Skip to content Skip to footer

علم الآثار الكِتَابيّ أو تأسيس علم احتلال فلسطين | د. علي محمد اسبر

لئن كانَ المستشرقُ الألمانيُّ يوهان جان Johann Jahn (1750-1816 م) أوَّل من عُني بالتوفيق بين علم الآثار والتوراة، ونشر كتاباً في هذا المجال عام 1805م، إلا أنَّ عالم الآثار الأمريكيّ إدوارد روبنسون Edward Robinson (1794-1863م) يُعَدّ مؤسِّس علم الآثار الكِتابيّ أو علم فلسطين، وهو علم مُخْتَلق؛ الغاية منه تسويغ السِّياق التاريخيّ والثقافيّ واللغويّ للأحداث الواردة في رواية العهد القديم the Old Testament narrative لتبرير وجود الكِيان الصهيونيّ في فلسطين.


 

وكان روبنسون قد سافر إلى فلسطين للمرَّة الأولى عام 1838م وجالَ بصحبة مترجِمِه الخاصّ المُتْقِن للغة العربيّة المبشِّر الأمريكي البروتستانتيّ إيلي سميث (1801-1857م)، وكانت مهمة روبنسون هي تحديد وتسجيل أسماء الأماكن التوراتيّة في فلسطين، وقام بهذه المهمة الماكرة على أكمل وجه حينما نَشَرَ عام 1841م كتابه “أبحاث الكتاب المقدّس في فلسطين وجبل سيناء وشبه الجزيرة العربيّة البترائيّة”، ثُمَّ نَشَرَ في عام 1856 م كتاباً آخر بعنوان “أبحاث الكتاب المقدّس في فلسطين والمناطق المجاورة”، وبرع روبنسون بهذين الكتابَين في تلفيق أدلة أركيولوجيّة للمرَّة الأولى تُوهم بأنَّ أسماءَ كثيرٍ من الأماكن المذكورة في الرواية التوراتيّة موجودة فعلاً على أرض فلسطين، ومن هنا جاءت تسميته بـ”أبي الجغرافيا الكِتابيّة Father of Biblical Geography” و”مؤسِّس علم فلسطين Founder of Modern Palestinology”. 

لقد شجعت اكتشافات روبنسون البريطانيين على استئناف المهمة فتأسَّسَ بعد ذلك بتوجيه من الملكة فكتوريا (1819-1901م) صندوق استكشاف فلسطين Palestine Exploration Fund عام 1865م، وهو جمعيّة بريطانيّة مقرّها في لندن، وكان من أهم المؤسِّسين الكاهن والمؤرِّخ الكَنَسيّ وعميد جامعة وستمنستر آرثر بنرين ستانلي Arthur Penrhyn Stanley  (1815-1881م)، والمهندس والمؤلِّف الموسيقيّ السير جورج جروف Sir George Grove (1820-1900م) . وفي الاجتماع التمهيدي الذي عُقد لجمعية صندوق استكشاف فلسطين في قاعة وستمنستر صرَّح ويليام طومسون رئيس أساقفة يورك (1819-1890م) بأنَّ فلسطين هي البلد الأكثر أولويّة، ويجب أن تُطبق قواعد العلم من أجل إثبات صحة التطابق بين رواية التوراة والحقائق التاريخيّة الموجودة على أرض فلسطين. وأصبح تصريح طومسون بمثابة شهادة ميلاد رسميّة لعلم الآثار الكتابيّ. ويُعَدّ صندوق استكشاف فلسطين امتداداً لـ”جمعيّة تعزيز المسيحيّة بين اليهود” التي تأسست عام 1809م، وهي جمعيّة تبشيريّة أنجيليكانيّة غايتها ربط المسيحيّة بجذورها اليهوديّة، وتشجيع الشعب اليهودي على العودة إلى أرض “إسرائيل” المزعومة. 

وكان من أهم المنتسبين لهذه الجمعيّة جيمس فين  James Finn (1806-1872م) القنصل البريطاني في القدس في زمن السلطنة العثمانية، وبدأ فين نشاطه لتشجيع اليهود على الإقامة في فلسطين بأن اشترى قطعة أرض في “كرم الخليل” التي أصبح اسمها الآن بالعبريّة ” كيرم أفراهام = כֶּרֶם אַבְרָהָם !”، وحوّلها إلى مزرعة استقطب فيها عمالاً من اليهود من أجل الإقامة الدائمة فيها. لكن لم يصل حينها دهاء المنتسبين إلى هذه الجمعيّة إلى مستوى اختلاق علم الآثار الكتابيّ لإثبات حقّ اليهود في أرض ميعادهم الموهومة. 

