ناقَشَ الدكتور نبيل بن عبد الجليل، المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، كيف يشعر الغربيون أن العبقرية الموسيقية الأوروبية لا تضاهى، فمن الصعب أن نقع على مرادف للإعجاز الموسيقي الأوروبي في قارة أخرى، بل ويؤمنون أن أوروبا أودعت من أسرار الجمال الإنساني في الموسيقى ما لم تودع مثله في أي من الفنون، ومقولة المفكر اللبناني جورج قرم البديعة، التي يقول فيها “إذا كان الله كلم الشرق بصوت أنبيائه الكبار؛ فهو قطعاً كلَّم الغرب كذلك من خلال الجمال الذي بثه في باخ وبيتهوفن وشوبان ومزار”، وهل يمكننا الحديث عن استشراق موسيقي على غرار مدرسة الاستشراق الفني الشهيرة في فن التصوير؟
أهمية الموسيقى الكلاسيكية للأوروبيين
وأجاب الدكتور نبيل بن عبد الجليل، المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عن سؤال “ما أهمية الموسيقى الكلاسيكية ودورها في تكوين ذائقة جمالية مشتركة للأوروبيين؟”، قائلاً: “سؤال معقد يستدعي جواباً في المستوى هذا الاقتراح الذي يقترحه الأستاذ بلقزيز في رؤية الموسيقى الغربية؛ يمكن أن ننظر إليه بشيء من النسبية، لأن هذا الشيء حقيقي بالمطلق في مراحل معينة؛ بينما أنه ليس كذلك وربما يصل إلى النقيض في مراحل أخرى، فإن نظرنا إلى تاريخ الموسيقى العالمة، أقول الموسيقى العالمة، انطلاقاً من القرون الوسطى، وأما الموسيقى الكلاسيكية فهي رسمياً تبتدئ مع سنة 1600، مع أول أوبرا تقريباً؛ فمن بداية الموسيقى العالمة، سنجد أن هناك مراحل تاريخية، يغلب فيها ذوق أوروبي عام؛ فمثلاً في القرن الرابع عشر مع مدرسة نوتردام، كنيسة نوتردام، التي كانت مركزاً للفكر والعلوم ومركزاً للمدرسة، وما إليه، وكذلك للفنون التشكيلية؛ خصوصاً الموسيقى، كان هناك ذوق أوروبي تفرضه باريس، تفرضه مدرسة نوتردام مع الحرب الإنجليزية الفرنسية، سيقع هناك نوع من التبعثر”.
الأوروبيون ومرحلة النهضة ورموز القومية في الموسيقى
وأضاف الدكتور نبيل بن عبد الجليل: “ثم إن نظرنا إلى مرحلة النهضة خلاف هذا المنظور العام المبسط، الذي يريد أن ننظر؛ يريد الأوروبيون الآن أن ينظروا أنفسهم إلى مرحلة النهضة؛ لأنه ثقافة وحضارة موحدة، والنقيض هو الحقيقة؛ لأن لو نظرنا إلى الفنون التشكيلية مثلاً فسنرى أن مدرسة النهضة عند الإيطاليين؛ كان الفلمندريون على طرف النقيض من الممارسة الفنية قبل ذلك بجيل أو بجيلَين، كان هناك ما يُسمى الجوتيك الإنترناسيونال؛ فالجوتيك المخترق للحدود كذلك في ما يخص الموسيقى، الموسيقى الإيطالية بذوقها المتوسطة المنفتحة على الشمس المحبة للحياة؛ ليست هي الموسيقى البوليفونية الكنسية، التي ضاق بها الإيطاليون ذرعاً في مرحلة النهضة؛ لأن تلك الموسيقى وبما أن تلك المرحلة تسمى لاغوتيك بصفة عامة في الفنون التشكيلية؛ لكنها كذلك قوطية في التوقع الموسيقي، ولما أقول قوطية فإن هناك ذوقاً، هناك عمقاً عنيفاً سوداوياً جنائزياً يميل إلى الحمراء؛ فلهذا يجب أن ننظر إلى هذه المسألة، التوحيد في الذوق، بشيء من النسبية، القرن التاسع عشر مع فريدريك نيتشه، والذي يؤكد، طبعاً لا يؤكد؛ لأنه جورج قامول الذي يؤكد كلام نيتشه، لما يأتي نيتشه ويقول الموسيقى الآن أصبحت هي رائدة الفنون، هي المثال الأعلى الذي يجب على كل أشكال الإبداع؛ بل حتى على الفلسفة بحد ذاتها، أن تتبعه، ويتكلم عن موتسارت وعن بيتهوفن، ويقول مع الأسف نحن الآن في مرحلة القومية الألمانية، نيتشه كان ضد القومية الألمانية، خلافاً لما تريد الغوغاء أن تعتقد، فنيتشه كان أولاً يعني يحب فاغنر، يعني رمزاً من رموز القومية في الموسيقى في المطلق، وبعد طلاقه من فاغنر، وهذه (كلمة طلاق) نضعها بينه ليلين، يعني نهاية العلاقة صار يتأسف على ضياع البعد الأوروبي، والآن توقع الهوية الألمانية على وهم القومية حول وهم القومية؛ فتراه يقول أين موترد بصفته جرمانياً أوروبياً إيطالياً نمساوياً إيطاليا الضوء نمساوياً؟ وأين بيتهوفن؟ لكنه، وهنا أخطأ، كان يعتبر بيتهوفن ألمانياً أكثر مما هو أوروبياً، والتاريخ أثبت عكس ذلك؛ لأن بيتهوفن هو الذي صار رمزاً إنسانياً ليس فقط أوروبياً”.
الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى العربية الإسلامية
وأجاب المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، عن سؤال “هل تعتقد أن الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية أخذت منَّا شيئاً في اللحظات التي تماست فيها معنا، وفكر مثلاً في اللحظة الأندلسية، وربما في اللحظة العثمانية في ما بعد؟ هل كان للموسيقى العربية الإسلامية أثر على هذا الصرح؟”، قائلاً: “سؤال مهم كذلك؛ التماس شيء مفروغ منه، طبيعي جداً يفرضه التاريخ وتفرضه الجغرافيا، ما قد أشرت بنفسك؛ يعني أعطيت عناصر من الجواب، منطقة الأندلس، كذلك منطقة البلقان، وأوروبا الشرقية؛ هناك كذلك سهول آسيا الوسطى.. يعني في ارتباطها مع روسيا لا ننسى أن روسيا الاتحادية هي دولة أورو-آسيوية، هي دولة مسيحية إسلامية، بعد ذلك مباشرةً فنقطة التماس موجودة الآن؛ بما أننا نتكلم عن الموسيقى الكلاسيكية، فسننظر ربما حتى نكون يعني عمليين، ننظر دائماً في الموسيقى العالمة، التماس، لم تكن الاستفادة منه دائماً في اتجاه واحد، نحن كذلك استفدنا الموسيقى؛ ما يُسمى طرب الآلة، وأفضل أن أقول طرب الآلة قبل أن أقول الموسيقى الأندلسية؛ لأنه عندما نقول الموسيقى الأندلسية نسلخ حقَّنا”.
