نظم مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية ندوته الدورية الثانية للعام 2026م في مدينة سكاريا – تركيا، وذلك يوم السبت الموافق 11/7/2026م تحت عنوان: (مناهج دراسة التاريخ) بالتعاون مع جامعة سكاريا التركية/ معهد دراسات الشرق الأوسط.
وقد شارك في الندوة إضافة للدكتور باسم الجمل المدير العام لمركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية كلٌ من الدكتور يوسف أبو عواد والدكتور الصادق الفقيه والدكتور محمد الزواوي والأستاذ أنس إنجن وعدد من الأساتذة وطلبة الدراسات العليا في جامعة سكاريا، خاصة قسم التاريخ.
وافتتحت الندوة بترحيب الدكتور الصادق الفقيه بالحضور ممثلا عن جامعة سكاريا، تلا ذلك كلمة للدكتور باسم الجمل بيّن من خلالها رسالة مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية بأبعادها الثلاثة: نقد السرديات التاريخية، وإعادة قراءة النصّ الديني، ومفهوم الهوية.

كلمة الباحث الأستاذ الدكتور سيّار الجميل (من العراق)
مّ بدأت أحداث الندوة بكلمة الباحث الأستاذ الدكتور سيار الجميل حول المنهج التحليلي والنقدي في دراسة التاريخ.
تناول الباحث في كلمته طغيان العنصرية والإقصائية على كثير من الكتابات التاريخية، وعرّج على ذكر الجذور الأولى لدراسة التاريخ لدى العلماء العرب، وانتقد ما وصفه بانشغال كثير من الأكاديميين بالقضايا التافهة، وانتشار ظاهرة الخشية والتزوير والمحاباة على حساب مسائل شديدة الأهمية في التاريخ لم تطرق، إلى جانب غياب الوعي الجمعي العربي أو ضعفه.
كما انتقد الباحث مبدأ تقديس النصوص التاريخية باعتبار ذلك معيقًا عن التحليل والنقد.
وأشار الباحث إلى أنّ وصف الحقبة العثمانية بأنّها مظلمة هو وصف منقول عن الغرب، لا أساس له من الصحة. وبين أنّ مما أضرّ بالتاريخ كثيرًا إسقاط مشكلاتنا الاجتماعية عليه.
واعتبر الباحث أنّ دخول غير المتخصصين ميدان التاريخ، مثل الجابري وأدونيس محلّ نقد بالنسبة له.
ودعا الباحث إلى ضرورة التجديد المستمرّ في دراسة التاريخ، واستخدام المنهج المقارن للخروج بصورة أقرب للحقيقة مما نعرفه اليوم، محذرًا مما سمّاه التاريخ الموازي، ومطالبا في الوقت نفسه بتحليل التاريخ المنقول ونقد نصوصه وتفكيكها.
ثم تناول الباحث ضرورة تحرير الكتابات التاريخية متسائلا عن ظاهرة كثرة التأليف على حساب دقة المؤلَّفات وجودتها.
وختم الباحث كلمته بأهمية التركيز على تاريخ المهمشين والتاريخ البيئي، وتركيز البحث على موضوع صغير لتحقيق النجاح في فهمه ومقاربة الصواب فيه.

