تحدث الدكتور حسن بحراوي، الكاتب والباحث والناقد، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مجتمع”، بصفته باحثاً في الفن الشعبي وناقداً أدبياً، وله كثير من المشاركات والأبحاث والكتب في هذا المجال، عن مفهوم الفن الشعبي وماذا نقصد به؟
مفهوم الفن الشعبي
وقال الدكتور حسن بحراوي، الكاتب والباحث والناقد: “نقصد بطبيعة الحال فناً غير العالم؛ أي غير المدون وغير المكتوب؛ والذي ينتقل شفوياً، ومن فم إلى أُذن، وغير مدون لا كتابياً ولا موسيقياً. وعندما ينتقل إلى هذا المستوى تضيع عليه صفة الفن الشعبي الذي يتميز على الخصوص بالعفوية والتلقائية؛ ولذلك نجده مزدهراً في بعض الأوساط الشعبية. وكلما كان الوسط أرستقراطياً مانع إلى الموسيقى العالمة ذات الإيقاعات المدروسة وغير ذلك. والشعب هو الذي يراهن على التعبيرات الشعبية؛ ولذلك كثيراً ما تنتشر في المناسبات الدينية؛ مثل أعياد المولد والأضحى وعاشوراء.. وغير ذلك، أو في الأعراس بالنسبة إلى الأُسر.. إلى غير ذلك. أما في القاعات، والقاعات السينمائية، فالأصل أن الفن يكون عالماً، وهناك جوخ بمختلف مكوناته، وهناك رئيس للجوخ، وهناك لائحة للمواد التي ستقدم خلال الحفل.. إلى غير ذلك”.
الفن الراقي والفن العالم
وأضاف بحراوي: “الفن الشعبي لا يمكن أن يكون فناً راقياً؛ أي يكون فناً عالماً.. وحسب وجهة نظرنا إلى مفهوم الرقي، أنا بالنسبة إليَّ الفن الراقي هو الذي يحافظ على تلقائيته وعفويته، بالأصل الرقي لا يكون بتعدد الآلات والألبسة والأشكال الفنية الأخرى؛ الرقى يكون بالغاية والمضمون المقصود من وراء ذلك الفن، سواء أكان فناً بصرياً مثل الصناعات التقليدية المختلفة، اللوحات الفطرية، أو سوى ذلك، ومثل التعبيرات الصوتية من موسيقى وأهازيج وأغانٍ انتشرت وربما ستنتشر أكثر في الأوساط العربية؛ لأنها مرتبطة بالذهنية والذاكرة العربية في كل مكان وزمان”.
هل يمكن وصف الفن الشعبي بالفن الراقي؟
وأجاب الكاتب والباحث والناقد عن سؤال “هل بإمكاننا وصف الفن الشعبي بالفن الراقي؛ لأن هذا فن قائم يؤسس للحمة المجتمع ويؤسس لبقاء المجتمع متماسكاً أو على الأقل متماثلاً في مكوناته الأساسية؟”، قائلاً: “هذا أمر مؤكد؛ ولكن عادةً ما نستعمل نعت راقٍ للدلالة على مستوى أداء معين؛ يعني لما يكون هناك جوخ كامل ورئيس جوخ وبطاقات فيها الألحان وفيها الغناء؛ هنا نتحدث، تعودنا في الحقيقة أن نتحدث عن الفن الراقي، أما عندما يكون الأشخاص يعزفون على آلة بسيطة بدائية تقريباً كالدف والبندير والطبل.. وكذا، مثل الإنسان القديم، فنقول إنه فن أصيل ما لم يكن راقياً بالمعنى الأدواتي للكلمة”.
الفن الشعبي أهم وأخلد الفنون
وأضاف الكاتب والباحث والناقد: “في رأيي أن الفن الشعبي هو أهم وأخلد الفنون.. إنه يعتمد على نفسه في الإنتاج وإعادة الإنتاج، وفي الاستمرار عبر الزمن وعبر الأمكنة المختلفة؛ فالشعبي لا يتناول حتى عند الغرب.. هو الفن الذي يشترك في الاهتمام به أكثر الطبقات الاجتماعية عدداً، وسواء استمعنا أو اهتممنا به رغبةً وشوقاً أو انتساباً وإخلاصاً لجذورنا الشعبية؛ فالشعبي يظل دائماً في مستوى الممتاز، ولا ينقص ذلك من قيمته؛ لا الأدبية ولا الفنية”.
أين ينشأ الفن الشعبي؟
وأجاب حسن بحراوي عن سؤال “ما حيز نشوء الفن الشعبي؟ أين يكون عادةً؟”، قائلاً: “الفئات الشعبية الأكثر حضوراً في المجتمع هي التي تنتهي بإنتاج الفن الشعبي. الفن الشعبي؛ لن نجلس في قاعة أو على مكاتب لننجز عملاً فنياً شعبياً. في مرة من المرات جاءت كاتبة أمريكية تبحث في فن غنائي شعبي سميته (العيطة) في المغرب، وسألتنا عن الفرق، وهي كانت تشتغل مع فرق الجاز في أمريكا، وهذه الفرق كانت نظامية ومحترمة، وفيها رئيس، وفيها أيام للتدريب؛ فقلت لها إن المغنيات والمغنيين المغاربة لا يتدربون، وليس لهم رئيس.. لم تصدق! قالت كيف يعني؟ قُلت لها لأنه فن شعبي، إذا أرادوا أن يتدربوا فهم لا يضعون برنامجاً للتدريب، ويلتقون في ساعة، معلومة، ويتدربون لفترة محددة.. لا، هم يتدربون عندما يكونون مجتمعين أحياناً بالصدفة؛ يتدربون لأنهم سيقيمون حفلاً بعد غدٍ، ولا بد أن يضبطوا النماذج التي سيقومون بأدائها، أما القول إنهم لهم برنامج مثلاً؛ يتدربون مرةً أو مرتَين في السنة، وفي النادي أو في القاعة الفلانية، وعلى المنهج الفلاني؛ فهذا غير موجود.. وطبعاً هي لم تصدق هذا الأمر، إلى أن طالت إقامتها في بلدنا، وإلى أن وقفت على ذلك بنفسها، ولاحظت أن الفنانين الشعبيين هم فنانون فطريون.. لو أنهم صاروا ذوي قواعد ثابتة وقوانين صارمة؛ لخرجوا بهذا القدر أو ذاك عن نطاق الفن الشعبي”.
