Skip to content Skip to footer

الفلسفة ومحاكمة الواقع: من شك ديكارت إلى أزمة العدالة المعاصرة | د. محمد الدكالي

هل الفلسفة مجرد تنظير أم أداة حية لفهم الواقع المأزوم؟ في هذه الحلقة، نغوص في أعماق الشك الذي حرر العقول، ونتساءل: كيف تحمينا لغة الفلسفة من الخداع؟ وهل يمكن تحقيق العدالة وسط بيروقراطية المحاكم أم أنها ستظل فكرة طوباوية؟ وهل من العدل الصمت أمام طغيان الظلم في عالمنا المعاصر؟ ويجيب علينا د. محمد الدكالي، أستاذ الفلسفة المغربي، في لقائه مع د. باسم الجمل في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع

 

كيف تصبح الفلسفة شغفًا يطرد الملل عن المدرس؟

باسم الجمل: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الأستاذ محمد الدكالي من المغرب، أستاذ الفلسفة.

محمد الدكالي: أنا بدأت تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية في سبتمبر 1984. درّست لمدة عشرين سنة في كلية ما سُمي حينها بكلية علوم التربية، أي كلية تعد الأساتذة للتدريس في الأقسام النهائية للمدرسة الثانوية، التي تحيل للبكالوريا، البكالوريا المغربية. فكانت أيامًا رائعة لأنه كانت أعداد الطلبة قليلة، وكانوا شبه موظفين أي يتقاضون نصف أجرتهم أظن، وكنا نشتغل بجدية مطلقة.

قبلها توقفت هذه التكوينات بشكل مفاجئ وغير معقول وغير مقبول، قررت الوزارة أو غيرها إحالة التكوينات على مؤسسات أخرى، وبقيت تلك الكلية بدون اشتغال لمدة طويلة.

حينها انتقلت إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية في نفس المدينة بالرباط نفس الجامعة، جامعة محمد الخامس، حيث اشتغلت لمدة عشرين سنة أخرى. وبعدها عندما أذن الوقت لأنتقل إلى التقاعد طلب مني أصدقاء أن أستمر في التدريس، وكان الجو طيبًا ومشجعًا على التدريس، فأضفت ست سنوات أخرى، وكان هذا أقصى جهدي.

باسم الجمل: يعني ستة وأربعين عامًا في التدريس.

محمد الدكالي: نعم، كانت سنوات التدريس بالنسبة لي أجمل سنوات العمر. ذات يوم في هذه الأيام الأخيرة اتصل بي صديق كذلك أحيل إلى التقاعد وبدأ يشتكي، وأنا أستغرب دائمًا أن يشتكي أستاذ من الملل، أستغرب هذا الأمر طيلة حياتي. فأقول لصديقي منذ زمن أنا لا أجد الوقت لكي أنجز كل ما أود إنجازه من مطالعة، من مذاكرة، من كتابة، من حديث مع أصدقاء، وأنت كيف يقنعني أن يشكو رجل أو امرأة لهم قسط من التعلم من الملل، اللهم إلا إذا كانوا أو كنَّ يعشقنَ أو يعشقون الملل. فقال لي الانتقال إلى التقاعد، فأنا لا أحس بهذا الانتقال، فأنا أشتغل يوميًا من الاثنين إلى الاثنين في بيتي، لأن المدرس عليه أن يتعلم باستمرار. المدرس الذي يعتقد أنه عند انتقاله إلى الوظيفة بعد سنوات البحث والطلابية أنه امتلك -بين قوسين- المعرفة، وأنه لم يعد مطالبًا أمام نفسه بالتعلم أكثر فأكثر، هذا ليس بمدرس. المدرس هو تلميذ يرتفع يرتقي بالتعلم وحينها لا يمكن أن يشكو من الملل. إذن فقلت له لا، الآن اليوم في هذه الأيام لم يعد هذا الكلام مقبولًا نهائيًا، لأنه منذ أربعين أو خمسين سنة كان الوصول إلى كتاب ما أمرًا صعبًا، كان هذا الأمر صعبًا، إما الكتاب غير موجود أو أنه موجود في مكتبة ولكنه في يد آخر أو أو أو… الآن بمجرد ما أن تطلب معرفة قبل أن يرتد إليك طرفك، إذن كيف يمكن للمرء أن يمل وهناك سيول من المعارف وبما يُسمى الآن بالثورة الرقمية غير المسبوقة، وغير المتخيلة سلفًا، إذن غدا في بيتك لك عقل آلي كلمة…

 

فيلسوف أم عامل في حقل المعرفة؟

باسم الجمل: الآن بماذا تبحث؟

محمد الدكالي: بماذا أبحث؟

باسم الجمل: نعم، بماذا تبحث؟ أنت تقول إن الملل لا يعرف طريقه إلى حياتك.

محمد الدكالي: أولًا أنا أعشق الأدب، إذن هناك آلاف الروايات التي لم أقرأها طيلة هذه السنوات علمًا بأنني أنا لست شغوفًا بالروايات التي تحظى بشهرة، مثلًا يحظى كتاب ما أو رواية بجائزة كبيرة فتجد الناس جميعًا يقرأونها، لا. أنا شغوف بالكتاب كانوا كبارًا أو غير كبار والذين لهم موضوع تناولوا موضوعات تهمني فأقرأهم أو أعيد قراءتهم. مثلًا أقرأ هذه السنوات الأخيرة بشغف فيكتور هوجو، فيكتور هوجو درسناه في المدرسة، في (Collège) المدرسة الإعدادية في (Lycée) المدرسة الثانوية كانت نصوصه موجودة بكثرة في الكتب المدرسية. يعني (Les Travailleurs de la mer) مثلًا “عمال البحر” رواية هائلة لا ينتبه إليها الكثيرون، لأن الناس… فيكتور هوجو اشتهر بـ”البؤساء” أو بـ (Notre-Dame de Paris) (كاتدرائية نوتردام في باريس)، هاتان الروايتان الهائلتان تختصر كتابة عملاقة، هذه الرواية تطرح مشكلة العلاقة الحميمية، السفر وصعوبة المهنة والاشتغال. الفيلسوف الفرنسي سئل هل أنت تعتبر نفسك من كبار الفلاسفة؟ قال لا أنا أفضل أن أسمّى من عمال الفلسفة. العمالقة هم العمالقة.

باسم الجمل: أما الذين يشتغلون بالفلسفة فهم عمال الفلسفة حسب تعبيره.

محمد الدكالي: رغم أنه له شروح وكتب.

باسم الجمل: هل أنت من عمال الفلسفة أم أنت فيلسوف؟

محمد الدكالي: يمكن أن تقول لأي كان أنت مهندس أو أنت سيكولوجي أو أنت روائي أو أنت، إلا أن تقول لأحد ما أنت فيلسوف. فكبار الفلاسفة سئل مثلًا دولوز، فيلسوف كبير جدًا في القرن العشرين، هل أنت فيلسوف؟ هل لك فلسفة؟

قال أنا أشتغل بالفلسفة وأنا أتمنى أن أكون قد اشتغلت بالفلسفة، أنا لم أكن قد اشتغلت بالفلسفة ولم أشتغل بالفلسفة. أنا أفضل عبارة استعملها واحد من عمالقة حقل الفلسفة وهذا نحن (Nous sommes professeurs de philosophie) “نحن مدرسون للفلسفة”، إذن أنا مدرس للفلسفة.

