Skip to content Skip to footer

كيف تتحول أيديولوجيات التفاهة في عصر ما بعد الحقيقة إلى بنيات منطقية حِجاجية مزيّفة؟ د. بدر الحمري

يتضمن العنوان مفاهيم مركزية دالة يمكن حصرها في ثلاثة على الأقل: الخطاب، التفاهة، والأيديولوجيا، ستتناول فيما يلي الأبعاد الفلسفية واللسانية لهذه المفاهيم في سياق ما أصبح يُعرف اليوم بعصر ما بعد الحقيقة؛ أي في عصر السطحية والأخبار الزائفة والكذب، تتضح فيه معالم سير البشرية نحو إنتاج “ما بعد الحقائق” بدل البحث عن الحقيقة، والذي تتحول فيه أفعال الكلام إلى أسلحة تنتج تخريبًا للأوطان وتدميرًا للإنسان. والدليل على ذلك ما نشهده في خطاب السُّوق ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي من تحولات ملحوظة في استراتيجيات الأيديولوجيات التي توظف هذه التفاهة بعيدًا عن الحقائق الموضوعية، مما يجعلها آلية لإعادة إنتاج التَّسلُط والخرافة والهيمنة الثقافية. وبالتالي فإن فهم هذه الظاهرة الجديدة “ما بعد الحقيقة” سيتمّ في اتصال مع ما أطلقنا عليها أيديولوجيا التفاهة؛ الأمر الذي يتطلب منا خطوتين منهجيتين: في الأولى نقوم بفحص لسانيّ يبيّن كيفيات توليد المدلولات من الكلمات والجمل، في الثانية نقوم بفحص فلسفي يستشكلُ تأثيرهما الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، بآليات الرغبة و”الأونلاين” لا بآليات بالحجة والبرهان. فما الخطاب؟ وما الأيدولوجيا؟ وما التفاهة؟ وكيف تتحول أيديولوجيا التفاهة إلى بنيات حجاجية مزيفة في عصر ما بعد الحقيقة؟ وهل يمكنُ عدُّ أيديولوجيا التفاهة هي الخطاب الجديد للمنظومات المتسلِّطة؟

في الخطاب: الكلام والأيديولوجيات

يعدّ تعريف مفهوم الخطاب من المفاهيم الأكثر تنويعًا واختلافًا في مجالات الفلسفة واللسانيات وتحليل الثقافة، لكننا هنا سنقف عند التحديد التالي، نظرًا لإجرائيته في تحليل خطاب أيدولوجيا التفاهة في عصر ما بعد الحقيقة، وهو على الشكل الآتي: إن الخطاب هو نظام من الأفكار والقيم والمعارف الموجهة إلى المتلقي، فردًا أو جماعة. وبالتالي فإن مفهوم الخطاب لا يقف هنا عند حدود الكلام، بل يغوص في المعاني التي تنتج في سياقات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية موجهة إلى المخاطبين بغرض الإقناع أو التأثير[1].

بناء على التحديد السابق للخطاب نرى أن الخطابات ليست بريئة، لا بالمعنى القانوني فحسب، بل بالمعنى السياسي والاجتماعي والدّيني والفني “الساخر” أيضًا؛ فغالبًا ما يكون الكلام بغرض التأثير، وهو بذلك ينسجم مع هويته، إذ من دلالات الكُلمة أو الكلمُ في اللغة: الجراح أو الطعون، الحسيّة أو المعنوية، حتى قال الشاعر:

جراحات السّنان لها التئامُ *** ولا يلتامُ ما جرحَ اللِّسانُ

أي أن جراح السُّيوف تبرأ، أما جراحُ الكلام فلا تندمل؛ فلا وجود لخطاب بلا أثر، وإن تفاوتت درجات التأثير. وهكذا تصبحُ الخطابات رموزًا للعلاقة بين الكلام والجُرح، أي بين اللغة والألم، مما يدلّ على أنّ الكلمة في الخطاب تتجاوز المعنى لتتحوّلَ إلى فعل جارح يحملُ تاريخ جرحه في ذاته، نفسيًا أو اجتماعيًا.

يتقاطع هذا المعنى المعجمي للكلام مع جانب كان قد ذهب إليه كبار الفلاسفة المعاصرين؛ فما أكدته نظرية أفعال الكلام Speech Acts Theory)) التي أنشأها جون أوستن (J. L. Austin) ثم طورها جون سيرل (J.Searle) تبين لنا ما سبق في سياق البحث اللُّغوي المعاصر من خلال قاعدة أساسية مفادها أن الكلام فعل؛ وبالتالي فإن جروح الكلِم هي من طبيعة إنجازية للكلمة، وليست من طبيعة تعبيرية فقط، فحين نتكلم فنحن نسخر، نلوم، نوبخ، نُقنع، نَقمع، نَمدح، نذم، نهدِّد .. إلخ. وهكذا تم تصنيف أفعال الكلام إلى ثلاثة:

  • الفعل التلفظي(locutionary) : ما يُقال لغويًا.
  • الفعل الإنجازي (illocutionary) : ما يُراد فعله بالكلام (أمر، قمع، سخرية… إلخ).
  • الفعل التبعي أو الأثري (perlocutionary) : الأثر النفسي أو الاجتماعي الناتج عن القول، كأن يُقنع، يُخيف، أو يُؤذي أو يسخر .. إلخ[2].

في السياق نفسه يذهبُ الفيلسوف الفرنسي بير بورديو )  (P. Bourdieu إلى أن الخطاب سلطة، وأن قدرة الكلمات على التبليغ لا توجد في الكلمات ذاتها، بل تستمدُ سلطتها من الخارج، فهو المنطق المتحكمّ فيها، و «أقصى ما تفعلهُ اللغة هو أنها تمثل هذه السلطة وتظهرُها وترمز إليها [..] إنّ الخصائص اللغوية التي تميز القساوسة والأساتذة وجميع المؤسسات عمومًا، كالتقليد والتكرار وتردي القوالب الجاهزة وانعدام المعاناة، تتأتى من المقام الذي يحتله، في ميدان تنافس وسباق، هؤلاء الذين أسندت إليهم بعض السلطات» [3]. لذلك فإن آلة الخطاب وفحواهُ يتوقفان على المقام الاجتماعي للمتكلم، أي نصيبه من استعمال اللغة، لأن «كلامه يكثف الرأسمال الرمزي الذي وفرته الجماعة التي فوضت إليه الكلام ووكل إليه أمر النطق باسمها وأسندت إليه السلطة»[4]. من هنا نستنتج أن أي إنجاز للكلام سيكون مصيره الفشل، إذا لم يكن ” الأشخاص والملابسات الخاصة ملائمين لتطبيق القواعد التي يتعلق بها الأمر” من جهة، وأن مختلف الأشكال الاستدلالية أو البلاغية ستفشل «ما دامت لا تقيم علاقة بين خصائص الخطاب وصفات من يلقيه وسمات المؤسسة التي تسند إليه أمر الإلقاء»[5].

