Skip to content Skip to footer

بنية الإقصاء وسلطة النص: قراءة في أطروحة يسرائيل شاحاك وتجلياتها المعاصرة | نبهان خريشه

لا يمكن اعتبار كتاب يسرائيل شاحاك “اليهودية: وطأة ثلاثة آلاف عام” مجرد دراسة تاريخية في اللاهوت اليهودي، بل هو، في جوهره، مشروع لتفكيك الأيديولوجيا التي تحرك واحدة من أعقد الصراعات المعاصرة. يسرائيل شاحاك، الناجي من “الهولوكوست” والذي عاين بنفسه ويلات العنصرية في أوروبا، أدرك أن مواجهة العنصرية لا تجوز أن تكون انتقائية؛ فالعنصرية التي تُدان حين تمارس ضد اليهود، يجب أن تُدان وبنفس القوة حين تُمارس باسم اليهودية ضد الفلسطينيين. ينطلق شاحاك من فرضية أن فهم “دولة إسرائيل” لا يمكن أن يتم عبر الأدوات السياسية التقليدية وحدها، بل عبر إعمال المبضع في جسد “النصوص الدينية الكلاسيكية” التي تمنح الشرعية لسياسات الفصل والإبادة المعنوية والمادية.

أسطورة العلمانية الصهيونية والتوظيف الديني

​من أهم النقاط التي يؤيدها الواقع المعاصر وتتجلى في أطروحة شاحاك، هي تفنيد “علمانية” الحركة الصهيونية، حيث يرى شاحاك، وهو ما نلمسه بوضوح اليوم، أن الصهيونية لم تكن حركة تنويرية بالمعنى الأوروبي الذي يفصل الدين عن الدولة، بل كانت عملية “تأميم للدين”. فالمؤسسون “العلمانيون” لإسرائيل استعاروا الرموز الدينية، وحولوها إلى أدوات قومية إقصائية.

​إن هذا التوظيف ليس مجرد “تراث” هامشي، بل هو المحرك الأساسي للسياسات الاستيطانية. فعندما يتحدث القادة السياسيون اليوم عن “الوعد الإلهي” أو “أرض الآباء”، فهم لا يستخدمون لغة مجازية، بل يستحضرون قوانين “الهالاخا” (الشريعة اليهودية) التي تعيد تعريف الأرض ليس كفضاء للمواطنة، بل كملكية حصرية لـ “شعب مختار”. هنا تكمن الخطورة التي حذر منها شاحاك: أن النص الديني الذي يعود للعصور الوسطى أصبح هو “الدستور غير المكتوب” لإسرائيل الذي يحدد من له الحق في الحياة ومن هو “عابر” في هذه الأرض.

 

التصنيف الأنطولوجي للأغيار وتطبيقاته المعاصرة

​يشرح شاحاك باستفاضة كيف تقسم اليهودية الكلاسيكية (التلمودية) البشرية إلى درجات تراتبية. وهنا نجد صلب الموضوع المتعلق بالفلسطينيين؛ ففي المنظور الذي حلله شاحاك، لا يُنظر لغير اليهودي (الجوييم) كإنسان مساوٍ في المرتبة الوجودية. هذا التصنيف “الأنطولوجي” الذي نراه في نصوص “القبالاه” وكتاب “الزوهار”، يصور روح اليهودي كجزء من الإله، بينما يرى الأرواح الأخرى من مصدر “أدنى”.

​إن هذا الفكر ليس حبيس الكتب الصفراء، بل هو “العقيدة القتالية” التي نراها اليوم في سلوك المستوطنين وجنود الاحتلال. عندما يتم وصف الفلسطينيين بـ “الحيوانات البشرية” من قبل قيادات عليا، فإن هذا ليس زلة لسان، بل هو استدعاء مباشر لتلك النصوص التي حللها شاحاك، والتي تنزع الصفة الإنسانية عن “الأغيار” لتبرير قتلهم أو طردهم دون شعور بالذنب الأخلاقي. إن “وطأة التاريخ” التي تحدث عنها شاحاك تتجسد اليوم في تحويل النصوص الدينية إلى “رُخَص للقتل”.

شريعة الملكية ومصادرة الوجود

​يتوقف شاحاك طويلاً عند مفهوم “الملكية” في الهالاخا، مؤكداً أن الشريعة الكلاسيكية لا تعترف بقدسية ملكية غير اليهودي لأرضه. ويؤيد الواقع الفلسطيني هذه الأطروحة بشكل صارخ؛ فما يسمى “قانون أملاك الغائبين” أو سياسات “تهويد القدس والجليل” ليست إلا ترجمة سياسية حديثة للمفاهيم الفقهية القديمة التي ترى أن الأرض التي يسيطر عليها اليهود تصبح “مقدسة”، وأي وجود غير يهودي عليها هو وجود طارئ يجب إزالته.

​الفلسطيني اليوم لا يواجه مجرد جيش محتل، بل يواجه “نظاماً معرفياً” يرى في بقائه على أرضه “خطيئة دينية”. إن سلاسة انتقال هذه الأفكار من بطون التلمود إلى قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية هي ما يجعل أطروحة شاحاك بالغة الأهمية؛ فهي تكشف أن “العنصرية الإسرائيلية” ليست عرضاً جانبياً للسياسة، بل هي بنيوية ومستمدة من قراءة محددة للدين ترفض المساواة الكونية.

