Skip to content Skip to footer

الاستشراق والسياسة في دولة الإسلام | د. المحبوب عبد السلام

تحدث الدكتور المحبوب عبد السلام، المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن الفترة التي تقلَّد فيها الرسول الكريم، دينياً وزمنياً، وكان أمره مطاعاً بين المسلمين؛ أولاً بصفته نبياً مرسلاً من جهة، ثم أيضاً بصفته حاكماً كان حريصاً على الصورة انطلاقاً من القاعدة القرآنية “وأمرهم شورى بينهم”، وبعد وفاة الرسول سيجد ربما المسلمون صعوبةً في تدبير أمر اختيار الحاكم الجديد، تحت سقيفة بني ساعدة.. صعوبات في تدبير الخليفة أثارت ما أثارت، وانتبه إليها المستشرقون، واشتغلوا عليها… تحدثَ عن هذه اللحظة، حيث مفترق الطرق، وكيف يتلقاه؟ وكيف يتلقى تفاعل المستشرقين معه؟

القرآن وسلطة المؤمنين

 قال الدكتور المحبوب عبد السلام، المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، إن الفكرة جوهرية في ما يتعلق بالسلطة. والفلسفة السياسية حول السلطة التي أحدث فيها القرآن تحولاً مهماً؛ هو أنه جعل السلطة للمؤمنين، وهذا الذي انتبه إليه الصحابة الذين كانوا يفقهون القرآن؛ أمثال علي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب.. يعني عمر بن الخطاب أشار إلى أن إمارة أبي بكر كانت فَلتة؛ حيث لم تكتمل فيها الإجراءات، لأنه كان يعرف أن جوهر الأمر أنه ينبغي أن تعود السلطة إلى المؤمنين.

تحول جوهري في الفكر السياسي

وأضاف د.المحبوب عبد السلام، أن هذا هو الأصل الذي أخرج منه فقهاء الأصول الإجماع؛ هذا تحول جوهري في الفكر السياسي للقرون الوسطى، بمعنى أنه كانت طبعاً تأتي إما استلاباً بالقوة وإما تأتي ميراثاً؛ ولكن أن تكون السلطة للمؤمنين هذه فكرة جوهرية وجديدة على التاريخ، الأمر الذي لم يكن محسوماً.. كان الظرف النفسي والتاريخي يتحكم فيه بالتمام وكيفية اختيار هذا الخليفة أو الحاكم أو الأمير أو الرئيس، والأمر الثاني هو مدته.. هذه مسائل تم تركها بعد أن حسم الأمر الجوهري أن السلطة تعود إلى المؤمنين؛ المسائل هذه متصلة طبعاً بالتطور الثقافي والفكري وتطور الوسائل الفنية.

علي بن أبي طالب وطلب البيعة

وتابع المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: طبعاً لا يمكن أن أطلب مثلاً من مجتمع المدينة والدولة التي قامت بعده، أن يقوم بانتخابات مضبوطة كما تجري في دولة معاصرة. لكن مثلاً علي بن أبي طالب، بعد وفاة عثمان، جاؤوه ببيعة أهل المدينة لأنه طلبها؛ فلما جاءته بيعة المدينة طالب ببيعة مكة، فلما جاءت بيعة مكة، قال إن المسلمين انتشروا في الأنصار، فطالب ببيعة الأنصار. فهذا كان مدركاً من القرآن نفسه.. كان هذا أمراً طبعاً فهمه كثير من الفقهاء المسلمين، فضلاً عن المستشرقين.

الشعوب الشرقية والحكم بالوكالة

وأضاف د.المحبوب عبد السلام: المحاضرة الشهيرة التي لخَّصَ فيها بلفور مسألة الاستشراق؛ قال إن واحدة من المسائل الجوهرية التي تميز الشرق والإسلام، طبعاً كان محسوباً داخل الشرق؛ هي أن الشعوب الشرقية كلها؛ بما فيها العالم الإسلامي، لا تعرف إلا أن تحكم بالوكالة، لا بد أن يكون هنالك غازٍ أو مستبد أو وارث؛ أما أن تحكم نفسها بنفسها فهذا فرق جوهري في الحالة.