الموسيقى الأندلسية
وأضاف الدكتور نبيل بن عبد الجليل: “إذن الموسيقى الأندلسية بمشاربها المختلفة في المغرب والجزائر وتونس وبأنواعها المختلفة في المغرب بذاته؛ يعني استفادت بشكل عميق جداً وسلس جداً وبقوة شخصية رائدة ونادرة من الغناء الجريجوري من الموسيقى الكنسية؛ أخذت هذه العناصر النغمية وحورتها في لغة تستجيب للتعاريف العربية الإسلامية؛ لما هو موسيقى. العكس كذلك، العكس وقع بعد أن أصبح الغرب هو سيد اللعبة، إن سمحتم لي بهذا التعريف، فصارت الاستفادة من نقاط التماس تصير بالعقلية الأوروبية، هنا ربما وجب التمييز بين هاتين العقليتَين على مستوى الموسيقى؛ أولاً الموسيقى العربية أو الموسيقات العربية الإسلامية المتعددة طبعاً، حتى العروبة نفسها متعددة؛ حتى نبعد عن اللغط الأيديولوجي.
هذه الموسيقات الموجودة في العالم العربي الإسلامي بتعدد لغاته وحتى بتعدد دياناته؛ هذه الموسيقات لها منطقة معينة، مفهوم الزمن يختلف عن مفهوم الزمن في الموسيقى الكلاسيكية، والموسيقى الكلاسيكية لما أتت انطلقت من عصر النهضة، لما توطدت أواصرها المؤسسة كان مفهوم القالب مفهوماً أساسياً. لو نظرت مثلاً إلى الميزان الأندلسي؛ ستجد أنه مجموعة متتاليات هي من البطيء جداً إلى المتسارع جداً، ونحن نسرع بالتدريج، هذا كان منطقياً إسلامياً أندلسياً رائداً في محاولة السيطرة على الزمن؛ لأن الموسيقى هي قالب ينجز في الزمن، خلاف الفن التشكيلي؛ قالب ينجز على الورق، أو الرواية قالب ينجز في السردية وفي المخيلة بواسطة اللغة، الموسيقى؛ هي ربع ساعة من الزمن. الأوروبيون أتوا بمنطق مختلف دعوا إلى فكرة المتتالية؛ لكن على أساس التناقض هي متتالية من الرقصات أو من القطع الموسيقية القصيرة؛ لكنها تختلف في طبعها وفي سرعتها”.
الموسيقى الأندلسية استفادت من الأوروبية
وتابع المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون: “إذن عندي عنصر القطيعة، وعندي عنصر التناقض.. هذه أشياء أتت من المسرح، تطور التراجيدي، تطور الفكر المسرحي لربما حدد الهوية الأوروبية الحضارية بشكل مختلف كلياً، أما مفهوم الزمن عندنا في الحاضرة العربية الإسلامية؛ فهو زمن دائري، أنت تقول هذه الموسيقى تطربني لما تأخذك وتستأثرك وتنسيك الزمن؛ فليس من عناصرها ولا حتى من مقوماتها الجمالية أن تصدمك، بينما السيمفونية تصدمك طول الوقت، بعدها تراجيدي، بعدها درامي، بعدها مسرحي؛ فهذه من الأشياء المختلفة، يعني الاختلافات الأساسية زيادة على مسائل كمثلاً البوليفونيا، تعدد الأصوات، بينما الموسيقى العربية هي موسيقى بلحن واحد؛ لكن لحن واحد يعتمد على عملية التوريد بواسطة الزخرفة، فهذه الزخرفة التي لا تنتهي، الحرية في التعامل مع اللحن، حتى حرية الارتجال داخل اللحن، وكذلك ظاهرة الارتجال الجماعي التي تكون في نفس الوقت هناك منطق مختلف أساساً لمفهوم القالب ولمفهوم الزمن، فلما قُلت إن الموسيقى الأندلسية استفادت من الموسيقى الأوروبية استفادت منها وجعلتها تخضع لهذه الشروط المؤسسة، والأوروبيون بعد ذلك لجؤوا إلى نقاط التماس وجعلوها كذلك تخضع لمبادئهم العقلانية المؤسسة للموسيقى”.
التمييز بين الأوبرا والموسيقى السيمفونية
وقال د.نبيل بن عبد الجليل بشأن “هل كانت الإحالة على الشرق في هذه الأعمال إحالة لفظية شكلية لها علاقة بالعنوان، أم أن الاستلهام ذهب أبعد من العنوان؟”: “سؤال وجيه؛ هنا يمكن أن نميز بين الأوبرا والموسيقى السيمفونية؛ لأن الأوبرا تعتمد على المسرح، نصفها مسرح كموسيقى اتخذ ثُلثها الموسيقي، وذلك لأن الأوبرا تنسب لمؤلف الموسيقى وليس الموسيقى؛ نقول أوبرا تشايكوفسكي، أوبرا موسيقى، أوبرا المخرج الفلاني، فإذن الأوبرا بما أنها يعني موضوعاته وفيها قصة فإننا نستلهم مواضيع، وهنا الأوبرا مرت بمراحل أداء، حتى قبل القرن الثامن عشر نفسه، في القرن السابع عشر نجد أن هناك محاولات أوروبا لاستلهام الشرق في إطار منظور الحروب الصليبية والخطر العثماني؛ فهناك أوبرات كتبت في هذا المجال”.