الازدواجية اللغوية وخداع العالم

​من أذكى الملاحظات التي قدمها شاحاك، والتي نراها تتكرر في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، هي “الازدواجية” في التعبير. يشير شاحاك إلى أن هناك لغتين: لغة موجهة للغرب (ليبرالية، ديمقراطية، حقوق إنسان) ولغة داخلية (تلمودية، إقصائية، استعلائية).

​هذه الازدواجية هي التي تسمح لإسرائيل بالادعاء بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” أمام العالم، بينما تمارس في الضفة الغربية وغزة نظام “أبارتهايد” شرساً يستند إلى فتاوى حاخامية تمنع حتى تأجير البيوت لغير اليهود. الفلسطينيون هم الضحية المباشرة لهذا الخداع؛ فالعالم يرى القشرة “الديمقراطية” بينما يعيش الفلسطينيون تحت وطأة “الثيوقراطية” العسكرية التي تفرق بين البشر على أساس العرق والدين في كل تفاصيل الحياة، من جدار الفصل إلى الطرق الالتفافية.

القبالاه والحركات المهدوية المعاصرة

​توسع شاحاك في تحليل أثر “القبالاه” (التصوف اليهودي) على الفكر القومي، ورأى أنها أكثر خطورة من التلمود لقدرتها على تأجيج العاطفة الجماعية. اليوم، نرى صدق توقعاته في صعود حركات مثل “فتية التلال” وجماعات “أمناء الهيكل”. هذه الحركات لا تسعى فقط للاستيلاء على الأرض، بل تسعى لـ “خلاص مهدوي” يمر عبر تدمير الوجود الفلسطيني وتغيير هوية المقدسات.

​إن النصوص التي تتحدث عن “نقاء العرق” و”سمو الدم” التي فضحها شاحاك هي الوقود الروحي لهذه الجماعات. وعندما تؤيد هذه الجماعات ما يطرحه شاحاك (بشكل عكسي، أي عبر ممارسته)، ندرك أننا أمام صراع لا يمكن حله بالتسويات السياسية السطحية طالما أن “الجذر الديني” المظلم لم يتم نقده وتفكيكه من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

 

 نقد “الاستثناء اليهودي” كمدخل للتحرر

​يؤكد شاحاك، ونذهب لتأييد ما يقول، أن ادعاء “الفرادة” أو “الاستثناء” هو العائق الأول أمام السلام. فالعقلية التي ترى أنها مستثناة من القوانين الدولية ومن الأخلاق الكونية لأنها تحمل “عبء ثلاثة آلاف عام من المظلومية”، هي عقلية لا يمكنها أن تعترف بالآخر.

​الفلسطيني في هذا السياق هو “الآخر المطلق” الذي يجب أن يدفع ثمن التاريخ الذي لم يصنعه. إن سياسات العقاب الجماعي، والحصار، وتدمير البيوت، هي في العقل الصهيوني المتدين (والذي صبغ العلمانية بصبغته) نوع من “التطهير” الضروري. شاحاك وضع إصبعه على الجرح حين قال إن التحرر من “وطأة التاريخ” لا يعني نسيانه، بل يعني الكف عن استخدامه كـ “هراوة” لضرب الآخرين.

 

 

النزعات العنصرية  

ينطلق شاحاك في تفسيره من أن “الهالاخاه” لا تتعامل مع الإنسانية كوحدة واحدة، بل تقسم العالم إلى تراتب هرمي يضع اليهودي في قمة الحقوق والواجبات، بينما يُنظر للآخرين من زاوية نفعية أو عدائية أحياناً. ويظهر هذا جلياً في مفهوم “إنقاذ الحياة”، حيث يشير شاحاك إلى أن الشريعة الكلاسيكية تمنع، من الناحية المبدئية، تدنيس السبت لإنقاذ حياة غير اليهودي، وهو موقف يفسره شاحاك بأنه ليس مجرد نص تاريخي، بل فكر يؤثر في وعي قطاعات واسعة من القوى الدينية والسياسية اليوم، مما يخلق تمايزاً أخلاقياً يجعل دماء “الغويم” أقل قيمة في المنظور التشريعي المتشدد، وتنعكس هذه الرؤية في الممارسات الميدانية من خلال التأخير المتعمد أو الانتقائية في تقديم المساعدات الطبية في سياقات النزاع.