واستطرد المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: المستشرقون أصلاً سموا علمهم استشراقاً؛ لأنهم قسموا العالم قسمَين، شرق وغرب؛ والشرق له ملامح واضحة محددة، والتي يسميها إدوارد سعيد “الثقافة النصية”؛ إنه الشرق، حُوصر وحُدِّد بهذه الطريقة، والإسلام تم التعامل معه وَفق هذا، وَفق أُسس وأصول تعريف الشرق؛ ومنها أنه لا يستطيع أن يحكم بالشورى أو الديمقراطية.. الفكرة الأساسية فكرة البيعة نفسها، جان جاك روسو، واحد من المصادر، وكان اتصاله بالسفارة السويسرية في تركيا، وتعرفه على الإسلام، وأخذ فكرة العقد الاجتماعي، وفكرة البيعة نفسها (لأن البيعة نوع من أنواع التعاقد، وشكل من التعاقد)؛ وأصلاً سُميت البيعة من عقد البيع، لأنه أشهر العقود.. فأنا أعطيك شيئاً، أعطيك مالاً وتعطيني سلعة.

وأضاف د.المحبوب عبد السلام: فالحاكم أنت تعطيه سلطةً، وهو يعطيك في المقابل شورى وديمقراطية واجتهاداً في… وما إلى ذلك؛ هذه هي الفكرة الجوهرية للبيعة، لأن أشهر العقود هو عقد البيعة، مؤكداً أن هذا صحيح؛ وأنه لهذا ظل هذا العقد أساسياً وجوهرياً، يعني حتى بعد انتهاء زمن الخلفاء الراشدين، بعد اغتيال عثمان أولاً ثم علي، سيستتب الأمر لبني أُمية؛ يعني سنلاحظ طبعاً أننا إزاء تجربة جديدة، ولكن هذه التجربة مع ذلك ظلت البيعة في صلبها حتى ولو اعتبرها البعض بيعة صورية.

لماذا وصف عمر بيعةَ أبي بكر بالـ”فلتة”؟

واستكمل المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “وطبعاً أدركوا هم أن السلطة للمؤمنين. هم.. ولكنهم كذلك، بحكم الظرف النفسي التاريخي، كانوا يعلمون أن نقل السلطة بهذه الطريقة الشورية، التي جرت حتى في عهد أبي بكر، لم تجر بالطريقة التي كان يتوخاها المسلمون، لذلك عمر وصف بيعة أبي بكر بأنها كانت (فلتة)، وعندما جاء هو، وكان أصلاً مرشح أبي بكر؛ فوجد إجماعاً، لكن عندما مات عمر أو أزف موته، اختار لجنة من ستة. وهؤلاء الستة ليس من بينهم الخليفة؛ وهذه اللجنة طافت، دخلت حتى على النساء في خدورهن. وسألت: هل تفضل عثمان أم تفضل علي؟ وكان علي له برنامج؛ لأنه لا يلتزم بما فعل الشيخان، ولكن يفعل، واجتهاده، وكان عثمان يريد أن يمضي مع ما مضى فيه الشيخان؛ فأغلب الرؤى ذهبت إلى عثمان”.

