Skip to content Skip to footer

من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي: كيف نعبر بمجتمعاتنا إلى رحابة الرؤية الحضارية؟ مع د. محمد الخمسي

 كيف تتحوّل الرياضيات من معادلات مجردة إلى بوصلة حضارية؟ وهل نملك الوعي الكافي لحماية مجتمعاتنا من طوفان الذكاء الاصطناعي؟ المفكر وأستاذ الرياضيات المغربي د. محمد الخمسي، يفكك اشتباكات “مناطق التماس” المعقدة، ويكشف عن السبيل للعبور من ضيق التفكير السياسي إلى رحابة الرؤية الحضارية في حواره مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع.

 

كيف تفتح الرياضيات ممرات الملوك للنجاح؟

باسم الجمل: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع، وفي حلقة اليوم نستقبل الدكتور محمد الخمسي، أستاذ الرياضيات ومختص في طرق تفعيل التعليم.

محمد الخمسي: نعم.

باسم الجمل: وتحسين التعليم على مستوى التعليم العالي في المغرب.

محمد الخمسي: في المغرب بفاس، بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، شكرًا على الاستضافة أولًا.

باسم الجمل: تسلم، أهلا بك دكتور.

محمد الخمسي: نعم، تحياتي.

باسم الجمل: كيف أنت علاقتك مع الرياضيات؟

محمد الخمسي: الرياضيات، هي كنا في زمان يعتبر أن من تفوق في الرياضيات قد تسهل عليه الحياة، فكان هذا الدافع، كانوا يسمونها ممر الملوك، قد تؤدي إلى مدارس المهندسين إلى أبحاث لكن تفكر نفسك…

باسم الجمل: تؤهلك لدخول أي فرع دراسي أنت تريد.

محمد الخمسي: يعني تفتح لك الآفاق. أنا أتحدث عن السبعينات، الثمانينات. إذن الشعور الذي تكوّن لدينا أن التفوّق علميًا وخاصة في الرياضيات يسهل للإنسان الولوج إلى بعض المؤسسات، وأكثر من ذلك يسرع بالهجرة يعني من بعد البكالوريا.

باسم الجمل: لازم تخرج خارجًا تدرس.

محمد الخمسي: طريق السفر يكون مؤمنًّا، فهذا كان سببًا، لكن سببًا آخر، يعني أحيانًا يأتي في حياة الإنسان بعض الأشخاص فيكون زمن وجودهم قصيرًا جدًا، لكن تأثيرهم ممتد فكان راهب بالمدينة القديمة بمدينة مكناس، بالضبط حي سيدي عمر دريبة، كان هذا الراهب يقدّم مجموعة من الخدمات، ومن جملة الخدمات يساعد بالدروس الخصوصية للتلاميذ ذوي القدرات المحدودة، وكنا ننتقل من حي بعيد جدًا له، فجمع بين تيسير فهم الرياضيات وما بين الدعم، فشعرنا أننا ممكن أن نستطيع أن نواكب، وهذا كان في سنة ما يقابل الآن السنة التاسعة، فكان له تأثير على قصر المدة الزمنية، كان له تأثير كبير على الاهتمام بالرياضيات.

باسم الجمل: فهو الدافع خلفك لأن تكون…؟

محمد الخمسي: أعطى الشرارة الأولى، أو كما يقال قدح في أنفسنا أننا يمكن أن نستمر في الرياضيات. طبعًا هناك أساتذة أفاضل تعرفنا عليهم في الجامعة، زادوا من هذه القناعة وقووها. أتذكر بعض الأسماء الآن رحمها الله، ولكن كانت مدارس في الرياضيات، كان السيد مصطفى قنون عالم في الرياضيات، كان السير كوهن، والعجيب أن أحدهما ينتمي للمدرسة الفرنسية والآخر للمدرسة الأمريكية، فهما أثرا في جيل بكامله، يعني أثروا فيه بطريقة التدريس طريقة الاهتمام، ما وراء الرياضيات على المستوى الفلسفي، المستوى، طبعًا لم يكونوا يتحدثوا بذلك ولكن كانت لديهم إشارة. ثم كان سافر إلى فرنسا، طبعًا فرنسا في مجال الرياضيات والفلسفة ما زال لها حظ، ما زال في الرياضيات.