 

هل يمكن تجزئة الفلسفة؟ وما سر غيابها في القرون الوسطى؟

باسم الجمل: طيب أنت مدرس الفلسفة هل يمكن تجزئة الفلسفة إلى فلسفات؟ بغض النظر عن من يشتغل فيها.

محمد الدكالي: إذا سئلت هل البحر بحر أو بحور؟ كيف تجيب؟ أنا أسأل نفسي، هناك بحور مختلفة وغير متجانسة، البحر الميت والبحر الأحمر والمحيط الهادئ، ولكن يجمعها مفهوم وهو البحر. عندما نتحدث عن البحر يفهم المرء أننا لا نتحدث عن الجبل، كذلك الفلسفة أو الرواية، هناك شيء ما يُسمى الفلسفة له قواعد وله تاريخ، تاريخ طويل وهو مبني على التنوع، لأنه إذا قلنا يجب أن تكون هناك فلسفة واحدة لم تعد هناك فلسفة، باعتبار أن الفلسفة هي مغامرة فكرية، عندما تشرع في التفلسف أنت لا تعرف مآل ما أنت مُقدم عليه، إذا كان المرء يعلم ذلك فهو لا علاقة له بالفلسفة.

هناك أسئلة والأسئلة تقود إلى أسئلة. إذا ما توفر مجال أو مساحة للأسئلة، لأنا لا نفترض أن الأسئلة سهلة وأن الإنسان يمكن أن يضع السؤال كيفما كان وأينما كان، إذا لم تتوفر مساحات ذهنية ونفسية وأخلاقية وقانونية للسؤال لا يعود هناك سؤال.

مثلًا في القرون الوسطى المسيحية تقلصت أسئلة الفلسفة لدرجة أنه لم تعد هناك من فلسفة.

باسم الجمل: ما السبب؟

محمد الدكالي: السبب هو الكنيسة، أهل الكنيسة يزعجهم السؤال، أهل الكنيسة لهم أجوبة، لهم كثير من الأجوبة فلماذا السؤال؟ بينما الفيلسوف أو المتعاطي للفلسفة ليست له أجوبة، له هواجس.

سأعطيك مثالًا حتى تكون الفكرة واضحة، ديكارت وهو من كبار الفلاسفة وعادة عند كثير من المتعاطين في البلدان العربية يتحدث كفيلسوف صغير، لا هذا خطأ فادح. يرى هوسرل وهو من كبار الفلاسفة العمالقة، يقول لو لم تكن فلسفة ديكارت لم تكن هناك من فلسفة إطلاقًا في العصور الحديثة.

سأشرح لك إذا شئت، بل هايدغر وهو تلميذ هوسرل وهو من العمالقة، قال لولا ديكارت لما وجد العالم المعاصر، لماذا؟

باسم الجمل: فعلًا لماذا؟

محمد الدكالي: لماذا؟ أولًا نبقى في حدود الفلسفة…

باسم الجمل: السؤال والجواب عليه، أنه لولا فلسفة ديكارت لما وجد العالم المعاصر، بأي معنى؟ هذا سؤال كبير.

محمد الدكالي: طبعًا لابد من الشرح. ديكارت ماذا فعل ديكارت؟ ديكارت انطلق من نفسه، لا ننسى أنه وجد وولد في مفترق الطرق في العالم الأوروبي، فقال تعلّمت الكثير في أحسن مدارس أوروبا على يد أحسن الأساتذة من كبار علماء زمانه، وذات يوم شعرت بأن لدي هواجس وشكوكًا ولم أعد أدري هل ما أقوله وما أعتقده حقائق أم لا؟ اختلط الأمر علي. قال ديكارت اختلط الأمر علي، كيف الخروج من هذا الذهول؟

باسم الجمل: طيب هذه الحقائق التي يتحدث هنا، حول ماذا كانت تتمحور؟

محمد الدكالي: ديكارت بدأ أولًا من نفسه، هو من أكون أنا؟

باسم الجمل: كإنسان.

محمد الدكالي: من؟ في التواريخ المعروفة، هناك جواب، لا داعي لهذا السؤال أنت كذا وكذا وكذا، أنت معرف سلفًا، في جميع التقاليد السماوية والأرضية. ديكارت قال نعم أنا وُلدت مسيحيًا كاثوليكيًا، وأحترم تقاليد بلادي وأؤمن بالله وكذا وأحترم علاقاتي مع الناس، لكن أنا من أنا بعد كل هذا؟

باسم الجمل: يعني بعد هذه السلسلة من التعريفات.

محمد الدكالي: ماذا علي أن أفعل؟ عادة ما يردد الناس عبارة أنا أفكر أنا موجود، عبارة (Je pense, donc je suis) ما معنى هذا الكلام؟ معنى أنني أنا أضع نفسي محط تفكير، أنا لا أفكر في ما يسمى بالعالم وفي الآخرين. أولًا أبدأ أنا بنفسي، لماذا؟ لأن ديكارت كان قد حلم حلمًا أنه يؤسس علومًا جديدة، لا تنسى أنه كان رياضيًا (Mathématicien) في بداية شبابه، وقال أنا الذي أود أن أؤسس علومًا جديدة تختلف عن العلوم التي درسناها لحد الآن. المعارف، أقصد بالعلوم المعارف. فهل أنا مؤهل لذلك؟ وإذا كنت أنا مليئًا بالشكوك فكيف يمكن أن أؤسس علومًا على قاعدة مليئة بالشكوك؟ إذن ماذا سأفعل؟ سأبدأ بتصفية هذا الموضوع ذاتيًا، أن أفكر أنا في نفسي، أن أضع نفسي محط سؤال محط شكوك محط فحص.

هذا هو العالم المعاصر وهذه هي الفلسفة المعاصرة، أن كل شيء يخضع للفحص…

باسم الجمل: والتفكير. هل التفكير هو التفكير الظني أو الشك؟ أم مجرد التساؤل حولها؟

محمد الدكالي: موضوع الشك لم يخترعه ديكارت، أرسطو منذ زمن طويل قال أرسطو كل تفكير يبدأ بالشك. إذا كنت مقتنعًا لا تشك في شيء، لماذا ستفكر؟ لا داعي، تنصرف إلى ما يسمى بالإنجاز أو الانصياع أو المسايرة، لا داعي لا للشك ولا للسؤال.

إذا أراد المرء أن يفكر في شيء بطريقة أخرى، أيًا كان حتى في المواضيع البسيطة، فسيقول كيف؟ لماذا الأمور هي على هذا الشكل؟ ولماذا ليست على شكل آخر؟

باسم الجمل: صحيح صح.