من هذا الأفق ينتقد بير بورديو نظرية أفعال الكلام السابقة، ويرى أن جون سيرل مثلا، عندما يعتقد «أن عمله مساهمة في فلسفة اللغة،  فإنه يقصر بحوثه على فئة معينة من الظواهر الرمزية، لا يمثِّل الخطاب السلطوي فيها إلا نموذجًا واحدًا، والتي تدين بفعاليتها النوعية لكونها تبدو منطوية في ذاتها على مصدر سلطة وقوة تستمدان، في واقع الأمر، من المؤسسات التي تسمح بإنتاجها وتداولها»[6]؛ فالداعية -على سبيل المثال- لا يكفي أن يكون واضحًا ومستوعبًا لخطابه، بل لا يكتسب فعله التأثيري إلا حين يعترف به كصاحب نفوذ رمزي وسلطان لغوي، كذلك الأمر بالنسبة للسياسي، والشاعر، والساخر، والإعلامي وغيرهم، ممن يرتكز خطابهم على اعتراف اجتماعي يُشرعن تأثيرهم. وإضافةً إلى ذلك، ينبغي أن يُلقى الخطاب أمام متلقٍ شرعي، فلكل خطاب مقامه ومجاله التداولي، كما يشير بورديو في مثالٍ دالّ: «فلا يمكننا -مثلا- أن نلقي قصيدة سريالية أمام مجلس حكومي»[7]. من هذا المنظور، يمكننا أن نتساءل: أليس الخطاب، بوصفه سلسلة من أفعال الكلام، أداة إيديولوجية تنتقل عبرها أشكال الهينة والتسلط أو الإقناع والتحاجُّ؟ بمعنى آخر، أليس الخطاب مساحة عريضة لممارسة السلطة وتفعيل النفوذ؟ وعندما تستعملُ الأيديولوجيات كلمات جارحة أو استقطابية، أليس ذلك جزءًا من استراتيجياتها الخطابية الرامية إلى تحطيم الآخر واستضعافه وتعزيز الولاء الجماعي لها؟ بل قد يتجاوز هدفها ذلك إدامة الخصومات بين المخاطَبين وإذكاء الشروخات السياسية في ما بينهم؟ فلماذا يجدُ المتلقي نفسه أسيرًا لتلك الخطابات؟ ألا توجدُ أنظمة أيديولوجية تخضعه وتوجّهه، من حيث لا يدري، عبر سلطة لغوية ناعمة لكنها نافذة، إلى ما تريد؟ هذه الأسئلة سنجيب عنها تباعًا بعد أن نحدد المفهوم الثالث المشكل للعنوان، وهو ما بعد الحقيقة. وبيان ذلك على الشكل التالي:

في عصر ما بعد الحقيقة

يشير عصر ما بعد الحقيقة (Post-Truth era) إلى مرحلة فكرية وثقافية تراجعت فيها قيمة الحقيقة بوصفها معيارًا موضوعيًا لصالح ما يمكنُ أن نسميه بإنتاج الحقائق، وهي ليست سوى أكاذيب، ونفاق، وصناعة أخرى المواقف في تشكيل الفضاء العمومي الرقمي والواقعي. إنّ مفهوم ما بعد الحقيقة انتشر عالميًا بعد أن اختاره قاموس أكسفورد سنة 2016 ككلمة العام[8]. بوصفه مصطلحًا يعبّر عن ظروفٍ تصبح فيها الحقائق الموضوعية أقلّ تأثيرًا في تشكيل الرأي العام من المثيرات العاطفية والمعتقدات الشخصية. وللإشارة فإن أول من استعمل هذا المصطلح هو الصربي الأمريكي ستيف تيسيش Steve Tesich في مقالة له بعنوان «حكومة الكذب» سنة 1992[9]. ثم من بعده استعمل المصطلح رالف كيز Ralph Keyes  سنة 2004 في عنوان كتابه «عصر ما بعد الحقيقة: اللاصدق والخداع في الحياة المعاصرة»[10]، حيث حلل كيف أنّ الأكاذيب والتلاعب بالحقائق سمة مميزة للثقافة الحديثة. بعد ذلك، ظهر المصطلح بقوة في عام 2016 في سياق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة والاستفتاء في المملكة المتحدة بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي (بريكست) حيث أصبح التضليل الإعلامي والتأثير على عواطف الرأي العام أقوى من الحقيقة الموضوعية. عندئذٍ أصبح المصطلح شائع الاستخدام. قد يسأل عن ما إذا كان ظاهرة “ما بعد الحقيقة” جديدة أم قديمة ظهرت في سياقات جديدة؛ فإذا كانت قديمة فما الجديدة الذي أتت به مقارنة مع ما سبقها، وإذا كانت جديدة كلية، فما هي سياقات نشأتها وتسميتها بذلك الاسم في العصر الراهن، بمعنى آخر: هل ما بعد الحقيقة هو تحول جذري عن تاريخ الحقيقة، أم مجرد تسمية جديدة لظاهرة قديمة تتحايل على الحقيقة، استغلت في ذلك ظروف الإعلام الرقمي والسياسة العالمية المعاصرة؟ وهل لذلك صلة بما سميته أيديولوجيا التفاهة؟

في عصر ما بعد الحقيقة لم تعد قيمة الحقيقة ومعاييرها في ذاتها، بل بوصفها بناء لغويًّا، خطابيًّا، ثقافيًّا، وسلوكًا اجتماعيًّا يعكس ما يجعلنا على قيد الحياة، نختار من الحقائق ما يناسب هويتنا وطموحنا الأيديولوجي، وإن لم نجد فإننا ننتج حقائق أخرى على المقاس ووفق الشروط التاريخية التي نألفها متطابقة مع تلك الحقائق. من جهة أخرى ساهمت الأخبار الزائفة والهراء في ترسيخ “ثقافة” ما بعد الحقيقة؛ فالآلة الإعلامية الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وحدهما يمكن أن يؤلّفان طوفانًا من الحقائق، يغرق السوق الإعلامية بالأكاذيب والإفتراءات. في هذا السياق يمكن أن نربط عصر ما بعد الحقيقة بالشعبوية والأصوليات المتطرفة العنيفة[11]، بل والبرامج الساخرة المعارضة للسياسات العمومية، بوصفهما أيديولوجيات خطابية تصنع حقائقها الخاصة، قائمة على الانفعال العاطفي أو الإحساس بالصدق، بل وتروج لها عبر وسائل الإعلام الرقمي والتلفاز؛ فــ«من الألفاظ البذيئة في التقارير السنوية للشركات، إلى العناوين المثيرة التي تبشر بعلاج جديد للسرطان، إلى الضحك المُصطنع على التلفاز، ناهيك عن الدعاية السياسية، ينتشر الكذب المُبتذل. نواجه يوميًا المبالغة، والتعبيرات المُلطفة، والتوفير في الحقائق، والكلمات المُختارة بعناية والمُصممة للتضليل دون كذب، وأحيانًا، الهراء المُحض»[12].