الاستشراق العجائبي و”ألف ليلة وليلة”
وأضاف المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، ردّاً على “وحتى قبل الأوبرا في إسبانيا كان هناك أشكال فرجوية شعبية تتحاضن فيها الموسيقى مع التشخيص المسرحي، وكذا في وصف انتصاراتهم على المورو.. وما إليه”: “طبعاً شيء طبيعي جداً؛ بعد ذلك ستظهر انطلاقاً من القرن الثامن عشر ظاهرة لتيركوري، كيف سنترجم تيركوري؟ المستملحات التركية ربما؟ كيف سنترجم مصطلحا ًكهذا؟ اللطائف التركية.. اللطائف التركية التي تمر من الهلال الذي نأكله، (الكرواسو) نسبة إلى الهلال، الكرواسو هو ملعب على الهلال الإسلامي، حتى الموسيقى، حتى المارش تيرك.. المارش تيرك الموزارد؛ قطعة مشهورة جداً اسمها المارش تيرك؛ لا رائحة عربية ولا تركية ولا شرقية فيها. هم من باب الموضة فقط؛ لكنه انطلاقاً واعتماداً على موليار، وهناك اختطاف في السرا وكذلك روسيني.. وغيرهم. يعني لولي قبلهم المؤلف وهو وموليار كانا الفنانَين اللذين يخدمان في بلاط لويس الرابع عشر؛ أحدهما مسرحي والثاني موسيقي، ويؤلفان أعمالاً مشتركة بالاستهزاء من العثمانيين، لكن لا ربما في تلك المرحلة صراع جيواستراتيجي أكثر ليست هناك رائحة حساسية دينية بكثرة، هو صراع جيواستراتيجي؛ لأن الإمبراطورية العثمانية كان يضرب لها ألف حساب بصفتها قوة أوروبية، بعد ذلك ستتحرك الأمور نسبياً نحو نوع من الاستشراق العجائبي، وهنا سنجد تقاطعات كثيرة مع الفن التشكيلي ومع الأدب، هذا الاستشراق العجائبي الذي ستصبح فيه مثلاً (ألف ليلة وليلة) رائعة في الأدب العربي، وأنا دائماً أستغرب نحن العرب لا تعني لنا (ألف ليلة وليلة) الشيء الكثير؛ لكن لما تتكلم مع أوروبي.. شهرزاد وشهريار والسندباد”.
وأيَّد د.نبيل بن عبد الجليل أن “(ألف ليلة وليلة) كانت دائماً تعتبر أدباً وضيعاً بالنسبة إلى المؤسسة النقدية العربية؛ ولكن بسبب الغرب وقراءات الغرب، أخذت موقعها الحالي؛ وأننا نحتاج أحياناً إلى الآخر؛ لكي نستوعب حتى أشياء ذات قيمة لدينا لا ننتبه لها؛ ولكن فعلاً في ما بعد ستصير في صلب رؤية استشراقية للعالم العربي”.
شرق آخر.. مركز الروحانية وأصلها
وأضاف المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون: “وبالتأكيد هذا ما وقع، ولهذا هناك كذلك حتى نبقى في مجال الأوبرا؛ هناك شرق آخر، شرق ربما عميق، شرق فلسفي؛ شرق هو مركز الروحانية وأصلها. فحتى بالنسبة إلى شاب الموسيقى الخالد الذي هو موترد، موسيقاه دائماً شابة، سنجد هناك الاختطاف السرياني؛ ولكن هناك كذلك الناي المسحور، الذي يسترجع فيه أسطورة فرعونية قديمة، وهو هنا كان متأثراً بالحركة الماسونية التي كان ينتمي إليها؛ لكن هنا فلنبتعد كذلك عن كل الأفكار السوداوية في ما يرتبط بهذه الحركة؛ لأننا لا نتكلم عن بُعدها السياسي بعد ذلك لأننا نتكلم فقط عن بعدها الثقافي؛ فكان من أهداف تلك الحركة كفكر؛ أن نتجاوز المرجعيات القومية ونبحث في التاريخ القديم عن أسس جديدة موحدة عالمياً، فهنا في هذه الأسطورة، الناي السحري؛ سنجد قوة الخير، قوة الشر، قوة الظلام، قوة النور.
سأقفز تاريخياً إلى بداية القرن العشرين، مع مؤلف مهم جداً اسمه كارول شيمانوفسكي.. كارول شيمانوفسكي هذا، ثلاثة أعمال تأتيني الآن، قطع حب من شعر حافة الفارسي، كذلك السيمفونية الثالثة التي تُسمى غناء الليل، وهي تعتمد كلها شعراً على شعر جلال الدين الرومي، وكذلك لغوغوجي وهو ثاني الملوك النورمانديين الذين استولوا على صقلية، وطردوا العرب منها؛ لكن يحسب لهم تاريخياً أنهم كانوا جداً منفتحين على الثقافات المختلفة فكان هناك تعايش جميل، وهذا يثبت التاريخ في صقلية بين الإسلام والمسيحية، وكان هنا يعني لا يأبه لتوجيهات البابا، حتى صراحةً لشيمانوفسكي؛ له أوبرا جميلة جداً تسمى الملك روجي؛ منهم أبطال القصة في الملك روجي.. الشريف الإدريسي جميل، وهو كان في صقلية، الشريف الإدريسي الذي كان مستشاراً للملك روجي، هناك زوجة الملك روجي نفسه؛ ولكن كذلك مبشر بدين جديد قديم يأتي من الهند، وهو يبشر بنوع من الرجوع إلى وثنية يونانية، تعفين، صداع المشكلات التوحيدية، وهنا عبقرية هذا المؤلف؛ أنه وضع الإسلام والمسيحية في صف واحد ونسب إلى الشريف الإدريسي صورة الناصح والمستشار؛ الذي سيدفع دائماً الملك روجي للتمسك بالعقلانية الأبولونية ضد الهوس الديونيزي؛ الذي يأتي به ذلك المبشر الهندي، فلاحظ هنا كيف وضع على نفس الطاولة الإسلام والمسيحية والقرن الروسي، وكذلك المرجعيات الفكرية الأدبية الهلينية في عمل موسيقي، في عمل واحد لغوي، روجي في عمل موسيقي في الأعمال الأخرى التي ذكرتها هي موسيقى سيمفونية، لكن هذا أوبرا؛ فهناك ربما كما قُلنا الشرق المنافس، الشرق العدو، هناك الشرق العجائبي والغرائبي، وهناك شرق حكمة، شرق أصول، شرق تصوف ربما، وروحانية موحدة نبحث عنها كبشر”.