العسس.. وشرطة الليل والنهار

وتابع د.المحبوب عبد السلام: “وهذا إذا قارنت بالظرف نفسه التاريخي في الفترة المتوسطة بالتاريخ الحديث. هذا التطور كبير في ممارسة السلطة.. أنا أشرت إلى أنه يوجد أمران لم يُحسما؛ لأن تطور المجتمع كان يحكمهما؛ هما مدة الخليفة وطريقة اختياره، لكن الظرف كله، تجربة الإسلام لا يمكن أن تخرج من سياقها التاريخي. فهم عندما ذهبوا إلى الشام، معاوية نفسه، كان معجباً بتجربة البيزنطيين وبدواوينهم، في مكة وفي المدينة كان الخليفة يمارس السلطة بنفسه، يحمل درة أو سوطاً ويدير؛ لكن بعد ذلك أصبح (العسس) شرطة الليل، وهناك شرطة النهار، وأصبحت هناك سجون.. كانوا في دولة المدينة، كانوا يؤخذون إلى بعض البيوت. بيوت الصحابيات أحياناً في المسجد؛ يسجنون في المسجد. ولكن كما نعلم مع ميشيل فوكو، أن السجن هو مفرد من مفردات السلطة؛ مبنى السجن يشبه مبنى المدرسة، مبنى الخدمة المدنية، مبنى الجامعة، ومبنى المستشفى”.

وراثة وشورى.. ومجتمع وسائله محدودة!

وأضاف المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “وعندما وجدوا حضارةً لها منذ أيام ابن الخطاب؛ استلف بعض الأفكار الإدارية، فكرة من هنالك؛ فالسياق التاريخي كان يحكم هذه التجربة، مع ما فيها من مبادئ. البيعة لم تكن أمراً مظهرياً؛ كانت أمراً جوهرياً، ولكن كيف تُدار هذه الشورى في مجتمع وسائله محدودة وقليلة؟..”.

وقال د.المحبوب عبد السلام: “الوراثة كانت انقلاباً؛ كانت على فكرة الجوهرية، فكرة السلطة للمؤمنين؛ ولكنَّ المسلمين كانت لهم طاقة البداية، طاقة حضارية ضخمة؛ يعني في ظرف وجيز جداً اتسعت الدولة اتساعاً ضخماً جداً، وتضاعفت مدخلات الموارد المالية، وأسرى كثير من المسلمين؛ ولكن طبعاً هم اتصلوا بحضارة الفرس كما يشير المستشرق ألبرت حوراني، إلى أن تاريخ المئتي عام؛ القرنَين الأوَّلَين من الإسلام، يكاد يكون هو تاريخ العراق؛ العراق وفارس، فدخل كثير من هنالك، هذه الطاقة الحضارية الكبيرة المستوعبة، استوعبت، رغم أنه مثلاً معروف أنه في أصول الفقه سكت الفقهاء منذ الشافعي، الذي أسس لموضوع السلطة؛ لأنهم لم يكونوا يريدون أن يمنحوها الشرعية، بمعنى أنها كانت تؤخذ بالميراث؛ فلم يريدوا أن يعطوها الشرعية التي كانت تُعطى لأكثر المسلمين تأهيلاً، ولكن في المقابل العلماء والفقهاء والقضاة قادوا المجتمع؛ كانوا القادة الحقيقيين للمجتمع، كان يوجد عنصر الأخلاق..”.

المستشرقون أمام مجتمع إسلامي متضامن متكامل

وأضاف المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “يعني كثير من المستشرقين لفتت انتباههم هذه الحياة الاجتماعية للإسلام، هذا المجتمع المتضامن المتكامل؛ والذي تحرم منه المجتمعات القائمة على الفردية، وهذا لا يزال طبعاً يشكِّل عنصراً لافتاً في تجربة الشريعة، كما أشار رواء الحلاق كذلك في كتابه عن الشريعة؛ لأن الشريعة لا تشبه الدولة الحديثة من هذه المقاربة، أنها ليست فردية؛ هي قائمة على مجتمع يقود فقهاء وعلماء.. هم صحيح تركوا للحاكم فقط وظائف قليلة؛ الجهاد وأخذ الزكاة؛ ولكن أغلب وظائف الدين والدولة والمجتمع كان يقوم بها المجتمع نفسه، مثل المجتمع الحديث، المجتمع المدني الحديث”.