ضرورات إنشاء وتشكُّل الفن الشعبي
وقال الكاتب والباحث والناقد ، بشأن الضرورات التي تنشئ وتشكِّل الفن الشعبي: “الحاجة النفسية، كل إنسان بحاجة إلى لحظات فرح؛ إما في الأعراس وإما في الحفلات كالعقيقة أو في الختان أحياناً، في أعياد الميلاد.. لا بد من اقتناص لحظات الفرح هذه وتأكيدها بالغناء. يكون غناء تلقائياً وفطرياً. لا نغني مثلاً في عيد ميلاد أو في عقيقة محمد عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ.. سنغني أغاني محلية سمعناها عن الجدات والأمهات؛ أغاني تحتاج إلى عدد أقل من الآلات، وأشياء بسيطة جداً، وأي واحد يمكن يؤديها ليس بحاجة إلى تكوين فني معين، هذا هو الفن الشعبي الذي أصر على وصفه بالفطرية والتلقائية”.
وأجاب حسن بحراوي عن سؤال “هل الفن الشعبي فطري في منشأه أم فطري لأنه متوارث؟”، قائلاً: “المنشأ كان فطرياً وظل يحافظ على فطريته، ونجد مثلاً في المغرب عندنا فنون كانت في الأصل فطرية؛ ولكنها تطورت مثل الآلة الأندلسية التي جاءتنا مع الهجرات من إسبانيا إلى المغرب وإلى بلدان المغرب العربي عموماً.. كانت الفنون فطرية، كان الناس يغنون القصائد والمدائح وغيرها بطريقة فطرية، ولكن مع مرور الوقت ترسخت فكرة حول هذه الموسيقى، ووضعت قواعد لها؛ فصارت تُسمى غريبة الحزين.. وهكذا كل لون يعني خلال أربعة قرون.. انتقل فن الآلة الأندلسي- المغربي، الأندلسي في الأصل، من طبيعته الفطرية التلقائية إلى طبيعة موسيقية تدوَّن وتسجَّل، ولا يمكن لأي كان أن يؤديها؛ لا بد أن يكون على معرفة وعلى اتصال عميق بهذا اللون من الغناء”.
الحالة المجتمعية والفن الشعبي
وأضاف حسن بحراوي: “كل مقصدية هي غائبة في نشوء الفن الشعبي؛ يعني لا نجتمع ثلاثتنا أو أربعتنا ونقول تعالَ؛ لا يتم ذلك في الحقل مثلاً.. الفلاحات والفلاحون يغنون عن الشجر والليمون.. وكذا. وهذا الغناء ينتقل بسلاسة إلى البيوت أثناء الحفلات. مثلاً الوصلات، ديال، ركوب الخيل؛ لها أغانٍ خاصة بها في تمجيد الراكب والفارس.. وغير ذلك. تجد أغاني حتى لتنويم الأطفال. الأم تجتهد لتنوم طفلها بابتداع أغانٍ. لا تأخذ هذه الأغاني من الجيران، لا؛ تبدع هي نفسها أغاني بسيطة شديدة البساطة؛ إنها تتحدث إلى ابنها وابنتها عندما تكبر سنزوجك وسنحتفل بك، وسيصير لك أبناء هم أحفاد لنا.. وكذا، وتغني وهي تميل طفلها أو طفلتها في أرجوحة مثلاً على سطح البيت أو في حديقة المنزل.. وغير ذلك، بهذه الطريقة تنشأ نماذج الفنون الشعبية، وربما تورث ذلك عنها إلى بناتها وإلى جيرانها.. وإلى غير ذلك”.
الأوضاع الاقتصادية والفن الشعبي
وتابع الكاتب والباحث والناقد: “هنا يحضرني مثال للرواية في العصور السابقة؛ الرواية تعود إلى القرن السابع عشر، على أقل تقدير، وسُئل ذات مرة أحد النقاد عن الطبقة الاجتماعية التي تنتج الرواية.. نحن لم نكن نهتم بطرح هذا السؤال، شو الطبقة؟ فكان جوابه إن الطبقة الأرستقراطية الغنية ليس لها من الوقت بسبب انشغالها في أغراضها وفي تجارتها وجمع المال.. وما إلى ذلك، فلا تستطيع أن تقرأ الرواية أصلاً، وأيضاً لا تستطيع أن تكتبها. وأما الطبقة الفقيرة المسحوقة فليس لها وقت إنها مشغولة بجمع النقود لكي تعيش؛ إنها لها مشاغل وأشياء أخرى تبعدها عن قراءة الرواية..”.
