Skip to content Skip to footer

نظرية الإدارة العربية وآليات عملها | د. جاسم الجزاع

تحدث د.جاسم الجزاع، الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مجتمع”، عن علم الإدارة، وكيف تفكر الحكومات في إدارة شؤون الناس؟ وكيف تدير الدولة الحديثة الأدوات التي تهتم بشؤون الناس؟ ولماذا القطاعات الحكومية العربية في أدنى مستوياتها حتى في دول الخليج؟ وأن الكثير من أجهزة التعليم والصحة في انهيار؟

وأجاب د.جاسم الجزاع، الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي، عن سؤال “أنت جاسم وجزاع، لماذا دائماً جزاع؟”، قائلاً: “الجزاع أتوقع هو لفظ عربي، ممكن هو من الجزع؛ لكن الله يجعلنا من الآمنين المطمئنين، إن شاء الله”.

قصتي مع “الإدارة”

وأضاف د.جاسم الجزاع، الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “الإدارة لي قصة معها؛ يعني أنا في بداية الدراسة الجامعية كنت شغوفاً بعلم الأحياء والبيولوجي، وكنت أطمح أن أكون مثلاً باحثاً مختبراً في موضوع الخلايا والأمور المتعلقة بالبيولوجيا؛ فدخلت جامعة الكويت، واستمررت تقريباً ٣ سنوات في المختبرات، وبعد ذلك أتوقع أني فشلت يعني، واتجهت إلى علم الإدارة؛ علم الإدارة كان عبارة عن صدفة، دخلت علم الإدارة عن طريق بعض ما يسميها بعضنا (الاستعراضات الجانبية)، تكلم عن علم اسمه علم الإدارة، وكنت أعتقد أن علم الإدارة هو علم ثانوي في الحياة؛ لكن الآن في هذه اللحظة أستطيع أن أقول، وليس عنصرية لعلم الإدارة؛ لكن أقول إن معضلة العالم العربي هي عقلية مَن يمتلك الإدارة، ويمتلك إدارة هذه الحكومات”.

آثار الاستعمار والشباب العربي.. نظرة دونية للعلوم الإنسانية

وأضاف د.جاسم الجزاع: “أينعم مشكلتنا مشكلة الإدارة، ما عندنا نقص الموارد، ما عندنا نقص الثروات، ما عندنا نقص حتى الموقع الجغرافي للدول العربية، الموقع، الثروات الطبيعية، الإرث التاريخي المجيد.. كل المرتكزات التاريخية والأثرية في هذه الرقعة العربية؛ لكن مشكلتنا قضية الإدارة. ومن المعضلات اللي بنشوفها أنه من آثار الاستعمار على الرقعة العربية أنها جعلت العلوم الإنسانية علوماً ثانوية في أعين الشباب العربي؛ يعني أكثر الشباب العربي ينظرون إلى علوم الطب وعلوم الهندسة على أنها التخصصات، ويُنظر له نظرة الشاب المتميز، والله ابننا طبيب، ابننا مهندس، وكانوا ينظرون إلى العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية؛ ومنها علم الإدارة بأنه علم ثانوي، يعني علم الإدارة وعلم مثلاً الاجتماع، أيضاً علم التربية، علم السياسة؛ فهذه النظرة الدونية للعلوم الإنسانية أدت إلى دخول مجموعة من المجاميع الطلابية أو مجاميع الدارسين من أصحاب، أنا أسميهم من غير المهتمين بالعلم، فأصبحت مخرجات علم الإدارة في الأوطان العربية هي من أدنى المخرجات، وهو المطلوب؛ أن تتسيد أبرز المناصب التي تتحكم في منظومة الحياة العربية، ولذلك أنا من دعاة تقديس العلوم الإنسانية، مع كل الاحترام للعلوم الطبيعية؛ لكن تعطي لها حجمها، فهذه قصة الإدارة معي باختصار”.

ما المقصود بالإدارة؟

 وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “لمَّا بتحكي عن الإدارة، بتقصد مثلاً الإدارة في السياسة؟ الإدارة في الاقتصاد؟ الإدارة في الحياة اليومية؟ الإدارة في العائلة؟”، قائلاً: “أنا أحاول أن أبتعد عن الطرح الأكاديمي في الجامعة؛ يعنى أحاول أن أبسط المفهوم؛ علم الإدارة يختص بسياسة الناس؛ كيف تسوس مصالح الناس؟ هي قريبة من علم السياسة، هي تتداخل مع علم السياسة تداخلاً كبيراً جداً؛ خصوصاً الذي يدرس في علم الإدارة، خصوصاً الإدارة العامة، يجد أننا نتكلم عن كيف تفكر الحكومات في إدارة شؤون الناس؟ مش إدارة الأعمال؛ إدارة الأعمال تتكلم عن الشركات التي تحقق أرباحاً، لكن الحكومة لا تريد أن تحقق الأرباح، الحكومة فقط تريد أن تقدم منفعة للمجتمع عن طريق إدارة جيدة للمرافق؛ فلذلك علم الإدارة باختصار؛ كيف تدير الدولة الحديثة الأدوات التي تهتم بشؤون الناس؟ يعني هذا بشكل بسيط”.

الاستعمار وإضعاف اللغة العربية 

وأضاف د.جاسم الجزاع: “والمنظومة الأخرى المصاحبة للإدارة؛ هي اللغة العربية، نحن دخلنا الآن في مرحلة الركود الحضاري، نحن الآن نعيش في مرحلة الركود الحضاري، الركود الحضاري بدأ منذ أكثر من قرنَين من الزمان؛ خصوصاً آثار الاستعمار التي بدت في القرن الماضي، كانت تركز على أمر جوهري هو إضعاف اللغة العربية ونزع اللغة العربية من سيادتها على العلوم بشكل عام في العالم، فأصبحت الآن اللغة العربية ليست اللغة الأم، فهذه من المشكلات التي دائماً نعانيها مع بعض الشباب، أن يقول أنا ما عندي مشكلة أهتم في اللغة العربية، لكن اللغة العربية أصبحت لغة هامشية، لغة ليست لغة العلوم، لو تقدم الآن وقدَّم أحد الشباب على أي مثلاً بنك ولَّا شركة ولَّا وظيفة حكومية أو وظيفة معينة أو موقع، يشترطون فيك اللغة الإنجليزية، نحن نقر أن اللغة الإنجليزية أصبحت الآن هي لغة العلم؛ لكن هذا الإهمال الذي أدى إلى جعل اللغة العربية ليست لغة علم، أدى إلى ركونها، وركنت معها كل ما يتعلق بالعلوم المتعلقة بصناعة الإنسان؛ وهي العلوم الإنسانية، فأصبح الآن عندنا مشكلة أن علم الإدارة وعلم التربية وعلم الاجتماع؛ أصبح ينظر إليها نظرة ثانوية”.

السيادة المفقودة وعوامل تهميش اللغة العربية

وتابع الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “يقول هربرت سيمون مَن يفرض القيم والمبادئ في المجتمعات؟ الذي يفرض القيم والمبادئ هو صاحب القوة، وليست مصلحة الناس أو ليست عادات وتقاليد، ولا حتى الأديان. مَن يمتلك القوة يفرض ما بعدها؛ فعندما نزعت منا القوة السياسية للدول العربية بعد آثار الاستعمار، وبعد القرن الماضي، لما ضعفت، أنا أسميها السيادة المفقودة، أصبحت الدول العربية بشكل عام لا تمتلك السيادة المطلقة أو السيادة الكبيرة؛ طبعاً ما فيه سيادة مطلقة، حتى الدول القوية لا تمتلك سيادة مطلقة على كل الملفات؛ يعني حتى مثلاً أمريكا في بعض الملفات تحاول أن تعمل (دِيل) مع بعض القوى العالمية؛ مثل الصين، ومع روسيا؛ لكن المشكلة ما هو موقف أو واقع السيادة عند الدول العربية، فلما ضاعت السيادة العربية وضعف القرار الاستراتيجي، أصبح هناك ضعف في جميع المجالات الأخرى، ضعف في ما يُسمى إدارة شؤون الناس، ضعف في إدارة أموال الناس، ضعف في إدارة مثلاً، أنا أسميها الحياة الرشيدة أو الحياة الجيدة. هذا مفهوم علم الإدارة، هل هو الحياة الجيدة أن يعطي للأفراد في أي مجتمع من المجتمعات كثيراً من الأمور، يعني مفهومها البشري؟ ممكن اختُطف هذا في السنوات الأخيرة؛ بعض الناس تقول مثلاً ما التنمية البشرية؟ تقول التنمية البشرية هي علوم الطاقة وكيف تؤثر على الآخرين، وكذا مفهوم التنمية البشرية هو مفهوم موجود الآن في الأمم المتحدة، ويعنى به جودة الحياة. هل المواطن المجود في بلد معين هل لديه الحقوق المالية الجيدة؟ هل تتوفر له بيئة عمل جيدة؟ هل تتوفر له بيئة اقتصادية جيدة؟ هل تتوفر له بيئة مناخية سياسية جيدة في قضية التعبير والمشاركة في الحياة السياسية أم لا؟ هذه الأمور كلها نزل مستواها إلى أدنى حد؛ لوجود ضعف في موضوع السيادة، فالآن الإدارات الحكومية العربية لا تمتلك القرارات الداخلية إلا بإملاءات خارجية، وهذه مشكلة كبيرة”.

فشل الإدارات الحكومية

وقال د.جاسم الجزاع: “أنا أذكر مرة في إحدى المحاضرات، كنت أنا أدعو جميع الأنظمة العربية إلى أن تفكر في تقوية مفهوم السيادة لديها، أنا ما عندي مشكلة في وجود علو صوتها، لكن عندي مشكلة في إدارتها فقط، لا يملي علينا أفراد، لا ندعو حتى إلى تغيير الأفراد، أنا مشيها لا ندعو إلى تغيير الأفراد ولا تغيير الأُسر الحاكمة ولا تغيير حتى الملكيات؛ لكن أنا عندي شغلة واحدة هي إعادة طريقة الحكم، إعادة طريقة أداة الإدارة العامة، إعادة جودة إدارتها لهذه الأمور. أتوقع أنه فشل الإدارات الحكومية في هذا الأمر أدى إلى فشلها في كثير من الأمور؛ منها العلوم والتنمية، كلها تتعلق في السياسة؛ ولذلك يعني مفهوم القيادة عندنا ليس مفهوماً ساذجاً، مَن يقود أية منظمة سوف يحكم عليه في نهاية المطاف بنجاحها أو فشلها، ولو توافرت له الموارد”.

