لاستشراق ليس حقلاً معرفياً محايداً كما روَّج له المشتغلون به؛ بل هو حقل بحثي مغرض كان الهدف منه جمع أكبر قدر من المعلومات حول الشرق، من أجل تسهيل السيطرة عليه. هكذا نشأ هذا الحقل البحثي مرتبطاً منذ ظهوره بالظاهرة الاستعمارية الغربية.
وقد وضع المشتغلون في هذا الحقل من الدراسات أمامهم هدفاً مركزياً يتمثل في إنتاج صورة عن الشرق تظهره بمظهر المتخلف الذي لم يبلغ سن الرشد، وهو بالتالي بحاجة إلى فترة من الوصاية من الدول المتقدمة حضارياً؛ حتى يصبح مؤهلاً لحكم نفسه بنفسه ولا يشكل خطراً على السلام العالمي. وقد أدى الاستشراق هذا الدور طوال تاريخه بشكل مرض. وقد استطاع إدوارد سعيد من خلال كتابه “الاستشراق” تعريةَ الأساليب التي اتبعها المستشرقون لخدمة المشروع الاستعماري. ارتبطت الظاهرة الاستعمارية الحديثة والتي ابتدأت في القرن التاسع عشر، بطموحات الطبقة البرجوازية المسيطرة في أوروبا، والتي خرجت منتصرةً على الإقطاع المتحالف مع الكنيسة. ومن المعروف أن هذه الطبقة الصاعدة اتخذت من الرأسمالية نهجاً اقتصادياً لها استطاع أن يقضي على النهج أو النمط الذي سبقه والمتمثل بالإقطاع. يقوم النظام الرأسمالي على مبدأ العمل المأجور، وهذا أدى إلى نشوء طبقة جديدة في المجتمعات الحديثة؛ هي طبقة العمال، والتي حلَّت محل العبيد والأقنان في الأنظمة المنقرضة.
إذن الرأسمالية قائمة بالأساس على التناقض بين طبقة العمال التي تحاول أن تبيع عملها بأفضل الشروط الممكنة، وطبقة البرجوازيين التي تحاول شراء العمل بأبخس الأسعار؛ تحقيقاً لأعلى ربح ممكن من أجل مراكمة وعملقة رأس المال. ولهذا السبب، فإن النظام الرأسمالي نشأ على خلفية صراع حاد بين المالكين وغير المالكين؛ للاستحواذ على فائض القيمة (القيمة المضافة). ومن المعروف أن الرأسمالية طوال تاريخها كانت تحل أزماتها عن طريق تصديرها خارجَ ساحة الغرب. هكذا نشأ الاستشراق منذ البدء في خدمة الظاهرة الاستعمارية وبتمويل مباشر من الدول الاستعمارية. نشأ صراع خفي في القرن التاسع عشر بين الطبقة البرجوازية الصناعية الأوروبية والطبقة البرجوازية المالية اليهودية، التي كان لها نفوذ مالي كبير قبل ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي.
وقد دأبت الشعوب الغربية على إلقاء اللوم على الطبقة المالية اليهودية، واتهامها بأنها السبب في الأزمات الاقتصادية التي عاشتها أوروبا في ظل الرأسمالية. في ظل هذا الصراع الطبقي الكبير؛ لجأ دهاقنة السياسة في الغرب إلى خطة شيطانية لإخراج اليهود من أوروبا، كنوع من تصدير الأزمة خارج ساحتها. مما لا شك فيه أن النخبة المالية اليهودية كان لها دور سلبي على المجتمعات الغربية من خلال نشاط المراباة الذي اشتهرت به هذه النخب على مر العصور، وهناك الكثير من الشواهد على هذا الدور السلبي في التاريخ؛ لعل أبرزها هو العمل المسرحي الشكسبيري “تاجر البندقية”. تمثل مسرحية شكسبير الصراعَ المكشوفَ بين التاجر الأوروبي المسيحي والمرابي اليهودي، الذي كان يعتاش على استغلال التاجر والمزارع الأوروبي. لهذا السبب بدأ النشاط الاستشراقي بالنبش في الكتب التاريخية والميثولوجية؛ للعثور على مبررات لتصدير اليهود إلى خارج ساحة الغرب. وقد وجد المستشرقون ضالتهم المنشودة في النصوص التوراتية الغامضة التي تتحدث عن أرض غامضة مجهولة هي أرض الميعاد بالنسبة إلى اليهود، شعب الله المختار. وعلى الرغم من عدم وجود نصوص توراتية صريحة حول موقع أرض الميعاد؛ فإن المستشرقين استطاعوا أن يكيفوا بعضَ النصوص التوراتية المبهمة ويكيفوها لخدمة مشروعهم في استدراج اليهود لأرض فلسطين، أرض الميعاد. واستناداً إلى هذا التوجه، دعم الغرب إنشاء الحركة الصهيونية التي قامت على دعاوى ميثولوجية متهافتة. وهكذا استطاع الغربُ تصدير أزمته المستعصية وزرعَ كياناً استيطانياً في قلب الوطن العربي.