 

كيف تكون الفلسفة هي الروح الساكنة في جسد الأرقام؟

باسم الجمل: يعني علاقة الفلسفة بالرياضيات علاقة لا يمكن فكها.

محمد الخمسي: بل أعتقد أن كل فيلسوف…

باسم الجمل: يجب أن يكون رياضيًا.

محمد الخمسي: تسكنه الرياضيات، على الأقل في جانبها المنطقي. والرياضيات لا يمكن أن تمتد في الإنسان دون تأملات فلسفية، فحينما نتحدث عن النهائي واللانهائي نحن في الفلسفة. حينما نتحدث عن المتصل والمنفصل، نحن في الفلسفة. حينما نتحدث عن نظريات المجموعات والأنساق بطريقة أو أخرى نحن في الفلسفة. حينما نتحدث عن بناء أو تصميم البنيات، نحن نتحدث عن المجتمعات، عن العلاقات المجتمعية، عن القوانين، فالرياضيات هناك من يعتقد أنها أفق هي مجرد عد وحساب، لا الرياضيات أكبر من ذلك. والقصة طويلة جدًا. ولكن من أراد أن يتمتع في الرياضيات يجب أن يكون له اهتمام بالفلسفة. والفلسفة لا يمكن التعمق فيها دون تأمل في الرياضيات، فهي فضاء. أضف إلى ذلك…

باسم الجمل: يعني وجهان لعملة واحدة.

محمد الخمسي: هناك تغذية راجعة بين الطرفين. وكلما افتقرت الفلسفة في مجتمع ما كلما أصبحت الرياضيات مجرد تقنيات وليست تأملًا، وليست تفكيرًا، ليست… لأن الرياضيات أولًا عندها ميزة، ما يبدو اليوم خيالًا غدًا يصبح واقعًا. والعدد العقدي المشهور أنه حينما اكتُشف كان ترفًا. ما معنى أن يكون لك عدد مربعه يساوي ناقص واحد؟ هذا ترف، هذا حل واحد لمشكلة في نظرية المجموعات فقط. لكن لا نتصور ميكانيكا الكوانتيك، ولا نتصور النسبية، ولا نتصور معادلة ماكسويل دون هذا العدد، دون هذا. فالذي كان متعة وخيالًا (…)

باسم الجمل: أصبح واقعًا وضرورة في الحياة.

محمد الخمسي: هناك نتائج في التوبولوجيا، لما تم التوصل لها كان ترفًا، الآن تُحل بها عدة معضلات. إذن، معنى هذا الرياضيات لها هذه السمة في زمن يبدو أنه فقط كتابات، رموز، فهم، فلسفة، لكن نجدها أنها تسكن روح الواقع، بل هي المفاتيح لفهم العالم. الآن لا توجد قضية، وهذا ليس تحيزًا، وليس تعصبًا، لا توجد قضية إلا وبعض مفاتيحها في الرياضيات.

حتى الذكاء الاصطناعي منبعه فكرة في الرياضيات، المنطق المبهم، مع زاده حينما تصور: هل توجد رياضيات تعبر عن مشاعر الإنسان، عن تقديرات الإنسان؟ لأنه معروف على الرياضيات التي هي مبنية على الحد صفر وواحد، هذه لا تعبر بالضبط عن مشاعر الإنسان، عن عدة قضايا. لكن لما أدخلنا المنطق المبهم استطعنا أن نقترب من الإنسان، وما التفكير التوليدي ودمج اللغة، كلها وراءها بنيات رياضية.

أكثر من ذلك الخوارزميات هي بناء رياضي. ولكن حينما دخلته اللغة، ودخلته العشوائية، ودخله اقتناص سلوك الحشرات منها النمل والنحل، فأصبحت… لولا الرياضيات لما استطعنا أن نعبر بدقة علمية عن هذه السلوكات. الآن تنظم حركة النقل بناءً على هذه الخوارزميات.

العلاقات الإنسانية تُفهم في المجال السياسي بناءً على التحليلات وراءها المنطق المبهم، معنى هذا أن الرياضيات كأنها الأداة التي منحها الله للبشرية لفهم الكون.

