح، فوجدت أنه لا ينطبق علينا كلمة المواطن بالدلالة الغربية. نحن لسنا أفرادًا تحكمنا القوانين، إنما ما زلنا إلى حد اليوم ليس لنا هذا السياق.
باسم: وكأننا رعايا للدولة.
نورة: لا زلنا رعايا. أنا أفضل كلمة الرعية على المواطن، لأنه لحد اليوم لا نمتلك أدوات التقنين المؤسس في علاقة الحاكم بالمحكوم، في علاقة المحكومين ببعضهم البعض.
باسم: وبالتالي، هذا يؤثر على الهوية المجتمعية للناس.
نورة: يؤثر على الهوية المجتمعية، ويؤثر على السلوك الأخلاقي للإنسان. ليس له سبيل مؤسس. ولو نتذكر، أطروحة وائل حلاق في كتابه “الدولة المستحيلة”، على أساس أنه لا يمكن أن تقوم دولة إسلامية حديثة بمواصفات الحداثة الغربية. وائل الحلاق يقول بأن المجتمعات الإسلامية هذه كانت لديها قوانينها الخاصة، وهي قوانين مؤسَّسة، يعلم فيها الإنسان وظيفته في المجتمع. ثم بعد ذلك، مع صدمة الحداثة، تمت المغايرة وأصبحنا أمام صدام بين قوانين الدولة العلمانية التعاقدية وبين قوانين الشريعة. لذلك، أنا أرى، قضية التدين والتخلق في المجتمعات العربية..
باسم: يعني: صار الفرد محكومًا لنوعين من القوانين: لرجل الدين أو لرجل السياسة..
نورة: لذلك، فثقل القانون في حياتنا اليومية أثقل بكثير من ثقل القانون عند الإنسان الغربي. نحن نعيش ثنائية، نوع من إسكوزوفرينيا بين الحداثة وبين حياتنا اليومية.
باسم: ما بين الحلال والحرام.
نورة: ليس الحلال والحرام، بين ما نعيشه في حياتنا اليومية. إلى حد ما، نقول الحديثة بمفهوم الحداثة الغربية، وبين مضامين التراث، تحيّزنا في مجتمعاتنا. لذلك، هناك صدام بين ما نجده في قانون الدولة وما نعيشه في حياتنا اليومية. لذلك، نحن نعيش في حالة مرضية. لذلك هناك هذا الصراع بين التخلق وبين التدين. أن آتي بالنموذج الغربي وأطبقه، هذا فشل للعقل. هذا نحن فيه، هذا يعبر عن فشلنا أن نستورد الحداثة. نحن فاشلون من ناحية القراءة العقلية، أن نعود أيضًا إلى سلفنا القديم منذ 1400 سنة..
باسم: أيضًا فشل.
نورة: أيضًا فشل. إذن، نحن إلى حد اليوم نغلق باب اجتهادنا، ولا نفكر في قيمنا ومقاصدنا بمنظور لا يؤدي إلى استعمارنا من طرف الحداثة، ولا يؤدي أيضًا إلى إغلاق أفقنا. إذن، فهناك إشكاليات مرتهنة بالنخب. أنا أرى أن إشكاليتنا مرتهنة بالنخب التي انقسمت إلى قسمين، تتصارع فيما بينها: السلفيون، والعلمانيون، الحداثيون، الليبراليون. كل من الطرفين لديه أيديولوجيا يحارب من أجلها، وليس لديه مشروع إنساني يحارب من أجله.
مسؤولية المثقف
باسم: يعني: عندنا إشكالية نُخب، عندنا إشكالية تدين، عندنا إشكالية سلوك أخلاقي. معناه نحن شعوب سائدة؟
نورة: وأنا في الحقيقة دائمًا…
باسم: أو مجتمعات سائدة
نورة: لا أسائل الإنسان العامي، وكذلك لا أسائل السياسي، إنما أسائل المثقف. المثقف تنازل عن دوره تنازلاً، بل ترك الساحة فارغة، فارغة لداعية ديني، لداعية سياسي يجهز الفضاءات كما يريد هو.
باسم: يعني: هل المثقف تنازل برضاه، أم أن الجو العام المحيط أجبره أن يتخذ زاوية من زوايا الوطن وينعزل، أم أنه نحن ليس عندنا مثقفون؟
نورة: نعود إلى جورج غرامشي. من هو المثقف العضوي؟ ليس لدينا مثقفون عضويون.