لقد أصبح الوطن العربي في الحقبة الاستعمارية أشبه بمكب نفايات بالنسبة إلى الغرب. ضمن السياقات السابقة؛ فإن المشروع الصهيوني في فلسطين لم ينشأ ضمن شروط ومحددات إقليمية تخص منطقتنا، ولم ينشأ وَفق صراع عربي- إسلامي- يهودي ذي طابع أيديولوجي كما يتوهم البعض؛ بل نشأ في الأساس في إطار صراع طبقي خارج إقليمنا. ومهما حاولنا فهم وتفسير تاريخنا ضمن محددات محلية أو إقليمية فسوف يبقى هذا الفهم ناقصاً ومشوهاً. إن الجالية اليهودية التي كانت في فلسطين قبل عملية الهجرة الواسعة، لم يكن بإمكانها بأية حال أن تتمكن من إدارة هذا الصراع الجبار مع القوى الوطنية الفلسطينية والعربية، ولم يكن بإمكانها بأية حال أن تنشئ هذا الكيان السرطاني الذي بدأ صغيراً ثم تتطور حتى ابتلع كاملَ الجغرافيا الفلسطينية. إن التصريحات المتكررة للساسة الغربيين حول دولة الكيان الصهيوني باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية في الشرق الأوسط، توضح بجلاء الدور الوظيفي الذي يقوم به هذا الكيان في المنطقة. لقد تم تصميم الكيان الصهيوني ليكون عازلاً بين مشرق الوطن العربي ومغربه. أشار تقرير مفصل للأمم المتحدة إلى أن أكبر معيق للتنمية في الوطن العربي هو وجود هذا الكيان السرطاني في قلبه؛ حيث تم استنزاف موارد الوطن العربي في إدارة الصراع المفتوح مع هذا الكيان خلال القرن الأخير. ا
لشيء اللافت في ما يخص معاهدة سايكس بيكو، هو عدم حصول فلسطين على حق الدولة، على الرغم من أن فلسطين كانت تضم كتلاً سكانية متقدمة ومتجانسة تلبي معيار الدولة أكثر من الكيانات الأخرى التي حصلت على هذا الحق من قبل بريطانيا. واللافت أيضاً أنه لم يحصل أي استدراك يصحح هذا الوضع الاستثنائي لفلسطين. هنا تحديداً تكمن النظرة المستقبلية للدول الكبرى التي كانت تعد العدة لصناعة كيان جديد لا وجود له وَفق المعايير التي كانت سائدة في هذه الحقبة. وقد اتضحت السياسة الغربية بعيدة المدى بعد سايكس- بيكو بسنة واحدة. فقد تم الإعلان عن وعد بلفور الذي يضمن دولةً قوميةً يهوديةً على الرغم من عدم توفر أي عنصر من عناصر هذه الدولة، فلا وجود لشعب يهودي (بالمعنى القومي للشعب)، ولا وجود لإقليم يخصهم حتى يقيموا عليه هذه الدولة. وقد تم تدارك النقص في هذين العنصرَين من خلال اختراع استشراقي مستند إلى سردية تاريخية أسطورية عمرها ثلاثة آلاف عام. وهكذا حصل الكيان الصهيون الوهمي غير المتشكل وغير المتبلور على مسمى دولة، وحُرم الكيان الفلسطيني الجاهز والمتبلور والمتقدم على غيره من الكيانات المجاورة من هذا الحق.