الدولة الإسلامية وادعاء أنها أقرب إلى حكم الباباوات في أوروبا

قال د.المحبوب عبد السلام، بشأن الدولة الإسلامية وادعاء أنها أقرب إلى حكم الباباوات في أوروبا: “طبعاً الذهن الغربي إذا تحدثت عن دولة دينية، يذهب عقله مباشرةً إلى الدولة السقراطية التي يحكمها الباباوات؛ ولكن آرنولد، هو يعتبر من المستشرقين المنصفين في تاريخ الاستشراق، كتابه هو المحاضرة؛ ألقاها في عام ١٩٢٤ بعد عام من إلغاء الخلافة، هذا ليس الكتاب الأهم، الكتاب الأهم كان هو الدعوة إلى الإسلام؛ وناقش بإنصاف شديد أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، كما هو شائع في مقولات المستشرقين من قبله؛ هو متأخر طبعاً؛ هو توفي سنة ١٩٣٠، وأغلب نشاطه كان في أول القرن العشرين؛ هذا النوع من المستشرقين كان أكثر نضجاً من الاستشراق الأول الذي كان فيه كثير من البدائية في فهم الإسلام..”.

وأضاف المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “فكتاب آرنولد عن الخلافة يشبه كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم)؛ لأنه تقريباً كانت كل النخبة المصرية تخاف من الخديو إلى الخليفة، لأنه كانت الخلافة قد انهارت، فألف هذا الكتاب بالمنهج الفقهي. في المقابل؛ آرنولد كان يريد أن يؤكد أن استمرار الخلافة بهذا المعنى هو استمرار للدولة الديمقراطية قرن الأوسطية؛ التي ينبغي تجاوزها، طبعاً بالنسبة إلى المسلمين الفكرة الجوهرية نفسها لم تثبت، التي أشرنا إليها، وأن يعود الحكم إلى الشعب، وأن تكون السلطة للمؤمنين؛ لأنه بعد ذلك دخلنا في تجارب تعلقت بالدولة الوطنية الحديثة والعلمانية وقضايا الدين والدولة؛ التي لم تُبحث جيداً حتى الآن”.

الخلافة والخليفة.. آرنولد كان مرجعه القرآن والسُّنة

وقال د.المحبوب عبد السلام، بشأن المستشرق آرنولد، وأنه “كان مرجعه الأساسي القرآن والسُّنة؛ ويعرفهما جيداً؛ حتى مسألة الخلافة والخليفة انطلق من هناك، وله تأويلات، فحينما يقول إن الخلافة هي مجموعة من القبائل حلُّوا محل غيرهم في الأرض، يعني هناك نوع من الطمس للوظيفة الأساسية للخلافة، تحس أنه فعلاً هذا الصراع الأوروبي- العثماني، وهذه الرغبة في النيل من الخلافة العثمانية جعلته يشوِّش على مفهوم الخلافة هكذا بشكل عام”: “هو طبعاً حتى هنا في العالم العربي؛ عندما قامت الحركة القومية تعتز بالقومية العربية، كان هذا رد فعل من الحركة العثمانية وما تلاها؛ فكان هذا الظرف مؤثراً جداً في العالم، مسألة إلغاء، حتى هم ظلوا فترة طويلة من ١٩٠٨ إلى ١٩٢٣؛ حتى تمكن الضباط من إلغاء الخلافة. وأحدث هذا هزة ونقاشاً وحواراً في العالم الإسلامي”.

وأضاف المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “المستشرقون لم يكونوا بعيدين طبعاً من هذا التطور؛ يعني غالباً المستشرقون كانوا يبحثون في الأصول في ما يتعلق بالثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية والثقافات الأخرى، كانوا يذهبون إلى النصوص القديمة والأنابيش والتراثيات، ويخرجونها للضوء، يعيدونها؛ لكن البحث المتعلق بالمجتمع والسياسة كان هذا نادراً، وهذا في الجيل الذي أشرنا إليه من المستشرقين الماضيين، لكن أعتقد كذلك من أخرى، أن العالم الإسلامي نفسه كان فيه تقصير كبير جداً في ما يتعلق بمناقشة مسألة الخلافة وإلغائه وإعادة الروح الأساسية للإسلام والشريعة إلى واقع السياسة؛ سياسة المسلمين..”.