محمد الدكالي: إذن تبدأ عملية الفحص، وإذا نظرتم اليوم إلى أدق الآلات، فالآلات الإلكترونية تتميز عن بعضها ثمنًا وقيمة من حيث قدرتها على الفحص. من (Scanner) (الماسح الضوئي) في المستشفى أو في الحدود ليفحص البضائع، أو آلة تصوير تلتقط دقائق الأمور، بما لها قدرة كبيرة على الالتقاط (Capteur) والفحص. إذن ديكارت قال كل شيء يجب أن يخضع للفحص وهذا عاد إلى نفسه…

باسم الجمل: يعني كل شيء يخضع للتساؤل؟

محمد الدكالي: قال سقراط منذ زمن طويل: حياة بدون فحص لا قيمة لها.

 

كيف يحررنا الشك من المسلمات؟ وما علاقة ذلك بالفلسفة؟

باسم الجمل: كلام سليم مهم، أريد أن أسأل سؤالًا يمكن الربط ما بين الطرفين، يمكن الربط ما بين قصة النبي إبراهيم وعلاقته مع التساؤلات التي كان يسألها عن الشمس وعن القمر وعن الإله، وبين تساؤلات ديكارت مثلًا.

محمد الدكالي: ديكارت كذلك تساءل عن كل شيء.

باسم الجمل: معناه أن النبي إبراهيم هو أول من وضع الأساس للتساؤلات حول الأشياء والتساؤل حول حقيقة الأشياء.

محمد الدكالي: مصادر السؤال حول الأشياء متعددة. مثلًا في القرن الرابع الميلادي أدخل (Saint Augustin) القديس أوغسطين، التكوين الأفلاطوني، ثم أصبح راهبًا كبيرًا. موضوع الشك نوع من (Cogito) الكوجيتو (أنا أفكر)، سأفكر في الأمور التي ينبغي التفكير فيها، إلا أنه قال وهو ينتقد الأكاديميين، أي الأفلاطونيين، قال إذا كان التخوف من التفكير هو الخطأ فهذا أمر لا يخيفني، لأنني إذا أخطأت فمعناه أنني فكرت، من أخطأ معناه أنه أقدم. هذا أوغسطين. إنما أوغسطين بصفته راهبًا كبيرًا في الكنيسة المسيحية لا يمكن أن يذهب أبعد من هذا، قال الخطأ هو دليل على أنني أمعنت التفكير في شيء ما وعندما أدرك خطئي هذا سيجعلني أقوم بالتصحيح، إذن أنتقل من حالة وكان الخطأ صامتًا وليس لي معرفة عندما فكرت وجازفت وأخطأت وأدركت أنني أخطأت، أنتقل إلى وضعية أخرى غير مسبوقة.

 

لماذا نحتاج لقراءة سياسة أفلاطون في عالمنا المعاصر؟

باسم الجمل: هذا يقودنا أن الإنسان كفرد مفروض عليه التفكير، مفروض عليه الشك، مفروض عليه التحاور، مفروض عليه أن لا يأخذ الأشياء كمسلمات دون محاورتها عقليًا.

محمد الدكالي: أنا أتخوف من كلمة مفروض، لأنه من الممكن أن نجد أناسًا عبر التاريخ لا ينشغلون بهذا الشكل، هم ليسوا أقل ذوقًا ولا أقل ربما سعادة ولا أقل استقرارًا من الآخرين، يقبلون بالأمور كما هي. لكن من ابتُلي بسؤال، من أرغمته الحياة على السؤال.

كيف لجأ اليونانيون القدامى إلى السؤال الذي سيصبح فلسفة؟ وهو أنه كانت هناك إمبراطورية يونانية وصلت إلى مصر، وكانت لها بواخر، وكانت لها ثروة هائلة ونفوذ وجنود، وغامرت بالحروب فانهزمت وتقلّصت وانكسرت الإمبراطورية. فجاء أناس سيسمون فيما بعد بالفلاسفة وفي مقدمتهم سقراط، لماذا حدث هذا؟ لماذا لم نستطع تجنب هذه المصيبة؟ هذه العواقب الوخيمة كانت بادية.

باسم الجمل: للناس.

محمد الدكالي: لماذا جاهر البعض وعارض سقراط هذه الأمور بشدة ولم ينتبه إليها أحد؟ لماذا أقدم الناس على انتحار جماعي؟ إذن هناك خلل كبير جدًا، وهذا الخلل يفرض السؤال، لماذا حدث هذا؟ لماذا لم نستطع أن نفكر بطريقة تجنبنا هذا الأمر وهذا كان ممكنًا؟

أنتم تعلمون أن أفلاطون كان يريد تزيين أثينا ويكتب مسرحيات، وطلب منه أحد الطغاة أن يكون مستشارًا له، استقدمه. وهذا الطاغية خاض حربًا وخسرها فحمل أفلاطون المسؤولية، وابتيع أفلاطون كعبد، نعم، فاشتراه أحد تلامذته بالصدفة كان حاضرًا فاشتراه طبعًا وأعاد إليه حريته، لو كان ابتيع ربما لم يكن لنا معرفته. حينها لما عاد أفلاطون إلى أثينا طلب من رفقته أن يأتوا إليه، هو كان من عائلة ثرية، وقال لنضع جانبًا تزيين المدينة ولنفكر في السياسة، لأن السياسة قد تكون مصدر سعادة الناس والتئامهم، وقد تكون مصدر آلامهم واضطراباتهم. هذا الموضوع أصبح واجبًا أن نفكر في السياسة.

ونستغرب كثيرًا أن تجد أناسًا يحضّرون شهادات في فلسفة السياسة لا يعرفون شيئًا عن هذه الأمور، عن أفلاطون مثلًا. ماذا كان يقول ريمون آرون الشهير بمعارفه الكثيرة؟ كان يقول، في كل صيف ينسحب إلى سكنى له في الجبل مع عائلة يهودية فرنسية ثرية، ينسحب إلى ذلك المكان المريح، ويقرأ باليونانية (La politique de Platon) “السياسة لأفلاطون”.

باسم الجمل: سياسة أفلاطون.

محمد الدكالي: قال منه كل سنة أستلهم الأسئلة التي أعد بها دروس (Collège de France) (كلية فرنسا). نثير كثيرًا من الأسئلة، لا نثير سؤال هل الناس المتعلمون يقرؤون؟ نعم كانت هناك مشكلة عويصة ثمن الكتاب، منذ نهاية السبعينيات أصبحت الكتب باهظة الثمن وخاصة الكتب الأجنبية، الآن وهي على مرمى حجر، ما الذي يمنع؟ ما هو الأمر الذي يحول دون أن تصبح القراءة ممارسة يومية جدية وممتعة؟

الكثير من الناس يتحدثون عن القراءة كشيء مضنٍ. عندما عُدت من فرنسا في 83-84 حدثني أحد أصدقائي قال لي أعاني من النصوص. قلت له أنا لا أفهم كيف تعاني من النصوص، هل هذه النصوص تمنعك من الأكل من النوم من الضحك؟ إذا كان هذا النص يضنيك فانتقل إلى نص أمتع. هذا كلام لا معنى له، إذن أنت تقول لي النصوص مضنية فلنتجنبها، هذا هو المعنى. لا القراءة الآن متنوعة ولكن حذارِ ممن يدعون إلى قراءة ما هم يحبون أو يرغبون في أن يكون موضوعك، القراءة هي مجال الحرية التام، وكل يتحمل مسؤوليته في قراءة، الحرية هي المرادفة لكلمة مسؤولية.