هذا سياق تاريخي لا بد منه لأي دارس يريد أن يستشف آفاق الدولة الفلسطينية وإمكانات تشكلها في المستقبل. إن تنظيرات هيرتزل تكشف عن الأساس الواهي الذي أقام عليه فكرة الأمة اليهودية المزعومة. تقوم محاججة هرتزل على منطق زائف يتكون من مقدمتَين زائفتَين ونتيجة أكثر زيفاً. يدَّعي هرتزل أن الأمة اليهودية موجودة بسبب وجود العداء للسامية الذي انتشر في المجتمعات الأوروبية، ولأن هذا العداء هو عداء دائم لا يزول؛ فإن الأمة اليهودية ستبقى موجودةً للأبد. المقدمة الأولى زائفة؛ لأن المجتمعات الأوروبية لم تبلور عداءها إلا بسبب الممارسات الانعزالية التي تكرست في التجمعات السكانية اليهودية طوال قرون؛ حيث كانت ظاهرة الغيتوهات هي السائدة بين السكان اليهود. يشير كارل ماركس في كتاب المسألة اليهودية إلى أن اليهود يريدون حقوقاً استثنائية لا يتمتع بها بقية أفراد الشعب.
من هذا نستنتج أن العداء للسامية هو نتيجة للسياسات الانعزالية التي اتبعتها الجاليات اليهودية في كل الأماكن التي تواجدوا فيها. استطاعت بريطانيا من خلال نفوذها الواسع في المنطقة العربية إقناع السلطنة العثمانية بقبول المهاجرين اليهود لأرض فلسطين تمهيداً لقيام دولة يهودية تشكل عازلاً بين الممتلكات العثمانية ودولة محمد علي باشا في مصر. وقد كانت طموحات محمد علي باشا تشكِّل رعباً بالنسبة إلى السلطنة العثمانية. وهنا لا بد من التنويه بحقيقة أن المشروع الصهيوني في منطقتنا لم يبدأ بوعد بلفور؛ بل بدأ بالهجرة اليهودية المنظمة التي دعمتها بريطانيا وسكتت عنها السلطنة العثمانية. وقد تركزت الهجرة اليهودية في مدينة القدس لاعتبارات دينية خالصة، وأدت الهجرة اليهودية الكثيفة إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين، وفي القدس خاصة. ويحاول بعض المغرضين من المروجين للمشروع الصهيوني الرجوع إلى الإحصائيات الخاصة بمدينة القدس؛ لإبراز الوجود اليهودي الكثيف في القرن التاسع عشر، وبالتالي تبرير مشروع التقسيم استناداً إلى هذا الواقع الديمغرافي، متجاهلين أن هذا الواقع الديمغرافي المشوه نشأ بالأساس نتيجة تهجير اليهود من أوروبا تحت دعاوى ميثولوجية استشراقية متهافتة.
إن نجاح المشروع الصهيوني تحقق بسبب قناعة البرجوازية اليهودية بأن مصالحها تتطلب إخراج عناصر الشغب اليهودية. وعلى الرغم من التضارب في المصالح الذي حصل بين البرجوازية اليهودية والبرجوازية الأوروبية؛ فإن الأولى تولدت لديها قناعة بأن مصالحها في أوروبا لن تتوطد إلا من خلال تحالفها واندماجها بالنظام الرأسمالي الأوروبي، وارتأت أن من مصلحتها تهدئة حدة الصراع الطبقي والانخراط في صفوف الطبقات الحاكمة الأوروبية، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بإخراج عناصر الشغب اليهودية التي لم تعد مقبولة في المجتمعات الأوروبية.