آرنولد وصلاح الخليفة ومفهوم الإمام والإمامة

وأضاف د.المحبوب عبد السلام: “بالتأكيد هناك مستشرق متأخر عن آرنولد، هو ألبرت حوراني، وله أصول عربية؛ فهو أكثر إنصافاً، أكثر وعياً، أكثر معرفةً بتفاصيل الإسلام الداخلية؛ عندما كتب (الفكر العربي في عصر النهضة)، الفصل الأول في الكتاب، وهو أطول الفصول، سماه (الإمامة)، واعتبر أن هذه المشكلة التي يدور حولها التاريخ الإسلامي؛ يعني انفصال الشيعة والسُّنة.. كان حول قضية الإمامة، واستمرار الصراع الفكري؛ كان كله يدور حول قضية الإمامة، وهي قضية مهمة طبعاً…”.

وتابع المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية: “في القرآن تجد أكثر من معنى للإمامة، (وإنهما لبإمام مبين)؛ بمعنى الطريق. وتأتي الإمامة بمعنى القائد. وفي ممارسة السنة نفسها وإمام الصلاة.. الشيعة عندما جعلوا الإمام أصلاً ألغوا حتى إمامة الجمعة؛ باعتبار أنها فرع من أصل إمامة المسلمين العامة، الإمامة العامة؛ فهي قضية كبيرة جداً وجوهرية، قد تكون القضية الأساسية كما ذكر ألبرت حوراني.. مسألة الإمامة والإمام؛ المعنى الأجمل هو مسألة الشريعة ذاتها، التي يسميها بعض الفقهاء السياسة الشرعية، وفيها طبعاً كتب قليلة جداً؛ لأنه، كما ذكرت، أن كثيراً من الفقهاء كانوا يريدون أن يحرموا الخليفة الموروث الوارث من الشرعية؛ فلجؤوا إلى حرمانه من التنظير، لا يوجد تنظير في هذا المكان”.

مجتمع مسلمين وسلطة إسلامية

وقال د.المحبوب عبد السلام، بشأن سكوتهم: “السكوت كان موقفاً؛ لأنهم كانوا في الحقيقة المجتمع، هذه الميزة التي أعطتهم إياها الشريعة، كما ذكرت؛ يعني فرق كبير ومهم وجوهري في مسألة إقامة مجتمع مسلمين وسلطة مسلمين وسلطة إسلامية.. وما إلى ذلك”.

وأضاف المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، بشأن “فكرة أن السكوت كان موقفاً قابلاً للتأويل، وهناك مَن يقول إن السكوت علامة الرضا، وهناك مَن يقول لا يُنسب لساكت قول”، قائلاً: “لو قرأت البحث الجيد الذي كتبه عبد المجيد الصغير، المفكر، الذي أشار في كتابه عن أصول الفقه إلى أنه واحدة من الدوافع الرئيسية التي أدت بالشافعي إلى اشتراع الأصول وكتابتها بهذه الطريقة؛ ما يُعرف بأدب المرايا، كان هنالك أدب هندي وفارسي؛ لأن هنالك إمبراطوريات.. هنالك أدب كثير متعلق بالسياسة وبالإمبراطور، وهذا الأدب نقل للعالم الإسلامي في القرن الأول والقرن الثاني الهجري؛ حقيقةً هذا كان من المسائل التي خشي الشافعي منها على أن تطمس أصول القرآن والسُّنة، حاول أن يعمل منهجاً للفقه نفسه، أصول الفقه، كما يقول مصطفى عبد الرازق؛ هو منطق الفقه، مثلما أن المنطق الذي يهدي الفلسفة، كذلك أصول الفقه تهدي الفقه. لكن هذا المنطق الذي يهدي الفقه فيه مسألة السلطة واضحة؛ فيوجد مفكر إسلامي معاصر هو حسن الترابي، عندما كتب أصوله؛ أشار إلى أصل سماه الأمر، وأضاف إلى الأصول الخمسة أصلاً ثالثاً سماه الأمر؛ فالأمر هذا متعلق بالمسائل التي يمكن أن تنظر إلى السلطة وفكرة القوة، مجمل القوة؛ يعني أنت في الطريق إذا أشار شرطي المرور ستقف، ويريد أن يجعل من هذه الوقفة مثلاً أمراً متعلقاً بالدين، متعلقاً بالشريعة.. جانب الدولة كما نلاحظ التنظير لها محدود جداً.. في أصول الفقه…”. 