الاستلهام الموسيقي.. وتأثرنا بالاستشراق
قال د.نبيل بن عبد الجليل: “في البداية لم يكن هناك استلهام فعلي لأنغام موسيقية أو إيقاعات. متى سيبدأ هذا الاستلهام فعلياً وبشكل ممنهج؟ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والغريب في الأمر أن هذا الاستلهام أصبح يتطور بالموازاة مع تطور المدارس القومية داخل أوروبا نفسها، فلما تجد الألمان مثلاً في شخصية فاغنر، يبحثون عن قوميتهم، مع أنهم أساساً من آباء الموسيقى الكلاسيكية؛ تجد كذلك شعراء أوروبا الشرقية، تبعثوا عن هويتها، أوروبا الشمالية. نبدأ مثلاً بالكومبوزر، المؤلف الموسيقي السكندناري أدوارد غريغ، الذي ألَّف عملاً بصحبة زميله إبسون، الكاتب المسرحي الشهير، في عمل بير غينت، من الشخصيات، في بير غينت هناك زعيم البدو وهناك فتاة تُسمى عونيترا؛ هذا يعني خيالاً يعني عونيترا.. نحن نعلم أن العونيترا رمز للذكورية. اختلقوا عونيترا. حاول أن يخلق شرقاً في الموسيقى لكن بشكل غريب؛ فلحن ما يلي في عمل يُسمى الرقصة العربية، هي صينية أكثر منها عربية؛ لكنك ترى أنه في نفس المرحلة خصوصاً مع الروس، الروس الذين كان عندهم تماس..
وهنا نرجع إلى مسألة التماس؛ تماس تاريخي واقعي فعلي مع الإمبراطورية العثمانية والشعوب المؤسسة لها، وكذلك مع آسيا الوسطى؛ ستجد أشياء أعمق بكثير، ستجد مثلاً موسورسكي في أوبرا الكوفانشينة، في رقصة مخصصة في وسط هذه الأوبرا للأسيرات الفارسيات؛ فهي رقصة تؤديها هذه الأسيرات وهن مقصورات النفس، لذلك الزعيم السلافي الذي أسرهم موسيقياً ستسمع ميالي نغمة النجرس هنا، ربما سأقولها قبل حين حتى لا يضيع الرابط.. ستجد عبد الوهاب في محاولته خلق جو درامي حول موضوع قيس وليلى؛ موسيقي لم يتعدَّ المحاولات الاستشراقية البسيطة، عبد الوهاب نفسه، هذا سؤال نرجع له في ما يخص تأثرنا نحن بالاستشراق. فالآن نبقى مع روسيا، أقوى مثال، ومثال الذي أشرت إليه ريمسكي كورساكوف، عن رائعته شهرزاد، قبل ذلك هو ألّف السيمفونية الثانية المسماة عنتر ليس عنتيراً؛ لكن عنتر، يعني يعرف أنه مذكر، هذه ليست من عمله الرائع شهرزاد، كل يعرفها. إذن في شهرزاد ستجدون أنه يتعامل، يمزج، وهنا نرجع إلى سؤال الخصوصيات، المؤسسة، الفكر الأوروبي الذي تجده في الرواية؛ ولكن الذي تجده كذلك في الموسيقى؛ كيف سيوظف فيه عنصراً شرقياً إذا ما نظرنا إلى تلك الاختلافات الجوهرية التي تكلمت عليها سابقاً. هنا تجد أنه سيستعمل تقنية موسيقى البرنامج؛ فهي ليست السيمفونية التي تعمل على قالب مسطر؛ لكن تعتمد على البرنامج. ما البرنامج؟ يعتمد البرنامج على الفكرة اللايت موتيف أو الموتيف، الدال، اللحن، الدال.. فمثلاً هناك لحن شهرزاد ستجده في كم هائل من المسلسلات والأفلام؛ حتى إن الأتراك في مسلسل يحمل اسم (شهرزاد) كانت هذه موسيقى الفيلم. هناك كذلك لحن شهريار، لحن الرجل السلطان الذي غضب وكره جنس النساء، ويريد قتلهن كلهن؛ ليس شرقياً كثيراً؛ لكنه سيوظف بشكل جميل في سرده الموسيقي أجمل لحن”.
استرجاع الاستشراق.. “قال جاني بعد يومين” مثالاً
وتابع د.نبيل بن عبد الجليل: “واللحن الذي يثير الانتباه هنا ويدخل في إطار ما سميته باسترجاع الاستشراق؛ هو لحن الأمير كلندر، هذه الأغنية، هذا اللحن، عربية، أخذه جمال سلامة لمّا لحَّن لسميرة سعيد ثلاثية جميلة جداً؛ منها (قال جاني بعد يومَين)؛ هنا أغنية (احكي يا شهرزاد.. احكي يا شهرزاد) سؤال صعب، هل لم يجد جمال سلامة شيئاً آخر يستشهد به عن الشرق، ويستشهد به عن شهرزاد؟ هل هذا لضعف في الخيال أم لأنه عنصر ومثال قوي يستشهد به..؟ هذا سؤال”.
قوة الاستشراق وتأثر الزمن الموسيقي الأوروبي بالزمن الشرقي
وأضاف المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون: “إشكالي أن المتفوق هو الذي يكوِّن الخطابات التي يتصوَّرها هو حول الآخرين. وما دمنا نستهلك الخطابات التي أُسست حولنا، فنحن نتبع.. نكمل حديثا عن الموسيقى؛ تأثر الموسيقى الأوروبية بهذا الشرق. سيذهب الاستلهامُ بعد ذلك إلى مرحلة أعمق، هي تأثر الزمن الموسيقي الأوروبي نفسه بهذا الزمن الشرقي. يعني نريد أن نهرب من هذا الزمن الأوروبي، المقطع الخاضع لهيكل محدد؛ فهذا ستجد مثلاً عند كلود ديبوسي، المؤلف الفرنسي الشهير، الذي ينسبونه غالباً أو يحاولون يعني جعله موازياً للفن الانطباعي في الفنون التشكيلية. لكن هو كان متأثراً كثيراً بالشرق وبالموسيقى العربية؛ ولكن كذلك بالموسيقى الإندونيسية بشكل كبير جداً، خصوصاً في مفهومه للزمن، فصار يبحث عن زمن مطاط، زمن لا يقطع زمناً، لا يتوقف هناك، كذلك في ما يخص عناصر التماس التي اشتغل عليها المؤلفون الأوروبيون؛ إسبانيا.. الفرنسيون صاروا هم الناطقين الرسميين، ربما على مستوى الثقافة العالمية، وأدباً كذلك، أظن أنك لا تخالفني الرأي في القرن التاسع عشر هم الناطقون الرسميون باسم إسبانيا؛ حتى الإسبانيون في نهضتهم في القرن العشرين أعادوا إنتاج ما أنتجه الفرنسيون، في واقع الحال في الموسيقى وقع نفس الشيء؛ فتجدون أن كبار المؤلفين الموسيقيين الفرنسيين؛ بيزي مع رائعته كارمن، وكذلك ديبوسي، قبله سانسونس، موريس رافل، ومقامر موريس رافل، وديبوسي.. في ما يخص هذه الموسيقى الإسبانية العربية أعطيك مثالاً حياً، كيف أن كلود ديبوسي عن طريق اسم غرناطة، هو يبحث عن العنصر العربي في قطعة جميلة جداً للبيانو تُسمى (ليلة في غرناطة)، لحن في غاية الجمال، على مقام الحجاز، وله ألحان كثيرة في هذا الإطار، وكذلك لمواطنيه رافل، في إطار ما يسمونه إسبانيزم؛ يعني اهتماماً بإسبانيا، لكن ذلك الاهتمام بإسبانيا لم يكن ليوجد من الأصل لولا أن إسبانيا كانت تمثل بالنسبة إليهم بوابة الشرق”.