باسم: يعني: نحن ليس لدينا مثقفون.
نورة: المثقف العضوي، ممكن أنهم لا يوافقون، المثقف العضوي هو الذي يحدث الثغرة في النظام المنسجم رغم فساده، هو الذي يحدث الثغرة والمساءلة في نظامٍ على الرغم من فساده، هناك النظام الفاسد. ولذلك، أنا أرى أن هناك ظروفًا -صحيح، ظروفًا سياسية- أغلقت الخناق على المثقف. وأرى أيضًا أن المثقف تنازل عن دوره، ولم يعد لديه إمكانيات التغيير. لأنه في فترة معينة كان يوجد هناك حتى الشيوخ غيروا، كما قلنا قبل قليل، الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ الإبراهيمي رحمهما الله، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نائبه، كانوا يجوبون أقطار الجزائر، مناطق الجزائر، في وقت فرنسا حيث كان تحريم اللغة العربية. فأنشأوا المدارس الحرّة ويدرّسون فيها العربية والإسلام. تلك المدارس الحرّة أدّت في نهاية المطاف إلى ولادة الجيل الذي بعد ذلك..
باسم: حارب..
نورة: عرف أنّ الجزائر ليست فرنسية، بمقولة خطيرة جدًا للشيخ عبد الحميد بن باديس: “شعب الجزائر مسلمٌ وإلى العروبة ينتسب”، بعد الفرنسة، بعد سحق الذّات الجزائرية، قتلًا وعنفًا. ألا ترى أن هؤلاء الشيوخ هم عبارة عن مثقفين عضويين؟
باسم: نعم، هم مثقفون بالتأكيد.
نورة: مثقف عضوي، غيَّر..
باسم: لماذا خسرت المجتمعات العربية مثقفيها؟ هل يمكن القول: إن المجتمعات خسرت المثقفين، أم أنه ما فيها مثقفون؟
نورة: المثقف لا بدّ ألا يكون مقلدًا. أنا، حسبما أرى في قراءات الفكر العربي المعاصر، والمشاريع العربية المعاصرة، إلى حد بعيد هي عبارة عن مشاريع مقلِّدة. كلها ترى بأنه علينا أن نلتحق بالحداثة، وأية حداثة، يعني: أن نتطابق مع الغرب. المثقف العربي، الذي يريد أن يكون ماركسيًا، والذي يريد أن يكون ليبراليًا، والذي يفكر بتفكير هابرماس، والذي يفكر بتفكير ميشيل فوكو… (رغم أن ميشيل فوكو، نقل إدوارد سعيد لما ذهب عنده، تكبّر ولم يستطع الكلام معه، لأنه يراه من الهامش، جاء إليه من الهامش). أنا أرى أنّ هذا ليس مثقفًا عضويًا، وأرى بأن هذا المثقف الذي يدعو إلى أنّنا لا بد أن نكون حداثيين حتى نتقدم كما تقدم الغرب، يُغلق الخِناق الاستعماري على الأمة العربية الإسلامية.
وكل المشاريع الفكرية التي جاءت في القرن العشرين -والآن الساحة الفكرية العربية يسودها نوع من الركود بعد موت الأقطاب الكبرى-، كلها كانت رد فعل للبرمجة الاستعمارية للثقافة. فأنت لمّا تقول بأن الفلسفة الغربية هي الكونيّ، أنت لما تقول: إن الفلسفة بدأت مع اليونان، أنت لما تقول: إن الذات المتعالية هي التي تتميز بالعقلانية بصيغتها الغربية… فأنت هنا أنتجت إنسانًا على النموذج الغربي، وأنت هنا أطبقت…
باسم: وإنسانًا مشوّهًا!
نورة: أطبقت الخناق على الذات العربية؛ لذلك، أنا أرى أنه ليس لدينا مثقف؛ لأنه لم يشق عصا الطاعة للثقافة الغربية.
إعادة هيكلة الأسرة المسلمة
باسم: بودّي أن أتحدث عن النواة الأساسية للمجتمعات العربية، التي هي العائلة، وعلاقة العائلة بتربية أطفالها أو ذاتها على الأخلاق. بالتأكيد هذا سينعكس على العائلات، كما اتفقنا، هذه المجتمعات هالكة حسب التعبير القرآني، إذن ما دور العائلة هنا؟
نورة: طبعًا، العائلة، أنا أرى أنها، ذات موقع وظيفي خطير جدًا.
باسم: لا شك.