المستشرقون توقفوا عند طاعة أولي الأمر.. دون شروطها!

وأضاف د.المحبوب عبد السلام: “المفكر الإسلامي الشيخ حسن الترابي، اشترع الأمر؛ حتى يحفظ الحرية الواسعة للمسلمين في بقية الحياة. يعني هنالك مجال ضيق أنت تطيع فيه الخليفة؛ لكن هنالك مجال واسع جداً، أنت تمارس فيه الحرية؛ مثلاً الفكر والفقه كله لا يلتزم بما يراه الحاكم، الحوار كله يدور حول التنظير للشريعة؛ وهنالك مجال واسع جداً للحريات، ولكنْ هنالك مجال ضيق محدود؛ ينبغي أن نطيع فيه الحاكم كما ذكرت قبل قليل، من ضابط المرور الذي يرفع يده، وتقف السيارات، إلى أن تذهب إلى السجن؛ لأن القاضي يصدر حكماً؛ ولكن الذي ينفذ الحكم هو الجهاز التنفيذي، وهذا ليس معنى الأمر الذي أشار إليه؛ لا يريد أن يجعله خارج سياق التنظير الديني.. كتب السياسة الشرعية في التراث لا تزيد على بضعة كتب معروفة، إذا ذكرت لك السياسة، تقول السياسة الشرعية؛ فتذكر كتاباً مشهوراً مثل كتاب الفقيه المشهور الذي عاصر الدولة العباسية الأخيرة، وفيه كتاب أو اثنان يتحدثان عن السلطة والسياسة الشرعية، وهذا لفت النظر بالمقارنة مثلاً مع فقه الطهارة أو المقارنة مثلاً؛ حتى مع فقه معقد قليلاً مثل فقه الميراث، أو فقه الزكاة.. وستجد كثيراً من التنظير في هذا الفقه؛ لكن تختار الأمير، كيف تحاسبه؟ ما مدته؟ كيف ينصح؟ هذا فيه فقه قليل؛ فيه كثير من الأدب المستورد…”.

مجال آداب السلطانية وحال المسلمين

واستكمل المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، بشأن مجال السلطة: “السلطة في التراث الفارسي والهندي هي سلطة الإمبراطورية، وكل أمر حول السلطة يدور حول الإمبراطور؛ ولكن هذا الأمر لا ينطبق في حالة المسلمين، المسلمين كانت لهم حرية كبيرة جداً بتنظيم أنفسهم. الدولة كانت أشبه بالدولة الحديثة التي تكون لها وظائف محددة. كما نظر إليها فقهاء الفلسفة السياسية بأنه المجال الذي يمكن أن تستعمل فيه القوة؛ لكن بقية المجتمع يديره المجتمع بنفسه.. التعليم كله يديره المجتمع، الاقتصاد كله يديره المجتمع، شركاته، العمل الطوعي كله، الإنساني؛ حتى علاقات حسن الجوار والعلاقات الخارجية، وكثير منها يديره المجتمع، خارج حدود الدولة الحديثة يعني.. فهذا كان يشبه جداً أنه بالإسلام الدولة مجالها محدود؛ ولكن حتى هذا المجال محدود، والمهم والمؤثر والذي جعل قضية الإمامة أهم قضية لم يُحَط بالتنظير الكثيف الدقيق التفصيلي الذي اجتهد فيه الفقهاء؛ لا مسلمين أصلاً، كانوا في حالة نهضة حضارية. وكانت لهم طاقات زائدة. وكانت يعني تبدع في كل مجال..”.