في دراستها الشهيرة “الحقيقة والسياسة” ترى (حنّى أردنت) أنّ قصة الصراع بين المفهومين قديمة ومعقدة، فلا داعي لتبسيطها أو الشكوى الأخلاقية منها؛ فالسياسي في صراع دائم مع الصدق، بل يبرر الكذب لتحقيق غاياته، «ما دامت الأكاذيب تنوب في الغالب مناب الوسائل العنيفة، فمن السهل اعتبارها بمثابة أدوات غير مؤذية نسبيًا ضمن ترسانة الفعل السياسي»[13]. فهل هذا يعني التضحية بالحقيقة في سبيل بقاء العالم هادئ؟

ترى حنا أرندت أن «التضحية في سبيل بقاء العالم قد تكون أتفه من التضحية بمبدأ آخر، أو أي فضيلة أخرى»[14]، لأنه إذا جرد العالم من الحرية والعدالة فهل ستكون الحياة، بعد ذلك، جديرة بأن تعاش؟

إن هذه التفاهة هي بالذات ما نراها اليوم، من ثم فإن تأملات حنّا أرندت في صلة الحقيقة بالسياسة يمكن عدّها الإرهاصات الأولى التي تنبّأت بعصر ما بعد الحقيقة وإن بشكل غير مباشر؛ فالتضحية اليوم لم تعد بقيمة أو فضيلة واحدة، وإن كنا نرى ضرورة هذه القيم والفضائل من أجل عالم يعرف إنسانيته إلى أين تسير، لكن عالمنا يضحي بكل القيم الفاضلة ليتجاوز القوانين أو القواعد أو المبادئ؛ فــ”ما بعد الحقيقة” ليس تضحية بقيمة الحقيقة وحدها، إن “الما بعد” تحمل في ذاتها كل القيم والفضائل أيضًا، لكن بطريقة ضدِّية؛ فأن نفعل الخير يجب علينا أن نمرّ من “ما بعد حقيقة الخير”، وكذلك الأمر نفسه بالنسبة إلى العدالة والمساواة والديمقراطية والسلام .. وغيرها. ولكن ال”ما بعد” في نهاية المطاف لا تعني سوى تحول الحقائق إلى أكاذيب.

الحقيقة مكروهة، هذه هي الخلاصة التي استنتجتها حنا أرندت من مقاربة صلة السياسة بالحقيقة، وهي الشعار الأكبر لعصر ما بعد الحقيقة في أكبر سِماتها السياسية، حيث تقول في هذا السياق: «تبدو الحقيقة متى نظر إليها من زاوية السياسة ذات سمة استبدادية. ومن ثم فهي مكروهة من قبل الطغاة الذين يخشون، محقّين، منافسة قوة قسرية لا يستطيعون احتكارها، بينما تتمتع بالأحرى بوضع عدم الثبات في أعين الحكومات التي ترتكز على الرضا والقبول وتمقت القسر والإكراه»[15]، والحالُ أنّ الأخطر من هذه الكراهية هي تلك الآراء التي تقدم نفسها على أنها حقائق، بطريقة ناعمة، فلا يستطيع الجمهور التمييز بين الحقيقة والافتراء، الصدق والكذب.

 بناء على ما سبق نرى أن الحقيقة ما دامت لا تمتلك سلطة تحميها من استبداد الكراهية السياسية الناعمة، فستنتفي وتترك فضاءها للكذب، وهذا عكس الخلاصة التي انتهت إليها حنا أرندت عندما قالت: «إن تكن الحقيقة عديمة السلطة ومغلوبة دومًا عندما تتصادم مع السلطات القائمة كيفما كانت، فإن لها مع ذلك قوة خاصة بها: مهما استطاع أصحاب السلطة أن يخترعوا ويحتالوا، فإنهم عاجزون عن اكتشاف أو اختراع بدل للحقيقة قادرة على البقاء»[16]. إننا اليوم في عصر ما بعد الحقيقة استطاعت الأصوليات العنيفة مثلا أن تخترع بدل للحقيقة فعلا، أقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكنُ عدها وسائل تزييف الحقائق بامتياز، من دون عنف مادي. بل عامة رواد العالم الرقمي ينتجون أكاذيب من دون وعي، ويتشاركون ذلك، ويحبونه أو يغضبون لأجله أو يضحكون عليه. وهنا يأتي تدمير الحقيقة بوسائل ناعمة، عابرة للقارات والذهنيات والمشاعر والأفكار والمعتقدات؛ فأي متطرف أصولي عنيف يمكنُ أن ينشر صورًا أو فيديوهات بإخراج سينمائي هوليودي ليكسب مزيدًا من عطف الجمهور أو يخيف العدو المفترض. من ثمة تنهار كل قيم الحقيقة والفضيلة والعيش المشترك لصالح الأكاذيب والتزييف والخداع، لأنّ الهدف الأكبر هو التسلُّط.

الحقيقة إذن إنتاج للأيديولوجيات والأساطير المؤسسة لها، التي تمكننا من فرض تسلط على الجمهور، واليوم غالبًا ما نفضل تسلط الحقيقة على الحقيقة نفسها، لأنها تهدد تماسك الفرد قبل الجماعة، يمكن لأي تافه أن يسخر من الحقيقة لمجرد أنها تفضح تفاهته. بل يمكن أن نقيم علاقات من الغرباء الذين يهددون تماسك الجماعة لأن الحقيقة تهديدها أكبر منهم. وما يجعل هذا التماسك مقبولا هو الدعاية التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، لأنها تتيحُ مطابقة الأكاذيب مع تحيزات الأفراد الشخصية[17]. وهذا بالضبط ما تفعله الفيالق الإلكترونية أو “الذباب الإلكتروني” المتطرف العنيف مثلا، من خلال فبركة القصص، وتشويه صور المعارضين، والهدف هو توسيع الفجوة بين جمهور المتلقين الرقمين، أو الضحايا الافتراضيين، والحقيقة نفسها.

نحن هنا أمام تسلُّط في مواجهة السلطة، تسلّط يعمل على تخريب النظام الديمقراطي للسلطة من الداخل. بمساعدة تكنولوجيا حديثة توجه الأكاذيب والأخبار الزائفة. من خلال دراسة البيانات الضخمة لسلوك الجمهور المستهدف (Big Data): ماذا يقرأ؟ ما الذي يثيره عاطفيًا؟ ما هي ميولاته الفكرية أو السياسية أو الدينية أو العقدية؟ ما هي نقاط قوته أو ضعفه؟ من ثمّ تفصل الافتراءات والأكاذيب والشائعات والمغالطات على مقاس كل جمهور.

