الأموريون: اختراع شعب غامض
مَن هم “الأمورو” الذين يرد اسمهم في السجلات السومرية والبابلية والآشورية؟ أو في صيغة أخرى “الأموريون” الذين يرد اسمهم في نصوص التوراة، ويظهرون سويةً مع الكنعانيين والآراميين؟ هل هم القبيلة/ الجماعة نفسها التي اصطدمت بالآشوريين، وكانوا متحالفين مع “العبيرو/ خبيرو/ العبرانيون” كما تقول السجلات الآشورية؟ وهل يمكن تخيُّل هذه الجماعة في العراق القديم أم في فلسطين؟ ومتى ظهر هؤلاء، وأين النقوش الدالة على وجودهم التاريخي في بلاد الشام؟ لدينا هنا جماعات قبلية “صُنعت” لها “هويات زائفة” وجرى اختلاق “أعراق” وأنساب لها وبحيث بدت لنا، وفي كل الأحوال “شعوباً غامضة” يصعب الاستدلال على وجودها؛ فهي تارة توضع في إطار قبلي واسع وفضفاض: كنعاني، آرامي، وتارة أخرى تنفرد باسمها هذا: أموري/ أمورو/ أموريون.. إلخ. في الواقع، وكما تم تصنيع هوية كنعانية مزيفة للفلسطينيين، وهوية آرامية كاذبة لبعض سكان سوريا، جرى بالتوازي مع كل ذلك، اختلاق جماعة أخرى تُدعى “أمورو” كانت تتصدى للآشوريين في فلسطين. بيد أن تاريخ فلسطين المكتوب لا يعرف جماعة بهذا الاسم كانوا يعيشون مع “الكنعانيين”. فهل يتعيَّن علينا تصديق هذه السردية؟ إن العلاقة اللغوية/ الدلالية بين اسم “أمورو” في التوراة والسجلات الآشورية، وبين اسم الوادي العظيم في اليمن وادي “مور” ظاهرة للعيان، ويمكن رؤيتها بسهولة؛ فها هنا على امتداد هذا الوادي الذي تجري مياهه من أعالي صعدة حتى تصبّ في الحديدة، عاشت مجموعة من القبائل عُرفت باسم واديها “مور” وعرفت باسمها القديم “أموري/ موري”. ومن المهم للغاية ملاحظة الجانب الجغرافي من المسألة، فهذا الوادي تتدفق مياهه من غرب بلد حاشد وجبل يزيـد (مديرية جبل عيال يزيد إحدى مديريات محافظة عمران) ومـن غـرب جبل ضلاع والطويلة، ومن شمال المحويت (محافظة المحويت) والخبت ومن جبل مسور وحجة وكحلان وساقين وكشر، ويلتقي في منطقة الواعظات ليسقي منطقة الزَّهرة (محافظة الحديدة) ثم يصب في البحر الأحمر جنوب وادي اللحَّية (نحو 100كم). بكلام آخر: هذه القبائل التي عاشت على ضفاف الوادي الكبير الذي تتدفق مياهه من عمران وصعدة حتى الحديدة، هي التي عُرفت باسم “أمورو/ مورو” نسبة إلى الوادي “مور”. كما أن اسم هذه الجماعة يظهر في سفر التكوين بصيغ متنوعة؛ منها صيغة “مور” و”بلوطة مورة”.
من ذلك مثلاً الرواية التي تتحدث عن وصول بني إسرائيل إلى مكان يُدعى “مورة/ تأنيث مور”؛ أي أنهم وصلوا إلى وادي مور، حين كانوا بقيادة موسى قرب منطقة “عين مشفط؛ وهي قدش/ قادش”. على النحو التالي:
سفر التكوين 14: 7
“ثُمَّ رَجَعُوا وَجَاءُوا إِلَى عَيْنِ مِشْفَطَ الَّتِي هِيَ قَادِشُ. وَضَرَبُوا كُلَّ بِلاَدِ الْعَمَالِقَةِ، وَأَيْضًا الأَمُورِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي حَصُّونَ تَامَارَ”.
