هل المجتمع محض فكرة أم له وجود أنطولوجي حقيقي؟ هذا سؤال كبير يتصل اتصالاً مباشراً بإمكان علم الاجتماع. والحقيقة أن مسألة وجود علم للمجتمع، كانت مثارَ جدل كبير بين مختلف التيارات الفلسفية. إن تصورات ألتوسير ربما تبرز الجانب الأنطولوجي من المجتمعات بشكل أوضح من أية فلسفة أخرى، وربما هي تحسم الجدلَ حول هذه المسألة.
لن نجد تنظيرات ألتوسيرية حول التشكُّل البدئي للمجتمعات وتفاعل أفرادها من أجل إنتاج مستلزمات حياتهم المادية والمعنوية؛ ولكننا سنرى لديه أنضج التنظيرات حول عمليات إعادة الإنتاج، المتصلة بأشكال الوجود الاجتماعي، والتي تتعامل مع المجتمع كواقع أنطولوجي، له عناصره وتمظهراته التي تعرفها النخب الحاكمة، أكثر من غيرها؛ من أجل تحقيق أهدافها في السيطرة على هذه المجتمعات وتسخيرها في خدمة العملية الإنتاجية. ينطلق ألتوسير من مُسلَّمة ماركسية “أن أي تشكيل اجتماعي لا يمارس عملية إعادة إنتاج نفسه، لا يمكن أن يستمر لأكثر من سنة”. ومع آليات إعادة الإنتاج المختلفة التي سيدرسها ألتوسير بعمق غير مسبوق، سوف نلمس بشكل واقعي عناصر الوجود الأنطولوجي للتشكيلات الاجتماعية. يستنتج ألتوسير من عبارة ماركس السابقة أن الشروط المثالية التي تصل بالإنتاج لذروته تتمثل في إعادة إنتاج شروط الإنتاج. يطلب منا ألتوسير أن نبقى واعين لحقيقة أن أي تشكيل اجتماعي مرتبط بالضرورة بنمط الإنتاج المهيمن، ولأن نمط الإنتاج المهيمن يسعى دائماً لمراكمة أرباحه عن طريق زيادة الإنتاج؛ فهو معني بالضرورة بوضع قوى في إطار علاقات إنتاج محددة، بهدف تحقيق غرضه السابق. وبناء على ذلك؛ فإن أي تشكيل اجتماعي يتوجب عليه أن يقوم بعملية مزدوجة من إعادة الإنتاج: 1- إعادة إنتاج قوى الإنتاج و2- إعادة إنتاج علاقات الإنتاج. هكذا، يبادر ألتوسير لربط التشكيلات الاجتماعية بكيانات لها وجود أنطولوجي صلب ممثلة ببنى الإنتاج، وينقلها من محض الفكرة إلى واقع الوجود الأنطولوجي المجسد. مع ألتوسير، نصبح على تماس مباشر مع قوى الإنتاج؛ والتي هي القوى العاملة (البروليتاريا)، ونصبح على تماس مع كل الآليات التي يمارسها مالكو وسائل الإنتاج؛ من أجل ديمومة الطبقة العاملة وديمومة قدرتها على مواصلة الإنتاج بوتيرة متسارعة.
هذا بعدٌ أنطولوجيٌّ مهمٌّ علينا أن نوليه عناية كبيرة في سياق تحليلنا للأيديولوجيات والفلسفات التي تُطرح، وهي في نهاية المطاف تعبر عن حالة الصراع الطبقي بين القوى العاملة والمالكين لوسائل الإنتاج. وهنا لا بد من التذكير بمبدأ من مبادئ ألتوسير؛ أن الفلسفة هي البعد النظري لهذا الصراع. إن الهيمنة التي تمارسها طبقة المالكين ليست بالضرورة هيمنة بالقوة المجردة؛ ربما تكون القوة المجردة هي المعتمدة في حقب زمنية مختلفة، ولكن الأمر تبدَّل تماماً وأصبحت السيطرة الناعمة هي الأسلوب المفضل للمالكين، وربما تكون الأيديولوجيا من أهم تمظهرات السلطة الناعمة في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. لقد كانت الأفكارُ الملهمةُ التي ضمنها ألتوسير في مقالته الأشهر “الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية” حافزاً لنتاج فلسفي واسع ومتنوع من قبل تلامذة ألتوسير. لا يمكن فصل اشتغالات ميشيل فوكو حول الجنسانية عن أفكار ألتوسير السابقة؛ حيث يسهب فوكو في الكشف عن الآليات التي اتبعتها الطبقة المهيمنة للسيطرة على الجنس وتسخيره بما يخدم توجهاتها في توفير عدد كافٍ من العمال على الدوام؛ حيث إنها، ومنذ القرن السابع عشر، وضعت وظيفة واحدة للجنس هي الإنجاب. إن الجنسانية من المنظور الفوكوي هي عبارة عن أيديولوجية متكاملة للسيطرة على الجنس، وحصره في القنوات التي تخدم العملية الإنتاجية. عندما نتحدث عن أنطولوجيا الثورة الاجتماعية، فلا بد لنا من مساءلة العلم حول دوره النقدي، وهنا يحضر التصور النقدي للعلم عند ألتوسير وعلاقته بالفلسفة والأيديولوجيا. لقد نظر ألتوسير للعلم في كتاباته الأولى “من أجل ماركس” و”قراءة رأس المال” بوصفه إنتاجاً اجتماعياً من طراز خاص يتميز عن الإنتاج الأيديولوجي والفلسفي والفني والاقتصادي والسياسي. ويعتقد ألتوسير أن العلم سابق على الفلسفة منطقياً وتاريخياً. وفي مقاربة غريبة بعض الشيء؛ يرى ألتوسير أن العلم في تشكله البدئي ينبثق من الأيديولوجيا ثم ينفصل عنها في قفزة مفاهيمية يعتقد ربما تكون غير واضحة، أو أن ألتوسير لم يوضحها تماماً. بعد ذلك، يعاود ألتوسير نقد مفهومه للعلم في عملَين هما “مقالات في النقد الذاتي” و”لينين والفلسفة”، وقد عدَّل رؤيته للعلم وَفق هذا النقد الذاتي. لقد لاحظَ أن رؤيته للعلم لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية العلم الماركسي وعلاقته بالممارسات السياسية والاجتماعية للطبقة العاملة. لقد أحرز العلم الماركسي قطيعة إبستمولوجية، كما أشار ألتوسير؛ ولكن هل كانت هذه القطيعة ذات طبيعة إبستمولوجية بحتة؟ يبدو أن هذه القطيعة كان لها بعد سياسي طبقي؛ حيث انطوت على قفزة من الموقع الطبقي البرجوازي إلى الموقع الطبقي العمالي.