 إنّ عصر ما بعد الحقيقة هو عصر الكذب الذكي! لم يعد التأثير مرهونًا بقيمة الفكرة أو صدقها، بل بقدرتها على أن تُصنع وتُسوَّق بوصفها »محتوى« صار القول أو الخطاب لا يُقاس بما يُنتج من معرفة، بل بما يُنتج من مشاهدات. ويُقال لصاحبه إنه «صانع محتوى» – رقميًّا كان أو لغويًّا أو بصريًّا- فيستوي في هذا الفضاء العمومي العالِم والمُتعالم، الفيلسوف والديماغوجي، الصحفي والمدوّن، الحقيقي والمزيّف. الجميع يملك الحق في الظهور في فضاء الـ«أونلاين»، غير أن الحقيقة نفسها أُقصيت من مشهد المجتمعات المفتوحة أو المتصلة.

 ذلك هو عصر ما بعد الحقيقة عصرٌ تراجع فيه منطق المعايير المعرفية للحقيقة لصالح منطق جاذبية وانتشار الكذب، والتخوف الأكبر أن يفقد الإنسان احترامه لإنسانيته بقضائه على الحقيقة، وفقدانه لشغف البحث عنها، ومن الطريف أن مرض فقدان الشغف المنتشر اليوم، ليس إلاّ فقدان حقيقة معنى الحياة البشرية؛ إذا صارت حقيقة الأشخاص تُقاس بعدد المتابعين، وبـعدد «الإعجابات» التي تحصُل عليها تدويناتهم المصوَّرة أو المكتوبة، وفي حالة فقدان المتابعين أو الإعجاب أو عدم الظهور بشكل لائق أمام الجمهور، فيدب الاكتئاب والقلق دبيب النمل في اللاوعي، لتدخل الضحية في دوامات فقدان المعنى، والأصل لا يعدو أن يكون إلاّ وهمًا أو لعبًا في خوارزميات رقمية خاضعة لمنطق السوق[18]. فما الجديد في ظاهرة ما بعد الحقيقة؟

يلخص الباحث … هذا الجديد في السمات الأربع الآتية:

  • انفجار المعلومات والتكنولوجيا المربِكة (disruptive technology) أي الكمّ الهائل من البيانات والمحتوى المتدفّق بلا توقف، الذي يجعل التمييز بين الموثوق والزائف شبه مستحيل، ويسمح بانتشار التضليل بسرعة غير مسبوقة.
  • تراجع الثقة في المؤسسات وفي “رواة الحقيقة”؛ مثل الصحافة، الجامعات، القضاء، والعلماء؛ فقد فقدت هذه الجهات جزءًا من مصداقيتها، وبدأ الناس يثقون أكثر في مصادر بديلة، كالمؤثرين الرقميين أو المجموعات الأيديولوجية.
  • أثر الأفكار ما بعد الحداثية (Postmodernist Ideas) التي تسرّبت إلى مجالات العلم والسياسة والأمن القومي، وأسست لخطابات مشوَّهة حول مفهوم الحقيقة، حيث يُنظر إليها كـ “بناء لغوي أو ثقافي” لا كواقع موضوعي.
  • الصراعات السياسية حول معايير الحقيقة؛ إذ لم يعد الخلاف حول “ماهية الحقيقة”، بل حول من يملك حق تعريفها. وأصبحت الحقيقة ميدانًا للصراع السياسي والإعلامي بدل أن تكون مرجعًا موضوعيًا له[19].

وهنا تُطرح الأسئلة الجوهرية: ما صلة ما بعد الحقيقة بالتفاهة؟ وكيف يمكن للتفاهة أن تتحوّل إلى أداة طيّعة في خدمة الأيديولوجيات في عصر ما بعد الحقيقة؟ وهل تُعيد التفاهة إنتاج الأيديولوجيات على نحوٍ فارغٍ داخل الفضاء الرقمي–العمومي، وبالتالي تمارس نوعًا جديدًا من التسلّط الرمزي عبر خطاباتها المتدفّقة؟

نحن هنا أمام مفهوم -جديد- يمكن أن يساعدنا في وصف ما نصبو إليه، وهو “أيديولوجيا التفاهة”. ولمزيدٍ من تعميق النظر سنبدأ أوّلًا بتحديد معاني الأيديولوجيا، قصد بناء قاعدةٍ مفاهيميةٍ صلبة تُتيح مقاربة الظاهرة ضمن أفقٍ نظري واضح، ثم بعد ذلك نمر إلى تحديد مفهوم التفاهة حتى يتضح لنا المقصود من أيديولوجيا التفاهة: فما الأيديولوجيا؟ وهل تُحيل دائمًا إلى دلالاتٍ سلبيةٍ مرتبطةٍ بالتضليل أو الوعي الزائف؟ أم إنّ الأيديولوجيات متعدّدةٌ ومتنوّعة، تتضمّن في داخلها ما هو سلبيّ وما هو إيجابيّ، بحيث يمكنها أن تتحوّل من أداةٍ للتحرّر إلى آليةٍ للهيمنة، أو العكس؟

الأيديولوجيا أو تزييف الوعي

قبل سنوات عديد، دار نقاش أكاديمي في “الأيديولوجيات” بين عالمي اللسانيات الهولندي توين فان ديك والإنجليزي نورمان فيركليف، نظرًا لمركزية الموضوع في أعمالهما معًا وفي دراسات الخطاب الناقد عمومًا. وقد تناول النقاش كما أشار إلى ذلك توين فان ديك[20]، إشكالية طبيعة الأيديولوجيات، من خلال السؤال الآتي: هل يمكن أن تكون الأيديولوجيات ذات طبيعة سلبية؟

من المعلوم أن الرؤية السلبية إلى الأيديولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا ((false consciousness كان قد مهد لها كارل ماركس وفريدريك إنجلز في كتابهما “الأيديولوجيا الألمانية” (1932). ويرى توين فان ديك أن ملخص هذا الكتاب صاغ الأطروحة الأولى له على النحو الآتي: إن الطبقة الحاكمة لا تسيطر فقط على القوة المادية للمجتمع (أي القاعدة أو البنية التحتية)، بل تتحكم أيضًا في إنتاج وتوزيع الأفكار المهيمنة في عصرها (أي “الفكر أو البنية الفوقية”)، بِما في ذلك الدين والفلسفة والأخلاق. أما الأطروحة الثانية، فترى أن هذه الأفكار قد تؤدي إلى تمويه الشروط المادية للإنتاج في المجتمع، وعندما تُغرَس في وعي البروليتاريا، فإنها قد تُنتِج وعياً زائفاً بواقعها المادي. ) انظر مثلاً : Lewy, 1982؛ Meyerson, 1991؛ Pines, 1993؛ Thompson, 2015.).[21] وإذا كان هيغل في مثاليته يدافع عن الجدل النازل، أي أن الفكر هو من يتحكم في الواقع، فإن ماركس وإنجلز يدافعان من جدلية صاعدة، من الواقع إلى السماء؛ أي أن الأفكار ينتجها الإنسان في سيرورته الحياتية الواقعية والفاعلة، وبالتالي فإن الوعي الزائف إنما ينشأ من تأثير الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على أفكار الطبقة العاملة.