واستكمل بحراوي: “على فكرة الرواية بدأت بقارئات سيدات؛ القارئات من القرن السابع عشر كن سيدات في 90% في العالم.. في المغرب لم نعرف الرواية، جاءتنا من مصر في بدايات القرن العشرين؛ لا السيدات الأرستقراطيات في بريطانيا وفرنسا مثلاً هن اللواتي كان لهن الوقت؛ فهن عندهن حفلات الشاي في الظهيرة، ولهن مزيد من الفراغ لكي يصرفنه في القراءة ويشجعن الآخرين على الكتابة. وكانت الرواية.. إحنا رُحنا للرواية، شايف كانت رواية بسبب ذلك كبيرة الحجم؛ لأن الناس كان عندهم صبر كبير، وظل حجمها يتناقص حتى صرنا اليوم فيه رواية بستين أو سبعين صفحة، لماذا؟ لأن الإنسان صار عنده وقت أقل ومشاغل كثيرة، فسُئل هذا العالم: مَن إذن يكتب الرواية؟ فقال الطبقة المتوسطة هي التي لها من المال ما يسد حاجتها ويكفيها للعيش الكريم، ولها من الوقت أيضاً ما يسمح لها بتوجيه اهتمامها لهذه الألوان التعبيرية التي ليست ضرورية في المجتمع.. الرواية؛ ربما كان الشعر أكثر ضرورة من الرواية والغناء؛ أكثر منهما ضرورةً بالنسبة إلى المجتمع. من المؤكد أن الفئات الأرستقراطية لها أيضاً نمط غنائها ولها أساليبها في الترويح عن نفسها، وربما الذي يشكو في الحقيقة من قلة الوقت وقلة الموهبة هو الطبقات الفقيرة؛ ولذلك نجد غناء هذه الفئات المستضعفة بسيطاً جداً إلى حد السذاجة، وهو ما نسمعه من المواويل في الصعيد المصري مثلاً أو في البادية المغربية.. بسيط في تعابيره، في أفكاره؛ لا تنتظر أن تجد أفكاراً وجودية كبرى أو كونية، لأنهم يتحدثون ببساطة، حتى عندما يتحدثون عن أمور كبيرة؛ مثل الحب والعشق، يبسطونها إلى لحظات هم يشعرون بها أكثر من الآخرين، ولكن عموماً أظن أن فكرة الربط بين الطبقة الاجتماعية والفن الشعبي، بحاجة إلى أن نزيد في تأمله”.
الطبقات الاجتماعية والثقافة الشعبية.. ثورة 1783 مثالاً
وأجاب الكاتب الباحث و الناقد عن سؤال “عندما نراجع تجارب الأمم؛ نجد أن الطبقة العليا تعيش انفصالاً عن الطبقة السفلى، هل هذا الانفصال يعني كونه انفصالاً مادياً أيضاً أنه يعني انفصالاً ثقافياً؟”، قائلاً: “وارد أنت تذكر أن الملكة أنطوانيت زوجة لويس الرابع عشر، قيل لها إنهم يقومون بالثورة، ثورة 1783، فقالت لهم وما سبب ثورتهم؟ الفرنسيون قالوا لها إنهم لا يجدون الخبز، فقالت لهم: يأكلون الحلوى. هي في اعتقادها أن الخبز مطروح في الطريق. إذن؛ يمكن أن نستبدل به الحلوى، ونسيت أن هذا الذي لا يجد الخبز لا يجد حتماً الحلوى”.
وأضاف حسن بحراوي: “المسألة حسب المجتمعات؛ فهناك مجتمعات تنشأ في الأوساط الشعبية باستثناء فئة معينة تكون مع الملوك ومع رجال السلطة، وهذه فئة لا يعتد بها؛ تكون قليلة، بالعشرات، ولكن الجماهير الشعبية يمكن أن تنشأ في ظروف مشابهة وتستقل بوضع أفضل في ما بعد؛ عن طريق تجارة أو عبر العمليات الاقتصادية الأخرى.. إلى آخره. وارد أن الأصل يمكن أن يكون واحداً؛ ولكنهم مثل أوروبا؛ مثلاً هناك طبقات عليا ليست لها صلة بالطبقات الشعبية، لا تعرفها، مقطوعة أصلاً، ما عندها علاقة، وبذلت جهداً لكي تتعرف عليها، ولذلك كانت بعض العائلات الأرستقراطية تبعث بأبنائها لقضاء فترة من الوقت في البوادي”.
وأجاب الكاتب والباحث والناقد عن سؤال “في الوطن العربي والدول العربية، المجتمعات العربية، هل يوجد هذا الفصل القطعي؟”، قائلاً: “يوجد، وهناك محاولات لرفعه، مثلاً بالنسبة إلى حالة المغرب كان الملوك المغاربة، طبعاً العائلة المالكة غنية، يبعثون بأبنائهم في سن اليفاعة إلى قرى بعيدة في ضواحي مراكش، وكذا بعيدة عن العاصمة فاس أو الرباط.. إلى آخره؛ لكي يتعلموا القرآن هناك في أوساط شديدة التقشف، ويضعون لهم ألبسة مثلهم كالتلاميذ الأطفال، وهذا كان بالنسبة إليهم كأنه اختبار.. إنك ستصير ذات يوم أميراً فملكاً، فلا ينبغي أن تجهل أن هناك فئات فقيرة، فئات مزارعين وفئات فلاحين. لو تعود بفكرك قليلاً أو يعود معنا المتابعون إلى عهد الرواية، شخصية دون كيخوته الإسباني، الرواية التي كتبها سير بونتاس في نهاية القرن السادس عشر، تحكي عن ماذا؟ تحكي عن هذا البطل الذي لم يكن بطلاً في أي شيء، يمكن تكون له قوة جسدية تجعله نبيلاً أو فيه ما يقارن به؛ ولكنه يريد أن يقلد النبلاء. ماذا كان يفعل النبلاء في عهده في القرن الـ16؟ يتعلمون الأمور الحضارية، وكذا في بيوتهم، في قصورهم؛ ولكن في وقت ما يقوم النبيل الشاب بالرحلة، تُسمى الرحلة؛ يأخذ معه مساعداً وفرساً، ولا يأخذ ما يكفي من النقود، ويذهب في الفضاء الواسع، القرى، لماذا؟ ليكتسب التجربة، وعند أهله؛ لأنه سيصير ذات يوم أميراً أو ملكاً، وستنقصه هذه التجربة، وسيختلط بالناس، وسيتعرف على القاتل واللص والمغامر والنصاب؛ حتى إذا صار هو في موقع المسؤولية، كان عارفاً؛ ولذلك في الخطة كان ينبغي أن يدير نفس القضية. إذا ما كان يخطئ.. هذا الأمير النبيل الذي يطوف، وجد امرأةً مثلاً معرضةً للاعتداء أو أي شيء ينبغي أن يتدخل لتمنع حصول الاعتداء عليها ولا تخبرها بمن تكون أنت؛ لأن غرضك ليس شهرة أو كذا، أنت تجد جماعة من الفقراء أو الجوعى ينبغي أن تعطيهم ما يحتاجون إليه دون أن تبلغهم بصفتك واسمك؛ حتى إذا انتهت هذه الرحلة التي ربما استمرت شهوراً، تعود إلى بيتك، إلى قصرك، وأنت أكثر نضجاً وأكثر تجربةً؛ يعني هذا النقص في التكوين الشعبي ستأتي به من مصدره؛ أي من وسط الناس، ومن وسط البراري، وتتعلم منهم تحت السماء المكشوفة، وتتعلم الأكل بما يوجد، وتتعلم أشياء كثيرة. فإذن لا بد أن تنحاز الطبقات العليا إلى تتبع بعوائد، بعادات الطبقات الأخرى بالمجتمع”.
