تبين دراسة تطور الأفكار والتشريعات أن الأحكام الجنائية الصارمة كثيراً ما تنتقل بين الثقافات المتجاورة عبر آليات التلقي الشفاهي والمثاقفة التاريخية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى دمج تشريعات وضعتْها سلطات بشرية قديمة داخل نسق رسالة عالمية جاءت أساساً لتصحيح تلك المسارات وتحرير الإنسان من الآصار والأغلال. ويمثل حكم رجم الزاني المحصن نموذجاً جلياً لهذا التداخل المعرفي؛ إذ تحول هذا الحكم من عقوبة بشرية حاخامية ناتجة عن الفكر التلمودي إلى مصنف فقهي وحديثي مستقر في الموروث التراثي، على الرغم من خلو النص القرآني منه تماماً وتصادمه مع البناء الهيكلي للتنزيل. تهدف هذه القراءة التفكيكية إلى تتبع تغلغل عقوبة الرجم والقتل لفاحشة الزنا من شروح الحاخامات إلى مدونات الفقه المذهبي، وبيان تهافتها وتصادمها مع المنظومة اللسانية والتشريعية المحكمة للقرآن عبر تفكيك النصوص المفتراة والتمييز بين المفاهيم البنيوية للبيان الإلهي، مع مراجعة مفاهيم الإجماع وظنية المرويات الشفوية.
أولاً: عقوبة قتل الزاني وتوثيقها في الفكر التوراتي والتلمودي
شكل قتل الزاني المحصن عقوبة جنائية محورية في الفكر التلمودي والتوراتي القائم على فرز الأحكام وفقاً للحالة الاجتماعية والطبقية للبشر، حيث وضع هذا الفكر تفريقاً صارماً بين الزاني العازب والزاني المتزوج المحصن. وينص سفر اللاويين في العهد القديم بشكل حرفي وصارم على عقوبة القتل للزاني والزانية في حال كان الزنا مع امرأة متزوجة، حيث جاء في النص الحرفي: “وإذا زنى رجل مع امرأة، فإذا زنى مع امرأة قريبه، فإنه يقتل الزاني والزانية” (سفر اللاويين، الإصحاح 20، الفقرة 10).
ويتأكد هذا التشريع الجنائي الحرفي في موضع آخر يحدد طبيعة الجريمة بوجود ارتباط رسمي للمرأة ببعل، حيث ينص سفر التثنية حرفياً على: “إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة متزوجة ببعل، يقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع المرأة، والمرأة” (سفر التثنية، الإصحاح 22، الفقرة 22).
ولم يقف الأمر عند حدود النص المكتوب، بل دخل التلمود البشري المعروف بالمشناه ليفصل طريقة القتل ويخص المتزوجة المخطوبة بعقوبة الرجم تحديداً، حيث جاء في مسند سنهدرين النص الحرفي التالي: “وهؤلاء هم الذين يرجمون: الزاني مع امرأة متزوجة إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة” (تلمود بابل، مسند سنهدرين، الفصل السابع، المشناه الرابعة). إن هذا الفرز الاجتماعي والطبقي انتقل بحذافيره التاريخية إلى مدونات الفقه التراثي التي تبنت التفريق ذاته، فجعلت عقوبة العازب الجلد وعقوبة المتزوج المحصن الموت رجماً، محاكاة تامة للنسق التشريعي التلمودي البشري الذي يربط صيانة الحقوق بالجغرافيا القبلية ونقاء الدم.
ثانياً: المحاكمة التشريعية وعقوبة القتل في الميزان الإلهي
عند إخضاع عقوبة إعدام الزاني للمحاكمة التشريعية القائمة على الكليات الإلهية، يتضح أن قتل النفس في فاحشة الزنا ليس من التشريع السماوي أصلاً، ولم ينزل قط في التوراة الحقيقية؛ وذلك لكونه يصطدم بالقاعدة الإلهية الكلية التي تحصر عقوبة القتل في مواجهة القتل فقط، وهي القاعدة الكلية التي أثبتها القرآن كنص توراتي أصيل أُنزِلَ للعدل المطلق في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: 45).
إن التدبر المعرفي لنص النفس بالنفس يبين هندسة الحكمة الإلهية؛ فالنفس الإنسانية مصونة صيانة مطلقة، ولا يمكن إزهاقها تشريعياً إلا كقصاص عادل ومكافئ لنفس أخرى أُزهقت عمداً. وبما أن فعل الزنا، برغم كونه فاحشة اجتماعية خطيرة، لا يتضمن إزهاقاً لأي نفس فيزيائية، فإن تشريع القتل كعقوبة له يعد خرقاً مباشراً للحق الإلهي الجذري في الحياة، وانحرافاً أحدثه الفكر التلمودي البشري عبر تضخيم العقوبات الجسمية الانتقامية. فالرجم والقتل للزاني عقوبة وضعتها السلطة الحاخامية البشرية لحماية الهياكل القبلية وتأمين الممتلكات، ولا صلة لها بالكتب الإلهية المُنزلَة التي تلتزم بمبدأ التكافؤ التام في القصاص والحدود وحفظ النفوس.