 

كيف تحمينا لغة الفلسفة الدقيقة من شباك الخداع والتضليل؟

باسم الجمل: عودة إلى سياسة أفلاطون.

محمد الدكالي: نعم.

باسم الجمل: هل المقصود بسياسة أفلاطون هي السياسة كما نعيشها حاليًا، سياسي يعمل في البرلمان أو في الحكومة أو في الدولة أم هي سياسة تتعلق بإدارة المجتمع بشكل عام؟ يعني أسس سياسة المجتمع وضع أسس قواعد نظرية أو قواعد سلوكية للمجتمع؟ هل هذا هو المقصود بسياسة أفلاطون؟

محمد الدكالي: خذ حجرة. انتزع حجرة من الجبل وقد تسبب جراحًا، ويقوم النحات بصقلها. حتى تصبح شكلًا جميلًا ربما تحفة. الصقل، هذه السياسة، عندما يقدم أحد ما على تدبير شؤون بيئة صغيرة أو كبيرة. يفترض أن الناس مختلفون وأن لهم نزوات ورغبات ومصالح مختلفة ومتضاربة نعم وفيهم الطيب وغير الطيب، وفيهم من سيتعامل بلطف ومنهم من سيلجأ إلى الخداع أو العنف.

باسم الجمل: نعم صحيح.

محمد الدكالي: إذن رجل السياسة أو امرأة السياسة لابد من خلق تقارب وتهذيب الناس تجنبًا للجوء إلى العنف، إلا أنه قد يقول قائل هذا من باب الأحلام، هناك من الساسة من يكون سببًا في الاضطراب وفي العنف، هذا صحيح. إذن السياسة عندما يحدث هذا، تبقى السياسة ضرورة، أولًا للحد من طغيان الطاغية، لتجنب الآثار المفجعة التي لا حل لها، والانتقال إلى وضع أقل ضررًا أقل اضطرابًا.

 

هل العدالة فكرة طوباوية أم ممارسة يومية شاقة للساسة والقضاة؟

باسم الجمل: كلام سليم لكن أفلاطون لم يضع ضوابط لكيفية تطبيق هذه السياسة.

محمد الدكالي: أفلاطون. 

باسم الجمل: أو لم يضع حتى آليات لتطبيق هذا النوع من السياسة.

محمد الدكالي: أفلاطون رجل لم يكن يؤمن بالديمقراطية، كان يؤمن بالأرستقراطية، ناس لهم تكوين هائل ليس لهم هموم يومية، لا يشتغلون لكسب العيش، فيتفرغون كاللوردات في بريطانيا مثلًا…

باسم الجمل: كلامك سليم صحيح.

محمد الدكالي: يتفرغون لما نسميه بالسياسة. إن هذا لا يعفي هؤلاء من أن يكون بينهم طغاة وأشرار.

باسم الجمل: صحيح.

محمد الدكالي: فقال ما هي القضايا التي تثير السؤال؟ والسؤال يعني أن هناك شيئا ما على شاكلة غير مرضية وأحيانًا مخيفة. إذن ما هي هذه الأمور؟ فحوارات أفلاطون تناولت القضايا التي تثير الاضطراب ولا يتفق الناس عليها. مسألة الحب، قد يقول قائل ما علاقة الحب بالسياسة؟ له علاقة، والآن تقوم الدول والجماعات والجمعيات بتنظيم الحب، هناك مجتمعات يقّبل العاشق عشيقته في كل مكان، وهناك مجتمعات لا تتقبل، وهذا لا يعني أن هذا أحسن من هذا.

باسم الجمل: ولا هذا يعني أن هذا يحب وذاك لا يحب.

محمد الدكالي: كل يحب بطريقته، إذا كان يحب، ويتدخل التنظيم والتدبير لكي لا يقع نشاز لدى هذا الطرف أو ذاك، فتساءل ما معنى الحب؟ تساءل أفلاطون عن اللغة، كيف نضمن أن تكون اللغة معبرة وتنقل لنا الأفكار ولا تكون مجال خداع؟ مثلًا يعطي أفلاطون مثاله الشهير، يقول: زار أحد ما مريضًا وكان هو الطبيب، ورافقه أخوه، أخو الطبيب وهو شاعر، والشاعر يتقن اللغة، فحسب المريض أن الطبيب هو الشاعر.

إمكانيات المغالطة، ونحن اليوم نعرف إلى أي حد اللغة تكون مغالطة لدرجة الجنون لدرجة أنه لابد أن يحتاط المرء من اللغة، وإن اللغة بأشكالها وأساليبها المتعددة تحاصرنا في كل لحظة.

في القرية زمانًا، كان الناس يعيشون هدوءًا، لا توجد اليوم قرية لا يوجد فيها حاسوب والتليفونات ولا تغزوها اللغة بأشكالها المتعددة والمتضاربة. وبالتالي يبقى السؤال لأفلاطون كيف نميز بين لغة ذكية وسليمة ولغة مخادعة؟ هناك اللغة المخادعة التي توقع الناس في الفخ وتبعدهم عن مصالحهم وهدوئهم وانشغالهم بما يحبون، اللغة قد تشعل الحرب، اللغة قد تذكي الحب، اللغة قد تخلق السلم.

باسم الجمل: صحيح صح.

محمد الدكالي: ولهذا سؤال أفلاطون. ثم كتب أفلاطون أطول حوار له حول العدالة، هو الجمهورية، كثيرًا ما يتحدثون عن الجمهورية أنها أحلام، لا، جمهورية ما هي تخلق مواطنين متعلمين لهم تربية ولهم تدريب ولهم تدريب رياضي ولهم قواعد في السلوك، لا توجد جمهورية سليمة أو بلد دون عدالة، لكن ما هي العدالة؟ 

 

ما هي العدالة وفقًا لأفلاطون؟ وكيف نطبقها في واقعنا المعقد؟

باسم الجمل: هل جمهورية أفلاطون تعتمد على تدريب وتعليم مجموع سكان الجمهورية أم على نخبة محددة، النخبة التي تدير المجتمع؟

محمد الدكالي: اليونانيون كان لهم نبلاء وكانوا يعتبرون أن النبلاء يجب أن لا يشتغلوا، كانوا يحتقرون العمل اليدوي بما أن هناك عبيدًا وجنودًا ونصف أثينيين ونصف مواطنين، هؤلاء هم الذين يشتغلون بالأعمال اليومية. وهؤلاء النبلاء وهذه الأرستقراطية اليونانية تشتغل بالحديث بالكلام وبالحوار وتتوصل إلى الأفكار الجيدة، وإلى فهم الأفكار هي بعدها في حد ذاتها.