أبناء الحكام وثقافة المجتمعات ونُظم الحكم
وأوضح حسن بحراوي ما سبق ردًّا على القول: “يعني الحكم بالضرورة أن أبناء الحاكم أو أبناء السلطان أو أبناء الملك بالضرورة أن يكونوا على اطلاع يعني بالجانب الآخر في ثقافة المجتمع.. يعني النظام؛ سواء نظام ملكي أو نظام جمهوري مثلاً هو الأصل. لكن في النظم الأخرى مثلاً لتخلط النظم الجمهورية الأوروبية باستثناء الدول الملكية ما فيها هذا النمط؛ يعني ابن رئيس الدولة ورئيس المجتمع وعضو البرلمان هو جزء من المجتمع بشكل عام، يأتي من طبقات مختلفة؟”، قائلاً: “هو يأتي بنتائج ديمقراطية، والحكم الشعبي هو الذي أعطانا رؤساء أمريكا الجنوبية أو في أمريكا اللاتينية؛ ولكن هي حالات خاصة في مجتمعاتنا العربية.. إما تجد أنه كان ضابطاً كبيراً في الجيش وشارك في انتخابات، أو من أسرة كبيرة أو كذا؛ يعني لا تتاح الفرصة دائماً لأبناء الطبقات الشعبية، رغم أن النظام الديمقراطي عبر البرلمان وعبر مجالس المستشارين يتيح هذه الفرصة. وكلما كانت له هذه المعرفة سهلت عليه مأموريته وسهلت بالخصوص تعامله مع الناس وَفق قيم هي إنسانية في المقام الأول، وإذا عوزه شيء من ذلك فربما، وحصل أنه في يوم من الأيام ما يجعله يندم؛ لأنه لم يعش مع تلك الفئات ولم يتعرف على سلوكياتها وأخلاقها وحتى سيئاتها”.
هل يمكن للفن الشعبي أن يكون سلبياً؟
وأجاب الكاتب والباحث والناقد عن سؤال “هل يمكن مثلاً أن يكون الفن الشعبي سلبياً في بعض مواقفه؟ أم يحاكي السلبيات في المجتمع؟”، قائلاً: “مؤكد أنا كنت دائماً أقول إن الثقافة الشعبية بوجه عام ليست بريئة، لماذا؟ أولاً لأنه غير مفكر فيها كفاية، لو كانت هي تبع ثقافة نخبوية فستكون تصير وَفق مسطرة الدين مثلاً وَفق مسطرة القانون، أما الثقافة الشعبية فهي أحياناً تنادي بقيم ليست شعبية تماماً، لماذا؟ لأنها عفوية وتلقائية؛ لأن ليست مفكرة فيها على نحو منطقي وعقلاني زين.. ونأخذ مثل الأمثال الشعبية، الأمثال الشعبية إحنا في العادة نقول ينبغي العمل بالمثل الشعبي والكلمات الشعبية إذا حاولت فهمها، فسنسيء إلى المرأة، نسيء إلى الإنسان.. يعلمك أخلاقاً ليس لها مقابل في المدرسة ولا في كتب التربية.. إلى آخره. ولذلك ينبغي أن نأخذ المثل الشعبي مأخذاً حذراً، لا نأخذه ولا نستوعبه بصورة مباشرة”.
قضية التراث الشعبي وأهمية تدوينه.. للتراث شعب يحميه
وأجاب حسن بحراوي عن سؤال “هل يمكن تسجيل وتبويب الفن الشعبي ضمن أبحاث خاصة به وحفظه؟ أم أنه إذا لم نكتب أو ندون هذا الفن فلا خوف عليه من الضياع؟”، قائلاً: “لا، هناك خوف.. في مرة أُجرى معي استجواب حول مثل هذا الموضوع، حول قضية التراث الشعبي وأهميته وضرورة الحفاظ عليه وتدوينه.. وكذا. فقُلت كلمة لا أدري إلى أي مدى تكون صادقة، وهي تالية، أنه (للتراث شعب يحميه)، إن للتراث شعباً؛ لكن هل هذا الشعب قادر ومؤهل ليحمي تراثه؟ ولو افترضنا جدلاً أنه يستطيع، فهل فعل ذلك طيلة هذه القرون؟ إن جزءاً هائلاً من التراث الشعبي ضاعَ بسبب أنه ليس هناك مَن يحميه”.
وناقش الكاتب والباحث والناقد القول بـ”ضرورة حماية الفن الشعبي عن طريق تدوينه عن طريق تبويبه.. إلخ، وأنه حتى الآن صعب، وأن هناك خوفاً على هذا الفن أن يندثر أو يتبدل أو تخبو ناره”، موضحاً: “أكيد وشيء إن لم يحدث في عقود تالية قليلة يمكن أن يحدث على مدى، ولقد حدث وحصل في أوروبا، فرنسا.. نحن قريبون من فرنسا، ونعرف شيئاً ما؛ تاريخ علاقتها بالتراث، كان الفرنسيون يأتون عندنا فيعجبون بفن (الحلقة).. الحلقة؛ هذا الذي يُقام في مراكش، فنان شعبي راوٍ أو مغنٍّ يجتمع حوله في الفضاء الواسع الناس، فيقدم لهم فرجات مقابل بعض الهبات الصغيرة.. إلى آخر هذا، نسميه نحن (فن الحلقة)، ولا تزال بعض نماذجه في حكم المندثر، وناضل إخوان جوتسولو، أحد كبار الكتاب الإسبان، على أن تصير ساحة جامعتنا إرثاً إنسانياً لدى اليونسكو، ونجح في ذلك، وصارت إرثاً إنسانياً؛ ولكن ذلك لم ينفع في المحافظة على الفنانين البسطاء الذين كانوا هناك يعتاشون على تلك الهدايا البسيطة.. لم يستطع؛ لأن القوة الاقتصادية والقوة الإدارية كانت أكبر من الرغبات”.