اشترك الفرنسيون أيضاً في دفع علم الآثار الكتابيّ قُدُماً؛ إذ قدَّم الدبلوماسي والمستشرق وعالم الآثار الفرنسي تشارلز كليرمون جانو (1846-1923م) خدمات جليلة في هذا الحقل، فوظَّفته الحكومة البريطانيّة وكلَّفته بمهمة الإشراف على بعثة أثريّة في فلسطين عام 1874م، وكان من جملة اكتشافاته مقبرة شِبْنَة التوراتية المنحوتة في الصخر، ورُجِّحَ أنَّ شِبْنَة هذا هو شِبْنَة الكاتب الذي أرسله حزقيا للتشاور مع السفير الآشوريّ المذكور في سِفْر الملوك الثاني (18:17-18)، وحزقيا هو الملك الثالث عشر على يهوذا، وحدّدَ تاريخَ حُكمِهِ عالمُ الآثارِ الكتابيّ الأمريكيّ إدوين ريتشارد ثييل (1895-1968م) في بحثه “التسلسل الزمني لملوك يهوذا وإسرائيل”، من عام 715 إلى عام 686ق. م. وكان للألمان دورهم فظهر المهندس المعماري وعالم الآثار والمبشِّر البروتستانتي الألماني كونراد شيك (1822-1901م)، وعمل لصالح صندوق استكشاف فلسطين، ولمعَ اسمه بسبب مشاركته في اكتشافات أوليّة مفتعلة لنقش سلوان؛ وهو نقش يكشف عملية الانتهاء من نفق سلوان الذي يجلب الماء من نبع جيحون إلى بركة سلوان الواقعة في “مدينة داود” في القدس القديمة في زمن الملك حزقيا نفسه. إذن، بدأت عمليّة التأريخ المزيّف المبني على علم الآثار الكِتابيّ، واشترك فيها علماء من مختلف أنحاء العالم. واستُقطب مؤرخون وأكاديميون وباحثون غربيون على نحو متواتر من أجل المشاركة في عمليّة التزوير الكبرى لتاريخ فلسطين، وكانت وسيلة الاستمرار في ذلك هي الاتّجاه نحو تجديد مناهج علم الآثار الكتابيّ. 

وكان هذا المُجدِّد هو الأمريكي ويليام فوكسويل أولبرايتWilliam Foxwell Albright  (1891-1971م) الذي كان هدفه الرئيس تِبيان صحة روايات العهد العتيق استناداً إلى أدلة أركيولوجيّة، ونجحَ بسبب غزارة مؤلفاته وسُرعة نشرها وترويجها في جعل علم الآثار الكتابي حقلاً معرفيّاً يُدرَّس الآن في الجامعات في جميع أنحاء العالم، واستطاع استقطاب أنصار له على المستوى الثقافي-العالميّ، ولذلك كافأه الصهاينة بأن منحوه جائزة “مواطن أورشليم الجدير Yakir Yerushalayim”، وكانت هذه هي المرة الأولى التي مُنِحت فيها هذه الجائزة لشخص غير يهوديّ. كانت مأثرة أولبرايت بالنسبة إلى الصهاينة المُحتلين هي كتابه الصادر عام 1939 بعنوان “الغزو الإسرائيلي لكنعان في ضوء علم الآثار”، وفيه أكد أنَّ غزو اليهود لأرض كنعان حقيقة تؤيدها الدلائل الأركيولوجيّة، وكان قد ورد في الإصحاح الحادي عشر من سِفر يشوع العبارات (1-23) قصة انتصار يشوع في حرب هائلة على الكنعانيين سيطر بعدها اليهود على الرقعة الجغرافيّة الممتدة من الجبل الأقرع شمالاً إلى جبل الحرمون جنوباً! طوّر عالم الآثار الأمريكي جورج إرنست رايت  George Ernest Wright ( 1909-1974م) نظرية أولبرايت عن غزو اليهود لأرض كنعان عن طريق زعمه اكتشاف أدلة أثريّة تثبت تدمير وحرق مدينة حاصور في العصر البرونزي المتأخر، بما يتوافق مع ما يرد في رواية العهد العتيق في سِفْر يشوع وفق الآتي: “غَيْرَ أَنَّ الْمُدُنَ الْقَائِمَةَ عَلَى تِلاَلِهَا لَمْ يُحْرِقْهَا إِسْرَائِيلُ، مَا عَدَا حَاصُورَ وَحْدَهَا أَحْرَقَهَا يَشُوعُ.” (يشوع: 11: 13). وغايته من وراء ذلك إثبات صحة غزو اليهود واحتلالهم أرضَ الميعاد في سلسلة من الفتوحات المتعاقبة، من أجل إبطال فرضيّة -هي أصلاً واهية- تؤكد أنَّ اليهود عاشوا بصفتهم جماعات محدودة ضمن المجتمعات الكنعانيّة، ولم يكن لهم أي تأثير سياسيّ حقيقيّ. وهكذا نكتشف عمليّة تزوير كبرى لتاريخ فلسطين تقوم على اختلاق النظريّة ونقيضها وتوظيف أكثر مناهج البحث العلميّ تطوّراً لإثبات صحة تخرُّصات لاهوتيّة لا يوجد أساس لها سوى في خيال مؤلِّفيها.

