“الهوية الوطنية في الأزمات”، عنوان استُخدم كثيراً في السنوات العشر الأخيرة في بلاد العرب، ولطالما شكَّل بالنسبة إليَّ بحالته الفضفاضة عنواناً عامّاً ومضللاً إلى حد كبير؛ كونه لم يستند إلى فرضية تشير إلى ملامح التصدع في الهوية الوطنية العربية، يمكن أن يُطرح بالاستناد إليها أسئلة عن ملامح هذا التصدع؛ خصوصاً في الدول التي خاضت في وقائع ما سُمِّي بـ”الربيع العربي”؟ وهل هذه الملامح كانت سبباً في الأزمة أم نتاجاً لها؟
والحقيقة أن الإجابة عن السؤالَين ليست سهلة أبداً؛ خصوصاً في ظل واقع أن الهُويّة الوطنية العربية لم تخضع لسجالات أو تحولات عميقة وجذرية في التاريخ المعاصر في سياق حقبة ما بعد الاستعمار الغربي للمنطقة، رغم المركبات المختلفة والمتضاربة أحياناً (دينية ووطنية، وعروبية، وحزبية) لهذه الهُويّة الموحدة المنشودة، وذلك يعود ربما إلى أن نشوء الدول الوطنية العربية، وسعيها لتأسيس أو تخليق هوية وطنية متميزة، ارتبط إلى حد كبير بظهور وتأثيرات الأحزاب القومية واليسارية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي (القومي السوري، حزب البعث، الأحزاب الشيوعية، إضافة إلى الأحزاب الوطنية التقليدية ذات الطابع العلماني، والأحزاب الدينية)، وأيضاً ارتبط بالتداعيات الجيوسياسية للسياق الاستعماري الصهيوني في فلسطين، والذي جرى تطويعه لتغييب كل التناقضات والتضاربات بين المركبات المختلفة في سياق أخطر هو الصراع العربي- الإسرائيلي.
لذلك لا يمكن الادعاء أن الصراع ما بين صدارة المكونات الدينية أو القومية وجد صداه كمسار تكاملي في عمليات صياغة الهوية في المرحلة الجنينية لبناء الدولة الوطنية الحديثة، أو كجزء من عملية تدوين تاريخ هذه الهُويّة، مع قناعتي أن المكونَين “القومي” و”الديني” عاجزان عن توفير فهم شامل لنشوء وتشكيل الهوية بالمنظور التاريخي، على الرغم من التأثير الكبير لهذين المكونَين في تأسيس الهُويات، إذ على خلاف نشوء الدول الوطنية في معظم دول العالم، شكلت القضية الفلسطينية بحضورها الشامل والدائم، دور المصمم الأهم للهوية الوطنية، وللواقع الوطني السياسي والاجتماعي والثقافي على امتداد أكثر من نصف قرن في معظم بلاد العرب؛ خصوصاً بلاد الشام.
وبوعي أو دون وعي، تحوَّلت القضية الفلسطينية إلى “مانح” الشرعية المركزي للسلطات الوطنية، أُجبِرَ فيها “القومي” و”الديني” و”اليساري” على تقديم (وإعادة تقديم) أنفسهم للجماهير من منظورها، مع إعادة استحضار لمكونات ومشتركات تاريخية وجغرافية وثقافية وتشغيلها في إنتاج “هوية وطنية”، طابعها الرئيس “مقاومة الصهيونية”، وهكذا فإن “المقاومة” اشتغلت عملياً على إعادة صوغ تصور الجماعة الوطنية عن نفسها وأصبحت الآلية الأهم في تشكل الهوية الجمعية، وفي منح الشرعية أو حجبها عن الأفكار والممارسات التي تنشأ تحت الحكم الكولونيالي، كما أصبحت أهم معايير التأثيم الفردي والجماعي، وشرعنة الفعل النظري والعملي: السياسي، والديني، والاقتصادي، والفني، والثقافي.. إلخ، والحجة الرئيس في عدم الإجابة عن الأسئلة المهمة في بناء الدولة، وأيضاً في تجاهل تجسير مقومات بناء التعاقدات الوطنية، والتي ترتكز بشكل أساسي على مفاهيم المساواة، والعدالة، والمشاركة، والتي بدت في بعض الأحيان فيما لو طرحت وكأنها نقيض الوطنية!
