Skip to content Skip to footer

اختراق المرويات اليهودية لكتب الحديث وأثرها في التفسير والثقافة الإسلامية | سامر إسلامبولي

   يقرر القرآن أنه الكتاب المهيمن على ما سبقه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. ومن ثم فالأصل أن يكون القرآن هو الحاكم على الأخبار الدينية السابقة، لا أن تتحول تلك الأخبار إلى مصدر يضيف إلى القرآن تفاصيل في الخلق والغيب والإيمانيات، ثم يصبح القرآن نفسه مفسَّرًا بها.

والمقصود باختراق المرويات اليهودية هنا ليس نقل أصحاب كتب الحديث مباشرة من التوراة أو التلمود، بل انتقال مادة دينية أقدم بالتداول الشفهي، وبواسطة أهل الكتاب ومن أسلم منهم، ثم تلقفها رواة مسلمون، فبقي بعضها معروفًا بوصفه من الإسرائيليات، بينما دخل بعضها في أسانيد مرفوعة إلى النبي. وتثبت المصادر الإسلامية نفسها وجود هذه القناة؛ فأبو هريرة يقول إنه جلس مع كعب الأحبار: «فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله» (أبو داود 1046؛ الترمذي 491). كما أن البخاري قال في حديث خلق التربة يوم السبت: «قال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح» (التاريخ الكبير 1/413)، مع أن مسلم أخرجه مرفوعًا إلى النبي.

ومن هنا فوجود إسناد متصل لا يحسم وحده أصل المتن؛ لأن الإسناد يصف طريق الرواية داخل البيئة الإسلامية، بينما البحث المقارن في المتون يكشف أن المادة نفسها قد تكون أقدم من ذلك الطريق ومتداولة قبله في ثقافة أهل الكتاب.

وفيما يأتي خمسة عشر نموذجًا – ليست للحصر- تظهر فيها مرويات يهودية أقدم، ثم نجد ما يشابهها لفظًا أو بنيةً أو معنىً في كتب الحديث.

1. حواء أصل خيانة النساء

الرواية اليهودية: يقول يشوع بن سيراخ: «من المرأة ابتدأت الخطيئة، وبسببها نموت جميعًا» (يشوع بن سيراخ 25:24). وفي المدراش جعلت خطيئة حواء سببًا لعقوبات لازمت النساء، لأنها «أفسدت آدم» وجلبت الموت إلى العالم (Bereshit Rabbah 17:8).

الرواية الإسلامية: «لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر» (صحيح البخاري 3330، 3399؛ صحيح مسلم 1470).

المقارنة: انتقلت الفكرة من جعل حواء أصل خطيئة النساء وآثارها إلى جعل فعلها أصلًا ممتدًا في جنس النساء كله. والقرآن لا يجعل المرأة منفردة بإغواء آدم، بل يقول: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ و﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ ولاوجود لاسم حواء في القرآن.

2. خلق آدم على صورة الله

الرواية اليهودية: «فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه» (سفر التكوين 1:27).

الرواية الإسلامية: «فإن الله خلق آدم على صورته» (صحيح مسلم 2612)، وفي البخاري: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا» (صحيح البخاري 6227).

المقارنة: العبارة المركزية واحدة تقريبًا. وبعد دخولها الحديث صارت مادة في علم الصفات، ونشأ خلاف حول مرجع الضمير ومعنى الصورة، مع أن القرآن في حديثه عن خلق آدم لا يستعمل هذه الصياغة.

3. آدم العملاق ثم تناقص البشر

الرواية اليهودية: يذكر التلمود أن آدم الأول كان هائل القامة، ممتدًا من الأرض إلى السماء، ثم إن الله أنقصه (Chagigah 12a).

الرواية الإسلامية: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا… فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» (صحيح البخاري 3326).

المقارنة: الهيكل واحد: آدم الأول ذو قامة خارقة ثم يقع النقص بعده. فأصبحت الرواية تصورًا شائعًا لتاريخ جسم الإنسان، بينما القرآن لا يحدد طول آدم ولا يقرر تناقص قامة البشر عبر الأجيال.

4. تراب آدم من جميع الأرض

الرواية اليهودية: «تراب آدم الأول جُمع من جميع العالم» (Sanhedrin 38a).

الرواية الإسلامية: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض»، ثم ربط الحديث ذلك باختلاف الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزن والخبيث والطيب (سنن أبي داود 4693؛ الترمذي 2955).