هذا المعنى السلبي للأديولوجيا ليس هو الوحيد في تاريخها، بل هناك موقف يرى بأنها ليست سوى علمًا للأفكار، وهذا ما يمكن أن يدل عليه المعنى التركيبي للكلمة؛ فالأيديولوجيا كلمة مركبة من جذرين ideo  تعني فكرة وLogie تعني علم، تصبح كلمة ideologie تعني علم الأفكار. لكن المعنى الذي أطلقه التيار الماركسي وتلامذته هو الرائج إلى حدود اليوم؛ فأغلب النظريات ترى في الأيديولوجيا وعيًا زائفًا ومضللا للواقع؛ كما هو الحال مثلا عند كارل مانهايم الذي يميل إلى المفهوم السلبي للأيديولوجيا، كما استخدم «مفهوم”اليوتوبيا” للإشارة إلى الأنساق الإيجابية من الأفكار أو التطلعات. ومع ذلك، اعتبر أن الأيديولوجيات تظلّ تصورات ذهنية تحجب الطبيعة الحقيقية للواقع، في حين أن اليوتوبيا تمثل أنساقًا إيمانية belief systems تقوم على المعارضة والمقاومة»[22]. ويوضح توين فان دايك أن هيمنة هذا التصور السلبي لطبيعة الأيدولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا أو تضليلا للواقع فرض نفسه على النقاشات الفلسفية والسياسية والاجتماعية في القرن العشرين، مما نتج عنه تصورات بديلة ترى في الأيديولوجيا أنساقًا من المعتقدات. ورغم هذا التصور السَّلبي خلص توين فان ديك إلى ثلاثة نتائج أساسية من خلال تحليله لمفهوم الأيدولوجيا الكلاسيكي، وهي كالآتي:

  • الأيديولوجيات تتكون أساسًا من معتقدات وأفكار، وبالتالي فهي تشكل معرفة إدراكية تُدرس من منظور التمثيل الذهني.
  • الأيديولوجيات فعل اجتماعي وليس فرديًّا، وترتبط بجماعات محددة مثل الطبقة الحاكمة أو مجموعات سياسية واجتماعية.
  • الأيديولوجيات لها وظائف اجتماعية وسياسية، إذ تؤثر على ممارسات وأقوال أعضاء الجماعات. كما يمكن أن يكون لها معنى تضامني إيجابي كما هو الحال عند الحركات المناهضة للعنصرية (Van Dijk, 2021)..
  • يمكن تحليل الخطاب من الكشف عن الهياكل والأطر الذهنية الكامنة وراء الأيديولوجيات.

هناك طبيعة دقيقة للأيديولوجيات حسب توين فان دايك ينظر إليها بوصفها أشكالًا من الإدراك الاجتماعي، أي لها صلة بأنظمة العقل، والمعرفة والمواقف الاجتماعية والمعايير والقيم، وربما الأهم من ذلك، كيف تؤثر تحديدًا في الخطاب والممارسات الاجتماعية الأخرى.

من هنا يطرح توين فان دايك السؤال هو: كيف تؤثر هذه الأيديولوجيات، أو حتى تتحكم، في حياتنا اليومية وتفاعلاتنا وخطابنا على المستويات الميكروسوسيوجية والمحلية في المجتمع.؟

للإجابة عن السؤال السابق، يقترح توين فان دايك الآتي:

أولًا، نحتاج إلى تقديم مفاهيم أكثر تحديدًا للإدراك الاجتماعي. في الواقع، نادرًا ما تدور النقاشات والصراعات الإيديولوجية على المستوى العام والمجرّد للأيديولوجيات. فالنقاش الإيديولوجي عادةً يكون حول قضايا أكثر تحديدًا، مثل عقوبة الإعدام، الإجهاض، الهجرة، الاحتباس الحراري، أو زواج المثليين. والهياكل الاجتماعية المعرفية الكامنة وراء مثل هذه النقاشات يُطلق عليها تقليديًا في علم النفس الاجتماعي اسم المواقف (Eiser, 1986)، على الرغم من أننا بالكاد نعرِّف طبيعة الهياكل الذهنية لهذه المواقف، بأنها تتأثر بالأيديولوجيات الكامنة وراءها.

ثانيًا، تحتاج الأيديولوجيات والمواقف إلى أن تُستخدم وتُطبّق في المواقف العملية، والتجارب، والتفاعلات، وخطاب أعضاء الجماعات الإيديولوجية الفردية. قد تصبح الاختلافات أكثر تحديدًا من وجود اختلافات شخصية في استخدام اللغات واللهجات، التي تُكيف حسب المواقف الخاصة، والتجارب الذاتية لأعضاء الجماعة الفرديين.

تشكل هذه النماذج الذهنية للتجارب الشخصية عند توين فان دايك قاعدة المحادثات اليومية وسرد القصص من جهة، أو تقرير الأخبار في وسائل الإعلام من جهة أخرى. وبالتالي، فإن تأثير الأيديولوجيا على النص والخطاب يتمُّ بواسطة المواقف الجماعية المحددة والنماذج الذهنية الشخصية.

يتبين مما سبق أن هناك عملًا للأيديولوجيات المهيمنة على مستوى النص والخطاب، وبالتالي فإنّ سؤال: هل الأيديولوجيات سلبية؟ يجب أن يكون الجواب واضحًا حسب توين فان دايك يعتمد على من هو في السلطة ومن يتحدث. ثم يقدم لذلك أمثلة، ومنها «الأيديولوجيا العنصرية التي تكون سلبية بالنسبة للمناهضين للعنصرية، وإيجابية، بل “واضحة” أو “طبيعية”، بالنسبة للعنصريين. والأمر نفسه ينطبق على الأيديولوجيات النسوية المقاومة، فهي إيجابية و”طبيعية” بالنسبة للنسويات، لكنها مكروهة لدى الذكور الشوفينيين»[23].

أما بالنسبة لمحللي الخطاب النقدي، فيرى توين فان دايك أنّ كل الأيديولوجيات التي تدعم وتبرّر سوء استخدام السلطة، مما يؤدي إلى عدم المساواة والبؤس والمعاناة، فهي بالطبع سلبية، وكل الأيديولوجيات التي تقاوم هذا الهيمنة ستكون إيجابية. وهنا نأتي للسؤال المركزي: هل التفاهة أيديولوجيا سلبية؟ أم أن التفاهة تستغل من طرف الإديولوجيات لتمرير خطابها المهيمن؟ أم أن التفاهة تبرر سطحيتها ومنظومتها الاستهلاكية بحجة الحريات الفردية، لتتحوّل بعد ذلك إلى منطقٍ ثقافي فارغ يُعيد إنتاج السطحية بوصفها نظامًا للامعنى في عصر ما بعد الحقيقة؟