وهو أمر حجبَ وغيَّبَ مرحلياً التناقضات الوطنية، وأسَّسَ لهوية رخوة ارتبطت بعامل متغير، هو صيرورة الصراع العربي الإسرائيلي في الحقب المتلاحقة، والذي انتقل من مركزية المقاومة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى السجال حولها بدايةً من “كامب ديفيد”، مروراً بمدريد، ثم “أوسلو”؛ مما أدخل الواقع العربي برمته في وضع غامض وخطر، تمثل في الوقوف في منتصف الطريق، حيث أُخرج فعل “المقاومة” من المعركة ضد المستعمر قبل إنهاء مهمته الطبيعية، وهي التحرر والاستقلال، وبرز مشروع “الحل السلمي” كبديل عند بعض الفصائل الوطنية الفلسطينية والعديد من الدول العربية، وبذلك لم تعد المقاومة هي المشروع الناظم والجامع الأهم للفاعلية والهوية الوطنية؛ مما مهد لتكشف الرؤى الخلافية واصطدامها ببعضها البعض، وظهور بوادر هويات فرعية ناجمة في بعض جوانبها عن تمايزات ثقافية وصراعات أيديولوجية، إضافة إلى ما تتعرض إليه من ضغط نتيجة تقاطع وتناقض مصالح إقليمية ودولية فيها، غاب فيها شعار الوطن كسقف جامع!
وهو الأمر الذي تجلَّى فاقعاً في وقائع “الربيع العربي” الذي كانت بداياته (ظاهرياً) على شكل مطالب شعبية معظمها له طابع معيشي، وإن لم تغب عنها المطالب السياسية؛ ولكن خلال زمن قصير بدأت العوامل الدينية، والإثنية، والقومية، تأخذ دوراً كبيراً في الصراع، الذي لم يعد محصوراً في قطبية الشمولية والحرية، بل تعداها إلى مستويات أخذت بخلخلة “الهوية الوطنية”، وصدعت مكوناتها، والأهم المكون الجغرافي، والبعد العلائقي القائم على العلاقات الثقافية والاجتماعية القائمة بين المواطنين، والتي تعد عاملاً أساسياً في الهوية الوطنية، وهو أمر دفع كثيرين منا لطرح سؤال أظنه جوهرياً: هل بحث بعض مواطني هذه الدول عن هويات بديلة وتعاريف أخرى تستحضر الهويات الإثنية لملء فراغ الانتماء القائم، كان سبباً في الصراع أم نتيجة له؟
والإجابة عن ذلك أمر -كما أشرت بدايةً- ليس سهلاً؛ خصوصاً في ظل عدم قدرتنا على عزل التأثيرات الكبيرة والخطيرة للعامل الإقليمي الدولي حتى على المستوى النظري في ما جرى؛ لكن يمكنني القول بالاستناد إلى العوامل الداخلية تحديداً، إلى أن الحرب كانت نتيجةً وليست سبباً، وذلك نتاج عوامل عدة؛ أهمها، حسب رؤية د.محمد عابد الجابري: “إصرار بعض النخب السياسية الغربية على إلحاق الثقافي والفكري بالسياسي، فيترتب تبعاً لذلك أن يصبح الفكري في خدمة السياسي، وحينها تصير الهوية الثقافية تابعة للهوية السياسية، وبالتالي أداة طيعة للتوظيف السياسي كلما دعت الضرورة لذلك؛ مما يؤدي إلى تهميش الهوية وتحميلها أوزار الفعل السياسي، وبالتالي النظر إليها على أنها سبب في الأزمة عوضاً عن النظر إلى أنها إحدى نتائجها”.
وهو أمر ينطبق إلى حد كبير على الواقع الوطني العربي؛ خصوصاً المشرقي، الذي حملت فيه الهوية الوطنية أوزار وتبعات السياسة، وأثمانها؛ خصوصاً بعد تراجع الصراع العربي- الإسرائيلي (مانح الشرعية الأهم) من صدارة المشهد العربي وتفاقم الخلافات العربية- العربية، والعربية مع دول الجوار، حول المذهب والطائفة ومفهوم الوطن والدولة، بالشكل الذي مهَّد لبداية صراع سياسي (متعمد) على الهويات، محمولاً على منصة الدين، الذي لا يربط الأرض بشعب بعينه بروابط حضارية وثقافية ودينية ولغوية معينة، ولكن يربطها بالدين والدعوة إليه، وإلى “أُمة” رابطها الوحيد هو العقيدة دون وطن جغرافي محدد.