المقارنة: ليست الفكرة مجرد خلق آدم من تراب، فهذا قرآني، بل التفصيل الزائد: أخذ ترابه من جميع الأرض، ثم جعل اختلاف ألوان البشر وطباعهم تابعًا لاختلاف تلك التربة.

5. أحداث آدم في اليوم السادس

الرواية اليهودية: يوزع التلمود أحداث آدم على ساعات اليوم السادس: جُمع ترابه، وخلق، وأُمر، وأخطأ، وحوكم ثم أُخرج في اليوم نفسه (Sanhedrin 38b).

الرواية الإسلامية: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها» (صحيح مسلم 854).

المقارنة: حافظ الخبر على تجميع خلق آدم ودخوله الجنة وخروجه منها في اليوم السادس/الجمعة، وصار هذا من المرويات المؤسسة لفضائل الجمعة، مع أن القرآن لا يحدد يوم خلق آدم ولا يوم خروجه من الجنة.

6. أسبوع الخلق وحديث السبت

الرواية اليهودية: سفر التكوين يجعل أعمال الخلق موزعة على أيام الأسبوع، وينتهي العمل قبل السبت (التكوين 1–2).

الرواية الإسلامية: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين…» حتى خلق آدم يوم الجمعة (صحيح مسلم 2789).

المقارنة: هذا المثال يكشف طريق الانتقال نفسه؛ فالبخاري قال عن الحديث: «قال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح» (التاريخ الكبير 1/413). أي إن خبرًا من طبقة كعب الأحبار ظهر في طريق آخر حديثًا مرفوعًا وأُدخل صحيح مسلم.

7. موسى وملك الموت

الرواية اليهودية: يأمر الله ملك الموت أن يأتي بروح موسى، فيذهب إليه، فيرفض موسى تسليم نفسه ويوبخه، فيرجع الملك إلى الله ثم يُرسل ثانية (Sifrei Devarim 305:5).

الرواية الإسلامية: «أُرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكَّه»، فرجع إلى الله وقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» (صحيح البخاري 3407؛ صحيح مسلم 2372).

المقارنة: الحبكة واحدة: إرسال الملك، رفض موسى، رجوع الملك إلى الله، ثم إرساله ثانية. وأضافت النسخة الحديثية ضرب الملك وفقء عينه.

8. الملك الموكل بالنطفة وكتابة المصير

الرواية اليهودية: ملك موكل بالحمل يأخذ قطرة النطفة ويقف بها أمام الله ويسأل: قوي أم ضعيف؟ حكيم أم أحمق؟ غني أم فقير؟ (Niddah 16b).

الرواية الإسلامية: «إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكًا»، ثم يسأل: «أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟» (صحيح البخاري 318، 3333).

المقارنة: البناء واحد: ملك خاص بالحمل، نطفة أو جنين، أسئلة عن مستقبل الإنسان، ثم تقرير صفاته ومصيره. وفي الرواية الإسلامية دخلت الشقاوة والسعادة والرزق والأجل، فصارت من أدلة القدر السابق.

9. العظم الذي لا يفنى

الرواية اليهودية: يذكر المدراش عظمًا في أسفل العمود الفقري لا يفنى، ومنه يجعل الله الإنسان ينبت في القيامة (Bereshit Rabbah 28:3).

الرواية الإسلامية: «ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (صحيح البخاري 4935؛ صحيح مسلم 2955).

المقارنة: التفصيل شديد الخصوصية: عظم في نهاية العمود الفقري لا يتحلل ويبدأ منه تركيب الإنسان عند البعث. وقد صار هذا التصور جزءًا من الثقافة الوعظية ومحاولات ما يسمى بالإعجاز العلمي، مع أن القرآن يقرر البعث دون هذه الآلية.

10. الشمس تسجد وتستأذن

الرواية اليهودية: يذكر التلمود أن الشمس عند مغيبها تتجه لتحية خالقها وعبادته (Sanhedrin 91b)، ويذكر المدراش أن الشمس والقمر يدخلان ليطلبا الإذن من الله في الخروج وإضاءة العالم (Vayikra Rabbah 31).

الرواية الإسلامية: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها» ثم يأتي وقت تؤمر فيه بالرجوع فتطلع من المغرب (صحيح البخاري 3199).

المقارنة: جمع الحديث عنصرَي العبادة والاستئذان، ثم ربطهما بقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، فدخل الخبر في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وأصبح حاكمًا على معنى الآية.

11. بنو إسرائيل وفساد الطعام

الرواية اليهودية: أمر موسى بني إسرائيل ألا يدخروا المنّ إلى الصباح، لكن بعضهم ادخره «فتولد فيه الدود وأنتن» (سفر الخروج 16:19–20).