ثالثاً: التمييز المعرفي اللساني بين الفاحشة والزنا
من أهم المداخل المنهجية لتفكيك هذا التداخل التشريعي هو إدراك الفروق البنيوية في اللسان القرآني بين مفهوم الفاحشة ومفهوم الزنا، وهو التفريق الذي غاب عن العقل الفقهي التقليدي فخلط بين العقوبات والموجبات.
تتمثل الفاحشة في سياق العلاقات الجنسية بالممارسة الشخصية الخارجية المنعزلة عن البنية التأسيسية للمجتمع، أي الفعل الفردي الذاتي الذي يتم في الخفاء خارج عقد النكاح دون السعي لإقامة هيكل موازٍ للمؤسسة الاجتماعية. ولذلك رتب القرآن عليها عقوبات تقويمية واجتماعية تهدف إلى المحاصرة والتقويم دون زهق لحياة الإنسان أو إيقاع الأذى بجسم الإنسان.
أما الزنا في اللسان القرآني فيمثل مرتبة أعقد بكثير؛ فهو ليس مجرد ممارسة عابرة، بل هو منظومة الدعارة الاجتماعية المؤسسية، وإقامة شبكات وشراكات علنية أو شبه علنية تهدف إلى تسليع الجنس وهدم معايير الأنساب وبناء بيئة موازية ومناهضة لمؤسسة الأسرة الشرعية. فالزنا فعل متعدٍ ينخر في جسم الأمن الاجتماعي وينتج عنه الفساد الشامل والانحلال الأخلاقي المنظم.
بناءً على هذا التحليل، نصل إلى قاعدة معرفية حاسمة: كل زنا هو فاحشة بالضرورة، ولكن ليس كل فاحشة زنا. والعقوبة الجنائية المغلظة المتمثلة في الجلد مئة جلدة علناً إنما تعلقت بالزنا تحديداً لأنه يمثل عدواناً مؤسسياً وتنظيماً تدميرياً يتعدى أثره الفرد ليصل إلى تخريب البناء الاجتماعي الفوقي، بينما تظل الفاحشة المجردة محكومة بأطر بديلة تنتهي بالتوبة والإصلاح.
رابعاً: النص المفترى وادعاء نسخ اللفظ دون الحكم
أمام خلو المصاحف تماماً من أي ذكر لعقوبة الرجم، وتحت ضغط الروايات الوافدة من الثقافة اليهودية، التجأ الرواة والفقهاء إلى ابتكار واحدة من أغرب القواعد الأصولية في تاريخ التشريع البشري، وهي قاعدة (نسخ التلاوة مع بقاء الحكم). وحاولوا عبر هذه الحيلة المعرفية تمرير نص مفترى زعموا أنه كان جزءاً من القرآن المتلو المتتابع، وادعوا أن التلاوة رُفِعت بينما بقيت العقوبة سارية المفعول، والنص المفترى هو: “والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجومهما البتة”.
إن هذا الادعاء يتصادم تماماً مع النظم المعماري واللساني للقرآن. فالقرآن في تشريعاته لا يستخدم كلمة الشيخ والشيخة للدلالة على الحالة الاجتماعية (المحصن أو المتزوج)؛ فالشيخ في اللسان هو المتقدم في السن كقوله تعالى عن يعقوب: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص: 23). ولم يقل أحد من الفقهاء إن الرجم يختص بالشيوخ فقط، بل طبقوه على الشاب المتزوج والشابة المتزوجة. هذا التناقض الصارخ بين اللفظ المفترى (الشيخ) وبين الحكم الفقهي المراد تطبيقه (المحصن) يثبت يقيناً أن النص مصنوع وموضوع بيد رواة صاغوه بلسان ركيك يعكس المفاهيم القبلية السائدة، ثم نسبوه زوراً للتنزيل عبر فرية نسخ التلاوة التي تنقض مبدأ التتابع وحفظ الذكر.
خامساً: مواقف المذاهب، المعتزلة، وفرية الإجماع
تتبعت المدونات الفقهية هذا الحكم وسجلت المذاهب الأربعة (الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة) وجوب الرجم على الزاني المحصن استناداً إلى الروايات الشفوية وقصص الآثار، مع وضع شروط تفصيلية للإحصان في كتبهم المعتمدة مثل بدائع الصنائع والأم وبداية المجتهد والمغني.
وفي مقابل هذا الاتجاه التقليدي، برزت مواقف نقديّة داخل الفكر الإسلامي التاريخي؛ فلم يكن النفي حكراً على الخوارج الذين رفضوا العقوبة لخلو القرآن منها، بل إن بعض أساطين المعتزلة، وعلى رأسهم النظام وطائفة من متكلمي بغداد، نفوا حد الرجم رفضاً قاطعاً، ودفعوا بأن القول بوجود آية سقطت لفظاً وبقي حكمها يفتح باب الشك في سلامة تتابع القرآن، وهو ما يتناقض مع حفظ التنزيل.