التفاهة أو خطاب السُّوق

هناك من يعدّ التفاهة مرحلة تاريخية غير مسبوقة، نظرًا لـــ«سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة»[24]. وهذا أمر وجيه على الأقل لأننا نلحظ صعودًا غير مبرر من الناحية المنطقية للرداءة المعيارية والانحطاط الثقافي، مما نتج عنهما تخلف في “جودة القيم” إن جاز لنا التعبير. فتسيّد خطاب سطحي يخدم أغراض بعض الساسة ومطلب السُّوق، شعاره الشعبوية المفرطة والحق في التعبير وهو في الواقع “حق في التضليل”، حتى صار الأمر ساخرًا من دون مناسبة. إنه خطاب التفاهة في عصر ما بعد الحقيقة. فما المقصود بالتفاهة إذن؟

يمكن تعريف التفاهة [25](Mediocrity) بوصفها نسقًا ثقافيًا فارغًا من كلّ معنى، باهتة المضمون، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من العمق والجدّ. وتُستعمل الكلمة لوصف طبيعة الشخص أو حالته من حيث السطحية، أو الابتذال، أو تواضع المستوى. تشير الدراسات إلى أنّ كلمة Mediocracy  تُعدّ حديثة نسبيًا في القاموس، إذ ظهرت حوالي عام 1825، وتدلّ على »النظام الاجتماعي الذي تكون فيه الطبقة المسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتمّ فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضًا عن الجدية والجودة. [26]«

يتّضح من خلال التعريف السابق، أن التفاهة تدور في فلكها مفاهيم تؤطرها من جهة الدلالة، وهي على التوالي: النظام، المجتمع، السيطرة.

  • أما من جهة النظام (System) فالتفاهة نسق منسجم عناصره، يفسّر الواقع ويعيد ترتيبه وفق منطق خاص يحكمه الابتذال. صحيح أنّ عناصر هذا النظام قد تكون متشابهة أو مختلفة، غير أنّها تخضع لقوانينها الداخلية التي تكون في الغالب قائمة على المنافسة والإغراء.
  • أما من جهة المجتمع؛ فكون التفاهة لا تصل بالفرد وحدة، بل بالهيكل الاجتماعي البنيوي للدولة، أي بمجموع القوانين والمؤسسات والعلاقات التي تنظّم المجتمع. بهذا المعنى، تغدو التفاهة منطقًا للحياة ذاتها.
  • أما من جهة كونها سيطرة، فهذا يعني أنها تمارس تسلطًا على الوعي الجمعي، مما يجعلها خطابًا أيديولوجيا يسعى إلى تسطيح الوعي وتضليله.

بناء على ما سبق، نستنتج أن التفاهة خطاب أيديولوجي شعبوي يعيد تشكيل الوعي الجمعي، في الذوق والمعيار، باسم اللِّيبرالية والحريات الفردية. وأقرب وصف يمكن أن نصف به التفاهة نقول إنَّها خطاب السُّوق، مع العلم أن منطق السوق خاضع لآليتي العرض والطلب! ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك فنقول إنّ منطق التفاهة هو الأداة التي تستعملها الأيديولوجيات الشعبوية من أجل تحديد الفكر والسلوك والإحساس، وذلك عبر آليات وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام و (الاستهلاك). مما يجعلها قوة لا يُستهان بها في الفضاءات العمومية، الواقعية والرقمية.

طبقات الأيديولوجيات و «شرّ التفاهة»

إن فكر ما بعد الحقيقة هو فكر هَجين، يحملُ في بنيته أيديولوجيات متدفقة على “الأونلاين”، ومن يرى أفكار الإنترنت على أنها وهم وتفاهة وسطحية، وبالتالي فلا يمكن أن نعير لها كبير اهتمام، فإنه لم يدرك بعد عصر ما بعد الحقيقة، الذي بدأ التأريخ له على الأقل منذ سنة 2016 عندما استعملت هذه الكلمة رسميًا في معجم أكسفورد كما أشرتُ سابقًا. وبالتالي فإن التنبه إلى هذه الظاهرة – خاصة عند الباحثين بالعربية- يعدّ أمرًا ضروريًا، لأنها تخترق الفضاء الرقمي العمومي بشكل واسع وسريع!

 إن الأيديولوجيات الشعبوية اليوم تتخفى وراء التفاهات الأكثر تأثيرًا في الجمهور الرقمي- العمومي، وأشدها على الإطلاق تلك التي تمتح من الشرّ؛ فإذا كانت حنا أرندت قد تحدث عن تفاهة الشر، فيمكننا اليوم أن نتحدث عن شرِّ التفاهة بامتياز؛ فالعقلاء يرون بأن الشر تافه عندما يكون نابعًا من عقول فارغة، لكن المصيبة أكبر عندما يمتزج بالأيديولوجيات الشعبوية “القاتلة” لكل ما هو رمزي أو واقعي وبالتالي قاتلة لكل ما هو إنساني.

لا غرو أنّ أكثر الخطابات تأثيرًا، أو تأثرًا، هي الخطابات الإيديولوجية السلبية، خصوصًا المغلقة منها؛ أعني تلك التي تمارس ديكتاتوريات ناعمة – وأحيانًا خشنة – على أتباعها، فتغلق أمامهم منافذ التفكير الناقد، وأفق التأمل في المبادئ والمسلمات والاستراتيجيات والأهداف. إنها لا تقبل استقالة أعضائها منها، وأي محاولة للانسحاب منها تعني، غالبًا، خسارة رمزية أو وجودية فادحة، تصل حدّ فقدان الحياة ذاتها. نجد هذا النموذج من الأيديولوجيا المغلقة في الجماعات الدينية المتطرفة العنيفة، وفي بعض الأحزاب السياسية التي تشبهها في بنيتها الذهنية والتنظيمية.

هذا النوع من الأيديولوجيات تقابله طبقة هجينة من الأفكار، يمكن لأي فرد أن يتبناها بدافع التعاطف أو التوافق مع الخطابات المغلقة، قد لا يكون في مستوى النوع الأول من الانتماء الفكري أو التنظيمي لكنه في واجهة الحدث الإيديولوجي وخطاباته المغلقة، أو إن شئت قلت إنه الضحية الأولى للخطابات المأزومة (Critical) التي يروج لها عن سوء نية أو عن حسنها، إمّا لمزيد من التخريب الفكري للمجتمع، أو لجهالة بتلك الخطابات، وما مدى قدرتها على نسف السِّلم والتعايش والاختلاف في الفضاء العمومي.

 تتمثل هذه الطبقة الأيديولوجية الهجينة في الأفكار المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكتسبها وتعيدُ إنتاجها من غير وعي ناقد، فتتحوَّل إلى صدى متكرر لمقولاتها، تخزّن شعاراتها في الذاكرة اللاواعية فتأطر السلوك والفهم لتنتج لنا خطابات مشوهة وتافهة.

لذلك فلا غرابة أن نجدَ أنّ أغلب أفكارنا الأيديولوجية كما يبيّن توين فان ديك «جاءت عن طريق قراءة ما يكتبه أفراد مجموعاتنا والاستماع إليهم، بدءًا بآبائنا ورفاقنا. و”نتعلم” الأيديولوجيات لاحقًا من مشاهدة التلفاز أو الإعلانات، أو قراءة الكتب المدرسية، أو الجرائد، أو الروايات، أو بالمشاركة في المحادثات اليومية مع الأصدقاء والزملاء، إلى غير ذلك من طرائق الحديث والكتابة الأخرى»[27].