الرواية الإسلامية: «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم» (صحيح مسلم 1470)، وفي البخاري: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» (صحيح البخاري 3330، 3399).

المقارنة: تحولت قصة فساد طعام بني إسرائيل بسبب الادخار والعصيان إلى تفسير كوني لفساد الطعام واللحم في العالم كله، وكأن ظاهرة التعفن لم تكن موجودة قبل فعل بني إسرائيل.

12. نار الدنيا جزء من نار جهنم

الرواية اليهودية: «نارنا جزء واحد من ستين من نار جهنم» (Berakhot 57b).

الرواية الإسلامية: «ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم»، وزيد عليها تسعة وستون جزءًا مثل حرها (صحيح البخاري 3265؛ صحيح مسلم 2843).

المقارنة: الصيغة واحدة: النار الأرضية ليست إلا كسرًا عدديًا صغيرًا من نار جهنم؛ واختلف العدد من واحد في ستين إلى واحد في سبعين. وهكذا صارت صورة ربانية عددية خبرًا غيبيًا منسوبًا إلى النبي.

13. شجرة الجنة التي تقاس بمئات السنين

الرواية اليهودية: «شجرة الحياة مسيرة خمسمئة سنة»، بل يذكر المدراش أن جذعها نفسه بهذه المسافة (Bereshit Rabbah 15:6).

الرواية الإسلامية: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (صحيح البخاري 3251–3253؛ صحيح مسلم 2826).

المقارنة: الصورة القصصية واحدة: شجرة أخروية هائلة لا تقاس بالأمتار بل بمئات السنين من السير. واختلف الرقم، وبقيت البنية نفسها، ثم ربط بعض طرق الحديث ذلك بقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.

14. سليمان والمرأتان والطفل

الرواية اليهودية: تتنازع امرأتان طفلًا حيًا، فيأمر سليمان بإحضار سيف وتقسيم الطفل نصفين، فتتنازل أمه الحقيقية عنه خوفًا عليه، فيعرف سليمان أنها أمه (الملوك الأول 3:16–28).

الرواية الإسلامية: تتنازع امرأتان ولدًا، فيقول سليمان: «ائتوني بالسكين أشقه بينكما»، فتقول الصغرى: «يرحمك الله، هو ابنها»، فيقضي به لها (صحيح البخاري 3426–3427؛ صحيح مسلم 1720).

المقارنة: التفاصيل الرئيسة تكاد تتطابق: امرأتان، طفل واحد، نزاع، أداة للقطع، اقتراح شطر الطفل، تنازل الأم الحقيقية، ثم الحكم لها. وبذلك عادت قصة سفر الملوك إلى الثقافة الإسلامية بصيغة حديث نبوي عن سليمان.

15. إبراهيم وقوله عن سارة: «هي أختي»

الرواية اليهودية: يقول إبراهيم لسارة: «قولي إنك أختي» عند دخوله مصر (التكوين 12:13)، ثم يقول عن سارة مرة أخرى: «هي أختي» أمام أبيمالك (التكوين 20:2).

الرواية الإسلامية: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات»، ويذكر منها أنه قال عن سارة للملك: «هي أختي» (صحيح البخاري 3358؛ صحيح مسلم 2371).

المقارنة: الجزء المتعلق بسارة مطابق للقصة الكتابية، ثم أُدخل ضمن حديث يقرر أن إبراهيم قال ثلاث عبارات وُصفت بأنها «كذبات». وقد أثر ذلك في تفسير قصة إبراهيم وفي الجدل الكلامي حول عصمة الأنبياء، لأن القرآن لا يصف إبراهيم بالكذب.

خاتمة

تكشف هذه النماذج أن المرويات اليهودية لم تبق دائمًا معروفة بوصفها أخبار أهل الكتاب، بل انتقل بعضها عبر التداول الشفهي إلى بيئة الرواية، ثم ظهر في صورة أحاديث منسوبة إلى النبي، وبعضها في البخاري ومسلم. والأثر الأعمق لم يكن في القصص وحدها، بل في تحويل تلك الأخبار إلى مادة للعقيدة والغيب والتفسير: منها ما فُسر به القرآن، ومنها ما أنتج تصورات عن آدم والمرأة والقدر والبعث والجنة والنار والكون.

ومن هنا تصبح حاكمية القرآن مسألة منهجية أساسية: القرآن هو «المهيمن»، فلا ينبغي أن تتحول أخبار دينية سابقة، بعد أن تكتسب إسنادًا، إلى سلطة تضيف إلى غيبه ثم تفرض معانيها على نصه.

Leave a comment