​وفيما يخص مفهوم السرقة والملكية، يوضح شاحاك أن التفسيرات الهالاخية تميز بين ممتلكات اليهودي وممتلكات غيره؛ فبينما يُحرم “السرقة” بمعناها المطلق داخل المجتمع اليهودي، تظل حقوق الملكية لغير اليهودي “هشة” قانونياً وفقاً لبعض الاجتهادات التقليدية التي يرى شاحاك أنها استُخدمت لتبرير الاستيلاء على الأراضي والممتلكات، خاصة في فلسطين، تحت مسميات دينية تشرعن نزع الملكية من “الأغيار”. هذا التمييز يمتد ليشمل النظرة البيولوجية المتطرفة الموجودة في نصوص “القابلاه” (التصوف اليهودي)، والتي يعرضها شاحاك كدليل على وجود أيديولوجيا ترى أن النفس اليهودية تنتمي لمرتبة وجودية أسمى، بينما تُعتبر أرواح “الغويم” نابعة من مصادر شيطانية أو أدنى مرتبة. يرى شاحاك أن هذا الفكر “البيولوجي” يمثل أخطر أنواع العنصرية، لأنه لا يكتفي بالتمييز الحقوقي، بل يؤسس لفوارق جوهرية في القيمة الإنسانية، مما يمهد الطريق لتبرير العنف والاضطهاد باعتبارهما تعاملاً مع كائنات أدنى.

​أما في الموقف من جرائم القتل، فيشرح شاحاك كيف أن العقوبات والقصاص في الهالاخاه تختلف جذرياً بناءً على هوية القاتل والمقتول؛ فالقتل العمد لليهودي يستوجب عقوبات صارمة، بينما الجرائم المرتكبة ضد غير اليهودي غالباً ما تقع في منطقة “العقوبات السماوية” التي يغيب فيها القصاص القضائي الأرضي الصارم. يفسر شاحاك هذا التراخي التشريعي بأنه المحرك الأساسي لحالات الإفلات من العقاب التي نشهدها في الاعتداءات المعاصرة، حيث يتم تأويل النصوص الدينية لتخفيف وطأة الجرم إذا كان الضحية فلسطينياً أو غير يهودي. من خلال هذا الربط المحكم، يخلص شاحاك إلى أن المشكلة ليست في نصوص غابرة، بل في منظومة فكرية حية تتم استعادتها وتطبيقها في الواقع السياسي المعاصر، مما يحول الدين إلى أداة للفصل العنصري وتجريد الآخر من إنسانيته، محذراً من أن استمرار العمل بهذه التفاسير دون نقد جذري سيؤدي إلى مزيد من الانغلاق والكراهية المؤسسية.

 

المسؤولية الأخلاقية والكونية

​يرى شاحاك أن نقد اليهودية هو واجب أخلاقي إنساني، تماماً كما أن نقد أي دين يتحول إلى أداة قمع هو واجب. إن التأييد لشاحاك ينبع من الإيمان بأن العدالة للفلسطينيين لا تمر فقط عبر استعادة الأرض، بل عبر هزيمة “الأيديولوجيا” التي تشرعن سلبها.

​إن كتاب شاحاك هو دعوة لرفع الغطاء عن “العنصرية المقدسة”. وهو يبين أن الفلسطينيين لا يواجهون فقط قوة عسكرية غاشمة، بل يواجهون تراثاً من الانغلاق جرى تحديثه وتسليحه بأحدث أدوات التكنولوجيا. إن الحل الذي يقترحه شاحاك ضمناً هو “العالمية الإنسانية”؛ أي العودة للمساواة الكاملة التي لا تعترف بـ “شعب مختار” ولا بـ “أغيار” أدنى مرتبة.
​ يظل يسرائيل شاحاك صوتاً نبوياً بالمعنى الأخلاقي، لأنه حذر من تحول المجتمع الذي يدعي النجاة من العنصرية إلى ممارس لها بأبشع صورها. إن تطبيق النصوص الدينية ضد الفلسطينيين اليوم ليس انحرافاً عن المسار الإسرائيلي، بل هو، كما أوضح شاحاك، العودة إلى “الجذور التلمودية” التي لم يتم التخلص منها أبداً.

​إن فهمنا لما يحدث في غزة والقدس والضفة يكتمل عندما نقرأه في ضوء “وطأة الثلاثة آلاف عام”. فالنص القديم يعطي الشرعية، والسياسي يضع الخطة، والجندي ينفذ الأمر. وبدون كسر هذه الدائرة، سيظل الماضي قيداً يمنع المستقبل من الولادة. شاحاك لم يكتب ليدين اليهودية كدين، بل ليدين تحويل الدين إلى “سجن” يقتل فيه السجانُ والمسجونُ إنسانيتهما، والضحيةُ الكبرى في هذا المسار هي الشعب الفلسطيني الذي يُطلب منه أن يتلاشى ليحقق النص نبوءته المتوهمة.

إن القيمة الحقيقية لأطروحة شاحاك، في سياقنا المعاصر، تكمن في قدرتها على ربط “النص الديني” بـ “الرصاصة”. هو يثبت أن التطرف اليميني الحالي في إسرائيل ليس “طفرة”، بل هو عودة للأصول التي جرى كبتها خلف قناع العلمانية لفترة وجيزة. الفلسطينيون، في هذا المنظور، ليسوا مجرد خصوم سياسيين، بل هم “العائق الوجودي” أمام تحقيق رؤية عالمية منغلقة، ومن هنا تأتي الشراسة في التعامل معهم؛ لأنها شراسة مستمدة من “يقين ديني” يرى في إلغاء الآخر تقرباً للمقدس.

Leave a comment