التصالح مع الشعوب أولى الخطوات

وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “طب لو بِدّك تقدم خطوة عملية بهذا الاتجاه يعني، أين البداية؟ كيف تبدأ؟”، قائلاً: ” أول خطوة هو التصالح مع الشعوب فتح علاقة طيبة مع الشعوب، وأن تكون الإدارات الحكومية ذات أُذن، أنا أسميها الإدارة الرشيدة، تصغي للناس، يجب أن تقوم الإدارات الحكومية العربية بالإصغاء إلى الناس، والنظر إلى عملية النقد؛ إنها عملية إيجابية وليست عملية سلبية، مَن ينتقد السلطة في ممارساتها لا يعني إسقاط السلطة، ولا يعني السعي إلى التخريب ولا يعني السعي إلى الخراب، والسعي إلى تعطيل الحياة؛ إنما هي قضية، أداة إدارية، علم الإدارة ينقسم إلى أربع وظائف حيوية.. الوظيفة رقم أربعة وحتى نتكلم عنها في التراث الإسلامي القديم، هي وظيفة الحسبة؛ اللي هي الآن وظيفة الكنترول، اللي هي الرقابة، تعطلت وظيفة الرقابة، الرقابة؛ إيه الرقابة؟ أنني أحكم على العمل مثلاً، أعطيك مثالًا؛ الشباب الموجودون أمرتهم بأمر معين، وأعطيتهم لوائح وتنظيم معين، بعد العمل أنا أراقب؛ هل قاموا بالأداء المطلوب بشكل جيد أم لم يقوموا؟ هي فقط فيد باك للسلطة؛ بأن هناك مجموعة من الملاحظات حول إدارتكم للحكم أو إدارتكم للسلطة، يجب أن تعدل فقط؛ فأول خطوة هي فتح المصالحة مع الشعوب، والنظر إلى الشعوب كمساند استراتيجي للأنظمة، أن الشعوب لا ترى الأنظمة إلا نظرة عربية في الإدارة اللي هيَّ نظرية ما نسميها النظرة الأبوية، هو ينظر إليك كأب، ينظر إليك يعني كأب.. هو ينظر إليك كابن. يجب أن نحقق هذه المنظومة، أتوقع أن أول خطوة هي خطوة المصالحة، بعد ذلك تبدأ الاهتمام بالعلوم الإنسانية والعلوم التي لها علاقة برفع المستوى المعيشي ورفع مستوى المشاركة السياسية والاطلاع. أتوقع أنه هذه الخطوات الأولية، هذه وجهة نظر”.

مَن يملك التغيير المباشر؟

وأجاب د.جاسم الجزاع عن سؤال “مَن المفروض عليه أن يبدأ؛ الدولة؟ أم طبقة المثقفين أم مؤسسة مجتمعية مدنية أم حزب سياسي؟ وكيف يقدر أن يقنع مراكز الحكم؟”، قائلاً: “هي طبعاً، ما أخفيك، عملية تشاركية؛ ليست عملية فردية وقطبية، هي عملية تشاركية، يجب أن تتحرك جميع الجهات، أنا أتكلم عن الدور الحكومي، وأتكلم عن الدور النخبوي، والدور الثقافي، ودور مؤسسات المجتمع المدني، ويبقى في النهاية دور الأفراد كأفراد؛ لكن مَن يملك التغيير المباشر هو المؤسسات”.

خلق حالة من الوعي لدى الشارع العربي

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “أنا أمشي مع خطَّين؛ خط الإدارات، خط مع المؤسسات؛ خط مع مؤسسات المجتمع المدني وخط آخر أبنيه مع الشعوب.. والندوات هي جزء بسيط يعني من قضية الوعي؛ ولذلك في أية مشكلة حتى في علوم الإدارة، أنا باتكلم عن حل المشكلات، نقول إن أول حل أو خطوات حل المشكلة، هو الوعي بالمشكلة؛ فأنا لمَّا أتكلم في قضية معينة وأثيرها عالمياً، ليس المقصد من إثارتها عالمياً هو إيجاد حل الآن، هو فقط خلق حالة من الوعي لدى الشارع العربي، هذه الحالة من الوعي تؤدي بعد أيام أو بعد سنوات أو بعد مدة زمنية إلى نوع من الضغط الناعم على السلطات والمجتمع المدني، ويصبح هناك نوع من الرقابة، ونحن ندور في حلقة مفرغة، إلى أن تتمكن العقلية التي تملك المؤسسات الصلبة أو المؤسسات الفاعلة، من الانفتاح قليلاً إلى هذا الأمر، بمجرد ما تنفتح في يوم من الأيام تجد أن التغيير يكون بأسرع ما يمكن”.

ضعف اللغة ومفهوم الإدارة

وقال د.جاسم الجزاع بشأن ضعف اللغة وعلاقته بالإدارة: “أنا بالنسبة إليَّ لا أنظر إلى اللغة الإنجليزية إلا على أنها لغة تواصل وظيفي فقط؛ لكن اللغة العربية لها ميزة، أنها تدخل في الوجدان، وتدخل في الثقافة، وتخلق فيك الثقافة المرتبطة بالغة العربية، فلما يتحدث باللغة العربية سوف يجذب بطريقة مباشرة وطريقة غير مباشرة ثقافة العرب له، والثقافة الرسمية ثقافة إيجابية، ثقافة الأخلاق العربية المجيدة، أنا أكلمك عن الهوية العربية، الاعتزاز بالعروبة، الاعتزاز بالنشأة القديمة؛ فلذلك دائماً الإنسان عندما ينزع من الاعتزاز بالجذور، سوف يصادم في ظل ما يُسمى بالدولة المدنية الحديثة، أو في الظروف الحديثة يصادم بنوع اسمه ضياع البوصلة، يعني هو دائماً أقول إن الأخلاق لها عدة مرجعيات، من المرجعيات؛ هي قضية الموروث، يعني هي تخلق فيك هذه الأخلاقيات؛ فاللغة العربية بمجرد نزعها من الشعوب العربية أو نزعها من الشارع العربي أو من الشباب العربي،  يجد أن هناك فرقاً بينه وبين الجذور العربية، أقصد بالجذور الهويات، فيصبح في حالة من الفراغ والضياع، حتى يؤثر في بوصلة المستقبل”.

هل توجد ثقافة عربية موحدة؟

وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “هل حقيقة توجد ثقافة عربية موحدة؟ هل ممكن مثلاً الآن ندَّعي أنه توجد ثقافة عربية مثلاً؟ وإذا كانت هذه الثقافة فأين جذورها؟ ولماذا ماتت؟ أم ما زالت حية؟”، قائلاً: “لأ؛ هي موجودة ما ماتت، يعنى حتى في علم الإدارة ممكن أن أسجل شيئاً في الإدارة، هناك ما يُسمى لدينا في الإدارة ثقافة التنظيم الواحدة، وأعني بالثقافة التنظيمية وجود أفراد في مجتمع واحد، مجتمع وظيفي، مجتمع مؤسسي، يحملون أفكاراً متعددة، ويعملون في بيئة واحدة؛ هل ممكن الاختلاف في الأفكار والمرجعيات، إذا قام هؤلاء الأفراد بالعمل في بيئة واحدة؟ هل يثمر عن تصارع أم يثمر عن تنسيق في ما بينهم؟ يقول علم الإدارة لابأس من اختلاف الناس في كل شيء، لا بأس أن يختلفوا في الأديان، وأن يختلفوا في اللغة، وأن يختلفوا في العادات والتقاليد، أن يختلفوا في المرجعيات؛ لكن حتى ينجح التنظيم الواحد والمؤسسة الواحدة، فهناك نقطتان يجب أن يتفق عليهما الجميع لا محالة؛ النقطة الأولى الإيمان بالمصير المشترك، وأنهم على مركب مشترك، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية أنهم اتفقوا على جميع الإجراءات اللي هيّ عملية سير العمل أو أداء العمل، إذا اتفقوا على سير الإجراءات واتفقوا على أنهم في مركب واحد، نجح ذلك الفريق، وإن شاء الله، حتى ألوان عيونهم تختلف، ما عندي أية مشكلة؛ فلذلك الاختلاف موجود، وأنا أعني هنا إن لم نأخذ هذا الكلام ونسقطه على الثقافة العربية، هل أقصد بالثقافة العربية أن تكون عادة العربي من موريتانيا أو من الجزائر أو من المغرب إلى عمان؛ أن يكونوا كلهم بعادات وتقاليد واحدة؟ لأ، حتى اللغة ممكن أعطيها بحبوحة من اختلاف اللهجات، ما فيه أية مشكلة، حتى الألوان مختلفة، الأديان مختلفة؛ هناك النصراني وهناك اليهودي، طرق التدين هذه كلها تختلف، لك عندي شغلة واحدة؛ أن يؤمنوا بأن مصير العروبة هو مصير واحد، وأن أمم الأرض كلها تنظر إلى العربي ولا تفرق في أي مكان يكون مقره، فتنظر إلى العربي العماني كأنه العربي الجزائري، تنظر لكم كعروبة واحدة، وممكن يشترك في بعض الشارات البسيطة؛ هي قضية، مثلاً أنا أسمي الدين الإسلامي من معززات تعزيز الهوية العربية، هو أعطى معززاً مشتركاً، هو زاد من الجرعات المشتركة؛ لكن يبقى عندنا أمران.. المصير المشترك؛ هو أن تتوحد أعمالنا في ما ينفع بعضنا، هذا ما نسميه صراحة الثقافة العربية، إن وجدت بهذه الصورة، فالثقافة العربية موجودة، إن لم توجد فما الفائدة من تنوع هذه العادات والتقاليد؟”.