كلمة الباحث الأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم (من العراق)
بعد استراحة قصيرة افتتح الدكتور محمد الزواوي (أستاذ الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية في جامعة سكاريا) الجلسة الثانية مقدمًا الباحث الأستاذ الدكتور عبد الله إبراهيم للحديث عن دراسته حول المنهج السردي والوصفي في دراسة التاريخ.
وقد نبّه الباحث بدايةً إلى أنّ أصل بحثه يتكون من 12 ألف كلمة، سيقتصر على عرض مختصر له يتكون من ألف كلمة تقريبًا، ويمكن الرجوع للبحث المطول لمن أراد الاستزادة.
ثمّ تحدث الباحث عن أقسام التاريخ -كما يراها-، فهو ديني ودنيوي ومركب بينهما، وهذا النمط الأخير هو الذي طغى على سرد التاريخ العربي.
وبين الباحث أنّ الإسرائيليات كان لها تأثير كبير وعميق في التاريخ العربي السردي. أمّا مادة هذا التاريخ فقد تكونت من أخبار الأولين، ومرحلة النبوة بما فيها من غزوات، وأخبار فتوح البلدان كما هي عند البلاذري، وقد كان أول من جمع ذلك قارنًا السرد بالتاريخ ابن إسحق.
واعتبر الباحث أنّ معظم أساطير الأولين هي منحولات مبينًا أنّ الإسرائيليات لم تظهر في التاريخ العربي قبل نزول القرآن الكريم.
وأشار الباحث أنّ سيرة ابن إسحق تكونت من المبتدأ (بداية الخلق)، والمبعث (المرحلة المكية)، والمغازي (المرحلة المدنية)، وقد كانت طويلة جدًا فطلب منه أبو جعفر المنصور اختصارها، فكان الكتاب الذي يعرف اليوم بسيرة ابن إسحق، وقد رواه عنه زيد البكائي، وعن هذا الأخير أخذها ابن هشام فهذبها وتصرف فيها تصرفًا كبيرًا.
وشدد الباحث على أنّ كتابة السيرة كانت غائية، وأن التاريخ الديني يقوم على أطوار تعاقبية لا سببية، وأن السرديات السابقة تمثل صراعًا بين العادات والعبادات، وأنّ الإسلام ختم التاريخ الديني، حيث حمّل الله المسؤولية للناس بعد ذلك.
ولفت الباحث إلى أن التاريخ الدنيوي لا يهتم بالسرد والخيال، وأن تاريخ الطبري يعدّ نموذجًا أول وأفضل للتاريخ السردي المركب، موصيًا في النهاية بتراجع التاريخ السردي.

كلمة الباحث الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد زين (من السودان)
افتتح الجلسة الثالثة من أعمال الندوة الأستاذ أنس إنجن من التلفزيون التركي مرحبا بالحضور وبالباحث الذي دارت ورقته البحثية حول الأثر الثيولوجي والميثولوجي على دراسة التاريخ العربي.
وبين الباحث أن التاريخ فنّ وليس علمًا -من وجهة نظره-؛ لأنه لا يمكن أن يتصف بالعقلانية البحتة، فهو قائم على ظنون لا يمكن الوصول بها إلى رتبة القطع.
ثم اتخذ الباحث من مسألة بداية الخلق نموذجًا لبحثه، معتبرًا أن القرآن الكريم تميّز عن الإسرائيليات في عرض قصة الخلق في جوانب عديدة، كما تميز كذلك عن كتب التفسير التي ظهرت لاحقًا، ومن ذلك مثلا أن حوار الله مع ملائكته لم يرد أساسًا في سفر التكوين.
ثم تعرّض الباحث لعلم الكلام، معتبرًا أنّه قام بسحب قصة الخلق إلى بعد ثيولوجي، وهو ما لم يكن أساسًا في طريقة عرض القرآن لها.
وقد عقد الباحث مقارنة بين الطبري والمسعودي في عرض كل منهما قصة الخلق في تفسيره.

حوار مع الطلبة
وفي أثناء ذلك، وبعد كل كلمة من كلمات الباحثين، جرى حوار مطول مع طلبة الدراسات العليا في قسم التاريخ في جامعة سكاريا، حيث طرحوا أسئلتهم ومداخلتهم مع الباحثين، ما فتح مجالا موسعًا للنقاش وإثراء الموضوعات المطروحة.

واختتمت الندوة أعمالها في تمام الساعة الخامسة عصرًا.
يشار إلى أنّ دراسات الباحثين الثلاثة ستنشر على موقعنا ضمن قسم الدراسات التاريخية؛ ليتسنى للمهتمين مطالعتها والاستفادة من مضامينها.