 تابعت عالمة آثار بريطانيّة -تُوصف في الأوساط الأكاديميّة الغربيّة والإسرائيليّة بأنّها أعظم عالمة آثار كتابية- وهي كاثلين ماري كينيون  Kathleen Mary Kenyon (1906-1978م)، استكمال مشروع التضليل عن غزو اليهود أرضَ كنعان؛ ذلك بإطلاق أبحاثها في الأمد الواقع بين عامَي (1952-1958) بتل السلطان، في أريحا، واختلقت دلائل على صحة تدمير أريحا على يد يشوع عام 1425 ق.م. (سِفْر يشوع: 6: 1-27). ولقد استُغِلت هذه التلفيقاتُ الأركيولوجية المتراكمةُ لأجيالٍ من علماء الآثار الكتابيين من أوروبيين وأمريكيين من قِبَلِ الأوساط الأكاديميّة اليهوديّة أحسن استغلال، وشارك فيها علماء آثار يهود، كان من أكثرهم خطراً بنيامين مزار (1906-1995م) عالم الآشوريّات و”عميد علماء الآثار الكتابيين” الذي أجرى عام 1932 أول حفريات أثرية تحت رعاية يهودية في شمال فلسطين المحتلة في “بيت شعاريم”؛ حيث أُشيعَ أنه عُثِرَ على أكبر سراديب الموتى، ولكنَّ المهم أنَّ مزار فجّر مفاجأة بزعمه أنّه وجد في سراديب الموتى نظام قبور يماثل نِظام قبور يهود حِمْيَر في اليمن يرجع تاريخه إلى القرن الثالث، واستنبط من ذلك -على نحو جُزافيّ- أنَّ يهود حِمْيَر الميسورين كانوا يُوصون بأن يُدْفنوا في أرض ميعادهم في فلسطين، ذلك من أجل أن يكرّس فكرة أنَّ اليهود هاجروا إلى اليمن من فلسطين من أزمنة سحيقة، ومراده من ذلك أن يستبعد نظريّة الأصل اليمنيّ لليهود التي استطاع فاضل الربيعيّ أن يقدّم دلائل عليها أثبتت زيف النتائج التي وصل إليها علم الآثار الكتابيّ. 

ولكن هل تكفي الجهود الشجاعة لمفكِّر عربي واحد لمواجهة هذا السَّيل الجارف من المعلومات المضلِّلة التي كُرِّست للأسف في كثير من الأوساط الأكاديمية والثقافيّة وحتى الشعبيّة في العالم العربيّ؟ ألم يحن الوقت كي يتجاوز العرب أكاذيب علم الآثار الكتابيّ أو علم فلسطين؛ من أجل تحرير عقول الأجيال القادمة من أساطير اليهود على نحو يُفسح في المجال لتأسيس علمٍ عربيٍّ حقيقيّ وشُجاع يمكن أن أَسَمِّيه علم استعادة فلسطين؟