فالسؤال، إذا سُئل أفلاطون أنت تقول لنا إن مسألة العدالة هي جوهر الحكم، فما هي هذه العدالة؟ في حوار آخر لأفلاطون يقول شاب قصده سقراط كان يسمى ألسيبيادس ليسأله، قال له أنت ستذهب إلى الجمعية العامة، ما يُسمى الآن البرلمان، وستحدث الناس، عن ما ستحدثهم؟ وبما أنه كان من الأسر النبيلة وأولوه تعليمًا وله مربون، قال سأحدثهم عن الشؤون العامة. قال له سقراط وما هي هذه الأمور العامة؟ أعطني مثالًا. قال الأمور العامة هي الأمور العامة. قال له لا لا مثلًا هل ستحدثهم عن القيثارة -هي جدة الجيتار، آلة موسيقية- مثلًا؟ قال له سقراط هل تستطيع أن تحدثهم وفي القاعة أناس يعزفون أو يصنعون الآلة، هل تستطيع أن تحدثهم أحسن من هؤلاء؟ قال له لا. قال له إذا قمت بالحديث عن بناء السفن وكان في الجمعية بناة السفن ومن يقودونها؟ هل تستطيع؟ قال لا لا أستطيع. فانزعج ألسيبيادس  وقال لسقراط أنت تعطيني أمثلة بسيطة أعطني أمثلة نبيلة، قال طيب مثلًا قال ألسيبيادس العدالة. نعم العدالة، إذن سنتحدث عن هذه العدالة بيسر أكثر من البواخر، قال لا. فسأله سقراط إذا كنت قاضيًا -قاضٍ حاكم- وجاءك خصمان لا تعرف أيًا منهما، ستكون عادلًا بيُسر لا شيء يمنعك من أن تكون عادلًا. وبعدها غدًا جاءك خصمان، الواحد منهما راقك والآخر لم يرقك، ستكون أقل عدلًا؟ قال نعم. واليوم التالي جاءك خصمان والواحد منهما من أسرتك والآخر ليس من أسرتك فسوف تكون… ففي أيهما أنت عادل؟

باسم الجمل: صحيح صح.

محمد الدكالي: إذن العدالة هي موضع تفكير مستمر، كمن يقود سفينة في تيار عاصف، في تيار صعب يمكن أن تنحرف في كل لحظة. ومن هنا ضرورة الفحص والسؤال. سؤال هل هذا القرار كان عادلًا وإلى أي حد هو عادل؟ هناك قضايا اليوم نعيشها اليوم، إلى أي حد سلوك تمليه القوة هو سلوك عادل؟ وإذا افترضنا أن به عدلا فإلى أي حد؟ إذا كان الحد ضئيلًا فهو ليس بعادل.

لماذا هذا؟ -بين قوسين تعقيب- لأن الواقع هكذا معقد، ليست الفلسفة هي صعبة ولكن الواقع هو الذي له تعقيدات لا تنتهي. وبالتالي يبقى السؤال ويبقى الفحص بشرط أن يكون السؤال والفحص لا يثيران ضجرًا ولا غضبًا.

 

ما الذي دفع ديكارت للشك وإعادة ترتيب حقائق الأشياء؟

باسم الجمل: على ذكر الواقع كمحدد أساسي لتحديد معايير العدالة، أريد أن أسأل سؤالًا منطلقًا من هذا التساؤل، مادة تكوين فلسفة أو تساؤلات ديكارت، على أي أساس يعني المادة التكوينية التي جعلته يتساءل؟ على ماذا كان يتساءل؟

محمد الدكالي: قال أسأل نفسي أنا. أنا تمتلئ ذاتيتي بالشكوك والظنون، قال تلقيت منذ طفولتي كمًّا هائلًا من الأفكار، واعتبرتها حقائق، وهي مغلوطة، لكن لا أستطيع أن أميز بين ما هذا وذاك، لا أستطيع أن أقول هذه حقيقة وهذه نصف حقيقة وهذا خطأ. ماذا سأفعل؟ كيف يمكن أن أقيم صرح العلوم على أفكار هكذا مشوشة؟ قال إذن ماذا سأفعل؟ حكاية المائدة، (Table rase) مائدة ليس فوقها أي شيء، نزيح كل شيء، نخرج كل شيء، ثم نعيد..

باسم الجمل: وضعها والتفكير فيها.

محمد الدكالي: ونعيد الترتيب. ولما أعاد الترتيب قال إذن الترتيب الأول هو أن أبدأ أنا بنفسي. في ثقافات أخرى بما فيها الثقافة الأوروبية كان هذا الأمر ممنوعًا، ولهذا ديكارت غادر فرنسا بنُصح من خاله أو عمه الذي كان من أناس البلاط، نصحه وعاش ديكارت طيلة حياته خارج فرنسا في دول بروتستانتية وهو كاثوليكي كان ضد الثورة البروتستانتية، لماذا؟ لأنهم احتضنوه ولم يؤذوه، اللهم الآن يقال إنه ديكارت تم تسميمه.

 

هل العدالة نسبية وتتغير وفق ظروف وأهواء الأشخاص؟

باسم الجمل: معايير الحكم على مصداقية مفهوم ديكارت للعدالة، هو اعتبر أن العدالة أصبحت نسبية لأنه توجد الظروف ستتدخل وأهواء الأشخاص سيتدخلون وأيضًا الميول الذاتي للفرد سيكون لها دور في تحديد شكل العدالة النسبية. هل العدالة متغيرة وفق الهوى الشخصي للمطلوب منه أن يعدل؟

محمد الدكالي: إذا تفضلتم بقراءة الجمهورية تجدون أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد معنى العدالة، لكن ما الذي يجعل المفهوم ممكنًا؟ وهو المغالاة أو الإقلال أو الظلم. مثلًا إذا شاهدت أحدهم يعتدي على إنسان آخر، ستقول حتمًا هذا المعتدي ظالم وهو ظالم، وهنا تأتي فكرة الفحص والتأني ما الذي جعل هذا الأمر يحدث؟

باسم الجمل: صحيح.

محمد الدكالي: فإذا ثبت أن المعتدى عليه سرق أو خرّب، قام بتخريب أو ألحق أضرارًا لا يوصف بذلك الذي يعتدي أمام الملأ، هذا لا يبرئ ليعطي براءة ولا مساندة ولا تسامحًا مع المعتدي، لكنه يبحث في أصل المشكلة. إذن العدالة هي فحص، وهذا مثلًا يحدث أمام المحاكم عندما يدّعي أحدهم الجنون، قام بعمل غير مقبول وربما نصحه أهله أو غيرهم بأن يدعي الجنون مما سيعفيه من السجن.

باسم الجمل: وهذا يحدث في الواقع.

محمد الدكالي: يحدث كثيرًا. هناك مدرستان، المدرسة الفرنسية التي ستقول يحال على التحقيق الطبي.

باسم الجمل: المختص الطبي.