هذه الجماعة التي هزمها بنو إسرائيل حين وصلوا عين ماء في البرية تُدعى “مشفاط/ مشفط”، وفي العبرية تعني هذه الكلمة قاضي، وهي قرب جبل قدس/ قدش -أي عندما كان “فرعون مصريم” يطاردهم وهم خائفون- سرعان ما تحولت فجأة إلى قوة جبارة بفضل السرد التوراتي، وبحيث إنها سيطرت على بلاد ما بين النهرَين وهزمت الآشوريين، ثم تمكنت من احتلال سوريا. هل يمكن تخيُّل وقوع مثل هذا الحدث: جماعة مُطاردة وجائعة تهزم الأموريين؛ لكن هؤلاء يقومون فجأة باجتياح العراق القديم وسوريا كلها؟ إن كثرة من المصادر التاريخية تردد الترهات التالية التي لا أساس لها في التاريخ، هاكم هذا النموذج التالي من التلفيق الاستشراقي الذي يردده فيليب حتيّ وديلا بورت:
(يتضح من نصوص إبلا السورية المنشورة، أن الأموريين كانوا يشكِّلون جزءاً أساسياً من سكان مملكة إبلا. ويستخلص من النصوص الأكدية القديمة، أن قبائلهم اتجهت في أواخر القرن الثالث والعشرين ق.م نحو الشرق بكثافة، وصارت خطراً على الدولة الأكادية؛ مما دفع ملوكها إلى مجابهتهم؛ فقد جاء في إحدى الحوليات التاريخية للملك “شَرْكَلّي شَرّي” “2222- 2198ق.م” أنه انتصر على الأموريين وهزمهم في جبل بَشر. كما ذكر “غوديا” “2143- 2124ق.م” ملك لغش “تلّو اليوم” في أحد نقوشه أنه سار إلى مناطقهم، وجلب معه إلى لغش أحجاراً ضخمة من بَسَلاّ جبل الأموريين).
هكذا، ببساطة تحولت جماعة قبلية صغيرة هزمها بنو إسرائيل الجياع، أي الهاربين من “فرعون مصريم” إلى “قوة حضارية” جبارة، فرضت سيطرتها على بلاد الشام والعراق. ولو أننا صدَّقنا هذه الترهات التي يسردها فيليب حتى وبورت، ففي هذه الحالة يجب أن نسأل السؤال المحُرج التالي: إذن، كيف تمكن الكنعانيون من السيطرة على مساحة تمتد من مصر حتى بلاد الشام وصولاً إلى الفرات- العراق؟ بل كيف تمكن الآراميون من احتلال سوريا؟ في هذه الحالة تصبح لدينا حضارة أخرى رابعة نشأت بين مصر وبلاد ما بين النهرَين إلى جانب “حضارة ثالثة كنعانية”، وهذا كذب صريح ولا أساس له في التاريخ.
وأكثر ما يثير الحنق في هذا التلفيق، أن كثرة من الباحثين يروِّجون للكذبة دون أي رادع علمي. هاكم المثال التالي من فيليب حتيّ:
(انتشر الأموريون في أواخر العصر الأكدي في مناطق الجزيرة الفراتية شرق سوريا، واستمر تسرُّبهم في عصر سلالة أور الثالثة إلى مناطق بلاد الرافدين الداخلية على شكل هجرات قبلية متتالية، وصاروا يستولون على الأراضي الزراعية ويهدِّدون وحدة مملكة أور وحضارتها. وقد حاول “شولغي” “2094- 2047ق.م” ثاني ملوك السلالة وضع حدّ لذلك، وقرر إنشاء سور -يُعرف باسم “سور مارتو”- يمتد بين نهرَي دجلة وديالى شمالي بغداد، بطول قدره نحو 63كم لصدّ تغلغلهم. وقد تابع ابنه الأصغر “شوسين” “2037- 2029ق.م” بناء السور وتوسيعه حتى بلغ نحو 280كم).
هذه الرواية “لا تاريخية”؛ وهي مبنية بالكامل على فهم استشراقي للسجلات البابلية القديمة التي كانت تسجل وقائع الحملات المُبكرة على الجزيرة العربية واليمن، وبالطبع لا يمكن نكران وجود هجرات قبلية مُبكرة من هذه المناطق، ولكن السجلات تتحدث في الواقع عن حملات داخل الجزيرة واليمن على ما بينت في سائر النقوش التي نشرتها في مؤلفاتي. وهاكم تلفيقاً آخر من ديلا بورت في كتابه “بلاد ما بين النهرين”، ترجمة محرم كمال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط2، 1997، الفصل الثاني، ص23 الذي يزعم ما يلي:
(سيطر الأموريون على حضارة السومريين والأكاديين، فازدهرت مملكة ماري ازدهاراً عظيماً، وسيطرت على طرق المواصلات التي تصل الخليج العربي بسوريا والأناضول قرابة قرنين (1750- 1950 ق.م.). اختلط الكنعانيون مع الأموريين؛ لكنهم استوطنوا سوريا الجنوبية، ولاختلاف موضع المجموعتَين تأثر الأموريون بالحضارة السومرية/ الأكادية، وتأثر الكنعانيون بالحضارة المصرية وحضارة غرب البحر المتوسط. وانتشر الكنعانيون على طول الساحل الشمالي لسوريا. وتُعدّ لغة الأموريين والكنعانيين لهجتين من فرع واحد، وأما الخلاف بين اللهجتَين فهو لا يختلف عن اللهجات الشامية اليوم).