مشكلة العنصرية في العالم العربي

وأضاف د.جاسم الجزاع رداً على “حالياً فيه كتير تشكيك في وجودها، يعني في ناس بتشكك بوجود العرب كمجموعة بشرية متجانسة، فيه ناس بتشكك بوجود هوية في الجامعة، فيه ناس بتشكك في المصير المشترك، في ناس بدك تشكك في التاريخ المشترك؛ إنه أنا شو علاقتي  في تاريخ فلان وعلان.. إلى آخره، لماذا أقرأ تاريخ كذا؟”: “مثل المصري اللي يقول إنه أنا فرعوني مش عربي، مش بس الأمازيغي المغربي الأمازيغي… مش بس؛ فيه عندك بعض الفلسطينيين يقول لك إحنا كنعانيين، والعراقيون يقولون لك إحنا كذا، فلان يقول لك إحنا آراميين، إحنا فينيقيين، إحنا أمازيغ… وأعتقد أن هذه النزعة هي نزعة عنصرية حديثة لم تكن قديماً موجودة؛ هي ظهرت النزعة العنصرية فيها مؤثرات، فيها مؤثرات نفسية دفينة في الأنفس البشرية، هو شر موجود في البشر؛ يعني البشر ليسوا ملائكة، هي بذرة الشر، بذرة الخير موجودة في كل إنسان، حتى أحد الفلاسفة الإسلاميين يقول إن الحسد موجود في الأنفس البشرية؛ فالكريم يخفيه واللئيم يبديه، هذا موجود يعنى؛ لكن أعتقد مشكلة العنصرية في العالم العربي إذا تحولت العنصرية إلى سلوك، ممارسة، وتحول العنصرية وظيفية؛ يعنى أعطيك مثالاً بسيطاً لا بأس أن تكون عنصرياً في بيتك؛ فلتكن عنصرياً كما تشاء إن شاالله تشوف نفسك أحسن الناس، دينك أحسن دين، طبعك أحسن طبع، أنا ما عندي مشكلة؛ فلتؤمن كما تشاء، لكن لا تجعل هذه العنصرية على الرقاب، سيفاً على رقاب الناس؛ بأن يكون القيادي أو السلطوي هو مَن يتولى على رقاب الناس، أن يكون عنصرياً وظيفياً يمارس العنصرية على رقاب الناس، فيبعد الكفاءة ويقدم غير الكفاءة فقط، لأنه من نفس العنصر، هذه أكبر معضلة نعانيها. وأنا بالنسبة إليَّ لن أرى إلى رؤية المصري لي أنا ولا رؤية الكويتي للمصري ولا رؤية اللبناني إلى الخليجي ولا رؤية المغربي، أنا لا يهمني هذا الأمر..

القضايا الدفينة في النفوس اتركوها كما تشاؤوا، ولن أدخل في نفوس الناس ولا ضمائرهم؛ يهمني شيء واحد، ألا يترك السلوك ولا الممارسة، ولا يكون هناك ظلم للنفس، أما الاعتقاد بكيفك أنا قاعد أبسطها للناس، وإلا أنا أدعو إلى تزكية النفوس والنظر بإيجابية في هذا التنوع؛ أنه تنوع إيجابي، وأن الاختلافات ليست شراً”.

الخطورة في العنصرية الوظيفية

وتابع الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “لذلك خطورتنا مع العنصرية الوظيفية، وعندي محاضرة تكلمت فيها وقُلت فلتكن عنصرياً كما تشاء؛ لكن إياك أن تتسلط على رقاب الناس في عنصريتك، اجعل عنصريتك في البيت، في كل شيء؛ لكن لا تجعلها للناس.. المسألة عندنا؛ هل الدولة تتدخل في رسم الأخلاقيات المجتمعية؟ هل الدولة تفرض أخلاقاً معينة؟ هل من طبيعة الدولة أنها تقوم بغرس قائمة من الأخلاقيات وإجبار الناس عليها؟ ممكن نسميها الفاشية الوطنية أو الفاشية الأخلاقية، أنا بالنسبة إليَّ أنا أقول إن الدولة لها دور في تعزيز تشجيع بعض الأخلاقيات؛ لكنها لا تستطيع أن تحد من هذا الأمر إلا في قرارات رسمية، وأن تمارس القوة في منعها في بعض الجوانب؛ لكن لا تستطيع منعها من اقتلاعها من نفوس الناس، فلذلك نقول نمشي على خطَّين؛ الخط الأول هو الخط المادي البحت المتعلق بالتشريعات التي تنص على تجريم العنصرية وتجريم الألفاظ العنصرية، وعدة قوانين عندنا في الكويت؛ قانون الوحدة الوطنية، إن أي إنسان يتكلم بازدراء لأي مذهب آخر، يعني عندنا في الكويت الشيعة والسُّنة؛ السُّنة يمثلون الأغلبية والشيعة يمثلون الأقلية..”.

الكويت وأزمة إحياء العنصرية الجديدة

واستكمل د.جاسم الجزاع: “.. إذا صار هناك ازدراء في قضية المذاهب يعتبر هذا تجريماً للوحدة الوطنية؛ الازدراء القبلي والحضري يعتبر عندنا هذه قوانين، لكن هذا القانون الموجود هنا في الكويت، هل نزع هذه العنصرية من قلوبهم؟ نشهد الآن في الكويت أزمة اسمها أزمة إحياء العنصرية الجديدة؛ أصبحت هناك عنصرية بين الكويتيين، مَن يرى أن الكويتي الذي أتى قبل 1920 هو الكويتي الأصيل، وهو الكويتي الصحيح، ومن أتى بعد 1920 هو الكويتي الدخيل أو الكويتي المواطن الثاني”.

أكاديميون يتكلمون بعنصرية

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “ما أدري ما الكويت؟ هو بلد الهجرات، هو موقع بسيط بين ثلاث قوى جغرافية كبيرة؛ بين إيران والعراق والسعودية، لما تدخل أي بيت كويتي هو إما يكون بجذوره من نجد، من جزيرة العرب، أو جذوره من بلاد الشام، أو من العراق، أو جذوره فارسية، وكلنا إخوة وأصدقاء.. وهكذا، الشاهد هل هذه القوانين عندنا في الكويت مسحت العنصرية؟ لا ما زال هناك دور، أنا أسميه دور التنشئة، ودور العبادة ودور الإعلام، ما زال الإعلام مقصراً في هذه الأمور، يجب أن يتكلم بأكثر جرأة ويتكلم بنوع من التحفيز الأكبر، وأن ينظر إلى العنصري نظرةً مقيتةً، أصبح العنصري في بعض المجتمعات، أنا أتكلم عن المجتمع الكويتي، بعض الذين يتصدرون المنابر في (تويتر/ x) أنا أكلمك عن أكاديميين يتكلمون بعنصرية، إن مَن أتى بعد السنة الفلانية هو كويتي درجة ثانية”.

هل الأحقية بأول مَن سكن؟

وأجاب د.جاسم الجزاع هن سؤال “هو هاي تقصد ممكن تكون ظاهرة البدون مثلاً؟”، قائلاً: “لأ؛ أنا أكلمك هي إحلال البدون، البدون في خير ونعمة، أتكلم عن الكويتيين؛ الكويتي المجنس والكويتي بالتأسيس، مَن تجنس بعد الفترة الفلانية ومَن تجتنس بكذا قضية، من أتى أولاً، حتى أنا ربطتها في ادعاء مثلاً اليهود أنهم أحق في فلسطين، قلت لأنهم هم أول مَن سكن الأرض المقدسة، فقلت هل الأحقية بأول مَن سكن؟ يعني بين قوسين، فيه عندنا مثل بالكويت (من سبق لبق)؛ يعني هل هي الأحقية بأول مَن سكن ولَّا الأحقية بمَن عمَّر الأرض بالعدالة؟ أينعم، فأصبحت عندنا هذه عنصرية، مع ذلك القوانين الموجودة في الدستور وموجودة في القانون لم تحد من هذه العنصرية؛ ما زالت موجودة في بعض الإفرازات، والمصيبة أن الإفرازات اللي يقولها بعض العنصريين لها أقطاب في القوى الفاعلة في المجتمع تدعمها”.

وأضاف د.جاسم الجزاع رداً على “في رأيك؛ شو المتعة اللي ممكن يجدها مَن ينادي أنه أنا أصلي وأنت مش أصلي؟ هل فيه مكسب مادي وراءها مثلاً؟”: “لها منبعان؛ المنبع الأول هو منبع روحاني معنوي (رضا ذاتي يعني).. أينعم؛ هو يرى أني أنا أسمى منك، كذلك العنصرية نسبةً هي تقديس العنصر على عنصر آخر، الوطنية تقديس وطن على وطن آخر؛ فالجزء الأول هو قضية الخواء، هو يسترضي نفسه بازدراء الآخرين، يشعر برضا ذات؛ أنني أنا المميز وهو غير مميز. النوع الثاني أو المنبع الثاني هو منبع الخوف على المصالح؛ يعتقدون أن هذا التجنيس الذي حصل في عقود متتالية أنه تجنيس أدى إلى استنفاد واستنزاف ثروات البلدة وثروات البلد، بأن أصبح هناك يعني حقوق لهؤلاء على الدولة، فأصبح هناك التوظيف، وهناك السكن، وأصبحت هناك الرعاية الصحية والرعاية التعليمية، فأصبح هناك تكدس على ميزانية الدولة؛ فهو يرى من جانب؛ جانب اقتصادي بحت وجانب معنوي متعلق بالجذور التنشيئية”.

الاعتزاز بالنسب والطعن في الآخرين.. جذور عربية قديمة

وتابع  الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “أنا أتوقع أن هذه النعرات متعلقة بالجذور العربية القديمة، وأنا أسميها جاهلية العرب قبل الإسلام، كان عندهم هذا الاعتزاز بالنسب والطعن في الآخرين؛ أننا نحن مَن فعلنا وأنتم لم تفعلوا، هذه العنصرية أصبحت عنصرية وظيفية، يعني قديماً كان الازدراء بالأشعار، العرب الجاهلية كانوا يزدرون بالأشعار، بالأقوال، بالغزو المسلح بين القبائل؛ لكن الآن أصبح الازدراء وظيفياً ومنهجياً”.