نورة: خطير جدًا في توريث القيم، لما نلاحظ المتغيرات الاجتماعية في العالم العربي والإسلامي من ناحية الأسرة مثلًا، نجد أننا محمولون في تيار التحديث القسري. أنا، في عمري هذا، عشتُ الأسرة الممتدة التقليدية، وعشتُ أيضًا فترة الأسرة النووية، الأم والأب والأطفال، والتي طبعًا دخلت في هذا السياق قسرًا. لماذا؟ لأن الدولة الحديثة ما بعد الكولونيالية ورثت الدولة التعاقدية الغربية، وهي لا تعلم أنّ هذه الدولة التعاقدية الغربية عندها أيضًا ثقل سوسيولوجي خطير جدًا. لذلك، أجد أنّا الآن، نحن في مجتمعاتنا العربية، وأنا أرى في محيطي فقط، القريب في الجزائر، خروج المرأة للعمل بهذه الطريقة اللامدروسة، تربية الأطفال في دُور الحضانة، لقاء الوالدين والأطفال بعد نهاية النهار. هذه ستكون لها عواقب وخيمة على تربية الأطفال. وبدأ الرعيل الأول لهذه التربية، وهذه الأسرة، يخرج إلى العلن، ونلاحظ ذلك.
طبعًا أنا عندي اهتمامات كثيرة بقضية الأسرة، كتبتُ فيها مقالًا، وكتبتُ أيضًا كتابًا عن “الحداثة والاجتهاد” و”جدل الحداثة حول الأسرة المسلمة”. وعندي مقالٌ سيخرج قريبًا، إن شاء الله، في إحدى الجامعات في قطر. فاهتممتُ كثيرًا بأنّ الأسرة المسلمة أُعيدت هيكلتها وفق نمذجة غربية، وسيحدث صدام، سيحدث صراع، ستحدث نتائج خطيرة جدًا. لماذا؟ لأن الزواج في الإسلام هو ميثاق غليظ.
باسم: غليظ!
نورة: وغليظ جدًا، لأن الله سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، يعرف جيدًا أن نتائج الإخلال بهذا الميثاق الغليظ ستكون خطيرة، لأن تبعاتها على الأفراد، وكذلك…
باسم: تكون كارثية على المجتمع.
نورة: على المجتمع. أنا أرى أننا نسير بخطًى متسارعة نحو المطبّات التي وصلت إليها الأسرة الغربية، وهي الآن..، هل هناك أسرة؟ لا توجد أسرة في الغرب. وسنندم في يوم من الأيام على أسَرِنا، ما نسميه الأُسَر القديمة أو التقليدية. بأي معنى يمكن أن يقدم الإسلام نموذجًا لأسرة قائمة على التأسيس؟ أنا، حسب ما قرأت وحسب ما أبحث، أرى أن الأسرة التقليدية في العالم الإسلامي ليست أسرة مسلمة! لماذا؟ لأنها قائمة على أمرين: قائمة أولًا على استعباد النساء، والمرأة حينما تكون مستعبدة، ناقصة إنسانيًا، فهي لا تستطيع أن تعطي الكثير لأولادها. قائمة أيضًا على عبودية الآباء للأبناء، عبودية الآباء للأبناء، والفرد في الأسرة المسلمة التقليدية، الموروثة لأجيال مضت، لقرون، لا يستطيع أن يفعل بحرية. لذلك نحن أمام نموذجين من الأسرة: الأسرة التقليدية، التي الآن هي في انقراض، أو يمكن أن نقول: إنها انقرضت. في الأرياف ما زالت إلى حد ما، ولكن بدأت…
باسم: مجرد أن تتاح لها الفرصة…
نورة: تتفكك. لكن في المدن الآن، نحن لدينا الأسرة النووية، هذه الأسرة تفككت فيها العلاقات، علاقات مشوهة. لماذا مشوهة؟ فهي في نفس الوقت تخضع إلى النمط التعاقدي الحداثي، وفي نفس الوقت تخضع إلى النمط التراحمي الإسلامي، وفي كثير من الأحيان انقرض البعد التراحمي وعوَّضه البعد التعاقدي، الذي لا تحافظ أيضًا عليه الدولة، لأنها أصلًا لا تمتلك هذا التصور. لذلك، أنا أرى أنّ الأسرة المسلمة اليوم لا تمتلك دورًا في التربية، لا تمتلك دورًا مفصليًا في تربية الأولاد.