عندما نتكلم عن العلم من منظور برجوازي؛ فإن الكثير من المفهومات يتم تغييبها، مثل القمع والاستغلال والهيمنة الطبقية. ولقد سبق لماركس أن لاحظ، وفي سياق نقده الاقتصادَ البرجوازي الكلاسيكي (ريكاردو وسميث)، أن مفهوم فائض القيمة كان متضمناً في هذا الاقتصاد؛ ولكنهم لم يبادروا إلى بلورته، لأنه يستتبع الكثير من التداعيات؛ حيث يبرز السؤال: من أين يأتي فائض القيمة؟ ومَن هو الأحق به؟ ماركس هو الذي بلور مفهوم فائض القيمة المُغيّب، وأوضح بجلاء أنه متأتٍّ من قوة العمل، وبالتالي فإن للعامل حقاً فيها.
هذا التصور الثوري للعلم هو الذي كان مغيباً في كتابات ألتوسير المبكرة. كان لا بد لماركس من القفز من المنظور البرجوازي إلى المنظور العمالي؛ حيث يتسنى له بناء جهاز مفاهيمي علمي يكون أرضيةً لعلم التاريخ. هكذا إذن، لدينا منظور عمالي يسعى حثيثاً للتعبير عن نفسه على المستوى النظري، وهنا يرى ألتوسير أن الفلسفة هي الصورة النظرية لأي منظور طبقي؛ مما يستتبع أن كل فلسفة هي في جوهرها سياسية، أو أن الفلسفة هي عينها السياسة في حقل النظرية. فإذا كانت المادية التاريخية هي العلم الماركسي، والمادية الجدلية هي الفلسفة العمالية؛ فإن السياسة لا تدخل في العلم الماركسي مباشرةً، بل عبر وسيط هو المادية الجدلية. هكذا تكتمل خيوط الترابط الأنطولوجي بين العلم والفلسفة والمجتمعات. ثمة مأخذ على ألتوسير؛ فهو لم يبادر إلى ربط العلم الماركسي بشكل مباشر بالممارسات السياسية للطبقة العاملة. هل أراد ألتوسير الحفاظ على نقاء العلم النظري واتساقه الداخلي وإبقائه بعيداً عن الممارسة السياسية المفخخة بالتناقضات؟ يبدو أن ألتوسير فضَّل تحميل الفلسفة وزر السياسة، والحفاظ على نقاوة العلم. ويبدو أن هذه الحيلة أو الأحبولة التي لجأ إليها ألتوسير لم تكن مطلوبةً، وربما تحيل لنزعة مثالية متسترة عند ألتوسير، وبدلاً من ذلك فإننا نرى أن علم الاجتماع والتاريخ (والعلم الماركسي بالضرورة) يتضمن بعداً نقدياً، ليس فقط في علاقته مع ذاته؛ بل في علاقته مع المجتمع والتاريخ اللذين يشكلان موضوع هذين العلمَين. ونرى أيضاً أن علم الاجتماع والتاريخ أكثر ثورية من العلم الطبيعي؛ لأنهما في حالة رفض مستمرة للواقع. في سياق متصل، قامت البرجوازية المهيمنة بممارسة سلطتها على المجتمعات في مجلي آخر هو الجنس؛ حيث استطاعت السلطات تسخير الجنسَ بما يخدم توجهاتها في زيادة الإنتاج وتأمين القوة العاملة بشكل كفؤ عبر الأجيال. يشير ميشيل فوكو إلى أن العصر الفيكتوري ما زال، لغاية اليوم، يهيمن على رؤيتنا للجنس، ويظهر ذلك من خلال تعبيره “نحن الفيكتوريون”، وهو يشير بذلك إلى العصر الفيكتوري الذي شهدته بريطانيا وامتد تأثيره إلى الغرب بأكمله.
لقد شهد هذا العصر كل الأحداث الكبرى في التقدم الإنساني؛ حيث تحققت الثورة الصناعية في بريطانيا، وكان لها امتدادات اقتصادية واجتماعية وفلسفية عمَّت بريطانيا، وانتقلت إلى كل دول الغرب الأوروبي وأمريكا، ووصلت بريطانيا إلى أوج عظمتها في هذا العصر، ووصلت الحضارة الإنسانية إلى ذروة التحقق على صعيد الحداثة والتنوير. يشير فوكو إلى حقيقة أن هذا العصر، ما زال ممتداً وحاضراً في تأثيره في حياتنا المعاصرة من خلال القيم التي دشَّنها والتي تصب كلها في خدمة ساحة الإنتاج.