“الأونلاين” بوصفه هوية أيديولوجيا التفاهة

كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار عن مجتمع الاستهلاك قائلا: «لم نعد نستهلك أشياء من أجل استخدامها، بل من أجل دلالتها. لقد صارت كل الأشياء علامات، والسلعة لا تُشترى بوصفها شيئًا بل بوصفها هوية»[28]؛ وكأن الرجل يريد أن يخبرنا ببداية تأسيس كوجيطو جديد: أنا أستهلك، إذن أنا موجود؛ فلم يعد معيار هوية الشخص ثابت على فعاليات التفكير، كالنقد والشك والنفي والإثبات، والتخيل، والإحساس أيضًا، بل الأنا تبين هويتها من خلال ما تستهلكه. غير أننا اليوم في عصر ما بعد الحقيقة تقدمنا خطوات عن مأزق الهوية الاستهلاكية، فلم نعد نستهلك البضائع اتباعًا لسلسة من صيحات الموضة، بل تباينت هويتنا عنها كثيرًا، ليصبح الأونلاين هو هويتنا الجمعية تقريبًا، أن نكون متصلين هو ما يحدد هويتنا كأشخاص. إنها مفارقة ساخرة سوداء جدًا؛ أن ينتقل فيها الشخص من «أنا أفكر إذن أنا موجود» مرورًا بـــ«أنا أستهلك إذن أنا موجود» وصولا إلى «أنا أونلاين إذن أنا موجود» ومن المؤكد أن تزييف الكوجيطو لن يقف عند تلك الحدود، إننا نرى اليوم كوجيطو جديدًا يسير بنا نحو التزييف الأقوى في التاريخ، يتمثل في: «أنا تْرِنْد[29] إذن أنا موجود»، فمن منطلق الوصف الذي قدمه بيونغ شول هان Byung-Chul Han مجتمع اقتصاد الرغبة البشرية لا يتلاءم مع الإخفاء أو السر ، أو الاحتجاب والإخفاء، بل إن سلبيات كل تلك القيم «تعمل على إثارة الرغبة ومضاعفة المتعة. هذا هو السبب في أن الإغواء يستعمل الأقنعة، والإيحاء والمظاهر. في حين تقضي الشفافية القهرية على مجال اللعب الخاص بالمتعة والرغبة»[30]. والترند Trends في ذاته لا يغلو من قساوة المتعة وميولات الرغبة الجمعية في الظهور وعدم الستر أو الاحتجاب.

التفاهة بوصفها هوية حجاجية مزيفة

نأتي هنا إلى الإجابة عن سؤالنا: كيف تتحول أيديولوجيات التفاهة في عصر ما بعد الحقيقة إلى منطق حجاجي مزيف؟

من المعلوم أنّ العقل يتأسس على الدليل والبرهان، سواء في بعده المنطقي الصوري أو في الأبعاد المنطقية غير الصورية، لكن التفاهة بقانونها القائم على الأونلاين غالبًا ما تقوم على الإغواء، والسطحية، واستهداف المشاعر، وإثارة العواطف الخفية، لذلك فإن منطقها قائم على الالتفاف حول الحقيقة، والانحراف عن العقل، والغوص فيما يسميه جاك دريدا في أرشيف اللاشعور، من ثمة فإن منطقها مزيف، يقوم على المغالطات ويركب الترندات. وبما أنّ عصر ما بعد الحقيقة هو عصر الأخبار الزائفة والعلم الزائف فإن أيديولوجيات التفاهة قد وجدت ضالتها الكبرى فيه؛ فما بعد الحقيقة تقدم نفسها على أنها حقيقة، وأيديولوجيات التفاهة تقدم نفسها على أنها عميقة، من ثم فكلاهما يقوم على تزييف الوعي والخداع.

فلا بأس بأن يظهر ممثلو التفاهة كما لو كانوا نماذج للتحرر من سلطة المجتمع، والديكتاتوريات المزعومة، بل في كثير من المناسبات يصبح هؤلاء ممثلين نمطيين للتحرر الأخلاقي؛ فلا يعتمدون على مبادئ المنطق الكلاسيكي، كمبدأ الهوية، أو مبدأ عدم التناقض، أو مبدأ الثالث المرفوع، أو حتى مبادئ السببية. إنّ منطق التفاهة قائم على الرغبة بما تحمله هذه القيمية من سيولة في الغموض والتناقض واللذة والمتعة التي تعمل على ترسيخ اللايقين؛ أي تعبيد الطريق نحو عصر ما بعد الحقيقة.

إنّ حضور التفاهة في الفضاء الرقمي يجعلها تمتلك خطابات متسلِّطة، توهم بأن لها شرعيةً تمنحها هذا الحضور، وبالتالي فمن «حقها» – كما تَفترض – أن تمتدّ إلى العالم الواقعي من دون قيدٍ أو قانون، أو حتى من دون أخلاقياتٍ. غير أن هذا الحضور الرقمي هو نفسه ما يمنحها شعبويتها داخل المجتمع، ويُكسبها القدرة على إنتاج خطابٍ حجاجي مزيف، يقول شيئًا ما من دون أن يعني بالضرورة شيئًا محدّدًا. في حين «تقف الممارسات التي يطلق عليها اسم “نظيفة سياسيًا” على النقيض من ذلك؛ حيث تتطلب شكلا من الشفافية والابتعاد عن الغموض، وذلك من أجل ضمان أقصى قدر من الحرية والعقدية والمساواة، ومن ثم تحييد الهالة البلاغية والعاطفية التقليدية للإغواء» [31] .  نحن هنا أمام خطابين متوازيين: خطاب التفاهة الرقمي القائم على استهداف الرغبة والإغواء، وخطابٍ سياسي–اجتماعي يدّعي الحقيقة والعقلانية.  ومن المفارقات الدالة أن الصلة بينهما تكاد تكون متطابقة؛ يمكن أن نمثل لها بالعلاقة بين سونيا سليم وعبد الحميد رأفت في فيلم “الراقصة والسياسي”[32]، حينما قالت سونيا إن كل ما تفعله الراقصة هو «هزّ وسطها»، بينما ما يفعله السياسي هو «هزّ اللسان «. بهذه المفارقة الساخرة التي استعملنا فيها الراقصة بوصفها رمزًا ناقدًا ساخراً لأفق الإمكانات الممكنة بينها وبين السياسي، لا موضوع إدانة وحكم شخصي، بل فقط استعارة تكشف آلية الإغواء والتأثير الخطابي، وهي الآلية نفسها التي تستعملها اليوم التفاهة في قمة نجاحها في بيع الوهم الإقناعي بطريقة استعراضية. كما توضح لنا تلك الصلة أن اختلاف الأدوار لا يُلغي وحدة الفعل؛ فالهزّ واحد، وإن اختلفت أدواته.