الوافدون هم مَن بنوا الكويت

واستطرد د.جاسم الجزاع: “اللي بنى الكويت في الستينيات والسبعينيات هم الوافدون؛ يعنى أنا أكلمك عن آبائي وأجدادنا الذين تعلموا في المدارس، كانوا من الإخوة الشاميين، وبعد ذلك أتى المصريون.. اللي بنى الكويت هم الوافدون، ولذلك في فترة من الفترات كنا نشعر بقضية العروبة بشكل كبير جداً في السبعينيات؛ لم يكن هناك كلام عن الوافد أو العربي، ينظر إليه على أنه يعني مشارك لنا في إدارة البلد، أصبحت الآن وأنا قاعد أقول لك من منظور اقتصادي لما كثر الناس وأصبحت هناك كثرة، أصبح هناك خلل، وهذا الخلل لا يتحمله هؤلاء الوافدون؛ تتحمله الإدارة الحكومية، عندما تقصر الإدارة الحكومية في توفير الإدارة التعليمية والصحية وتلقي هذه التهمة على الوافد وكثرة الوافدين والاستعانة بهم، أصبحت هناك عندنا نظرة عنصرية، ويمكن أنتم خاصةً؛ أتكلم عن الإخوة المصريين، خاصة بمصر لما شافوا إنه بعض الأصوات من أعضاء مجلس الأمة قبل ٧ سنوات تقريباً أصبحوا يتكلمون بكل جرأة عن الوافدين وأن هؤلاء الوافدين يعني استكثروا في البلاد، ويجب أن يُقننوا، ويجب أن كذا.. الآن عندنا وزير داخلية جديد سمح للوافد بأنه يسجل بالأسرة؛ لأن الوافد إذا كان يعمل في الكويت سنوات طويلة من غير أسرة يؤدي ذلك إلى حرمانه من حقوقه المعنوية وحاجته إلى الزواج، حاجته إلى الزوجة، فيؤدي إلى ممارسات غير جيدة. طيب أنت تجيب الأسرة معه، افتح المجال، فالآن فيه تعديلات بسيطة حصلت في آخر سنتَين تقريباً، ولما مررنا بفترة في الكويت على قضية نظرتنا للوافد، نظرتنا للعنصريين، نظرتنا للعنصرية الوافدة، طبعاً لا تمثل غالب الشعب الكويتي، الشعب الكويتي ما زال مؤمناً بالعروبة والإنسانية والإسلامية، لكن باكلمك عن بعض الأصوات التي تصدرت المنابر الإعلامية، مع الأسف، هذا كلام اللي قُلت قبل شوية لا يهمني ما تقول في البيت؛ لكن لا تصير عضو مجلس أمة وتتكلم عن الوافدين ولا تصير عضو مجلس شعب أو تكون مثلاً ذا منصب حكومي أو منصب إعلامي أو صاحب جريدة أو صاحب منصة وتتكلم عن الوافدين بهذه الطريقة؛ بدك تقنن قنِّن؛ لكن ازدراء الشعوب الأخرى هذا فيه إشكالية، وأنا قُلت كلمة، قُلت إن الوطنية هي صنم جديد يعبد في بلاد العرب”.

سوء فهم “الوطنية” وسايكس بيكو

وقال الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “هذه الوطنية هي جزء من نتاج سايكس بيكو، هي لما زرعت هذه الأقدار وجعلت السيادة وزرعت هي كيف تولد الصدام عندنا في الحضارة يعني، نختصرها بشكل بسيط؛ أول صدام بين القوى الغربية والقوى العربية والإسلامية، حصل عن طريق الحملات العسكرية؛ الحملات القديمة، ففشلت الحملات العسكرية، وجدوا أن فرض الأخلاق الغربية على الدول العربية عن طريق الحملات العسكرية الممنهجة بالسلاح سوف يثمر عن فشل الخطط، أدى ذلك إلى تفكير الغرب في طريقة أخرى؛ منها قضية غرس أدوات وأذرع في الأقطار العربية، وزرع ما يُسمى بقضية العنصرية، ما يسمى العنصرية التركية- العربية، العنصرية العربية- العربية، وزرع هذه الأيديولوجيات المعينة التي أتت بها سايكس بيكو.. مشكلة الأيديولوجية الوطنية أنها تحتم عليك تقديم الوطني على غير الوطني. ما معنى ابن الوطن مقدم على غير ابن الوطن؟ هذه الإشكالية؛ المجتمعات لا تبنى، وأنا قلت قبل قليل استشهدت بالكويت؛ لا تبنى المجتمعات على الأيدي العاملة من الوطن فقط، إنما على الكفاءات؛ يعنى ليس مَن يبني الوطن هو ابن الوطن بمعنى بس ابن البلد، ابن البلد إذا كان كفاءة والحكومة الرشيدة تفكر في الكفاءات قبل أن تفكر بجنس أو عرق وبجنسية مَن يبني هذا الأمر، فأصبحت هناك عندنا نزعة؛ صار السعودي سعودياً والإماراتي إماراتياً، حتى قبل فترة بسيطة لما كانت أو قبل سنوات لما كانت اللحمة الخليجية واحدة؛ أصبح هناك بسبب فعل التواصل الاجتماعي، وهذه مشكلة التواصل الاجتماعي، أنها جعلت الأرعن الذي يسكن في بيت تافه ويجلس بجلسة تافهة يصدر آراءه لعامة الناس”.

نظام إدارة عربية

وأجاب د.جاسم الجزاع عن سؤال “هل هناك ملمح أو شكل من أشكال الإدارة ممكن تقترحها للمجتمعات العربية؟ هل فيه عندك ملامح لنظرية مثلاً سمّها إدارة عربية، مثلاً نظام إدارة عربية؟”، قائلاً: “نظرية الإدارة عربية نعم؛ هو فيه جهود معاصرة تكلمت عن إيجاد نموذج لمفهوم الإدارة العربية، يقول هذا النموذج المعاصر إن الإدارة العربية تنطلق من الثقافة العربية، والثقافة العربية القديمة هي ثقافة أشبه بثقافة القبيلة؛ يعنى الدولة قبل أن قامت دولة القبائل أقدم من الدولة القبائل قرباً، يعنى أقدم من الدولة؛ ولذلك عندما نرجع إلى العرب قبل مجيء الإسلام، وننظر إليهم، إلى هذه الجغرافيا العربية نظرة إدارية؛ نكتشف أن هناك ثلاثة أشكال من الإدارات التي كانت تحكم جزيرة العرب، الشكل الأول هو الشكل الملكي، مثل مملكة كندة، مملكة الخساسنة، مملكة الأنباط، مملكة حمير، مملكة المناذرة، كانت عبارة عن وجود ملكيات وإن كانت في صورتها القديمة هي صورة بسيطة؛ لكن تعطينا ملمح الملكية من ملامح الملكيات القديمة التي كانت موجودة، كما ذكرت قبل قليل، ملمح التدرج الوظيفي؛ كان موجود الاختصاصات الوظيفية، كان هناك جند، عسكر، موظفون، كتبة الملك، مستشارو الملك، كان إذا أراد المواطن البسيط في العراق والمواطن البسيط في سوريا؛ وخاصة في بلاد المناذرة أو في حمير أو في كندة، إذا أراد أن يتواصل مع رأس السلطة، يدخل في سلسلة من البيروقراطية القديمة؛ عبر سلسلة إجراءات وطلب موعد.. يمكن نبسطها يعني؛ فكان فيه تسلسل هرمي جداً، كان مرهقاً في تلك الفترة، هذه صورة الملكيات، كانت موجودة، ولم يكن التواصل سريعاً بين رأس السلطة والشعوب، يعني كان الملك يعيش في مكان بعيد عن الشعب، وكان لا يسمع إلا ما يريده المستشارون أو المقربون أو الحاشية، وحتى البطانة، فظهرت البطانة الفاسدة، ظهر استيلاء المستشارين على الملك، ظهرت الطبقية، ظهر إيجاد طبقة العمال الذين ليس لهم رأي، إنما فقط عبارة عن ماكينة حرق، ولم يكن للشعوب في تلك الملكيات القديمة عند العرب أي رأي على السلطة، فلم يكن الشعب البسيط يؤخذ رأيه في أية مسـألة، ولا ينتخب، وليس له رأي في ذلك؛ حتى قضية الموارد المالية يعني لما نتكلم عن الدولة الساسانية القديمة، كانت الطبقة الأخيرة هي طبقة العمال، كانت طبقة مضطهدة إلى درجة كانوا يعملون ساعات طويلة في الحقل أو في المزارع، ويأخذون شيئاً بسيطاً، في حين أن الأراضي والإقطاعيات للإقطاعيين، الموجود في الهيكل التنظيمي الساساني، حتى مجيء عمر بن الخطاب بدل هذا القرار، وهذا أدى إلى دخول كثير من الفرس والإيرانيين إلى الدين الإسلامي بشكل سريع؛ لأنهم وجدوا فيه نصرة اقتصادية، لأن عمر أصدر قراراً بأن مَن يعمل في رقعة فدان أو رقعة مساحة زراعية تُترك له الأرض ويدفع فقط الخراج أو الزكاة والضريبة، ويترك سائر الأرض له ولذريته، فأصبح هناك توجه لدخول الإسلام بدوافع اقتصادية، وهذه الدوافع الاقتصادية حتى مارسها النبي، صلى الله عليه وسلم، في بعض أحيان الدعوة يجد بعض الصحابة ينظرون إلى النبي في بعض المواقف يستخدم الدعوة الاقتصادية، تؤمن لك كذا، تؤمن لك كذا؛ لأنه يعلم أن في بواطن بعض الأنفس البشرية هناك دوافع، والدوافع تختلف، هناك مَن لديه الدافع الديني (نمبر وان)، هناك الدافع الاقتصادي، هناك الدافع الاجتماعي، هناك الدافع الفكري الفلسفي، فكان التعامل معهم في هذا السياق..”.