عوامل اندثار الفن الشعبي
وقال حسن بحراوي: “إن عوامل اندثار الفن الشعبي؛ هي الإغراق في الحداثة، أنت تريد أن تكون حديثاً أو حداثياً، فيكون السبيل إلى ذلك هو أن تتخلص من هذا الإرث الذي تعتبره شعبياً.. فهم تخلصوا من هذا الإرث بسهولة؛ بابتعادهم عن المسرح الارتجالي الشعبي، عن فنون البهلوان والمهرجين وسوى ذلك، صار مع مرور الوقت؛ خصوصاً في إيطاليا وفرنسا، فرجات ثانوية هامشية، تتم قبل عرض المسرحية أو في كذا.. في احتفال مناسباتي معين؛ أي لم يعد له حضور جذوري في المجتمع، حتى بابا نويل هذا الذي يحتفلون به في نهاية السنة، ولا فلكلوري؛ فقد طبيعته القائمة في أصل نشأته؛ أي إفراح الأطفال ليلة عيد الميلاد.. وكذا، فهو صار فلكلورياً، مجرد صورة فقط؛ ولذلك كان رد فعل الفرنسيين بالخصوص هو أن يهتموا وينبهوا أصدقاءهم إلى أهمية المحافظة على هذا التراث؛ إنهم لن يقدروا المخاطر التي يتوقعونها لهذه الفنون عندما تندثر”.
المحافظة على الفن الشعبي وخلق مواهب شخصية
وأضاف بحراوي بشأن “هل يمكن خلق مواهب شخصية أو المساعدة في خلقها؛ كي لا يموت الفن الشعبي؟”: “لا يمكن أن نخلق؛ لأن الخلق في هذه الحالة يكون مصطنعاً، فأنت لا تستطيع (إذن لا يحتضر الفن) ويطول احتضاره، وربما جاء وقت رحل عن عالمنا؛ ولكن إذا كنا نريد أن نبتعد عن هذا المصير المظلم، فعلينا أن نبدأ اليوم؛ مستفيدين من الثورة الرقمية ، علينا أن نبدأ بتصوير ما هو بصري في هذا التراث، احتفالات، رقص، تمثيل.. كل ما هو قابل لأن يصور ويسجل ما دامت عندنا وسائل وأصبحت متاحة”.
إمكانية تدوين الفن الشعبي
وأجاب الكاتب والباحث والناقد عن سؤال “هل التدوين يمكن أن يبقي الفن الشعبي حياً متواصلاً؟”، قائلاً: “الحياة الكاملة؛ لا يستطيع، الحياة الكاملة لا تكون باصطناع طريقة أو أسلوب؛ ينبغي أن تكون فطرية وتلقائية، والفن الشعبي وجد فطرياً وتلقائياً، وإذا فقد أحد هذين العنصرَين أرى كما لو أنك وضعته في ثلاجة، ربما بقي حياً؛ ولكن مَن الذي سيعيد له حيويته، وكذا عندنا حالات في المغرب عجيبة. مثلاً عندنا مغاربة كانوا يمثلون حتى قبل أن يشاهدوا التمثيل، التمثيل يعني بمعنى المسرح، كانوا يمثلون في حياتهم اليومية؛ يمثلون في احتفالاتهم، ومن انتبه إلى هذه القضية.. طبعاً انتبه الأجانب، الفرنسيون مرة أخرى جاؤوا في بداية القرن الماضي، فلاحظوا أن الفئات العمالية مثلاً هؤلاء يصنعون الأحذية، وهذا يصنع القفاطين وهذا يصنع كذا.. عندهم تجمعات، تجمعات مهنية، وأنهم ينتهزون فرصة مثلاً عيد عاشوراء أو عيد المولد، فيشكلون مجموعات ويخرجون إلى الشارع لأداء تلك التشخيصات للمشاركة؛ فظهر عندنا نوع سميته (البساط)، البساط جاء من البساط؛ لأنهم كانوا يضعون بساطاً على الأرض.. جماعة من المهنيين مختلفون، يلتقون ويضعون بساطاً كبيراً في الشارع، ويتنقلون باتجاه الوصول إلى القصر الملكي عند الملك.. لما كان الملك يستقبل مثل هذه الفرق. عندنا واحد، نوع آخر كشفه يعني الفرنسيون؛ هو بمثابة نقد أو هجاء إذا شئت للطرق الصوفية؛ تلك الصوفية المبتذلة التي يستغرق أصحابها في الغناء، وفي كذا وغيره، مقلدينه. كما لو أن التعبير من اليوم؛ كما لو أنه محاكاة ساخر، يحاكون الصوفية بطريقة تسخر منهم؛ لأن الإسلام ليس هو تلك الصوفية المرتجلة.. إلى آخره، وجدوا أن في احتفالات عيد الأضحي بعض القبائل؛ خصوصاً الأمازيغ، يأخذون الشباب بالخصوص، يأخذون جلدَ الخرفان ويلبسونها ويضعون قروناً فوق رؤوسهم، ويطوفون في القرية يغنون ويفعلون ما يشاؤون، يعني يمارسون حريتهم. قد يتبعون الطفل الصغير إلى عمق بيته، وينالون مقابل ذلك بعض الأعطيات وبعض الهدايا..”.