نظرة تاريخية استعلائية.. الموسيقى الشرقية وعشوائية العزف!
وأجاب د.نبيل بن عبد الجليل عن سؤال “إسبانيا هي كناية عن الأندلس، والأندلس هي هذا المزيج العربي الإسلامي في اللحظة الذهبية التي كانت فيها الأندلس ثقافة للعالم، في لحظاتها، ما أنا في الحقيقة وأنت تقدم هذه المقطوعات، كان يجب أن يحضر البيانو إلى هنا؛ ولكن مع ذلك ما لا يدرك كله لا يدرك جله، كما يقول أبو قهر.. أنا سأبقى مع الفرنسيين؛ الفرنسيون الذين سينتقلون إلى الشرق عملياً مع نابليون بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر، وسيؤلفون كتابة وصف مصر، طبعاً مجموعة من العلماء والناس الذين ذهبوا مع الحملة، سيكتبون في مجالات متعددة؛ من بينها الموسيقى، وسيقولون إن الموسيقى الشرقية التي استمعوا إليها في مصر ليست موسيقى أصلاً؛ لأنها لا تتبع سلم الموسيقى الغربي، كما انتقدوا عشوائية العزف؛ اعتبروا العزف عشوائياً، ولم يحبوا الغناء العربي الذي وجدوه أنفياً، كيف تتلقى هذا الموقف؟”، قائلاً: “هذا يدخل في إطار نظرة تاريخية استعلائية؛ ينظر الغرب إلى نفسه فيها بصفة محضر العالم؛ خصوصاً فرنسا، بصفتها الرائدة في الثورة الفرنسية التي ستصبح مع الأستاذ نابليون بونابرت واجباً تحضيرياً للعالم كله، ولولا ذلك لما كانت الحروب النابليونية في أوروبا نفسها، قبل هذه الحروب بدأت التوسع الأيديولوجي في ما يسمونه هم الشرق، فطبعاً ستكون نظرة استعلائية.. هنا ستكون نظرة استعلائية تحقيرية فيها نوع من النرجسية؛ ولكن فيها كذلك نوع يعني تعبيراً عفوياً جداً عن حائط ثقافي، حائط ذوقي في مجال استنباط، ويعني استنطاق المعايير الفنية والمعايير الجمالية، سؤال ما هو جميل، فما تفضلت الآن بذكره هو متعلق بسؤال فلسفي، ما هو جميل غناؤهم؛ الغناء الأوبرالي مبني على ضخامة الصوت ومضخمات صوتية معينة، حتى نستعمله.. كل ما يجعل الصوت يخرج بقوة كبيرة مؤثرة؛ بينما الغناء الشرقي غناء حميمي أكثر، أقصد غناء الشرقي؛ يعني أقصد غناء العربي الشرقي، منطقة الشرق الأوسط، غناء حميمي.. قالوا أنفي هذه حتى يعيبه، فمسألة الفوضوية ترجعنا إلى ما ذكرته آنفاً في ما يخص هذه الأسس؛ لأن المصريين كانوا يعزفون نفسَ اللحن بمبدأ الهيتيروفونيا، وهي موسيقياً لمّا نعزف كلنا نفس اللحن، نفس الفكرة اللحنية؛ لكن كل واحد بذوقه وبإحساسه الخاص مع ما يعطي لنفسه من صلاحيات في أزوية زخرفة والارتجال، فمثلاً (آه يا سلطاني يا لا لا لا)، ممكن نعزفها ثالث سيأتيك بـ.. يعني باقتراح آخر، فتصور أنك ستسمع مقترحات لحنية، مقترحات لصياغة نفس الجملة في نفس الآن، وأنت لست متعوداً على هذا، سيظهر لك هذا على أنه فوضى؛ لكن الجميل في الشيء أن هذه الفوضى المنظمة، وهناك بعض الموسيقيين والموسيقولوجيين عندنا يسمونها فوضى منظمة، خضوعاً لهذا المنظور، الاستشراق القديم؛ لكن لضعف علمهم بالنظرية، وتطور نظرية أوروبية، فسيجدون أن هذه الهيتيروفونيا صارت من المؤسسات للموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ يعني ما يدخل في إطار الفن الحديث في إطار الموسيقى الكلاسيكية، يعتمد عنصر الهيتيروفونيا، وفي دراستهم على هيتيروفونيا طبعاً لا يتوانون في دراسة الموسيقى الخارجة عن أوروبا؛ فهذا استمرار للاستشراق في واقع الحال، وهنا صرنا نأخذ حتى المبادئ المؤسسة للموسيقى العربية، والموسيقى الإسلامية؛ حتى نعتمدها كمبادئ المؤسس في الموسيقى الكلاسيكية”.
مغرب الستينيات والسبعينيات.. موسيقى مغربية تبهر العالم
وتحدث د.نبيل بن عبد الجليل عن مغرب الستينيات والسبعينيات والموسيقى المغربية التي أبهرت العالم، مجيباً عن سؤال “ما رأيك في مَن يرى أن إيقاعات جناوة لم تسحر الفنانين؛ لأنها عبقرية، وإنما فقط لأنها صادفت هون في رؤيته الدفينة عن الشرق البري، مختلف، وغير المنظمة الموسيقية؟”، قائلاً: “كل شيء جائز؛ لكن ربما سنجيب بموضوعية، الأكثر إذا وضعنا الأمور في سياقها التاريخي، هذا السياق التاريخي كان فترة إعادة اكتشاف لحضارات خارجة عن أوروبا، الحضارات لا غربية ولا أوروبية، على مستوى الثقافة الغربية الشعبية الجديدة؛ لأن هنا لاحظ أننا نزلنا من مستوى الموسيقى العالمية إلى مستوى الثقافة الشعبية، لمّا تحدثت عن الموسيقى الكلاسيكية فتحنا ملفاً آخر، لا نفضل شيئاً عن آخر؛ لكن للتذكير من الناحية التاريخية دائماً مع الزخم الإعلامي الذي تناله الموسيقى أو الثقافة الشعبية حالياً، الثقافة العالمية كانت دائماً سباقة؛ لكننا لا نعرف ماذا وقع في هذا الإطار، أنه كان إطاراً نخبوياً محدوداً، وما إليه؛ فالآن صار التعرف على هذه النماذج، هذه المرحلة هي مرحلة تفتح عام على كثير من موسيقات العالم؛ ليس فقط موسيقى الجقجوقة أو موسيقى غناوة.. أو ما إليه”.