استغلال الفقهاء غضبة العامة على الفلاسفة

وضرب عبد السلام مثلاً بكتاب مهم مثل كتاب “المدينة الفاضلة” للفارابي، قائلاً: “فهذا فيه تنظير كثير؛ لكن لم يجد أي اهتمام، لأنه كذلك مجال الفلسفة مثل مجال أدب المرايا، منفصل عن الجمهور. قادة المجتمع كانوا هم الفقهاء؛ ولكن الفلاسفة كان بينهم وبين المجتمع شيء من المباينة. وكان الفقهاء أحياناً يستغلون غضبة العامة على الفلاسفة، ويعبئونهم ضدهم؛ حتى يكسبوا مزيداً من الشعبية”.

الغزالي -حجة الإسلام- حاصر الفلسفة!

وقال المفكر والباحث السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، بشأن إلى أي حد مثلاً عشنا كمجتمع فقهاء وكمجتمع فقه: “الإنتاج نفسه لم يكن محدوداً؛ خصوصاً في المجالات اللي ذكرتها؛ الأدب مثلاً لم يكن محدوداً  كان واسعاً جداً، الفلسفة ترجمة أرسطو كلها حتى الآن في الغرب الحديث تعزى إلى ابن رشد، كما هو معروف. لكن كذلك التأثير؛ هذه الاتجاهات العقلية الفلسفية المهمة التي كان يمكن أن تنقذ المسلمين من ضيق الفقه ومحدوديته، حُوربت وحوصرت.. يُشير كثير من الناس إلى الدور المهم الذي قام به الإمام الغزالي، وهو إمام له بُعد شعبي، حجة الإسلام، وحصل على هذا اللقب الكبير؛ ولكنه حاصر الفلسفة واعتبرها علماً بالكامل خارج الدين.. فالطاقة الحضارية والفكرية والعلمية كانت كبيرة عند المسلمين؛ ولكن تأثيرها على المجتمع كان فعلاً السلطة، كان لها دور كبير جداً في إما أن تبسط هذا التأثير وإما أن تحد منه وإما أن تحاصره وأن تحرق الكتب. كل هذا كان موجوداً؛ ولذلك الفكرة ممكن أن تكون مغرية.. إن هذا المجتمع الجامد غير المتحرر، أثر الفقهاء عليه كبير”.

واختتم د.المحبوب عبد السلام: “وتعجبني فكرة الجزائري مالك بن نبي، عن الاستشراق؛ عندما وصف جيب عقل المسلم بالذري؛ فقال الذرية حالة حضارية، هي العقل، يصبح ذرياً وتجزيئياً وغير قادر على التفكير الكلي في مرحلة حضارية معينة.. هذا حدث للأوروبيين في القرون الوسطى. ويحدث للمسلمين الآن؛ ولكنْ هنالك إصرار بالاستشراق أن يميِّز بين الرومان واليونان وبقية العالم. هذه أيضاً إحدى الأفكار الجوهرية في الاستشراق؛ فلم يروا هذه الجوانب الحية عند المسلمين، إنها قيادة الفقهاء؛ لم تستطع أن تمنع المجتمع من أن يفكر بطريقة حرة، وأن يكون له إسهام وأحياناً إسهام متجاوز لحد كبير؛ مثل إسهام الفارابي نفسه، ومثل إسهام ابن رشد، المجهود الكبير في أن تطابق عن الفلسفة أو يطابق الشرع العقل.. فهذا كله يدل على أن هذا المجتمع كان فيه نقاش، وكانت فيه حرية كبيرة جداً لم يستطع المستشرقون، بحكم ثوابت الاستشراق، أن ينظروا إليها، وأن يصلوا إلى الجوهر النقي والأصلي فيها”.

Leave a comment

0.0/5