أما دعوى الإجماع الفقهي التي تذرع بها المدافعون عن الرجم، فهي في حقيقتها المعرفية ليست مصدراً دينياً تشريعياً، بل هي حالة إدارية وتنظيمية بشرية تم دمجها ودسها في علم أصول الفقه في مرحلة متأخرة لإضفاء صبغة القداسة على اختيارات فقهية معينة وتحصينها من النقد والمساءلة.
سادساً: ظنية المرويات والدور الرسالي
إن الروايات الشفوية التي تذكر وقوع الرجم في عهد النبي هي مرويات ظنية تخالف صريح النص القرآني ولم تثبت قطعاً عن الرسول. إن الاعتماد على هذه القصص التاريخية المنقولة عبر أخبار الآحاد يوقع أصحابها في معضلة معرفية خطيرة، حيث تتضمن هذه المرويات اتهاماً ضمنياً للنبي بمخالفة القرآن وتعطيل أحكامه المحفوظة. والرسول في الحقيقة المعرفية مأمور باتباع ما أُنزل إليه حصراً، وهو مبلغ وتالي للنص المقدس وليس مشرعاً مستقلاً يملك حق إنشاء عقوبات تزهق النفوس خارج إطار القصاص والتنزيل.
سابعاً: شهادة محمد أبو زهرة وتوثيق يوسف القرضاوي
إن الوعي بطبيعة الرجم التلمودية صرح به كبار أساطين الفقه الأصولي في العصر الحديث بعد عقود من الكتمان الناشئ عن سطوة العقل الجمعي التراثي. ويبرز هنا الموقف التاريخي المدوي للشيخ الاصولي الأزهري “محمد أبو زهرة”، والذي وثقه بدقة تامة “يوسف القرضاوي” في كتابه (ابن القرية والكتاب: مذكرات الشيخ يوسف القرضاوي) في الجزء الثالث.
ينقل القرضاوي أن محمد أبو زهرة وقف في ندوة التشريع الإسلامي المنعقدة في مدينة بنغازي عام 1972، وأعلن أمام كبار العلماء قائلاً: “إني كتمت رأياً فقهياً في نفسي منذ عشرين سنة، وكنت أود أن أموت ولا أعلن هذا الرأي، ولكني رأيت أن الله سائلني عنه إذا لقيتُه إن لم أُعلنه، وهو أن الرجم كان شريعة يهودية، وقد تسللت هذه العقوبة إلى الفقه الإسلامي تآثراً بالثقافة اليهودية”.
ثامناً: الموقف التشريعي والمنهج اللساني في القرآن
يقف النص القرآني في بنيته ودلالته اللسانية المحكمة سداً منيعاً يبطل عقوبة الرجم ويهدم التفريق التلمودي، حيث شرع التنزيل عقوبة بدنية على ممارس الزنا دون أي التفات للحالة الاجتماعية للفاعل عازب أو متزوج كما جاء في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور: 2).
بينما تم تخفيف العقوبة للنصف عن النساء من ملك اليمين المتزوجات نظراً لضعف مقامهن الاجتماعي وذلك رحمة بهن.
إن التحليل في اللسان يثبت أن اللفظين الزانية والزاني (اسم فاعل) جاءا مقترنين بألف ولام الاستغراق، وهي أداة لسانية قطعية تفيد الشمول الكلي والعموم المطلق، مما يدمج كل من يمارس هذا الفعل في حكم الجلد علناً، وينفي وجود أي عقوبة أخرى كالموت أو الرجم.
ويتأكد هذا التناغم التشريعي بامتناع الرجم عقلياً ورياضياً عند تدبر عقوبة ملك اليمين المتزوجات وهن اللاتي فقدن الإحصان الاجتماعي وتابعين في حياتهم المعيشية والاقتصادية لغيرهم (عاملات مستخدمات…) في قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (النساء: 25). يقرر النص أن عقوبة ملك اليمين هي نصف عقوبة المرأة المحصنة اجتماعياً. ومن الناحية الرياضية واللسانية، فإن العذاب الذي يقبل التنصيف هو الجلد، لأن مئة جلدة تنصف رياضياً إلى خمسين، بينما يعد الموت رجماً عقوبة مطلقة تدميرية لا تقبل التجزئة أو التنصيف الفيزيائي، مما يقطع بيقين اللسان المعرفي أن عقوبة المحصنات اجتماعياً في القرآن هي الجلد، وأن الرجم حكم وافد وغريب تماماً عن هندسة التشريع الإلهي.
تكشف المقارنة المعرفية واللسانية لعقوبة رجم الزاني أنها تمثل حكماً حاخامياً تسرب إلى الفكر الفقهي نتيجة غياب المنهج اللساني الصارم وهجر التدبر المباشر لآيات الكتاب. إن إعادة ضبط الأحكام الجنائية وفقاً للهندسة البيانية للقرآن تبين زيف هذه المرويات الوافدة والنصوص المفتراة، وتؤكد أن الرسالة العالمية جاءت لتضع عن البشر إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، محررة الأنفس من قسوة التشريعات البشرية القديمة، ومستعيضة عنها بنظام تشريعي محكم يقوم على العدل والبيان والاستقامة وحفظ أصل الحياة الإنسانية.
