Skip to content Skip to footer

آية الجزية بين الفهم اللساني التدبري والموروث الفقهي والمعجمي | د. يوسف فؤاد أبو عواد

من المعلوم أن الآية الكريمة: ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ٢٩﴾التوبة، كثيرًا ما وُظّفت بطريقة بشعة..


 

 

من المعلوم أن الآية الكريمة: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ (٢٩﴾}. التوبة، كثيرًا ما وُظّفت بطريقة بشعة، واتخذت ذريعة لفرض ضريبة خاصّةٍ على مكوّنٍ أصيلٍ وجزء من أصحاب الأرض الأصليين، وذلك في فترات كثيرة من التاريخ، وما يزال المتطرفون الكامنون يتبنون هذه الفكرة، ويمنّون النفس باللحظة السانحة لتحويلها إلى واقع، والحقّ أنّ التحليل اللساني التدبري للآية الكريمة بريء تمامًا من ذلك.

ولقد تَظهر الحيدة واضحة جلية لدى المعجميين في بحوثهم اللغوية في موضوع كموضوع الجزية، فيأخذهم في بيان المعنى معتقدهم ومذهبهم بعيدًا عن التحليل المحايد للكلمة؛ ولذا نجد الجوهري يقول: “الْجِزْيَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَالْجَمْعُ الْجِزَى (بِالْكَسْرِ) مِثْل لِحْيَةٍ وَلِحًى. وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَال الَّذِي يُعْقَدُ الذِّمَّةُ عَلَيْهِ لِلْكِتَابِيِّ. وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنَ الْجَزَاءِ كَأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ”. (ينظر معجم الصحاح). وقال النووي: “الْجِزْيَةُ (بِكَسْرِ الْجِيمِ) جَمْعُهَا جِزًى (بِالْكَسْرِ) أَيْضًا كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ وَنَحْوِهِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَزَاءِ كَأَنَّهَا جَزَاءُ إِسْكَانِنَا إِيَّاهُ فِي دَارِنَا، وَعِصْمَتِنَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِيَالَهُ.” (تهذيب الأسماء واللغات).

إنّ هذا الفهم الصادر من لغويَّين كبيرين كالجوهري والنووي يعكس مدى تأثير المعتقد على العلم الأصيل، فقد كان يفترض لدى مناقشة الدلالة اللسانية المجردة لكلمة ما أن تكون هذه المناقشة خِلوًا من موقف فقهي أو عقدي، ومع ذلك، فإنّ المحددات التي تظهر في هذين التعريفين ليست مستمدّة من الآية الكريمة الوحيدة في القرآن الكريم التي تحدثت عن موضوع الجزية، فلا تذكر الآية مصطلح “أهل الذمة” الذي تولّد لاحقًا، ولا تشير إلى أنّ الجزية يقصد بها أن تجزي عن قتل الكتابيّ، وكأنّ قتله عند قائل ذلك مستساغ الأصل، ولا تلمح بأي شكل من الأشكال أنّها جزاء عن إسكانه في دارنا وعصمة دمه وعياله. وللقارئ الكريم أن يقف مليًّا ليتعمّق في دلالة التعريفين المذكورين وأبعادهما.

وبالانتقال إلى الناحية الفقهية، يعتبر كثير من الفقهاء أنّ الجزية شرعت لتنسخ ما كان واجبًا من حتمية الإسلام أو السّيف، وذلك استنادًا إلى أنّ آيتها في سورة التوبة، وقد نزلت متأخرة، فنسخ بها الإكراه على الإسلام بالسيف، وانضاف ههنا خيار ثالث هو دفع الجِزية. (ينظر أبو عبيد، الأموال).

وقد تفرّعت أحكام الجزية في الفقه التراثي تفرّعًا كبيرًا، ووظفّت قضيتها توظيفًا متباينًا جدًّا لا حاجة بنا لبسطه، كما أنّ تأويل الصّغار كان مدخلا واسعًا لاختراع أشكال من التمييز الذي كان يقترن بالإهانة في أحايين كثيرة. (ينظر الماوردي، الأحكام السلطانية).