وتابع بحراوي: “هذه الألوان وهي كثيرة، الطلبة أيضاً كانوا في فصل الربيع تتوقف الدراسة في جامعة القرويين؛ كانت فيها مجموعة من الطلبة المقيمين من أولاد المدينة، مدينة فاس، وفيها جماعة من غير أبناء المدينة اسمهم الآفَاقِيين، جاؤوا من الآفاق، واحد جاي على بُعد 400 كيلومتر، وجاي في الغالب من البادية؛ فعندما تأتي هذه العطلة لا يجد ما يفعل بنفسه، فاقترحوا (فرجة)، (فرجة) معناها سيمثلون الملك، وحاشية الملك.. فستشترى، تُباع، مزاد علني لتشترى، سلطنة، فيشتريها أحد الطلبة بثمن بخس ثم يشكل حكومته من وزراء ويقضون أسبوعاً كاملاً في نهر فاس، يمثلون الحكومة والسلطان. يأتي في النهاية، قد يأتي أو يبعث، من يأتي لهم بالنقود والهدايا.. إلى آخره؛ لأنه يرى أن هذه الاحتفالات تُهيئهم للمسؤوليات التي سيصلون إليها عندما يستكملون دراستهم، وأيضاً لتشغل هؤلاء الشباب الآتين من القرى البعيدة عن ذاك العزلة وعن كذا.. إنه تكون هناك أطعمة وأشربة وفرحة.. وإلى آخره. هؤلاء الأجانب الذين أرشدونا إلى هذه الأنواع، وهذا السلطان أيضاً بقي حتى أراد الملك الحسن الثاني أن يُعيد إحياءها أواخر الستينيات؛ ولكنه لم ينجح، لأنه كان يتم بطريقة فطرية، كان هؤلاء الطلاب ييجوا يديروا؛ يعنى ليس فيه قانون، نعم.. سموها الأشكال ما قبل المسرحية”.
المغاربة شاهدوا المسرح سنة 1923
وتابع الكاتب والباحث والناقد: “المغاربة لم يشاهدوا المسرح إلا سنة 1923 عندما جاءتهم الفرق الشرقية، الفرق المصرية.. في زيارة كانت الفرق المصرية تقوم برحلات يأتون إلى تونس، كانت مفتوحة. والجزائر يصعب عليها؛ لأنها كانت تحت احتلال صلب قوي.. إلى آخره؛ ولكنهم في 1923 غامروا ودخلوا إلى المغرب، دخلوا إلى مدينة فاس، كانت هناك سينما؛ السينما أسبق حضوراً في المغرب من المسرح، وقدموا عروضاً، وهؤلاء الذين قدِموا؛ مخرج ومعه زوجته ومعه فريق اللي جاي المغرب دون أدنى فكرة عن الجمهور المغربي، ماذا سيحب هذا الجمهور؟ فجاؤوا بثلاثة أو أربعة أنواع من العروض؛ جاؤوا بعروض تراثية.. أبو الحسن المغفل، وهي مأخوذة من (ألف ليلة وليلة)، ثم (خلي بالك من زوزو)؛ وهي مسرحية بالعامية المصرية مضحكة وأضحكت المغاربة، لماذا؟ لأنهم كانوا قد تعودوا على سماع اللهجة المصرية من السينما ومن الإذاعة؛ فلم يكن لهم مشكل، ثم قدموا لنا مسرحية مقتبسة عن شكسبير، وهي (شهداء الغرام)، وهي الأصل فيها هو روميو وجوليت، يعنى مسرحية نظامية فيها القواعد الأصلية للمسرح، وطافوا بالمغرب، وبعضهم لم يعد إلى مصر، بقي في مراكش رغبة في تأسيس نهضة مسرحية، وكذا.. وهو ما لم يتحقق بالوجه السريع الذي كانوا يأملونه، الأشكال ما قبل المسرحية. هذا في رأيي الشخصي تجعلنا نزهد في المسرح بالطريقة الكلاسيكية أو ما يُسمى الطريقة الإيطالية؛ أي طريقة الخشبة.. وكذا؛ لأن الفرنسيين كانوا في المغرب منذ 1912، وكانوا في إسبانيا قبل ما ينتقل الخليفية، طنجة وتطوان؛ كان فيها الإسبان، وكان عندهم مسارح، المسرح عندنا مسرح في طنجة، تأسس في 1913، عندنا مسرح في الدار البيضاء تأسس في بداية العشرينيات، وكان الفرنسيون الأجانب بالخصوص بمَن فيهم الإيطاليون والألمان.. كل الأجانب كانوا يذهبون لمشاهدة هذه العروض؛ لكن المغاربة لم يكونوا يذهبون، حتى جاءت الفرقة المصرية وخاطبتهم بلغتهم”.
وأجاب حسن بحراوي عن سؤال “هل لهذا علاقة باللغة مثلاً أم بالموقف من الاستعمار أم كلا الأمرَين؟”، قائلاً: “لا؛ الموقف من الاستعمار يمكن الشيء المستبعد، لأن الحركة الوطنية لم تكن قد نشأت، حتى اللغة كان المغاربة يتقنون اللغات؛ لأنهم كانوا يعيشون مع الأجانب لنحو عدد من السنين.. عندنا الأمزجة كانت تميل إلى أشياء قريبة من حياتهم، ومن نمط تسليتهم، وكذا ما غاديش يمشي المغربي يشوف مسرحية ديال موليير ولا مسرحية كورناي، ولا.. ما عنده علاقة بها، ما عنده صلة بها.. في كل فن شعبي أو في كل الفنون الشعبية يكون الغناء هو السيد؛ هو الممثل الأول، يعني واضح في المغرب فيه كثرة، فيه تنوع في الغناء الشعبي.. عندك العيطة، عندك التلاوة، عندك الناس الهواة.. وما أتحدث عنه هو قريب العهد؛ ولكنه ليس فناً شعبياً 100%؛ يعنى كفى، ناس، واحد يكتب؛ يشتركون في كتابة الكلمات، لا بد أن تكون كتابات مكتوبة، ويشتركون في اللحن والعزف.. وكذا، لكن الجناوة هو نعم شعبية؛ لأن أصحاب الجناوة هم العمال، يهتمون بصناعة الأثاث من شجر، من الخشب.. وهكذا إلى آخره، بسطاء في ثقافتهم وفي معتقداتهم.. إلى آخره، لا (الغوان) هو وجه له يُسمى (الظاهرة الغوانية)؛ هي ظاهرة كان فيها مثقفون، وكان فيها باحثون، وكان فيها علماء موسيقى.. هذا العازف ديال الجيلاني، الأصل في الغوان، هو خبير في الموسيقي؛ هو أستاذ الموسيقى، أستاذ نظامي للموسيقى يدرس سولفاج، لا يمكن أن نصفه بالشعبي..”.