باسم: هل السبب هو ثقافي تربوي، أم هو بسبب إجبار المرأة على الخروج إلى العمل مثلًا؟
نورة: السبب هو النموذج المجتمعي والسياسي الذي تعيشه المجتمعات العربية المسلمة. وأنا لما أقول: “المجتمعات العربية”، أقصد مجتمعات العالم العربي، فهي في الحقيقة تمثل نواة العالم الإسلامي، فهي التي تحفظ الثقافة، لأنها تتكلم بالعربية وتقرأ بالعربية، وتتخاطب بالعربية، وهي لغة الكتاب. إذن، الفضاء الثقافي والسياسي الذي تعيشه المجتمعات العربية هو الذي أدى إلى هذه الاختلالات الموجودة في الأسرة. قضية خروج المرأة للعمل أيضًا قضية خطيرة جدًا، أنا ألاحظها في…
باسم: حتى في أوروبا بدأوا يكتشفون أن إخراج المرأة للعمل كان بالضغط، كان مبرمجًا له. الهدف أنه إذا خرجت المرأة للعمل ستنتج، وستدفع ضريبة أكثر، ستستهلك أكثر، والعائلة ستصبح تحت سيطرة الشركات الحاكمة، ليس الدولة الحاكمة.
نورة: ويد عاملة أخرى رخيصة… إلى آخره. في الحقيقة، نحن مجتمعاتنا تابعة للمجتمعات الغربية، لم تكن تخطط لخروج المرأة للعمل، إنما الإمبريالية العالمية قدمت نموذجًا في الغرب، ثم هذه الإمبريالية العالمية لا تستطيع أن تعيش بدون أن تُسرِّب الأدوات إلى العالم أو الهامش. لا تستطيع الرأسمالية أن تعيش دون استعمار، لا تستطيع الإمبريالية أن تعيش دون أن تخلق لها تابعًا، لذلك، فهذه السياقات…
باسم: تريد تابعًا، تريد أيديًا عاملة، تريد مستهلكًا.
نورة: تريد أيضًا موادَّ أولية، تريد سوقًا تبيع فيه، لذلك، الآن، مخططات إنتاج الأسرة في العالم الإسلامي مدروسة.
باسم: يعني حسب رأيك، معناه أننامجتمعات حتى غير منتجة للثقافة؟
نورة: نعم، غير منتجة للثقافة، أولًا، نعيش نوعًا من الانسداد بسبب تلك النمذجة الموجودة التي أيضًا فرضتها الإمبريالية، وهي أن الثقافة الغربية هي المتعالية والمركزيّة، أما الثقافات الأخرى فهي لا تكون ذات قيمة كما هي الثقافة الغربية.
نرجع مثلًا للثقافات الشعبية، لا نتحدث عن الثقافة العالِمة، نتحدث عن الثقافات الشعبية، نتحدث مثلًا عن الموسيقى، نحن ننتج، إلى حد ما، أنماطًا من الثقافة، ولكن تلك الثقافة تلقى انسدادًا، أولًا، لأنها لا تنطبق عليها المعايير العالمية والكونية. إذن، فنحن مجتمعات، في الحقيقة، كما أرى، مجتمعات تكرر ولا تنتج. تكرر…
باسم: ولا تنتج!
نورة: تكرر القديم ولا تنتج الجديد، فإذا أنتجت الجديد، فهو جديد تابع.
باسم: في خدمة الآخر، وليس في خدمة المجتمع.
نورة: في خدمة الآخر، إذن نحن في حالة انسداد، وحالة ضيق.
باسم: والمخرج؟
نورة: نفكر في المخرج… المخرج هو النخب، النخب هي التي تغير، مجتمعاتٌ بدون وعي لا تتغير، وأنا أرى أن المجتمعات العربية تسير على وتيرة واحدة، وهي أنها “لا تعي أنها لا تعي”. وهذه طبعًا، كما هي عند الكواكبي رحمه الله، من بين أهم عوامل استدامة الاستعباد.
باسم: دكتورة، أناسعدت جدًا بالحديث معكِ.
نورة: شكرًا.
باسم: الوقت طبعًا دائمًا يداهمنا، لكن حقيقةً، الحديث ممتع، وتطرقنا إلى الكثير من القضايا المهمة في حياة مجتمعاتنا العربية، وإن شاء الله يكون عندنا فرصة أخرى نلتقي في حديث آخر.
نورة: إن شاء الله، شكرًا.
باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.