إنّ العودة للمنهج اللساني العربي المبين المسنود بالتدبّر للآية الكريمة وترتيلها مع ما له علاقة بها في القرآن الكريم يقودنا إلى نتيجة مغايرة تمامًا لتلك النتيجة السابق بيانها أعلاه، ومع أنّ ما ذكرناه أعلاه باعتباره نموذجًا لفهم الفقهاء واللغويين للجزية قد كان مقترنًا بظروف سياسية واجتماعية ومذهبية معقدة، إلّا أنّ غرضنا الأصلي ليس محاكمة الأولين، بل البحث المحايد في النصّ الكريم بالمنهج المذكور لنرى ما يوصلنا إليه هذا البحث بكلّ موضوعيّة.

فما يلاحظ في مطلع الآية هو أمر بالقتال باستخدام الفعل (قاتلوا)، وهو فعل يقتضي المشاركة بالضرورة، كما هو مقرّر في الصّرف العربي في وزن (فاعلَ)، وهذا يعني أولا أنّ الكلام عن قوم يرفعون السلاح للقتال، ثمّ هم ثانيًا يرفضون الإيمان بالله واليوم الآخر وتحريم ما حرمه الله ورسوله من الدماء والحقوق، وذلك رغم كونهم من الذين أوتوا الكتاب، فإنّ عندهم من المعرفة بنظام الجزاء العادل الذي أقام الله عليه الوجود ما يرفع عنهم العذر بالجهل بالقوانين.

ولقد بيّنا في مقالاتنا عن الإسلام والإيمان أنّ من آمن إيمانًا ظاهرًا فليس لنا أن نفتّش عن داخله وما في قلبه، بل حتّى المسلم الذي لم يرقَ لدرجة الإيمان يجب الكفّ عنه. فالمشكلة الجوهرية للقوم الذين تتحدث عنهم الآية إذن أنّهم أولا يرفعون السلاح للقتال، وهم ثانيًا لا يحرّمون ما حرّمه الله ورسوله من دماء وأموال وأعراض، وكذلك لا يخضعون لنظام الدولة، فيتمردون بانتهاك الحرمات والهروب من جزائها القانوني، وبهذا المعنى نفهم عبارة: “وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ “.

إنّ النتيجة الطبيعية لمن كانت هذه منطلقاته أن يقترف الجرائم، وهو ما يرتّب عليه جزاءً وتعويضًا عمّا فعل أولًا، وأن يخضع لنظام الدولة ثانيًا، وهذا بالضبط ما نقرأه في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ}. وحتّى يتأكّد القارئ الكريم من عدم التكلّف في هذه الدراسة للآية الكريمة ننبهه إلى أنّ كلمة (جِزية) على وزن (فِعلة)، وهذا الوزن في اللسان العربي يشير إلى حالة خاصّة وهيئة معينة من هيئات الفعل، فالجزية إذن لا يمكن أن تكون جزاء مستمرًا كما أوحى به تعريف المعجميين رغم معرفتهم بقواعد الصرف العربي، وذلك فضلا عن أن تكون ضريبة مستمرة، بل هي جزاء مخصوص مرتبط بما ذكر في صدر الآية، فالتحليل النصّي للنص الكريم يحيل أن يكون السبب الموضوعي للجزية غير ما ذكرته الآية الكريمة أو أقلّ ممّا ذكرته، وذلك بحكم احتواء النصّ على نتيجة وسبب، فلا يصحّ ترتيب النتيجة على غير ما بيّنته الآية من سبب. فاجتماع عدم الإيمان وعدم احترام الحرمات وعدم الخضوع لنظام الجزاء هو ما رتّب نتيجة الجزية، وهذه المحددات التي تذكرها الآية الكريمة معطوفًا بعضها على بعض بحرف الواو المشير لاجتماعها معاً هي ما يعطي ملامح الهيئة التي تكتنزها الكلمة بصيغتها على وزن اسم الهيئة. ويظهر واضحًا الآن أنّ الجملة الحاليّة المذكورة في آخر الآية {وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} تشير إلى أنّ دفع جزية ما انتهكوه من حرمات يجب أن يقترن بالصغار المعاكس لحالهم المتمردة الخارجة عن القانون الرافضة للخضوع لما خضع له سائر أفراد المجتمع الآمن المؤمن؛ وذلك لضمان عدم تكرار ما بدا منهم من أفعال.