مفهوم الإدارة العربية والنظام القبلي

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “نرجع إلى موضوعنا؛ كانت الصورة الأولى صورة الملكيات، الصورة الثانية من صور الحكم في جزيرة العرب هي الأقاليم القبلية والتجمعات القبلية.. القبيلة بنو سليم، هوازن، هذه القبائل الموجودة في ديار العرب، القبيلة كانت أبسط هيكلية من الملكية، إذا قُلنا إن الملكيات تنتج البيروقراطية؛ فالقبيلة كانت تنتهج الأدوديوقراطية، الأدوكراسي في نظام المانجمنت؛ يعنى النظام الدوقراطي يعتمد على سرعة الوصول ما بين رأس السلطة ورأس الشعب، فكان شيخ القبيلة يجلس وجانبه الشعب، بجانبه؛ فإذا أراد أحد أفراد القبيلة أن يعطي رأياً سياسياً لشيخ القبيلة، فشيخ القبيلة يسمع مباشرةً، وكانوا يتعاملون مع شيخ القبيلة معاملة الأب والإدارة الأبوية والإدارة العشائرية، فكانت لديهم سرعة في اتخاذ القرار، سرعة في التحرك، مرونة عالية جداً، وكانت وظيفة شيخ القبيلة هي ثلاث وظائف أساسية؛ ومنها أخذنا، اللي ممكن نستطرد جانباً في مفهوم الإدارة العربية؛ لأنها أخذت من النظام القبلي، كون أن العرب مرتبطون بالقبيلة يعني في الرأي الأول العربية هل هي عربية اللسان أم عربية النسب؟ مَن يرى أن العربية نسب، يقدس القبائل ويقدس المفهوم القبلي والعرق القبلي؛ فهذا كان موجوداً عند بعض العرب، مَن يقدس هذه المنهجية، غير عند مكة فكانت عندهم حكومة تضامنية، راح نتكلم عنها بعد قليل، فالنظام القبلي استحدث في الوقت المعاصر اللي هو الإدارة العربية أو النظرية العربية في الإدارة؛ تنص على أن المدير الحالي في المؤسسات هو شيخ القبيلة القديم، ويتعامل مع الموظفين بثلاث وظائف أساسية؛ وظيفة شيخ القبيلة القديمة، كان هو الذي يقوم بين قوسَين بـ(الفزعة)، الفزعة هو المساند والنصير لكل فرد من أفراد القبيلة، مَن يتعرض لمظلمة شيخ القبيلة هو النصير، وهو صاحب الفزعة في المفهوم الإداري المعاصر، أن يتحمل المدير الحماية القانونية للموظفين، ولا يجعل الموظفين ملقين على أبواب المحاكم بأخطاء قد يكون هو صنع هذه الأخطاء لهم؛ فهو الحامي لهم، الوظيفة الثانية لشيخ القبيلة وظيفة المؤونة، كان شيخ القبيلة هو الذي يوفر المؤونة والطعام والشراب والأكل للمحتاجين، لأفراد القبيلة؛ يوفر لهم النظام الاقتصادي. في الوظيفة الحالية المدير يوفر الرواتب، الحوافز المالية، الحوافز المعنوية، تيكت سفرات، تأمين صحي.. هذه كلها عبارة عن دور المدير في نظرية شيخ القبيلة؛ يجب أن يقوم بها كاملةً. الوظيفة الثالثة هي حل النزاعات وفك الصراعات؛ كل شيخ قبيلة باعتباره القاضي يقولون يا قاضي يا قاضي قاضينا ياللي بالحق ترضينا، كانوا عبارة عن قاضي القبيلة، فيذهبون إلى قاضي القبيلة وشيخ القبيلة (اقض بيننا وبين فلان)، فالمدير الحالي في النظرية المؤسسية يجب أن يقوم بهذه الوظيفة؛ بمعنى أن يحل الصراعات اللي هو الكونفليكت بين الموظفين إذا تصارعوا على إجراءات معينة أو تصارعوا على مجموعة من المشكلات، فاستقطبت النظرية العربية المعاصرة، ما أخفيك الآن فيه بحوث علمية أكاديمية تطبق النظرية العربية اللي هي مثلث (الفزعة- المؤونة- والاستشارة) تطبقها في المنظمات المؤسسية، مدى وجود درجة مستوى النظرية العربية في بنك إكس واي زد، هل تطبق النظرية العربية في الوزارة الفلانية، في البلد الفلاني؟ فيشوفون هل تطبق أم لا تطبق، فهذه اختزال النظرية العربية لشيخ القبيلة، هذا المكون الثالث من مكونات حكم العرب، المكون الثالث ممكن أختلف أنا وياك بعد قليل؛ لكن ما فيه مشكلة من الاختلاف إن شاء الله، أن هناك بعض المدن العربية في جزيرة العرب لم تكن ذات نظام ملكي، ولم تكن قبيلة إنما كانت حكومة تضامنية؛ وأبرزها مكة، مكة لم يعهد فيها شيخ مكة، كان يقال أسياد أو السادة أو مجلس النواب أو مجلس الحكمة أو دار الحكمة أو دار الندوة أو علية القوم؛ لم يكن هناك شيخ منفرد في مكة، حتى المشيخة الانفرادية التي تحصلت لعبد المطلب، جد النبي، صلى الله عليه وسلم، لم تكن مشيخة مطلقة إلى درجة أنهم عارضوه بمجموعة من القرارات، كان يريد اتخاذ التصويت على بعض القرارات، وأيضاً في مكة لم يؤثر أن هناك منصباً محتكراً من السلطة أو محتكراً من كبيرهم، إنما كانت الوظائف مقسمةً على جميع الأركان الموجودة في قريش، ولم تكن قريش تتعامل كقبيلة، أكبر خطأ أن نعامل قريش كقبيلة، لم تكن قريش تعامل نفسها ولم يعاملها الآخرون بأنها قبيلة؛ إنما كانت بمثابة حكومة تضامنية تدير الشؤون المكية وكانت تتعامل تجارياً، تتعامل بالعسكرة وتتعامل بجميع الأطياف والوظائف الحكومية مع الناس، فأنا أقول مكة ما كان بها استبداد في السلطة، لم يكن هناك رأس منفرد، لم يكن هناك ملك، لم يكن هناك شيخ قبيلة، بمعنى النزعة النسبية العرقية مقدسة، أنا لذلك يعني كانوا يختلفون في قضايا جوهرية؛ مثل قضايا العدل والعدالة، وكذا فأنا أتساءل في منظوري أن الإسلام نزل على الحكومة المكية، الحكومة التضامنية، تشاركية؛ بأن القرار ليس مملوكاً لشخص واحد، وإنما هي حكومة تضامنية، أن الإسلام يعزز هذا المفهوم، مفهوم الحكومة التضامنية التشاركية، لم ينزل على الملكية، ولم ينزل على القبلية؛ بل يعزز المفهوم التشاركي في السلطة ومفهوم أن أصغر القوم يقدم المشورة لعلية القوم، ويؤخذ بهذا الأمر”.

وأمرهم شورى بينهم

وتابع د.جاسم الجزاع: “يعني على قاعدة الآية التي تقول (وأمرهم شورى بينهم) أينعم؛ فلذلك أنا أقول إن الإسلام نزل على رقعة تهيأت (ماكانش فيها سلطة مركزية) ما كان فيها سلطة مركزية، وتهيأت لمفهوم الشورى”.

مكة استخدمت البيت العتيق كنوع من القوة الناعمة

وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “لماذا مكة تميزت بهذا النمط من الحكم؟”، قائلاً: “ممكن نقول إن مكة كانت تستخدم البيت العريق أو البيت العتيق كنوع من القوة الناعمة على القبائل العربية وعلى هؤلاء؛ بأنه صارت عندنا قوة ناعمة نحن الممتنعون عن دخول الحروب، هو دخلت حرب بسيطة؛ يعني أكثر من حرب، مثل حرب الفجار، وأخطأت في هذا الدخول؛ لكنها كانت آمنة وكانت لها حصانة من الغزوات الخارجية، فكان المكي أو الرجل المكي أو الشعب المكي كان لديه حصانة من جميع القبائل العربية؛ بعدم تعرضهم لأي صراعات داخلية في جزيرة العرب، فكانت الناس تتخطفهم الطير، القبائل الموجودة في نجد، القبائل الموجودة؛ خاصة الملكيات والقبائل، لما نتكلم عن المناذرة وصراعها مع القبائل الموجودة؛ لكن في مكة كان هناك نوع من أنواع التوازن، استخدمت البعد الديني في خلق هذا التوازن، واستخدمت البعد الديني، ووجود البيت المحرم والكعبة المشرفة نوع من خلق الحصانة، وأصبح لهم نوع مثل ما نقول يعني سمّها كوجه على الآخرين أو نوع من التأثير على القبائل العربية”.

المقصود بالدولة العربية

وأجاب الجزاع عن سؤال “طب يعني المقصود التي ترتكز؛ أنه امتداد لنسل النبي، امتداد لنسل رجل صالح؟”، قائلاً: “لا يوجد في الإسلام هذا الأمر”، مضيفاً رداً على “لا، باقصدش عند العرب هذا الأمر؛ أنه باحكي تاريخياً كان هناك عائل ديني وما زال يعني ما يُسمى عائل كذا، الأشراف الذين ينتمون؟”: “ليس لهم أي دور في صناعة القرارات السياسية، ومنحنى التاريخ أبداً، بل أصلاً كما يقول الدكتور مختار العبادي، وهو دكتور التاريخ في جامعة الإسكندرية، يقول إن الدولة العربية هي دولة النبي ودولة الخلفاء الراشدين، والجزء الأول من الدولة الأموية، والمقصود بالدولة العربية أن الذي كان يحكم هو العربي ذو الفكر العربي، والإدارة كانت عربية، أما بدخول الدولة العباسية، وهم أشراف، وهم عباسيون، وهم أقرب إلى بيت النبوة من البيت الأموي، إلا أنهم انتهجوا فتح المجال لإدارة الحكم من جميع الأطياف، فحكمنا الأكراد وحكمنا الإيرانيون؛ ومنهم الحكومة البويهية، حكمنا الفرس، وكذلك حكمنا حتى السلاجقة والأتراك؛ ففتحوا المجال لهذا الأمر، فلم يكن للبيت الجذور الدينية، أنا أسميه يعني كوني من آل البيت أو من آل بيت النبوة، يعني، دوراً سياسياً.. أبداً كانوا عبارة عن دور اجتماعي ولم يبقَ لهم فعلاً أي دور اجتماعي، وحتى شرط القرشية بأن يكون الخليفة عربياً قرشياً فيه خلاف كبير”.

كيف استخدمت العائلات الدينية في منظومة السياسة؟

وأوضح د.جاسم الجزاع بشأن “العائلات الدينية الممتدة ما قبل البعثة النبوية، يعني مثلاً على مستوى اليهود؛ مثلاً الملة اليهودية أو الملة النصرانية أو حتى عند العرب بشكل عام قديماً القبائل العربية؟”: “إيه؛ هذه يكون لها تأثير إذا كانت أسراً وظيفية.. ممكن سدنة؛ ممكن يمارسون وظيفة السدنة فقط، لم يكن لهم قرار في منحنى التاريخ؛ لكن أتكلم عن كيف استخدمت العائلات الدينية في منظومة السياسة، نتكلم عن آل بختيشوع، آل بختيشيوع هم النصارى المصريون والمسيحيون السوريون، اتخذهم الخليفة العباسي، أظن هارون الرشيد، كوزراء للصحة وجعلهم جزءاً مكوناً للسياسة في الأندلس، استخدموا، لا يحضرني اسم الأسرة اليهودية، أنها كانت وزارة من وزارات إحدى دويلات الطوائف، كانت ترتكز على هذه العائلة اليهودية؛ فعندما تحولت إلى عوائل وظيفية أسوةً من الدولة، لكن العوائل الدينية بمعنى أنها بقيت وظيفتها الدينية فقط الدولة كانت في تجنب عنها؛ اتركوهم في السدنة، اتركوهم في معابدهم، ولم يتعرض لهم أحد”.