محمد الدكالي: مثلًا في تاريخ إيطاليا كامبانيلا (تومازو كامبانيلا) هذا في بداية القرن السابع عشر، هو إيطالي اتهم بمخالفة تعاليم المسيحية رغم أنه كان راهبًا، وأمام القضاة ادّعى الجنون، وكانوا يحملونه بأدوات جارحة جدًا هكذا، وهو يتمزق ألمًا قائلين إذا كان مجنونًا فهو لا يحس، وإذا كان عاقلًا سيقول كفى. ظل هكذا حتى أيقنوا أنه مجنون فتمت تبرئته، وبعدها فر، لم يكن مجنونًا. هذه حالة مفرحة لأنه كان قضاة الكنيسة من كبار أهل الظلم.

إذا أخذنا حالة أخرى وهو القضاء الإنجليزي مثلًا، القضاء الإنجليزي يحكم بالسابقة، طبعًا هو يلجأ إلى التحقيق الطبي. روى أحدهم أن أحد القضاة الإنجليز في الهند، كان يسمى رامسي وله عائلة كبيرة ببريطانيا، جاءوه برجل قتل غيره في النهر، فسأله القاضي هل قتلته؟ قال نعم لم ينكر. ولماذا؟ قال لأن بيني وبينه خلافًا أساء إلي كثيرًا. هل هذا يقتضي قتله؟ قال يا سيدي أنا عندما أنزل إلى النهر وأغطس في الماء أتحول إلى تمساح، لا أعود أنا أنا، أصبح تمساحًا. إذن نزلت إلى النهر وأصبحت تمساحًا؟ ورأيت غريمك عدوك في النهر وأنت تدرك كتمساح أن ذلك هو عدوك؟ قال نعم. وقصدته مدركًا أنك تمساح، بصفتك تمساحًا، وأقدمت على قتله وأنت تعلم هذا كتمساح؟ قال نعم. لم ينكر.

إذن بما أن هذا الشخص تحوّل في النهر من إنسان إلى تمساح فهذا رجل أُصيب بالجنون، ولا نحاكم رجلًا يحسب نفسه تمساحًا كعاقل، نحاكمه كمجنون. القاضي الإنجليزي انسحب وبعد التداول عاد وقال أنت الآن لست بتمساح؟ نعم، ولكن أنت تتذكر جيدًا وأنت واعٍ تمام الوعي أنك في النهر قتلت وأنت تمساح؟ قال نعم. قال باسم التاج البريطاني أحكم عليك بعشرين سنة كتمساح، في سجنك تكون تمساحًا أو لا تمساح. بمعنى أنه لا داعي للجوء إلى الفحص الطبي بما أن الرجل يقر بهذه الازدواجية ويقر بالجريمة.

باسم الجمل: يعني هو يعي أنه كان تمساحًا وأقدم على الجريمة.

محمد الدكالي: بما أنك تعي هذا الأمر نحاكمك ونسجنك كتمساح. لكن لو أن هذا الشخص قام بالإنكار، قال أنا لم أع ماذا حصل لي، هنا يصبح الفحص الطبي. وبالتالي العدالة هي تمرين صعب ويتطلب دائمًا كثيرًا من الفحص، فهل القضاة الذين تتراكم أمامهم الملفات بشكل مذهل هل لهم الوقت في…؟

باسم الجمل: قراءة هذه الملفات وتحقيق العدالة.

محمد الدكالي: سأعطي مثالًا لأنه لابد من الحديث عن هذا الأمر. كنت أسكن عمارة في الرباط يقطنها شخص ادعى أنه حارس العمارة، وكان يسكن في سطح العمارة، الحارس لا يسكن في السطح يسكن في الأسفل. وبعد مدة استقدم فتاة وقال إنه تزوجها، وبعد مدة قصيرة أتته بخمسة أطفال بنات وأطفال وهو لا يملك أجرة ولا يملك شغلًا ولا هي كذلك، وكان الناس يساعدونه. وذات يوم التقيته فأخبرني أن زوجته طلبت من القضاء الطلاق وحصلت على الطلاق، لحد الآن المشكلة ليست بينة كما سترون الآن، فجاءني بقرار الطلاق. هذا رجل لا شُغل له رسميًا ولا أجرة له، يتلقى بعض النقود من هنا ومن هنا، حكم القاضي بالطلاق بطلب من الزوجة، وهذا الشخص متابع بأداء ستة وخمسين ألف درهم للزوجة المطلقة…

 باسم الجمل: مطلوب منه أن يدفعها.

 محمد الدكالي: وليس له ريال ولا جنيه، ومطالب بأداء ثلاثة آلاف وستمائة درهم شهريًا للأبناء. والأروع من هذا يُطلب منه حينًا مغادرة بيت الزوجية، فهو وزوجته ليس لهم بيت، وهم يسكنون في السطح حوّلوا بيوتًا للغسيل إلى بيوت، ووافق الناس على هذا الأمر هم يسكنون بدون أوراق وبدون أداء ولا يؤدون فاتورة الكهرباء ولا الماء، ليس أي بيت. هو مطالب بمغادرته، وفي القرار مغادرة بيت الزوجية…

باسم الجمل: هو ليس له بيتًا ليغادره.

محمد الدكالي: ليس لهم بيت لا هو ولا الزوجة واحتفظ بالزوجة في تلك البيوت. هذا القاضي هل أمعن نظره في قراره؟ هل ساءل نفسه هل هذا الشخص له ما يؤدي؟ من أين سيأتي بهذه النقود؟ وإذا قُذف به إلى الشارع فهو يخرج من مكان ليس له وليس لزوجته.

 

ما سر تعثر القضاء في تطبيق العدالة؟

باسم الجمل: أستاذ محمد، ما تقوله هو جزء كبير من حياة الناس في مجتمعاتنا.

محمد الدكالي: نعم طبعًا.

باسم الجمل: وأن الكثير من القضايا التي تُعرض على المحاكم تعالج بهذه الخفة التي عولجت بها قصة هذا الرجل. سؤالي أيضًا، هل ذلك يعود إلى أن القضاة كسالى وبالتالي لا يكلّفون أنفسهم البحث، أم أن الموضوع له علاقة بفهمهم القاصر للعدالة؟ أن العدالة تستدعي البحث الحقيقي في حيثيات حياة الناس لكي يتمكن القاضي من جمع الدلائل والمعلومات الدقيقة لتساعده في إصدار القرار أو في القضاء في قضية.

محمد الدكالي: أنا لي أصدقاء قضاة ويمارسون مهنتهم بجدية، يقول لي أحدهم إن لي يوميًا سبعين أو تسعين قضية، ملفات هكذا، يجب أن نعرضها على الجلسة وأن نتداول في شأنها، فكيف أستطيع أن أنجز عملية الفحص في كل حالة؟ الحل هنا لا يرتبط بالقاضي، يرتبط بتوظيف عدد كبير من القضاة لأن ما نطلبه من القاضي أيًا كانت الأسباب، كان الكسل…

باسم الجمل: أكثر من طاقته على…

محمد الدكالي: نعم، يعني لا يستطيع، إذا قام بطلب من الشرطة أن تقوم بالفحص، ستقوم الشرطة بذلك العمل، ستأتيه بالنتائج، يجب أن يطلع عليها وإذا كانت له أسئلة. هذا أمر إذا كانت له عشر أو عشرون قضية يوميًا، إذا كانت تسعين قضية فهو لا، عمليًا لا يستطيع.