والآية بهذا الاعتبار تتوافق تمامًا مع أرقى وأسمى المبادئ القانونية التي وصل لها البشر اليوم، وتساهم أيّما إسهام في تحميل المتمردين الخارجين عن النظام جريرة أفعالهم، وأن تنشئ الدولة من الأجهزة والقوى الأمنية ما يكفل إخضاعهم للنظام العام.

إنّ اقتران كلمة (الدين) بكلمة (الحق) في هذا السياق تحديدًا يشير إلى أن ضدّ دين الحقّ المذكور في الآية هو الظلم وانتهاك الحرمات. وقد اقترنت الكلمتان في آية أخرى جاءت ضمن سياق يتحدث عن تمام عدالة الجزاء، وهو قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ (٢٣) يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (٢٤) يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ (٢٥)} النور، فمع أنّ مطلع سورة النور نفسها أشار إلى العقوبة الإجرائية لمن يرمون المحصنات في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (٤)}، إلا أنّ هذه الجريمة بما هي افتراء على النفوس البريئة قد تكون عقوبتها العادلة أكثر من ذلك بكثير، وذلك بالنظر لما ترتب عليها من أضرار، وذلك ما يتحقق بتوفية الجزاء عند الله؛ فبان بذلك حجم التناسق والانسجام بين نصوص القرآن الكريم.

ولعله يخطر ببال القارئ هنا أنّ آية الجزية هذه تناقض ما يوحي به قوله تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ (٢٥٦)}. البقرة، وقوله تعالى: {وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ (٩٩)} يونس، والحقيقة أنّ التأمّل البسيط يجيب عن هكذا استشكال؛ إذ ليس المقصود بالجزية التي بيناها والصغار الذي شرحناه أن يجبر المعاقب على القناعة بالدين بما هو نظام الجزاء العادل، ولا أن يكره على القناعة بفكر الإيمان بما هو بذل للأمن لكلّ ما خلق الله ومن خلق، فضلًا عن إجباره على عقائد مجردة، بل المقصود أن يتحمل جريرة انتهاك الحرمة، وأن يخضع سلوكيًّا وعمليًّا للنظام العامّ، وهذا ما تعتمده جميع الدول المدنية اليوم، فوجود حزب معارض مثلا في دولة ما غير مقتنع بكثير من القوانين الناظمة للمجتمع لا يبيح له لكونه من المعارضة أن يخرج عن القانون ويتمرد على نظام الجزاء، حتى لو لم يكن مقتنعًا به، وله أن يسلك السبل القانونية المعروفة لتغيير ما لا يقتنع به من أنظمة، لكن الزمن الذي تستغرقه هذه العملية يجب أن يظلّ فيه المعارضون خاضعين للنظام النافذ، وإذن فلا تناقض أصلا بين المضمونين.

وننبه هنا أنّ مجتمعًا ما لو رفض بالأغلبية مثلا نظام الجزاء العادل الذي يسميه القرآن الكريم (دين الإسلام) فلا يمكن إكراهه على ذلك من خارجه، ولكنه قطعًا سيدخل حوالك الظلمات نتيجة هذا الرفض، وتلك سنّة طبيعية وضعها الله في الكون، وهذه السنة الكونية المجتمعية تظهر الإشارة إليها في الآية اللاحقة مباشرة لآية عدم الإكراه في الدين: {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (٢٥٧) أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ (٢٥٨)} البقرة.

وزبدة القول إذن أنّ الجزية هي التعويض عمّا يرتكبه المنتهك للحرمات المتمرد على النظام العام رغم معرفته به، وأنها تدفع عند توفّر قدرته على ذلك، ويقترن بها ضرورة تعهده بالعودة للخضوع للنظام العام، ولا علاقة لها بإكراه على معتقد أو إجبار على قناعة، أمّا المجتمعات والدول فلا تكره على تبّني نظام الإسلام العادل، وهي من ستتحمل بالضرورة نتيجة اختيارها للنظام الجزائي الذي تحتكم إليه.

————— 

المراجع:

القرآن الكريم

الصحاح للجوهري

تهذيب الأسماء واللغات للنووي

الأحكام السلطانية للماوردي

التصريف للمازني

الأموال لأبي عبيد