في حالة واحدة يمكن التعامل مع هذا الطراز من التلفيق، وفقط على أساس أنه يمثل نمطاً شاذاً من معيارية أو “وحدة قياس” زائفة، يمكن استعمالها حيال أية فكرة عن الكنعانيين، فهم “أمّة” اختلطت مع الأموريين/ الأمورو، واستوطنوا سوريا الجنوبية؛ أي فلسطين. هذه سرديات “تاريخية” مليئة بالترهات، ومع ذلك فهي قابلة بطبيعتها الهشَّة للسجال العلمي وليس الرفض المتسرع، وذلك حين يجري وضع هجرات القبائل اليمنية في العصر المبكر 2229 ق.م إلى بلاد الشام والعراق داخل الإطار التاريخي الذي يرسمه ديلا بورت فيليب حتيّ. في هذه الحالة يمكن رؤية مضمونٍ مختلفٍ للتلفيق؛ فالأمر يتعلق بالهجرات المبكرة للقبائل العربية اليمنية، أي القبائل المؤسسة لحضارة المنطقة، وليس “استيلاء” هذه القبائل على حضارة عظيمة في بلاد النهرين وسوريا القديمة. وهذا أمر مقبول ولا يمكن فهمه بأية صورة على أنه “احتلال” لبلاد الشام والعراق القديم. بكلامٍ موازٍ: إن قبائل وادي مور “الأموري” وصلت إلى العراق- الشام في سياق هجرات جماعية انطلقت من اليمن واستقرت في أوطان جديدة.
ومع ذلك، لا توجد لدينا أي دلائل أركيولوجية عن هجرة حقيقية وكبرى، لسبب بسيط للغاية هو أن قبائل “وادي مور”، لم تكن قوة صلبة داخل أي تحالف قبلي مُحتمل، ولم تتشكل كقوة قبلية قاهرة وقادرة على بناء “حضارة”، وذلك أمر تكشفه بوضوح فكرة توراتية تؤكد لنا أن الأمورو/ الأموريين، وبسبب وجود قوي أكثر هيبة منها، لم تتمكن من بناء نفسها كقوة قاهرة. وكما رأينا من قصص التوراة؛ فإن قبائل “مور/ أموري” هزمت أمام قبيلة بني إسرائيل في لحظة فارقة، حين كان هؤلاء يهربون جائعين يرتجفون خوفاً. والآن دعونا نمعن النظر في تصورات كهنة اليهود الذين سجلوا وقائع معاركهم مع “الأموريين” من أجل فتح سجال علمي ضد السردية اللاهوتية السائدة. خذوا هذه الأمثلة:
حين جرى توزيع الأراضي على القبائل في عصر يشوع، انتزع بنو إسرائيل “جزءاً” من حصة الأموريين بالقوة وقدَّموه هبةً لسبط إسرائيلي صغير هو سبط يوسف: (سفر التكوين 48: /21 / 22):
48 :21 وقال إسرائيل ليوسف ها أنا أموت؛ ولكن الله سيكون معكم ويردكم إلى أرض آبائكم.
48 :22 وأنا قد وهبت لك سهماً واحداً فوق إخوتك أخذته من يد الأموريين بسيفي وقوسي.
نفهم من هاتين الآيتين التوراتيتَين، أن يعقوب الأب الأعلى المُتحوّل دينياً إلى لقب إسرائيل، هو من منح حصة إضافية لسبط من أسباطه الصغيرة، كان قد انتزعها من الأموريين. فهل يمكن تصديق السردية الأوروبية اللاهوتية بأن الأموريين كانوا في هذا العصر (أو قبله ببضعة قرون) يفرضون سيطرتهم على بلاد الشام والعراق؟ هل يمكن تخيُّل جماعة يُهيمن على مقدراتها التاريخية سبطٌ إسرائيليٌّ ضعيف وصغير هو سبط يوسف، إنها هي ذاتها الجماعة التي دحرت الأكديين وإمبراطورية بلاد الشام؟ ومع ذلك دعونا نمعن النظر في السردية التوراتية التي استل منها التوراتيون، قصة “حضارة أمورية” نشأت فجأة في بلاد الشام، ثم فرضت هيمنتها على الساحل السوري، وتمددت حتى دحرت قبائل العراق القديم، ولنقارن بين الصورتَين. المثير للدهشة أن عصر موسى شهد واقعة تخص الأموريين، قد تبدو نوعاً شاذاً من التخيُّل، فقد أخبر الرب يهوه، بني إسرائيل أنه هو بنفسه قام بإنقاذهم من المصريين والكنعانيين والأموريين والفرزيين والحثيين والحويين؛ أي أن موسى دحر الأموريين كما هزم الكنعانيين، وهذه بكل يقين جماعات لا يعرفها تاريخ بلاد الشام والعراق؛ إذ لا يعرف التاريخ العراقي القديم شخصاً يُدعى موسى هزم المصريين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحثيين والحويين.