العالم العربي وعدم فهم آليات الإدارة

وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “كيف انعكس هذا النمط الإداري من القبيلة إلى مجموعة الدول على مجتمعنا حالياً العربي مثلاً أو المجتمعات العربية؟ هل المجتمعات العربية تحكم بنفس جوهر الفكرة ولَّا إنه صار فيه تطوير ولَّا صار فيه؟”، قائلاً: “في أحد كتاب الإدارة المقارنة أظن اسمه هيدي، أظن أنه أمريكي؛ تكلم عن مفهوم الاصطلاح الإداري أو مفهوم الإدارة بشكل عام، الإدارة العامة؛ فهناك تساؤل جوهري: هل مشكلتنا في العالم العربي هي مشكلة داخلية في عدم فهم آليات الإدارة أم أننا استوردنا الإدارة دون تمحيص، وأردنا أن نطبقها بحذافيرها؟ أكبر خطأ عملناه أننا استوردنا النظم الإدارية والنظم الهيكلية، وطبقناها في الدول العربية دون النظر إلى المرجعية الثقافية؛ فدورنا نحن الآن في الإدارة العربية أن تمحص الإدارة الغربية بنظمها الغربية، وأن تكون ملائمة للجذور الثقافية. مثال على ذلك ما زال عقلية المدير العربي تحب الثناء والمدح، شيخ القبيلة يحب الشعر حتى وإن كان نفاقاً؛ فمرة من المرات أحدهم فهمني غلط، يعنى قلت من الأساليب الإدارية تطبق في جزيرة العرب أن تقدم بين يدي وزير شيئاً من الكلام المعسول؛ هو مش النفاق، يمكن نسميه المداراة وليست المداهنة أن تمدحه بما فيه ولو كان قليلاً، حاول تضخم هذا القليل بأن يعنى ما شاء الله أنت كنت ممتاز في الإدارة الفلانية وفي العهد السابق، وأنت أحسن واحد.. وكذا، ثم قدم المعروف”.

أكبر خطأ

وأضاف د.جاسم الجزاع: “ما زالت الثقافة العربية موجودة، وأكبر خطأ أننا نتعامل مع العقلية الإدارية العشائرية العربية بمعاملة الإدارة المؤسسية الغربية. المؤسسية الغربية لا تتعامل بهذه الطريقة؛ يجب أن نغرس هذا الأمر. واحد يقول أين تطور؟ فرديت عليه قُلت هل التطور عندنا في الدول العربية أن نأخذ الإدارة الغربية كما هي؟ يجب أن نمحص من هذا التمحيص قضايا متعلقة بشيخ القبيلة؛ يجب أن ينظر رئيس الدولة بنظرة الأب، وأن نعزز له نظرة الأب؛ فإذا استشعر رئيس الدولة أو رئيس المنظمة بأنه يمارس البنوة والأبوة مع الموظفين، سوف يتحول ذلك إلى ممارسات جديدة في التعامل مع الآخرين؛ يعني مثلاً يزيد في قضية الحوافز، مثلاً لا يتصيد الأخطاء الإدارية، مثلاً الحامي والمدافع وصاحب المؤونة وصاحب النصرة للموظفين، فيخلق هذا الأمر أموراً إدارية كالولاء المؤسسي”.

النمط الإداري الأوروبي والعقلية العربية

وأضاف د.جاسم الجزاع رداً على “هذا النهج ممكن تلقاه بنفس النمط الإداري الأوروبي؟”: “هو موجود؛ لكن العقلية العربية ما زالت عقلية عربية، يعني حتى لو كانت تغريك المؤسساتية العربية المؤسسة، ويغريك اللباس؛ إما اللباس الخليجي وإما اللباس العربي وإما اللباس.. البدن؛ يغريك المكتبي، تغريك صورة هذا المكتب؛ لكن ما زالت جذور شيخ القبيلة موجودة في المؤسسات العربية”.

مَن الأنجح؟

وأجاب الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي عن سؤال “يعنى لو جبنا النمط العربي والنمط الأوروبي وعملنا مزج بينهما؛ فمَن الأنجح، أم أنت مُصر أن العمق الثقافي لا ضروري في الموضوع؟”، قائلاً: “الأنجح فيهما مَن يراعي الجذور الثقافية، كل ما يراعي الجذور الثقافية يعتبر أمراً فيه شغلة يسمونها التذويب، تذويب الثقافة؛ يعنى كيف بعض المؤسسات تجد أن اللباس موحداً وطريقة تفكير موحدة، هذا نعطي تركة لبعض المؤسسات، نقول أهم شيء في الثقافة التنظيمية حتى ينجح الفريق الواحد كما قُلنا وتكلمنا عن قضية الاهتمام بالمصير المشترك والإجراءات.. هذا الشيء إذا استمر فترة معينة تجد تلقائياً أن الفرد والموظف يتخلى جزئياً عن ثقافته الخارجية ويغوص في ثقافة موحدة، فتصبح ثقافة الإبداع موحدة في بعض المؤسسات؛ نجد أن ثقافة الاحترام بارزة، أن المدير محترم والموظف محترم والبواب محترم.. تقول غريبة، إيه الثقافة هذه؟ لأنهم عملوا فريقاً واحداً، فهم، يأخذون بعضهم البعض؛ فلذلك تؤثر الثقافة على الإدارة، والإدارة تستمد ممارستها من الثقافة الموجودة؛ فأنا أدعو إلى عدم مصادمة العادات والتقاليد والاستفادة منها والاستفادة من هذه الجذور وخلق ثقافة نوعية نستفيد من الغرب في بعض الأطروحات الإدارية، ونكيِّفها بما نحمل من عادات وتقاليد، ونخرج بمنظومة جديدة لا تصادم ولا تجاهل؛ يعني مثلاً ثقافة الاحترام الكبير، ما فيه مانع بأن تكون الأولوية في الدخول على المدير كبير السن في الثقافة الغربية، لا؛ لأن القضية قضية وقت وقضية مصلحة، لكن فيه عندنا في الدول العربية نعطي الكبير؛ ليس منا مَن لا يوقر كبيرنا، يعطي الكبير الجانب الأهم، حتى عندنا في عمل المرأة في الدول العربية حتى غير الإسلامي من الليبراليين وعلمانيين يتفقون على نزعة واحدة؛ أن المرأة بين قوسين (بلاش مرمطة)؛ بمعنى أنهم يدعون إلى عمل المرأة، سواء الإسلامي بحد معقول، وسواء غير الإسلامي بأنه يفتح المساواة العملية والوظيفية مع كذا، كما يأتي من الغرب؛ لكن تجد ما يتفقون أن المرأة ما تعمل في الأماكن اللي يكون فيها نوع من الخطورة وأن تهدد وجودها وأن تهدد كذا.. لكن في النظام الغربي مبني على الاستقلالية والفردية والمصلحة العمياء، وتأتيني بالفلوس إن شاالله تعملين في كل وقت، فما يهمه هذا الأمر، غير الإدارة الغربية، الإدارة المشرقية، حتى الإدارة المشرقية والإدارة الشرقية في أقصى الشرق، الإدارة اليابانية؛ تنص على قضية التعاون، تنص على قضية الاحترام، تنص على قضية التوقير، تقدس العادات والتقاليد؛ فلعلنا مشرقيون بصفة عامة، مشرقيون؛ فنحن والمشرق نتفق على قضية أن الإدارة عندنا لا تتغطرس، الإدارة عندنا لا تكن مادية بحتة، ولا تكن مبنية على المصلحة التامة لما تراعي حتى الظروف الاجتماعية؛ لذلك يعني في دواوين الخدمة الاجتماعية قسم التوظيف يعني يجب أن تراعي وأن تعاد الكتابة من جديد بما يتلاءم مع ثقافة عمل المرأة”.

ماذا بعد النفط؟.. أكبر تخوفات دول الخليج 

وأضاف د.جاسم الجزاع: “ونسبة الاستخدام لهذا الشيء في الإدارات العربية؛ هو معطل بأمانة، هو معطل، ماشي على البركة؛ خصوصاً في دول الخليج، هي عبارة عن وجود أموال، لا تعطي للشعوب بهذه الطريقة؛ فيقولون لك تعالَ اعمل أي عمل عشان نعطيك، بيكون تصورك أنك تعمل بمقابل، والشعوب اللي مثلاً خليجية تفتقر إلى هذه الثروات التي تدعمها مؤقتاً، حتى النفط مش دايم؛ النفط أكبر تخوف يقابله الخليجيون ودول الخليج، ماذا بعد النفط؟ لا شيء، ما فيه شيء، يعني فلذلك ممكن تكون هناك هجرة عكسية؛ خصوصاً الدول العربية، أنا باكلمك عن بلاد الشام، باكلمك عن مصر، باكلمك عن المغرب، باكلمك عن اليمن، عن عمان؛ التي تتميز بوجود ثروات ضخمة بيئية وثروات مائية وثروات غير هذه، ممكن تستديم عبر قرون مديدة؛ لكن هذه الطفرة الموجودة في دول الخليج إن لم تفكر دول الخليج بتفكير ما بعد النفط، سوف يؤدي ذلك إلى وجود أزمات كثيرة يعني، فلذلك نقول إن هذه الوظائف الموجودة في دول الخليج هي تعطى أموالاً من أجل العمل، وإن كان هناك أجزاء أو أقطار في دول الخليج نعم هي نهضت وحققت مدنية جيدة، وكذا عكس بعض الدول اللي يكون هناك موجود مشكلة في قضايا البطالة، وكذا لوجود ما نسميه المورد المالي الأقل؛ لكن فيه إشكالية لعموم الدول العربية في قضية التوظيف، هو أن التوظيف ليس مبنياً على قضية اختيار الكفاءة، وليس المعنى من التوظيف بناء البلد؛ ليس المعنى من التوظيف هو إشغال الشعب بطريقة التمويل”.

القطاعات الحكومية العربية في أدني مستوياتها.. حتى في دول الخليج

 وتابع الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “يعني يكون مصدر رزق للناس.. فقط، أن يكون فقط، لا؛ وحتى الرزق ممكن زين إذا حصل رزق فلا تهتم بالتوظيف لبناء الدولة، الدولة عندها أيدٍ وقدرات.. والقطاعات الحكومية العربية في أدنى مستوياتها، حتى في دول الخليج المستوى الإداري الحكومي العام في أدنى مستوياته؛ يعني ما فيه محاسبة، ما تطبق فيه عقلية القطاع الخاص”.