وحيث يطرح الدين (وفعلياً الورقة الطائفية المذهبية المحمولة على كتف السياسي)، كمنطلق لنصرة المستضعفين في مواجهة الأنظمة الحاكمة، مع عملية فرز لتلك الأنظمة، لا تشمل من يدور في فلكه، ولا من يؤيِّده أو يُهادنه، في مسار يجمع بين السياسي والأيديولوجي والعقائدي، كنوع من التمايز في التعبير عن الذات، وفي ملء الفراغ الذي شكله غياب مشروعات وطنية وقومية جامعة، إضافةً طبعاً إلى انتقال ارتباط فعل المقاومة من الدول الوطنية إلى كيانات وحركات وأحزاب ذات طبيعة دينية.
ثانياً: تسيد “القضية الفلسطينية” قمة الفعل السياسي الوطني، ومعيار التقييم الفردي والجماعي، حول الانتباه عن قضايا وطنية شديدة الأهمية؛ مما سمح للأيديولوجي بالهيمنة، وهي هيمنة دمجت (بوعي أو دون وعي) الهوية بالولاء للمجموعة الحاكمة؛ مما جعل الدولة تعني نوعاً خاصاً من الترابط الوراثي، أي ملكية السلطة والقوة داخل مجموعة واحدة، لفترة زمنية طويلة، وهو أمر شكَّل عاملاً رئيساً من عوامل الاحتقان الوطني؛ لأن الديمقراطية وتداول السلطة هما الشرط الأول لانتصار الهوية الكلية من خلال حق الهويات في التعبير عن نفسها ثقافياً وسياسياً، إضافةً إلى منع ظهور الهويات المتعصبة؛ سواء أكانت دينية أم إثنية أم حزبية، أم غير ذلك.
ثالثاً: تتشكل الهويات، وتكتسب صلاحيتها من خلال سلسلة متواصلة من التفاعلات، واكتسابها ينطوي دائماً على عملية البناء وإعادة البناء، واكتشاف سمات إضافية باستمرار، إنها عملية دائمة السيرورة على امتداد حياة الأفراد والجماعات مرتبطة بكل المؤثرات الخارجية، إضافةً إلى ارتباطها بالصراع على السلطة، وهذه الصراعات تؤثِّر فيها -بشكلٍ مباشر أو غير مباشر- لعبةُ التوازنات والمؤثرات الخارجية المحيطة، وهي عامل من أهم العوامل المفسرة لما يجري في معظم البلدان العربية، كونها سعت دوماً لخلق ظروف وأسباب صراع وطني من زاوية ما يمكن تسميته سياسات الهوية، عبر خلق تماثل زائف بين مصطلح الهوية الثقافية ومصطلح سياسة الهوية، يدفع الأفراد في حالة التمزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي، للجوء إلى سياسات الهوية للتعبير عن الذات، بالشكل الذي يجعل الهويات الدينية والإثنية حاضرةً بهذا القدر أو ذاك، بسبب إثارة الريبة بالهوية الجامعة، وضعف دولة المواطنة الكلية.
رابعاً: الهوية الوطنية في معظم الدول العربية، حتى الجمهورية منها، رغم كل المزاعم ليست علمانية، والدين والأيديولوجيات لطالما شكَّلت الجزء المؤثر فيها، مما همش مؤسسات المجتمع المدني، وسلطة القانون، وحَجم المشاركة المجتمعية في الشأن العام، مما انعكس سلباً على العلاقة بين السلطة والشعب، وعلى نقاط التلاقي والارتكاز، وعلى الشعور بالتجانس والتناغم، والمصالح المشتركة ضمن (المجتمع السياسي) ذي المعالم والحدود الجغرافية.
وهذه عوامل رئيسية شكَّلت إطاراً حاضناً ومغذياً وداعماً لمشروع أمريكي غربي، أدخل العديد من الدول العربية في صراعات لا تزال مستمرةً منذ عقد، تبدو وكأنها “صدام هويات”، رغم أنها في الحقيقة مجرد إطار هوياتي لحرب قديمة مؤجلة، وجديدة مخترعة (معاد إحياؤها) بعد انتهاء الحرب الباردة، يجري فيها تكثيف الحضور حتى لما تم تجاوزه أو حله؛ فيُعاد بعثه وإشغال الأمة فيه لتبقى إلى الأبد في حالة هويات متقاتلة، لا يمكن أن تتبنى قضية، أو تعيد أرضاً، أو تنجز دولة، أو تصيغ هوية جامعة.