إذن شروط العمل، هل هذه الشروط هي في حد ذاتها عادلة؟ أنت تضعني في وضع يصعب عليّ أن أنجز فيه ما تطلبون مني، أنا ليس باستطاعتي. أنا مضطر أن أصدر أحكامًا، هذه السيدة تطلب طلاقًا، قمنا بتطليقها، لكن المسطرة تقول يجب أن يقوم الأب المطلق برعاية أبنائه ماليًا وتعويض زوجته ماليًا. السؤال كيف لم ينتبه؟ هذا سؤال لا يعفي القاضي، لم ينتبه هذا القاضي لوضعية هذا الرجل المعدوم الإمكانيات. طالبت زوجته بمعاقبته، فتمت، قامت الشرطة باعتقاله وعُرض على المحكمة وحُكم عليه بثلاثة شهور سجنًا، قضى منها شهرين وأطلق سراحه، و56 ألف درهم أصبحت 90 ألف درهم لأنها كل سنة…

باسم الجمل: تزداد.

محمد الدكالي: فراحت الزوجة إلى المحكمة وقالت لهم، راح إلى السجن ولم يؤدِ، فسجنوه مرة ثانية. قال القاضي زوجك القانون يسمح بسجنه مرتين، وإذا قمنا بسجنه مرة ثانية يكون قد أدّى للدولة ما عليه من ديون تجاهك سجنًا، فانتبهت أن عليها أن لا تُطالب بسجنه مرة ثانية. لكن لماذا لم ينتبه القاضي لهذه المشكلة في حينها؟

 

ماذا يحدث لمجتمعاتنا عند استيراد المفاهيم؟

باسم الجمل: عودة إلى موضوع فهم العدالة في القضاء في المجتمعات، حقيقة هذه إشكالية فعلًا، توجد إشكالية، كما تقدمت أن كثرة أو تراكم القضايا على القاضي وقلة الوقت والإمكانيات لديه لا تمكنه من أن يتخذ سُبل العدالة والتحقق منها حتى يحكم بالقضايا وبالتالي يُظلم الناس.

محمد الدكالي: هذا إذا شئتم هو مشكل كثير من مجتمعاتنا، بل الآن حتى في أوروبا بدأت مجتمعات تعاني من هذا المشكل، لا يتعلق الأمر بالقاضي فقط بالطبيب، إذا كان هناك طبيب من الممكن أن يعالج مئتي شخص في اليوم بينما ينتظره في باحة المشفى ألف شخص فكيف سيفعل؟ هذه معضلات تحول دون احترام مبادئ مهنتهم، وهنا لا يتحمل القاضي ولا الطبيب هذه المسؤولية. اللهم (إلا) إذا جعل منها هذا أو ذاك ملجأ للتهرب من المسؤولية، وقد نجدها كذلك في التدريس، هناك مدرسون تجد أن لديهم قسمين مختلفين، المستوى الأول والثاني في نفس الحصة، فكيف يُمكن أن تدرّس لمستويين في نفس الحصة؟

باسم الجمل: لكن في النهاية مطلوب من الناس أن يعدلوا، لأن العدل أقرب للتقوى، “اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8). وهنا التقوى أن يتقي الناس شرّ الظلم الذي سيقع بين الناس نتيجة إما قصور في فهم العدالة، إما لا يوجد وقت لدى القاضي لكثرة القضايا، أو أن الأدوات الأخرى التنفيذية البحثية لا تُمكن القاضي من جمع المعلومات الضرورية لتشكيل حيثيات واضحة عن القضية وبالتالي حتى يحكم. فهناك إشكالية فعلًا كبيرة في المجتمع نهايتها أن الناس ستظلم بعضها البعض، يتفشى الفساد في المجتمع، لأن صاحب الحق عندما يُظلم أو عندما لا يأخذ حقه من القضاء إما سيضطر أن يأخذ القانون بيده، أو سيتصرف تصرفًا سلبيًا في المجتمع، وبالتالي في النهاية كلا التصرفين خطأ.

محمد الدكالي: يقول دولوز إن المفاهيم عادة ننظر إليها على أنها أشياء مجردة، لا المفاهيم يقول كالأبقار أو هي كائنات حية. إذن أنت، سنجتمع مع القضاة ومع الأطباء ونحدثهم ونشرح لهم مفهومًا ما، مفهوم العدالة مثلًا، أو القيام بالواجب، وكأننا نأتي ببقرة مثلًا من مجتمع آخر ألفت أن تعيش في ظروف جيدة ونضعها في ظروف الفقر وعدم الاكتراث والأوساخ، ونطلب منها في نفس الوقت أن تأتينا بنفس القدر من الحليب الذي كانت تأتي به في بلدها الأصلي.

كذلك المفاهيم، عندما نأتي بالمفاهيم… ولهذا انظر إلى المفاهيم التي استقدمناها، كان لي صديق يمني في باريس، كنا طلبة وكان شيوعيًا متشنجًا، فكنت أقول لهم أنتم الآن في اليمن… ماذا ستؤممون؟ هل لكم مصانع؟ هل لكم ضيعات؟ هل لكم إنتاج يتطلب…؟ قال لي لا، سنفهم ماركس من تحليلاته للشيوعية البدائية. نعم ولكن هذه الشيوعية البدائية انتهت بانتصار وانتشار الرأسمالية العالمية لم تعد هناك من… فإما لك معمل أو ليس لك، إما لك ضيعات أو ليس…

باسم الجمل: ليس لديه ما يؤممه.

محمد الدكالي: وكان ينقصه التأني والتمييز والفحص. فأعطيك مثالًا ذات يوم اشتبك مع شاب مغربي قال له أنتم المغاربة تتبعون لأمريكا. ذلك الشاب لا يشتغل بهذا، قال وأنتم تتبعون الاتحاد السوفيتي آنذاك في السبعينات، قال لا كيف؟ لماذا لا تقول الاتحاد السوفيتي يتبع اليمن؟ في هذه اللحظة تمر فتاة، كنا في المترو، فتاة فرنسية حسناء بدراجتها…

باسم الجمل: بدراجتها.

محمد الدكالي: بدراجتها السوداء (Solex) (سوليكس – نوع دراجة). مسموح أن يأتي بها الشخص…

باسم الجمل: إلى القطار.

محمد الدكالي: يمتطي بهذا القطار. قلت له هل يمكن أن تتصور، ممكن إذا قلنا ترام المترو يجر الدراجة هذا ممكن، هل يمكن أن تجر الدراجة المترو؟

باسم الجمل: لا يمكن.

محمد الدكالي: قال ما هذه الأمثلة؟ ما هذه…؟ وانزعج.. فآنذاك قلت لصديقي إنه له هبة تُسمى عدم الرغبة في قبول الأفكار المخالفة، ولا يرغب لا في فحص ولا تمييز. إذا انتشرت هذه الأمور نصل إلى الخلط ويكون الخلط خطيرًا جدًا، كذلك الذي يخلط بين دواء لا يصلح ودواء يصلح.