الوظيفة العامة وعقلية القطاع الخاص

وقال د.جاسم الجزاع: “فيه إشكالية مرة طرحتها في إحدى الندوات؛ قُلت ليس صحيحاً أن يكون الموظف الحكومي في مأمن تام، أين المحاسبة؟ يجب أن نتحرك بعقلية القطاع الخاص، آه أنت تريد الخصخصة، أنت تريد مصاصي الدماء، وكذا؟ قُلت لأ، مصاص الدماء المحترم هو يخليك تشتغل صح، ويتطور الموظف؛ لكن مشكلتنا في القطاعات الحكومية أن الدولة توظف فقط للتوظيف، وليس بناء البلد، وبناء البلد يأتي بمشاريع خارجية مؤقتة تبني حاجة معينة، ثم خلاص بتسكر الملف، إن شاالله تغور وزارة الصحة وتغور وزارة التعليم ووسائل التعليم كلها..”.

كيف نخرج من هذه الدائرة؟

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “بريتو؛ وهو عالم اقتصادي إيطالي، تكلم عن قاعدة اسمها 20- 80، دائماً تُطرح في الدورات التدريبية 20- 80؛ ٢٠٪ من الموارد تأتي بـ80٪ نتائج؛ أنا أسميه اسماً آخر؛ (قانون النخبة الفاعلة)، أين النخب الفاعلة في المجتمع، ركز على بناء النخبة الفاعلة؛ السياسية، الفكرية، الإعلامية، الرياضية، الفنية، الاقتصادية، بعد النخب الفاعلة هناك الفئة القليلة في المجتمعات الضخمة التي بإصلاحها أو تجويدها يتجود كل المجتمع”.

وتابع د.جاسم الجزاع رداً على “يعني بنرجع لنفس المشكلة؛ يعني لأ مش هيك، مَن يوجد قبل: الدجاجة أم البيضة؟ مَن سيختار القوى الفاعلة؟ مَن سيختاره؟”: “والله هذه إشكالية كبيرة، حتى هي إشكالية، لأنه ممكن مرات حطينا اللوم على الحكومة والحكومات العربية، ما هو الشعب، الحكومة، إفراز من إفرازات الشعب؛ مش اللي يحكم الحكومة هم أفراد الحكومة، هم في الأصل أفراد من الشعب، وأخلاقيات الحكومة هي أصلاً أخلاقيات موجودة بالشعب.. وأوروبا قدرت تختار أنماطاً إدارية منتجة للمجتمع ومجتمعات أخرى؛ فهي خرجت من مخاض الثقافة”.

سقطات عربية.. لا طموح حضاري

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “والعرب أو بعض المجتمعات العربية مش قادرة مثلاً تخرج من هذه الدائرة وتنطلق.. والسبب الطموح الحضاري؛ سقطات عربية مفيش طموح حضاري، الآن عندما تكلم أي إنسان عربي بسيط، غالب العرب لا يتكلم إلا عن يوميته، كيف يقضي هذا اليوم؟ يعني الطموح الحضاري سقط، ولم يعد الطموح الحضاري العربي أو الحضارة العربية ذات شأن عند العرب؛ مفيش طموح، مفيش أية نية للرقي، فيه إشكالية. إشكالية أن الشعب أفرز الحكومة والحكومة ما زالت تقود الشعب، وهي عبارة عن حلقة مفرغة، نحتاج إلى نوع من الكسر، الكسر ممكن نقول أنا قُلت قبل شوية إنه القضية قضية نخبة فاعلة، مَن يصنعها؟ متى تخرج؟ هل هي مؤثرات خارجية؟ هل هي عبارة عن مصالح داخلية؟ أنا شخصياً أقف عند هذه النقطة؛ لأنه لست من الناس الذين يلومون الحكومات، لأن غالب الحكومات تتحرك بإفرازات شعبية، كثير من الناس الإصلاحيين في الوطن العربي ينادون بالاسم، بمجرد ما يعطي السلطة يتخلق بأخلاق متوحش السلطة، فيصبح ما ينادي به بالأمس بالإصلاح والعدالة وكذا، أصبح من أكثر الناس قمعاً للرأي الآخر، إقصائيين.. هذه موجودة حتى بالتاريخ، موجودة في التاريخ، أكثر الناس اللي كانوا ينادون في قضية العدالة والرأي الآخر بمجرد اقترابهم من السلطة أصبحوا متوحشين، فأنا أسميه الرقابة القبلية والرقابة أثناء العمل والرقابة البعدية، ليس هناك صكوك أمن لهؤلاء الأفراد؛ أنت لست في مأمن من الانقلاب إلى أن تنتفي حياتك”.

المعايير في المجتمعات العربية

وأجاب د.جاسم الجزاع عن سؤال “حتى تمارس دور الرقابة يكون لك معيار تقيس عليه، مَن هو المعني بخلق المعايير؟ ألا يوجد معايير عامة في المجتمعات العربية؟ ولماذا المعايير غير مفعلة؟”، قائلاً: “كلوائح ومستندات موجودة على الطاولة، يعني هي من الموروثات، الاستيراد الغربي موجود، كيف تقيس عمل أو أي عمل حكومي أو أي عمل فردي؟ لكن ليه ما تطبق؟ لأن هناك مصالح، هناك قيم مُثلى عند العرب، قيمة أنه يسقط عندك المراقبة؛ لأنك ابن عم، لأنك ابن حزب، لأنك ابن تيار، ابن طائفة، فيعلو هذه القيمة على قيمة التقييم، أعطيك مثالاً بسيطاً؛ لما تكون دكتور جامعة ويأتيك قريب وصديق يقول مثلاً فلان ابن فلان يعني يعطيه مثلاً درجة امتياز ويخليه مثلاً ما يداوم وكذا، فأنت الآن أمام تضارب بين المبادئ والأدوات، ومشكلة الصراع بين المبادئ والأدوات هنا عاد من يغلب إذا كنت فعلاً مؤمناً بمبدأ المساواة والعدل وأنه لا يستحق الدرجة الكاملة إلا الطالب المتميز، وليس عندك ظلم للفئات الأخرى من الطلبة.

 يعتبر هذا أمراً جيداً؛ لكن المشكلة عندما تتصارع المنافع أو صراع المنافع إذا كان بمقابل، بحظوة عند هذا الوزير أو بحظوة عند هذا المسؤول أو حظوة كلام؛ يعني عندنا في بدو الخليج ممكن تجد أحد الموظفين يفزعلك ولا يريد منك مالاً؛ يبغي كلمة ونِعمَ، والله، ما شاء الله عليه، فلان ما قصَّر معانا، ما شاء الله عليه، والله طويل عمره؛ يبغي الكلمة هذه، ما أدريش ما تحقق صراحة يعنى الكلام، بلاش؛ لكن يحب الكلمة الجميلة، وفي بعض الدول لأ تحتاج مثلاً إلى إعطاء أمور مادية وكذا.. هو انتصار، كلمة ونِعمَ، وكلمة ما شاء الله ما قصَّرت، هل هذه الكلمة تكافئ؟ لكن تظلم موظفاً آخر في التقييم”.

تعاطي الناس مع الدين.. والرقابة البعدية أو القبلية

وأضاف د.جاسم الجزاع: “مشكلة تعاطي الناس مع الدين؛ يتعاطى مع الدين كطقوس، والمعضلة الكبرى في تعامل المسلمين من وجهة نظري مع الدين الإسلامي؛ أنه ركز على الممارسات والطقوس وترك الجوهريات، يعني موضوع الصلاة والصيام صحيح فروض من الفرائض؛ لكن لا يعتقدون بقضية مفهوم العدالة، مفهوم التسامح، المفهوم المتعلق في قضايا جوهرية؛ مثل قضية عدم ازدراء الآخرين، عدم الظلم، ولذلك ننظر أن الخواء الديني بالذات سبب مشاكل إدارية، وأكبر دليل أن الإدارة الغربية بعدما رأت مشاكل كثيرة عن ترقياتهم ونوعاً من التحايل على القانون وتحقيق بعض المكتسبات عند مديري بعض الشركات وبعض المؤسسات، دعوا في العقود الأخيرة إلى إرجاع المنظومة الروحانية الدينية إلى كتب الإدارة؛ فظهر كتاب مثل لايك جيسيس، أو مثل القيادة البوذية، القيادة المسيحية، القيادة الدينية ظهرت في الغرب، ونحن ظهرت عندنا كأدبيات وممارسات من أوائل البعثة الإسلامية؛ لكنها عطلت، يعني لما نتكلم أعطيك مثالاً بسيطاً لما أتى عمر بن الخطاب وكوَّن الحكومة الإسلامية الأولية؛ اختار مجموعة من الصحابة لمناصب حكومية، مناصب حكومية على المال وعلى الدفاع.. وكذا، قال إذا رأيتم أنني اجتهدت في اختيار الناس واجتهدت في اختيار الأصلح منكم، هل ترون أنني كفيت يعني أتممت العمل؟ قالوا يا أمير المؤمنين فعلاً أنت أتممت العمل، ويعطيك العافية ومشكور يعني، قال لأ، حتى أجعل على كل رجل عيناً ترقبه، هل يفعل بما أمرناه أم لا؟ ها هي الرقابة البعدية، الرقابة القبلية، هو النظر في الكشوفات اللي هي الشروط والواجبات الموجودة؛ مثلاً هل الموظف الفلاني يصلح؟ مثلاً الشهادة جامعية لديه، خبرة لديه.. كذا حسن السير والسلوك، بعد ذلك هذه الرقابة البعدية، ثم نتخذ القرار، ثم الرقابة البعدية، هذه القبلية والبعدية؛ ننظر هل يقوم بما نصحناه أول مرة أم لا؟ لذلك عمر بن الخطاب عاقب كثيراً من الولاة عقاباً يعني صريحاً.. أحد الولاة أدخل العمال في العراق في أحد الوديان الخطرة، ونصحوه هذا الوادي سحيق وممكن يؤدي إلى وفاة هؤلاء العمال. قال يعني أنا نظرت هذا النظر وفعلاً حصلت حادثة مأساوية، وقُتل مجموعة من العمال الذين يعملون في هذا الوادي السحيق، فعندما نظر سيدنا عمر إلى هذا الأمر، أمر بعزله وسجنه وعقابه، وأمره بدفع الدية عن هؤلاء العمال الذين قتلوا بطريقة غير مباشرة.. لم يقتل مثل غيرهم بطريقة مباشرة.