الأغنية جزء من المسرحية.. سيد درويش مثالاً
واستطرد الكاتب والباحث والناقد: “تعرف أنه في مصر، أيام سيد درويش وإلى حد صاحبنا يوسف وهبي.. كانت الأغنية جزءاً من المسرحية، ولذلك وجدنا سيد درويش يلحن كثيراً من المسرحيات، وقد يمثل فيها.. إلى آخره، وقد شاهد المغاربة؛ كنا في العشرينيات، هذا المسرح الذي فيه الغناء، فيه الطقاطيق؛ يسمونها طقاطيق، وأعجبوا بها، فانصرفوا عن المسرح، وصاروا يولون اهتمامهم كاملاً بالموسيقي، وعندما يبدأ الممثلون في أداء مشهد من المشاهد كان المتفرجون ينشغلون بأشياء، وربما يلعبون الورق بانتظار أن تبدأ الأغنية الحكاية.. هذه كانت تقليداً في مصر، تقليداً أيضاً تركياً.. يبدو أنه مأخوذ من الأتراك والمصريين.. عندما ذهبنا للبحث في الموضوع وجدنا أن المصريين لكي يحببوا الفن الجديد الذي هو المسرح من الجماهير الشعبية، كان عليهم أن يستعينوا بالموسيقى والطقاطيق والرقص والممثلة التي تؤدي دورها فوق كذا.. هذه كانت هي المنطلق لاستعمال الموسيقى في المسرح المصري”.
الغناء لم يكن جزءاً أصيلاً في المسرح
وأوضح الكاتب والباحث والناقد أن “الغناء لم يكن جزءاً أصيلاً في المسرح؛ لما جاء جورج أبيض من فرنسا جاء بالمسرح بطريقة أصلية؛ بعثه الملك المصري إلى هناك ليدرس، يوسف وهبي.. كذلك جاؤوا بالمسرح بطرق كلاسيكية أكاديمية، إذا صادف أن فيه غناء فهو كذلك، وإلا فإن الغناء يكون دخيلاً على المسرح؛ ولكن المغاربة لم ينجحوا في وضع مسرحيات يضمنونها غناء؛ ربما لأن غناءهم لم يكن يلائم، لكنه عندهم التمثيل والمسرح الذي كان ملائماً”.
“العيطة” والفن الشعبي
قال حسن بحراوي: “العيطة جزء من الفن الشعبي؛ والسبب الأساسي الذي جعل العيطة جزءاً من الفن الشعبي هو أنها مجهولة المؤلف. العيطة عندما نعرف مؤلفها، تخرج من طائفة العيطة.. الملحون ربما كان أقدم من العيطة؛ ولكننا نعرف مَن ألَّفه، لأنه في نهاية القصيدة يقول الشاعر أنا فلان ابن فلان الذي وضع لكم هذه القصيدة، ويطلب المغفرة.. وكذا.
أنا في حالة العيطة، وقد كتبت من 20 سنة كتاباً، ربما كان الكتاب الأول حول فن العيطة، كتاب صغير 120 صفحة، حول تاريخ هذا الفن الذي لم يكن له تاريخ، لا نعرف حتى متى ظهر؛ فيه أصدقاء من لدينا يقولون إنه جاءنا من العصر الموحدي أو العصر المرابط؛ ولكن ليس لدينا أي دليل.. الدليل هو أنه في نهاية القرن التاسع عشر بدأ مجموعة من الساسة من الأقاليم يجمعون فرقاً موسيقية؛ وهي التي تعمل عندنا، الشيخ والشيخة.. الشيخ هو عازف الكمنجة، وهو الذي يقترح الموضوع، ويشتركون جماعةً فيه، أثناء الغناء تخرج الكلمات، لا يكون هناك نص مؤلف موجود، أثناء الغناء.. الغناء والشرب والمزاح وكذا تخرج”.
وأضاف الكاتب والباحث والناقد: “لكن ما نعرف الزجل؛ لأن الزجل المرتجل هو عمل فردي وجماعي مرة. لأ؛ فيه جماعي، بس قليل، بس هو عمل فردي، بس هو قليل؛ لكن فيه عمل جماعي بس لأ هو قليل، الفردي، ارتجال.. هذا يدخل في باب الارتجال، وهو موجود في جميع اللغات وفي جميع اللهجات”.
العيطة.. ما المقصود بها؟
وقال بحراوي بشأن المقصود بـ”العيطة”: “لا شيء؛ العيطة ليس لها موضوع واحد، ولا قضية واحدة؛ فهي قد تتناول المرأة وتتناول الأمجاد العسكرية والحربية، وتتناول طبيعة، فتصف لنا الجبال أو تتناول قصة معينة حصلت في تاريخ ما بين امرأة ورجل أو بين عامة الناس ورجال السلطة وغير ذلك، الموضوع يكون في غالب الأحيان غير مفكر فيه بطريقة أكاديمية أو علمية.. الغناء الأصل فيه هو الاستمتاع الصوتي في المقام الأول، أما الكلام فنحن أحياناً لا نعرف ماذا يقول صاحب العيطة، لا نعرف، كلامه مختلط؛ فلا نعرف بالذات.. العيطة إذن فن شعبي مؤكد أولاً بسبب مجهولية المؤلف، قد جاؤوا من بعد أزمة الرواد من العيطة؛ ولكن عرفنا مَن كتب لهم، وعرفنا مَن لحن لهم، فخرجوا من البروال، وهو حالة قلت (خليط)، تدير شيئاً يفتقد إلى الأصالة. العيطة الحقيقية، وهي معدودة لأجل ذلك عندما تنعطف خمس أو ست مناطق في المغرب من الشمال إلى الجنوب، لا تتجاوز العيطات التي وصلتنا ثماني أو سبعاً لكل منطقة، وهذا صعب”.