وقال المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، رداً على “ذكرتني أيضاً ببول بول طبعاً والمجهود الذي فعله لكي يعرف الموسيقى”: “ذكر مثلاً فيلم (Apocalypse Now) والمجموعة الدُّرج، في الأغنية التي كانت تغنيها الدُّرج في فيلم (Apocalypse Now)، لفرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي، الموضوع الآخر مرتبط بالموسيقى المغربية، هناك ستجدون كيف أن الموسيقى التي كانت تغنيها المجموعة الدُّرج كانت في انسجام تام مع الموسيقى الإدنية التي كان يقدمها المنتج والفيلم في ما يخص المحيط الفيتنامي، صحيح نفس الشيء كان يقع بمناطق أخرى؛ منها المغرب، والآن في فيلم (لادرنير تنطاشن دي كريست) اللي مارتن سكورسيزي هنا ستجدون كيف تم توظيف موسيقى مغربية تنتج ناس غيوان، فهنا يوضع سؤال مختلف لماذا؟ أظن أنه نفس هذا أدى مجرد آراء بمكان كان تعارضني أو تناقشني؛ هي أننا ما زلنا في الغرب نبحث عن مخرج روحي لورطتنا المادية، الفكر المادي الذي سلَّطه الغرب على رقابه مخيراً لا مسيراً، صار حبساً لتلك الروح الغربية؛ فنبحث عن كل ما هو روحاني، عن ملاذات دي غفوش، دي غفوش بالضبط، ملاذات روحانية نهرب فيها؛ لكنَّ في هذه الملاذات استمراراً لتصور الاستشراقي المتعالي خفيةً، وما هو؟ نحن الغرب، الغربيين، نحن قوم الفكر، نحن قوم أحرقنا خلايا أدمغتنا بالفكر؛ بينما الشرقيون ولا أدري ما هم الشرقيون، فأنا أستاذ في أوكرانيا يُسميني شرقياً، وأوكرانيا في الشرق، وأنا في المغرب بعد ذلك تدارك نفسها، وقال لي والله يا ولدي أعتذر منك، أنسى بأنك غربي أكثر مني صحيح، شكراً يا أستاذ، بينما المشارق إن كنا نحن الغربيين”.
الشرقيون نائمون في الروحانيات والتصوف
وقال د.نبيل بن عبد الجليل، ردّاً على “على فكرة هذا المثال طريف؛ يعني بالغ الأهمية، لأنه أنت تعرف أن الغرب كان يُسمي شرقه الخاص East ويسمينا نحنOrient ، وبهذا المعنى فالمفهوم ليس جغرافياً فقط، وأستاذك الأوكراني الشرقي الذي يُسميك وأنت المغربي الغربي شرقياً، فهو يستعمل مصطلحاً East شراقياً، فأنت Oriental هذا هو المقصد”: “بالتأكيد أنا Oriental كنت، وأنا لذلك هنا؛ إذا كان الغربيون يحرقون خلايا دماغهم بالتفكير، فنحن الشرقيون نائمون في الروحانيات وفي التصوف، ويبلغ ابن عربي ذروة المنتهى بخياله؛ لكننا لسنا مهتمين، ولا يجب أن يهمنا الموضوع من الأصل، في أن نصل إلى القمر بواسطة العلم، ويلح الغرب على هذا الخطاب؛ حتى نبقى غارقين حتى يعجبنا هذا الدور الذي رسموه لنا”.
المزج.. الفن الحجي
وتابع المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، رداً على “أنا أحس أحياناً وأنا أتابع مثلاً ما يحصل في الغرب؛ يعني مثلاً في مهرجانات الموسيقى في أكبر الفضاءات الموسيقية الغربية، كيف هناك دائماً استعداد للاحتضان بحفاوة بالغة للموسيقى الصوفية؛ يعني من الشرق كاملاً، وأحس مرة أخرى بأنهم لا يريدون دائماً أن يتعلموا من موسيقى شعوبنا، ومن هذه الطوائف الدينية بقدر ما يريدون أن يضعونا في هذا السياق، أنت هذه حدودك؛ فلا تحس بأن التواصل الموسيقي متاح، هي مجرد استضافة مؤثرة ثقافياً”: “رائع صديقي، هنا شكراً لأنك ترجعني إلى مقاربة أخرى لهذا الموضوع؛ بداية هذا الاهتمام في الستينيات والسبعينيات، هي في الواقع بداية غير رسمية، غير معلنة، لما صار يسمى لاحقاً بالمزج، الفن الحجي؛ فكانت بداية رسمية، الجاز أوريونتال. هذه المحاولات بعد ذلك ستصبح الفيزيو؛ يعني عبارة عن معامل إنتاج أنماط موسيقية حسب نمط معين، وهنا كما تفضل عندك الكامل الحق ، عندما نقوم بعمل فيزيو فيه غربي مع شرقي، أنا لا أؤمن بكلمة شرقي من الأساس، ستجد أن الغربي هو الذي يفكر، هو الذي يصدع استراتيجية العملية، تلاقح؛ لأنه ليس هناك مولود، التلاقح، يجب أن يعطيني وليداً”.
منظور الإبداع وأشد المستشرقين قسوة
وتحدث د.نبيل بن عبد الجليل، عن (جناوة) وعروض كثيرة للفيوجن، ومزج فنانين غربيين مع موسيقى جناوة، وأنهم يحددون الإطار ويستضيفونه، ويتركون لهم حرية أن يبدعوا من داخل الإطار وليس خارجاً، معقباً: “بالضبط؛ ولهذا فهم لا يتجاوزون كونهم ديكوراً عجائبياً، فأقول كلمة قاسية لكنها حقيقية، القليل مما يدخل في إطار الفيزيو، هو ناتج المحلي فكراً، هناك، لا أريد التعميم، هناك عملية ناجحة لكن يجب أن تكون لأصحابها قوة شخصية وحشية، حتى يفرضوا أنفسهم أمام تلك الإرادة، يجب أن يكون هناك تكوين، فطبعاً هذه الفيزيو أنا أراها تبخيساً حتى لأحط مستويات الاستشراق صراحةً؛ يعني من وجهة نظري، لأن المستشرقين أشدهم ربما قسوة وضراوة لم يكن ينظر إلى منظور الإبداع في إطار الاستشراق على هذا الأساس، لماذا؟ ربما من باب نرجسيته هو أنه يريد أن يستغل هذه العناصر الخارجة عن أوروبا، عن الحضارة الغربية، في إطار لغة خاصة به، أما الآن فنحن في إطار ثقافة استهلاكية مروعة، وينتهي الأمر عند هذا”.