قد يبدو، في الظاهر، أن الصراع بين السلطة والرغبة صراعٌ أبدي، لكنّ الغالب أن أيديولوجيا الرغبة تنتصر على أيديولوجيا السلطة حين تجمع بينهما التفاهة، أما المحبّة الحقيقية بينهما، كما طمعت الراقصة في حب السياسي، فلا وجود لها إلا بوصفها وهماً يُسوَّق ضمن عروض ما بعد الحقيقة.

خلاصة القول، إذا ما نظرنا إلى الحجاج بوصفه تفكيرًا عقلانيًا منطقيًا فإن غايته هي الإقناع، بينما أيديولوجيا التفاهة غايتها الكبرى هي التأثير على العواطف والشهرة، وبالتالي كسب مزيد من الانفعالات. أما في عصر ما بعد الحقيقة فإن الحقيقة تنهار سُبل النظر فيها، والبحث عنها، وهي سبل منطقية تعتمد على النظر العقلاني والتفكير المنطقي والتجربة العلمية والمعيارية.. لنبقى أمام انهيار البرهان والحجاج. فانتقلنا بذلك من الأسئلة المنطقية، على سبيل المثال: ماذا يمكنني أن أعرف، كيف أعرف؟ وما هي حدود معرفتي؟ إلى أسئلة أخرى تتصل بكيف أعجب المتابعين، وكيف أحصل على الترند؟

لذلك فلا عجب أن يصبح الإغراء أهم من الحكمة، والشعور بالانتماء أهم من الاختلاف، وتصبح بلاغة التفاهة أداة أيديولوجية جديدة، نتلمس استراتيجياتها في القصص المصورة، والصور المفبركة، وفيديوهات الذكاء الاصطناعي، والجمل القصيرة، والأخبار الزائفة، والتنافس حول من يتلاعب بالعواطف أكثر حتى يحصل على قدر كبير من المشاهدين. النتيجة أننا نلغي عنصرًا مهمًا في المنطق وهو اللوغوس، أي البعد المنطقي الخطابي في الحجاج، لنغرق العالم بحجاج عاطفي انفعالي فقط أو الباثوس.

[1] -حاولنا تركيب مفهوم للخطاب من تصورات ميشال فوكو وتوين فان ديك وشاييم بيرلمان. لمزيد من التفصيل ينظر: ميشال فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2012. توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي مراجعة وتقديم عماد عبد اللطيف، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2014. شاييم بيرلمان، الإمبراطورية الخَطابية، صناعة الخطابة والحجاج، ترجمة وتقديم وتعليق الحسين بنوهاشم، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2022. شاييم بيرلمان وألبرخت تيتكا، المصنف في الحجاج، الخطابة الجديدة، ترجمة عن الفرنسية وتعليق محمد الولي، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2023.

[2]– ينظر: جون لانكو أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة، كيف ننجز الأشياء بالكلمات، ترجمة عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الأولى، 2020.

[3]– بير بورديو، من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، سلسلة التفكير الفلسفي، اللغة، العدد السابع، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر والتوزيع، المغرب، الطبعة الرابعة، 2005، ص: 107.

[4]– بير بورديو، من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، المرجع السابق، ص: 107.

[5]– بير بورديو، من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، المرجع السابق، ص: 108.

[6]– بير بورديو، من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، المرجع السابق، ص: 109.

[7]– بير بورديو، من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، المرجع السابق، ص: 109.

[8] -Oxford Dictionary, “Word of the Year 2016,” 2016, https://en.oxforddictionaries.com/word-of-theyear/word-of-the-year-2016.

[9]– Steve Tesich, “A Government of Lies,” The Nation, January 6, 1992.

[10]– Ralph Keyes, The Post-Truth Era: Dishonesty and Deception in Contemporary Life (New York: St.
Martin’s Press, 2004).

[11]– لمزيد من التفصيل يمكن مراجعة كتابنا، بدر الحمري، منطق التسلط، في بلاغة الكذب والتطرف ودلالة ما بعد الحقيقة، دار نشر المرهاج، العراق، بغداد، الطبعة الأولى، 2025.

[12] –  Evan Davis, Post-Truth: Why We Have Reached Peak Bullshit and What We Can Do About It, Little, Brown Book Group, 2017.

[13] – حنا أرندت، الحقيقة والسياسة، ترجمة الحسين سحبان، مجلة يتفكرون، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، العدد السادس، 2015، ص 47.

[14]– حنا أرندت، الحقيقة والسياسة، المرجع السابق، ص 47.

[15]– حنا أرندت، الحقيقة والسياسة، المرجع نفسه، ص 47.

[16]– حنا أرندت، الحقيقة والسياسة، المرجع نفسه، ص 65.

[17]– يمكن العودة إلى مقتطف من يوفال نوح هراري، البشرية جنس ما بعد الحقيقة، عبر موقع صحيفة داغواردين:  https://www.theguardian.com/culture/2018/aug/05/yuval-noah-harari-extract-fake-news-sapiens-homo-deus

[18]–  لمزيد من التفصيل يمكن قراءة الدراسة المنشورة على منصة المكتبة الوطنية للطب بأمريكا، تحت عنوان، Anxiety and depression amongst youth as adverse effects of using social media : A Review، رابط الدراسة: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC10406047/

[19] -Yael Brahms, Philosophy of Post-Truth, p 06.

 https://www.jstor.org/stable/e86ed5e3-9bc4-336e-a702-2fe4e8c92d2c?seq=1

[20] -Teun A. van Dijk,2021,Are ideologies negative ? المقالة موجودة على موقع توين فان دايك، descourses.com

[21] -Teun A. van Dijk,2021,Are ideologies negative ? at descouses.com

[22]-Teun A. van Dijk,2021,Are ideologies negative ? at descouses.com

[23]– Teun A. van Dijk,2021,Are ideologies negative ? at descouses.com

[24]– ألان دونو، نظام التفاهة، ترجمة وتعليق، مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2020، 36.

[25]– من اللاتينية mediocris، أي “المتوسط” أو “الذي يقع في المنتصف”.

[26]– ألان دونو، نظام التفاهة، المرجع السابق، 42.

[27]-Teun A. van Dijk,2021,Are ideologies negative ? at descouses.com

[28]– جان بودريار، مجتمع الاستهلاك، يراجع موقع: https://fikrmag.com/5143/

[29] Trends

[30] بيونغ شول هان، مجتمع الاحتراق النفسي، ترجمة بدر الدين مصطفى، دار معنى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2021، ص 39.

[31] –  بيونغ شول هان، مجتمع الاحتراق النفسي، المرجع السابق، ص:41 .

[32] – فلم “الراقصة والسياسي” عن قصة الأديب إحسان عبد القدوس، سيناريو وحوار وحيد حامد، وبطولة نبيلة عبيد وصلاح قابيل، إخراج سمير سيف، تاريخ الصدور 1990.

Leave a comment