واسمح يكفي أن أثير قضية نعيشها الآن تزعجني كثيرًا، لعلكم تتابعون الرياضة الآن، مباريات البطولة الإفريقية. السؤال: الفرق تأتي لتلعب، هذا هو الهدف الأول، وفيها من يربح وفيها من يخسر. إذا قلت لي اذهب واربح فأقول لك أنا لن ألعب لأن الآخرين جاءوا كذلك.

فبدأ الفريق المغربي وعندما واجه الفريق المالي، الذي للأسف الشديد -وهذه مسألة يجب أن يوضع لها حد- لجأوا إلى خشونة مفرطة، استطاع أن يحتمل تلك الخشونة وحافظ على توازنه. انقلب الصحفيون أو ما يسمى بالصحفيين الرياضيين، ومن يتحدث في التلفزة، إلى قضاة يحاكمون هذا الفريق. أنا أسفت كثيرًا وحزنت أن نشرة الأخبار الرسمية في التلفزة المغربية الرسمية في الرباط تستقدم لاعبًا من قدماء الفريق المغربي زمانًا، صبّ كل غضبه بل و كراهيته للاعبين، يعني كاد أن يقول فليعرضوا على القضاء ويحاكموا.

طبعًا لما ربحوا في المباراة التالية انقلب، ما هذه الهيستيريا؟! هؤلاء هذا الفريق به شباب يلعبون بشكل أنيق، هذا لا ينكره أحد، يلعبون بجمالية لا يلجأون إلى الخشونة ويبذلون قصارى جهدهم. لما انتصروا على نيجيريا أصبحوا آلهة يونانيين باستطاعتهم أن يحدثوا السحر!

يجب أن نصفق لهم في جميع الحالات، نضجر منهم إذا هم لعبوا بشكل خشن وسيئ ولم يحترموا القواعد وأساءوا إلى الفريق وأساءوا إلى أنفسهم، أما وهم قد بذلوا قصارى جهدهم ولعبوا بأناقة مثيرة وبجماليات…

باسم الجمل: يجب التصفيق.

محمد الدكالي: ونذكّر الناس جميعًا أن عشية لقاء البرازيل وفرنسا عام 98 في فرنسا، العشية غدًا اللقاء، جاء الرئيس شيراك وهو من عمالقة السياسة في فرنسا قال إذا ربحت فرنسا سنصفق وإذا خسرت سنصفق، لماذا؟ لأن هناك شرفًا كبيرًا لنا أن تلعب فرنسا ضد البرازيل، وقال بروح النكتة إن كل الفرق تتكون من 11 لاعبًا، والبرازيل من 12، فقال له صحفيون كيف؟ قال الفريق والله مع البرازيل دائمًا، إذن يجب أن نحترم الجهد والانخراط والتفاني والرونق.

 

هل من العدل الصمت أمام ظاهرة الظلم والمآسي اليومية؟

باسم الجمل: سؤالي الأخير أستاذ محمد، عودة إلى بداية الحوار بيننا، العلاقة ما بين الفلسفة والعدالة، تحدثنا عن الفلسفة وتحدثنا عن العدالة حسب تصورات أفلاطون وحسب تصورات ديكارت. بشكل عام فلسفيًا هل هناك علاقة ما بين العدالة والفلسفة مثلًا؟

محمد الدكالي: هناك علاقة بمفهوم آخر. عادة ما سقراط هو الذي يقصد أغنياء الشباب في أثينا ويسائلهم ويخلق لديهم ارتباكًا. ذات يوم جاءه شاب في العشرين يسمى مينون وقال له يا سقراط، وهو شيخ، أنت الرجل الحكيم المسن العادل النزيه، جئتك، الفاضل، لتحدثني، تعطيني تعريفًا للفضيلة. قال له سقراط أنا لا أعرف، فغضب الشاب قال له إذن أنت تحتقرني ولا تريد أن تجيبني، قال له لا أنا لم أخصص وقتًا لتأملي طيلة حياتي. قال له ذات يوم تحدثت مع كاليكليس في هذا الموضوع قال هو أكثر دراية مني في هذا الموضوع وأنا أقول لك، ليس لي تعريف لم يبدُ لك بديهيًا. فغضب كثيرًا، فقال له لا داعي لتغضب، لنفحص الموضوع سويًا وبدآ يتدارسان هذا الحوار الرائع، وانتهى الحوار دون تعريف مقبول ونهائي ودقيق للفضيلة.

الفضيلة غيابها يؤدي إلى الشر وإلى الإساءة، إذن فنحن مطالبون دائمًا بالاهتمام لا -كما يقال- كقيمة أخلاقية، لا، كقيمة فيزيقية.

باسم الجمل: كسلوك.

محمد الدكالي: كسلوك. ما هو السلوك الفاضل الذي لا يسيء ربما لا ينفع ولكن لا يسيء.

كذلك العدالة. لماذا مشكل العدالة؟ هو جوهر حياة المدينة أو الدولة، هو الظلم. انظر للظلم الذي يُرتكب اليوم والعالم عاجز، إراديًا، يدعي أنه لا قدرة على إيقاف الظلم الذي يصل إلى قتل الأطفال والنساء يوميًا تحت ضوء الكاميرات والآلات التي تُصور في الفضاء، والجميع يعلم ولا أحد يقول لا، التبريرات متعددة. إذن ظاهرة الظلم هذه التي تجاوزت كل الحدود المقبولة بل و المتخيلة تجعل مشكلة العدالة. ما هو الآن القرار العادل؟ هل… أو العادل نسبيًا هل هو التمادي في هذا السلوك الظالم الآثم، وليس بالمعنى الأخلاقي بالمعنى الفيزيقي، هناك أناس يعذبون هناك أناس يموتون هناك أناس يقهرون يوميًا، هنا وهناك وهناك، هل هناك من انتفاضة للوعي لدى هذا وذاك لنقول كفى؟ لأن الظلم لم يعد له حدود، وبما أن الظلم لا يعرف حدودًا، فموضوع العدالة يُطرح. متى نقول إننا أناس عادلون ولو بمقدار ونحن يوميًا نسكت أي نؤازر صمتًا أو جهرًا هذه المآسي التي قد تنقلب ذات يوم ضد أصحابها؟ التاريخ مليء بالمفاجآت.

باسم الجمل: نعم صحيح.

محمد الدكالي: إذن هنا تُطرح مشكلة العدالة، هل من العدل أن نصمت على الظلم؟

باسم الجمل: الأستاذ محمد الدكالي شكرًا، دعنا ننتهي، هل نسكت على الظلم أم نطالب بالعدالة؟

محمد الدكالي: في مستوانا أن نقول أولًا الظلم غير مقبول ولا شيء يبرره، لا شيء يمكن أن يبرر الظلم المطلق، والعدالة ضرورة، والتخلي عن هذه الضرورة انغماس في الظلم حتى لو كان غير مشارك فيه.

باسم الجمل: كلامك سليم. أستاذ محمد شكرًا لك.

محمد الدكالي: شكرًا.

باسم الجمل: سعدت بالحوار معك. شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.