وأجاب الكاتب والباحث والناقد عن سؤال “مثل ما العيطة؟ مثل كيف؟ الكلام يُقال في مناسبة ما مثلاً دون أن نعرف مَن قائله؟”، قائلاً: “لا يُقال في هذا النوع، إن قُلنا المناسبات يعنى في السهرات، في الاحتفالات، في حضور.. قد يمدحون قائداً ما.. في الغالب يولد في اللحظة، وربما تدور في خلوتهم، وعندما جاؤوا زادوا فيه.. إلى آخره. عندما حصل المغرب على الاستقلال سنة 56، يعني متأخراً جاء فنان كبير لم يطل به العمر اسمه شعيب البيضاوي، فطور فن العيطة، أدخل الآلات.. عندنا ما كانش آلات كثيرة، أدخل الكمان، ولم يكن موجوداً، وأدخل آلة العود، وأدخل مجموعة من الآلات؛ فصارت العيطة ألذ مما كانت عليه في الأقاليم البعيدة؛ يعني الأوتار والدف وكذا.. زادت حلاوة وكذا إلى آخره. وزاد على ذلك بأن صار يمثل ويتخذ فرصة لكي يغنِّي.. إلى آخره؛ فالأغاني التي وضعها فيها نوعان، نوع أعاد فيه ما حفظه من الأغاني والعيطات السابقة، وهذه داخلة في صميم الغناء الشعبي، وأشياء جديدة مثلاً تغنَّى بعودة محمد الخامس من المنفى أو تغنَّى بأمجاد معينة متأخرة.. إلى آخره”.
وأضاف بحراوي: “هذه نعتبرها أغنيات شعبية، مع أنه منتج لهم انتشار الأغنية الشعبية، هو في الحقيقة النوع من العهد يصعب الحسم، يصعب أن تقف وتحسم في مسألة هذا شعبي وهذا غير شعبي، نحن نضع مقاييس عامة أحياناً، وهو سعة الانتشار في الأوساط مثلاً”.
معنى اسم “عيطة”
وقال الكاتب والباحث والناقد بشأن اسم “عيط” وماذا يعني؟: “هو أيضاً مصدر التباس؛ يُقال عيط، عيط عندنا هي (نادي).. فعيط ما عندها علاقة بالبكاء (عيط) هي (نادِ)، (ناد على الشيء أو على الشخص).. العيطة هي فيها نوع من المناداة.. ينادون أحياناً؛ ينادون الخالق أو النبي أو ينادون الأشخاص أو القائد الفلاني أيضاً. ولكن هذا التفسير غير مقنع لتسمية العيطة، العيطة عندنا الآن هي بمثابة غناء مقنن؛ له قواعد دائمة، عندما ننظر إليه له قواعد، أنا كنت قبل يومَين في منطقة الشمال في تطوان وطنجة؛ لأحدثهم عن العيطة الجبلية، لأن العيطة هناك لها علاقة بالمنطقة، منطقة جبالة. منطقة جبالة هي منطقة جبلية كلها، وإذن سكانها يختلفون عن السكان هنا؛ لهيئتهم وسلوكهم وكل شيء ونسائهم وأطفالهم. العيطة الجبلية مختلفة عن السابق، أنا عندما كتبت عن العيطة استثنيتها؛ قُلت هذه ليست عيطة، هذا كلام يقوله المزارعون، وهم يعملون.. وكذا، ولكن مع مرور الوقت قُلت لا بد أن تكون لتلك المنطقة عيطتها الخاصة، وجدت أنها تشترك أيضاً مع العيطة المغربية عموماً في تعدد الموضوعات؛ الموضوع العاطفي، الموضوع السياسي، الموضوع الطبيعي.. فيه المواويل؛ إحنا عندنا مواويل، وهم يسمونهم عيوع.. بالعين؛ لأنهم يصيحون بها.. لهجتهم مختلفة شيئاً ما عن لهجة الداخل زين.. وربما استعملوا بعض الكلمات الإسبانية، إلى آخره؛ لقربهم من المنطقة واحتلالهم الطويل من طرف الإسبان.. إلى غير ذلك”.
وتابع بحراوي: “فعيطة جبالة ليست هي عيطة الداخل؛ هذه العيطة تقدس الجبل وتقدس ولياً كبيراً من أوليائهم؛ وهو مولى عبد السلام بن مشيش، هذا متصوف كبير؛ عاش في مصر.. وجاء بنظريات التصوف إلى تلك المنطقة، قبل أربعة ولا خمسة قرون.. صحيح هنا في الداخل كان أولياء أيضاً؛ ولذلك ظهر نوع اسمه الساكن، ماعرفش التسمية منين جت، ولكنه هذا نوع متخصص بتمجيد الأولياء فقط، لا تجد في القصيدة إغراقاً في العاطفة؛ ولكن تجد وصفاً للولي، سواء أكان ذلك الولي عادياً تزوج وأنجب أو كان عزرياً.. (عزري) يعني ظل أعزب بدون عزري العلوة ابن منطقة قرب الدار البيضاء؛ لم يتزوج وقال الشعر ارتجالاً.. وكذا، فقام أصحابه العيطة، ووضعوا عيطة تُسمى العلوة، والعلوة هو اسم مكان عندهم؛ وهو المرتفع من الأرض”.
واختتم الكاتب والباحث والناقد: “أنا عَم بادوَّر على هذه العلاقة.. مع هذا (العلوة) هو المرتفع من الأرض؛ فإذن العيطة كانت أكثر رسوخاً في المجتمعات وفي الفن الشعبي، ولا تزال رغم التسجيلات ورغم التحويرات التي صارت تقوم بها الفرق الحديثة لهذا الفن.. لا تزال تحافظ على كيانها وعلى انتشارها؛ بل هناك مَن يتعصب لعيطة منطقته”.