الموسيقى الكلاسيكية والتأليف الموسيقي العربي.. “يا زهرة في خيالي” لحن عربي
وأجاب المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، عن سؤال “الموسيقى الكلاسيكية.. إلى أي حد الرؤية الاستشراقية أثَّرت على التأليف الموسيقي العربي في مجال الموسيقى الكلاسيكية، وكيف يمكن لمؤلفي الموسيقى العرب في هذا المجال أن يألفوا ويحظوا باهتمام الغرب دون أن يستبطنوا هذه الرؤية الشرقية- الاستشراقية ويصدروا عنها في أعمالهم؟”، قائلاً: “والله أسئلة موجعة؛ خصوصاً في شقها الأخير؛ لأنها تذكرنا بواقعنا المرير، فأولاً يعني ماذا سأقول؟ تأثير الاستشراق على ما سماه الشرق، وهنا ربما عودة إلى العناصر التاريخية، لما تكلمت عما يسمونه شرقاً وما يسمونه غرباً، يجب أن نتذكر تاريخياً الوحيدين في العالم الذين ربما سموا أنفسهم جيواستراتيجياً جيوسياسياً منذ الوهلة الأولى، سموا أنفسهم بانتمائهم الجغرافي، هم الغربيون، فرنسا شارلمانيا هي التي سمت نفسها الإمبراطورية، الغرب المقدس، لا يوجد هناك في العالم، لا أتصور. ربما الصينيون يقولون إننا أرض الوسط، أرض الوسط؛ لكن دون بعد جيواستراتيجي، بينما البعد السياسي الجيواستراتيجي كان واضحاً عند شارلمانيا، ما هو؟ وهناك بُعدان هما الإيست والأوريونت.. الإيست البيزنطي والأوريونت الإسلامي الذي كان يتنافس مع الكاثوليك الريادة في أوروبا، هذا فقط للتذكير بهذه المعطيات والمسميات على العموم؛ نحن الشرقيين حسب التعريف الغربي، نحن الشرقيين، حتى نتكلم بلغتَين أكيد مدى مولى باحدد لنا تسمية، فنحن الشرقيين حسب التعريف الغربي، تأثرنا بالاستشراق أينما استشراق، أينما تأثر..
أعطيت مثالَين على مستوى الأغنية، مثال عبد الوهاب، مثال جمال سلامة، وهذا التأثر بالاستشراق يدخل بالتأثر بالغرب كلياً.. الأغنية المصرية في هذه الفترة، لقد غنَّى فريد الأطرش السوري والمصري ثقافة تونجو (يا زهرة في خيالي رأيتها في جداني)، هذا لحن عربي”.
التأثُّر بالغرب وبخرجته الاستشراقية.. الموسيقى لغة نسبية
وقال د.نبيل بن عبد الجليل رداً على “تونجو كان واضحاً بأنه تونجو، وفي على فكرة أنا كنت حتى أسمع بعض المقاطع، في ما بعد تسمع المقطع فتكتشف أن هناك حتى سرقات أحياناً وليس استلهام فكرة”: “طبعاً بقواعدها؛ يعني أعطني الناي وأغني وما إليه. إذن هذا الأخير في إطاري تأثر بالغرب، نتأثر بالغرب وسنتأثر حتى بخرجته الاستشراقية، وما المشكلة في ذلك؟ على مستوى الفكر، العالم، أنت ستجد كثيراً من الأجوبة في مجال اختصاصك الذي هو الأدب؛ فأنا سأتكلم عن الموسيقى، عن هذه الشرذمة من القوم الذين أنتمي إليهم والذين يسمون مؤلفي موسيقى كلاسيكية في العالم العربي، لا أستطيع الكلام عن نفسي ولا الكلام عن زملائي اللبنانيين والمصريين وغيرهم، دون أن نذكر بأننا مع الأسف الشديد لم نجد لنا إلى حد الآن مكاناً في الوعي الجامعي العربي أو حتى في الوعي الجامعي لوطننا، لقطرنا بالذات، ربما الأفضل حالاً هم اللبنانيون، ليس المصريون، هم اللبنانيون؛ لظروف تاريخية وظروف مجتمعية معينة؛ الارتباط العميق بفرنسا والغرب منذ فترة تسبق الاستعمار، بواسطة التأثيرات الدينية وما إليه، ارتباط كذلك عن طريق الأقليات الشرقية، الشعوب القوقازية أو شعوب الأرمن وما إليه. أيضاً الارتباط بالثقافة الروسية؛ لهذا تجد أن في لبنان الموسيقى الكلاسيكية هي الأحسن حظاً؛ لكنه ليس بالحظ الرائع، ليس بالحظ الذي يكفي ذاته، بينما بصفة عامة نحن ينظر إلينا بشكل عجيب غريب؛ ولكن هذا الاستعجاب وهذا الاستغراب يتفهم إلى حد بعيد، لأننا أخذنا موسيقى غربية أساساً، لكنها فرضت نفسها على مستوى العالمية، وأنا هنا لا أكرر الأسطوانات الاستشراقية، ولا أكرر كذلك هذا الحديث الفضفاض عن الموسيقى لغة عالمية.. وما إليه. هذا كلام لا أؤمن به بصراحة، لا أؤمن به؛ الموسيقى لغة نسبية، ليست لدرجة اللغة طبعاً المنطوقة؛ لكنها لغة نسبية كذلك تُنقل وتُفهم حسب شعوري وحسب نفسيتي وحسب ممارسيها ومتذوقيها”.