سيدنا عمر في إحدى المرات كان يتكلم مع أحد الصحابة، قال: ما رأيك أن نعينك محافظاً على بلاد البحرين؟ البحرين من جنوب الكويت إلى مشارف عمان، منطقة كبيرة جداً؛ يعني قال أنا على البحرين أمير، قال له أنا اخترتك أنا خلاص، فقال أنا ما عندي مشكلة أنا موافق، قال يا فلان أحص ما لديه الآن من أموال، افتح كشف الآن، كشف الذمة المالية، شوف أديش عنده وأحص ما لديه من أموال بعد إمارته، قال عجباً لك يا أمير المؤمنين، أتستعملنا؛ يعني تجعلنا موظفين في الحكومة وتخونَّا؟ قال لو خونتك ما استعملتك؛ ولكنني أنظر إلى عملك، فمن الضجر أن يستخدم وظيفته كعامل في الاتجار مع الناس ومزاحمة الناس في أرزاقهم، عاقبته بعزمه؛ فهذه الأموريات موجودة”.

إشكالية خلق الضمير لدى الموظف

وأجاب الباحث والمفكر والأكاديمي الكويتي عن سؤال “كيف تخلق الضمير لدى الموظف، لدى العامل، والحاكم والجندي والشرطي والمعلم… إلخ؟”، قائلاً: “نعم موجودة؛ هو المشكلة في الدول العربية في الأنظمة الإدارية موجودة الـ(جوب ديسكربشن)، أنا أتكلم عن عموميات الأخلاق وعموميات الممارسات؛ وجدت مصادمة كثيرة من بعض المتابعين، بأنك أنت حركت أماكن كانت مهجورة في السير القديمة؛ يعني الناس يأخذون من السيرة النبوية أو سيرة الخلفاء أو سيرة هؤلاء الأعلام، السيرة الدينية البحتة؛ يعني عمر بن الخطاب الصحابي العابد، وكذا أبو بكر كان كذا كذا.. مصلياً؛ لم يأخذ عمر السياسي، ولم يأخذوا أبا بكر… يعني لم يقرؤوا التجربة الإدارية السياسية بشكل جيد؛ ما قرؤوها”.

الدين والخلق

وأضاف د.جاسم الجزاع: “هو الرسول فرَّق في بعض الأحاديث بين الدين والخلق، قال مَن أتاكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ فأحد الشراح يقول لماذا؟ هل الواو هي عطف أم استقلالية؟ منهم مَن يرى أن الأخلاق في وادٍ والدين في وادٍ؛ قد يكون الإنسان متديناً بغير أخلاق وقد يكون الإنسان ذا أخلاق عالية لكن دون دين. إذا نظرنا إلى الدين على أنه طقوس؛ لكن النظرة الشاملة أنه المفروض أن تكون الطقوس لها آثار على الإنسان، يعني شيء طبيعي أن المصلي هو ليش يصلي؟ يتعبد يتعبد مَن؟ يتعبد ربه والرب له أوامر وله توصيات”.

وتابع الباحث والمفكر والأكاديمي الكويتي: “إشكاليتنا أننا ننظر إلى الدين نظرة الطقوس؛ أحد علماء التصوف يقول إن العلم الأكبر هو علم القلب، والعلم الأصغر هو علم الممارسة. ويقول أحد أعلام السلفيين إن علم التصوف هو علم سبقنا أو علم القلوب هو علم سبقنا إليه أهل التصوف، فجعلوا له الركائز، وجعلوا له الأسس؛ معنى هذا العلم أنه علم رزين”.

الغلو في دراسة أصول الفقه أضعفَ المتعلمين

 واستكمل د.جاسم الجزاع: “بعض الفقهاء؛ بعض أهل الفقه خضعوا للحالة الجمودية، ساروا وراء النصوص ولم يقرؤوا ما وراء النصوص من الأمور الروحانية، فأصبح حتى يقال بعضهم إن علم أصول الفقه يؤدي إلى قسوة قلوبهم.. الغلو في دراسة أصول الفقه أدى إلى ضعف المتعلمين أو بعض طلاب العلم؛ أدى إلى قسوتهم في التعامل مع الآخر، يعنى حتى مرة من المرات أحمد بن حنبل؛ ازدرى أحدهم عند أحمد بن حنبل شخصاً من أهل الصوفية، إنه شخص رقيق القلب وطيب ولسانه عف وسلوكه محترم. قال يا إمام أحمد هذا الرجل ليس له إلا كذا وكذا من هذه الصفات التي ذكرتها قبل قليل، قال أولاً يراد بهذا العلم إلا ما وصل إليه فلان هذه العلوم.. لما نقرأ في أصول الفقه والآيات والدليل وكذا المطلق والخاص والعام وكذا.. لا يراد به شكليات؛ إنما يراد الروحانيات من هذا الأمر، فالغلو عند بعض طلبة الشريعة، وأنت عارف الآن فيه طائفة، فيه تيار محسوب على السلفيين، لديه موجة أو لديه أزمة أخلاقية في ذاته؛ أنه صباح مساء ليس لديه إلا التقريع والذم واستنفار السلطات على الجماعات الأخرى، ويرى أن أخطاء الآخرين موجبة لهلاكهم، وهذه إشكالية كبيرة، هذه فيها فرقة، هي طبيعتها إرجائية، مرجئة يعنى تتعامل مع الناس بطبيعة خوارجية. الغريبة أنها سلفية مرجئة؛ لكن تتعامل مع الناس بطريقة خوارجية، وتتعامل مع السلطات بطريقة تسامحية؛ أن السلطة مهما فعلت فليس عليها شيء، مثل مجموعة من الفقهاء دخلوا على يزيد بن عبد الملك، الذي أتي بعد عمر بن عبد العزيز، فأقسموا له وحلفوا له أنهم سمعوا حديثاً للنبي يقول إن الله عز وجل يغفر للسلطان ما لا يغفر لغيره.. بدت بذرة الإرجاء بأن كل ما يفعله السلطان ليس عليه إثم. هؤلاء الموجودون الآن في هذا العصر في هذا الزمان في هذه اللحظة اللي قاعد أكلمك فيها؛ عندهم أزمة أخلاقية وأدوا إلى تشويه المذهب السلفي، فيربط الكثير من الناس بين المذهب السلفي المبني على قضية احترام النصوص والسلوك، يعني السلفية هي نصوص وسلوك، يعني تدعي هذا الأمر، فالتمسك بالنصوص القديمة والممارسات يعتبر هو السلفي الجيد؛ لكن هؤلاء أثاروا اشمئزاز الناس من التيار السلفي عن طريق الأخلاقيات السيئة، وتتعجب تجده في الصباح يتكلم عن تفسير القرآن وفي المساء يطعن في العرض”.

التدين الآبائي 

وأضاف الباحث والكاتب والأكاديمي الكويتي: “التدين الآبائي اللي هو التدين التقليدي ومش بس تقليدي.. أنا مرة من المرات عملت محاضرة عن إدارة عمر، كيف عمر يدير الدولة؟ أحدهم من هؤلاء استقبلني خارج الديوان يعني بيت بالكويت، قال لي تعالَ يا دكتور، قُلت نعم، قال والله أنك ما أردت أو شي قال اتق الله، قلت اتق الله ليش؟ قال ما أردت بذكر سيرة عمر الإدارية والسياسية إلا فتنة الناس وتأليبهم على السلطة، قُلت يا عم إيش علاقتك يعني عمر بن الخطاب ما كان إنسان عادي، رجل يعني صحابي جليل ومن رموز الإسلام، احذر أن تألب الرجال على السياسة.. يذكروني بكلمة لعبد الملك بن مروان، قال لا تقرؤوا سيرة عمر يعني الإدارية والسياسية؛ فإنها محرجة للحكام ومثيرة للشعوب”.

جوانب تاريخية أُهملت

وتابع د.جاسم الجزاع: “هو المشكلة مثل ما قُلت قبل قليل أن هناك جوانب تاريخية أهملت بقصد وبغير قصد؛ ومنها التاريخ السياسي للرموز والأعلام السياسية الإسلامية والتاريخ الإداري، وهذه إشكالية كبيرة، وأنا عورضت يعنى في فتح هذا المجال وفتح هذه الآراء، فلذلك لما نقرأ التاريخ يجب أن نحدد ما هو المساق الذي نريد أن نقرأ فيه هذا التاريخ. غالب الناس يفهم التاريخ عبارة عن حوادث قديمة حصلت، وهو مرتكز على قضية الحكام فقط؛ التاريخ السياسي، فلان قتل فلاناً، الأمير خرج عن المأمون، وهذه الأمور التي لا تؤدي إلى أية ثمرة”.

تعمد إبقاء العقل العربي أو الشعب العربي بعيداً

واختتم د.جاسم الجزاع رداً على “حتى معرفتها لا تفيدك بشيء، بالعكس هي تسيئك تماماً”: “والله صدقني عندي محاضرة اسمها لا تقرؤوا التاريخ، توقف عن قراءة التاريخ، هنا التاريخ المعني فيه الخلافات السياسية والصراعات، هو تاريخ مضيع للأوقات، موجب للهموم، ولو تشتغل لك بصنعة أفضل لك مليون مرة من قراءة التاريخ السياسي؛ لأنه تاريخ مفيش فيه أية ثمرة، لكن أين نحن من تاريخ المهمشين أو التاريخ المهمش، تاريخ العلوم؟ ما فيه أحد يقرؤه، تاريخ الفكر، تطور الحركة الفكرية، تطور الحركة الإدارية، النظم الاقتصادية القديمة، كيف تطورت؟ متى ظهرت بوادر البنوك والمصارف؟ متى ظهر التأمين؟ متى تحولت الكنائس من مكان يُقام فيه الدعاء إلى أماكن تجمعت فيها العلوم ثم تطورت حتى للترجمة؟ هذه العلوم أنا أتوقع أن هذه المساقات التاريخية إما أنها أُجلت بقصد أو بغير قصد، كان فيه تعمد لإبقاء العقل العربي أو الشعب العربي بعيداً؛ لما أطرح المحاضرة التاريخية أمام الناس يقولون دكتور جاسم ما تمل من التاريخ، التاريخ ممل وكذا؛ لكن لما أطرح بطريقة تلامس حياته، سياسة، فكر، تضارب مصالح، النظرية العربية في الإدارة، الموظف المدير، يقول أنت قاعد تتكلم عن تاريخ حي؛ فكأنه كان ميتاً ويحتاج إلى مَن يحييه من جديد.. هذه وجهة نظري عبر التاريخ”.

Leave a comment

0.0/5