وأجاب المؤلف الموسيقي، أستاذ تاريخ الأفكار والفنون، عن سؤال “هل لهذا مثلاً اشتغلت في بعض مؤلفاتك على استلهام الإيقاعات المغربية مثلاً؟ أنا أعرف أنك استلهمت الإيقاعات الصوفية العساوية في واحد من أعمال التي أحببتها لك، هذا ممتاز وجيد، والآن بررته لي، أنا كنت في البداية ربما قبل أن نلتقي الآن ونتحاور وأتفهم وجهة نظرك، كنت أخشى أن هذا الاستلهام للموسيقى الصوفية والعساوية وكذا هو نوع من استبطان هذه الرؤية الاستشراقية، كان لديَّ هذا التخوف؟”، قائلاً: “شكراً جزيلاً على جهرك بتخوفك، لسنا نحن دارسي الموسيقى الكلاسيكية الغربية بعمق، من يجب التخوف من منتوجاتهم؛ بل يجب التخوف من المنتوجات على مستوى الثقافة الشعبية والأغنية، خصوصاً لأن هؤلاء الذين يغوصون في مجال يسمى الفيزيو، وهم ليسوا مستعدين لذلك، هم الذين يكررون هذه الاستبطانات بوعي أو عن غير وعي، بينما نحن الذين درسنا نعرف ماذا نقوم به، سأقول مثلاً في ما أحببته من عملي، فهذا يدخل في إطار سيمفونية، المسماة سيمفونية المغربية من أربع لوحات؛ الجزء الثالث يُسمى قربان عيساو، فهنا عيساو فقط، هذه حب لمكناس مدينة الأصلية، هذه الصورة الرهيبة لشيخ في ما كانوا يقومون به في الموسم، الشيخ الكامل وما إليه من افتراس لحيوان، لا تلبس الأسود؛ لكن هنا في الواقع استمررت في مجهود فكري وفني بدأ به غيري في القرن العشرين؛ ابتداء بإيغورس ترافينسكي، إيغورس ترافينسكي الذي لم يكن مستشرقاً؛ لكن في إطار دراسة نوع من التفتح الإنثروبولوجي على الذات، ألَّف عملاً عملاقاً اسمه (قداس الربيع)، بداية الحادثة في الموسيقى، الذي يصور فيه موسيقياً، وكذلك بواسطة الرقص وعملية التضحية بفتاة عذراء، لإله الوثني في روسيا ما قبل الوثنية.
يأتي بعد ذلك جوليفير فرنسي، يقوم بعمل اسمه لدانس غيتويل، هنا نحن لسنا في الاستشراق؛ لكن نحن في إطار نظرة شبه أنثروبولوجية أو ربما أنثروبولوجية للذات وللإنسانية جمعاء، فأنا نظرت إلى مسألة هذا البعد، القربان، أردت أن أنظر إليه بالعقلية الشعبية، وهنا استمعت جيداً إلى جيناتي، ودرست بعمق ما قام به إيغور سترافينسكي، ولا ظهر في ذلك، هنا المؤلف يعلم ما يقوم به، ليس هناك عمل أوظف فيه عنصراً من الشرق أو من الغرب دون أن أكون واعياً بكل ما أقوم به. زيادة على ذلك، أنا ألفت أعمالاً على قلب القصيدة بحذافيرها، ليس هناك أي غربنة كي أتمكن من المقامات العربية، فلا أقوم بما أقوم به من وجهتي وأنا مصاب بنوع من الفصام؛ حيث ينظر نصفي الغربي إلى نصفي الشرقي باحتقار، هذا حال العديدين، الحمد لله أنا لست منهم، وهناك الكثير من الزملاء الذين ليسوا منهم..”.
تطوير الموسيقى المغربية وتطوير الموسيقى العربية.. سؤال خطير
وأضاف د.نبيل بن عبد الجليل: “لكن السؤال هنا سأضعه سؤالاً خطيراً، سؤال تطوير الموسيقى المغربية وتطوير الموسيقى العربية، يأتيك أي أحد الآن ويقول لك أريد أن أطور، وما التطوير بالنسبة إليه؟ أن يقوم، أن يقص لحناً ويجعله غريباً في بيته، بين أهله، ويخضعه في استوديو لعمليات الفيزيون، ثم يأتيك بكل عجرفة يقول أنا أطور الموسيقى العربية، كانت الموسيقى العربية تنتظرك كالمهدي المنتظر، في آخر الزمن، حتى تطورها، هو لم يدرسها كما أنه لم يدرس الموسيقى الغربية، وبالنسبة له التطوير يعني الغربنة؛ يتصور أنه سيخلع لحناً من فوق الحصان أو من فوق الجمل ويضعه في سيارة فراري”.
ليس هناك ملحن وموزع في الأغنية
وأجاب عبد الجليل عن سؤال “كيف يتفاعل أصدقاؤك في المدار الغربي الذين استمعوا إلى أعمالك؟ كيف تلقوها؟ وألم تزعجهم هذه الإضافات الثقافية الخاصة بك؟”، قائلاً: “هذه الإمبراطورية، إمبراطورية منفتحة، منفتحة ما دامت تحافظ على أُسسها أو أهم أُسسها، زيادة على ما كنت ذكرته لك في البداية وهو الأساس الذي جعلنا نحن اللا أوروبيين ندخل فيها، هو أساس الفردانية أو العبقرية الفردية، فهنا الفرق.. بيتهوفن يدخل بكامل قوة شخصيته في عملية ليست فقط عملية تلحين، بل هي عملية هندسية فكرية درامية، فأنت لما تدخل في هذه البوتقة، يجب أن تدخل وتعي أنك أنت الذي تتكلف بكل هذه المقاييس في الموسيقى الكلاسيكية. ليس هناك ملحن وموزع؛ كلمة الملحن والموزع في الأغنية دائماً تضحكني؛ ألحان فلان، توزيع فلان، في الموسيقى الكلاسيكية هذا سؤال غريب، تأليف، وهذا التأليف هو أنك الملحن والموزع أصلاً، لا يجب حتى الفصل بين المفهومَين، أنت صاحب الدراما، كذلك في التناقضات في عناصر القطيعة، هذه العناصر التي تبنتها أوروبا، وأنا أكرر، أركز على فرضية مركزية؛ المسرح وتطور المسرح بأوروبا أكثر مما تطور عندنا، هذه العملية أعطت باب التفتح على عملية إبداعاته بالنسبة إلى الياباني والكوري والتركي والعربي، وكذلك الغاني والجنوب إفريقي، ما دمت ستتحمل مسؤولياتك..”.
واختتم د.نبيل بن عبد الجليل: “فلهذا نحن فعلاً نتبنى عناصر مؤسسة أتى بها الغرب؛ لكنها في كونها عناصر كونية هنا لو لاحظت ما هو البعد الكوني لتفكيري، وما هو البعد الذي يزدري عملية الأدلجة الأيديولوجية الموجودة الآن”.