 

هل الكون بناء هندسي نكتشفه أم نصنعه؟

باسم الجمل: إذن أنت مع الرأي الذي يقول إن الوجود الكوني أصلًا كله وجود رياضي؟

محمد الخمسي: هناك نظريتان. هناك من يعتقد أن الكون مهندس رياضيًّا، ونحن نكتفي أو نقوم باكتشاف هذه القوانين. وبالتالي في الرياضيات وجود مستقل عن عقل الإنسان، قائمة، القوانين موجودة، من تنافس للوصول إليها. بمعنى قانون نيوتن في الجاذبية لو لم يصل له نيوتن لوصله غيره.

وهنا نلتقي مع مقولة غوته الذي يقول “روح العصر”، معناها أن العلوم مهيأة لعصور، ومن سكنته هذه الروح وصل إلى هذه النتائج. وبالتالي نتحدث عن الرياضيات عوالم مستقلة عن ذواتنا.

هناك من يعتقد أن الرياضيات جزء منها بناء عقلي، وبالتالي هذا البناء هو الذي نعبر به للعوالم الأخرى، لكن أنا أرجح الرأي الأول، لماذا؟ لأننا هنا الآن عندنا إشكاليات مغلقة علينا، إذا لم نجد تصميمًا مناسبًا لها لن نفهمها، لأن قيمتها البسيطة جدًّا وإن كان من باب التخصص.

كل الرياضيات التي كانت في القرن التاسع عشر لم تكن كافية لبناء علم الكوانتيك.

باسم الجمل: صح.

محمد الخمسي: لم تكن كافية ولم تستطع فهم هذه الظواهر الفيزيائية. فحينما صُممت الرياضيات المناسبة لفيزياء الكوانتيك، آنذاك استطاع الإنسان العبور.

الآن نتحدث عن نظرية الوحدة أي النظرية الأم التي تفسر كل شيء، ما لم يتم تصميمها رياضيًّا لن ننتجها في مختبر. إذن يجب أن نبحث عنها، حينما نجدها ستسهل القضايا الأخرى، يعني الأدلة الراجحة على أن العالم مبني رياضيًّا هي الأقوى.

باسم الجمل: هي الغالبة هي الأقوى.

محمد الخمسي: هي الأقوى.

 

ما العلاقة بين “فيزياء الكم” وعالم الغيب؟

باسم الجمل: طيب، ماذا كان دور فيزياء الكم في تغيير وجهة نظر الرياضيات القديمة أو في الفيزياء التقليدية القديمة؟

محمد الخمسي: هو في الفيزياء الصعب جدًّا حينما يدخل الزمن، حينما يدخل عامل الزمن وعامل الأكبر والأصغر، هنا تدخل مفاهيم وتصبح ليست في متناول، كما يقال العقل العام، تصبح تحتاج إلى تخصص دقيق.

أنا أعطي مثالًا: فيزياء نيوتن ما زالت صالحة وهي التي تحكم هذه القاعة.

باسم الجمل: صحيح.

محمد الخمسي: هي التي تحكم هذه القاعة. لكن فيزياء الكوانتيك موجودة، أين؟ في عالم الإلكترونات، يعني العالم الدقيق جدًّا الذي لا يخضع لمعايير الإنسان.

باسم الجمل: يعني هي موجودة في العالم الذي تتأسس عليه.

محمد الخمسي: في عالم آخر… لكن هي موجودة. فحينما نقول هناك حركة اهتزازية مليون مرة في الثانية، هذا كلام كيف يتصور العقل في ظرف ثانية وقع اهتزاز مليون مرة، لكن فيزياء الكوانتيك تؤكد لك ذلك بالحساب.

باسم الجمل: أنها موجودة.

محمد الخمسي: وإذا أنكرتها، كثير من الأمور لن تحصل، منها أول عمل يجب أن تقوم به أن تكفر بالحاسوب، بالهاتف الذي تحمله فهو تسكنه فيزياء الكوانتيك.

أكثر من ذلك هناك خوارزميات الآن، لا تصلح إلا للحاسوب الذي يشتغل بالكوانتيك، فحينما يصمم هذا الحاسوب الذي يعتمد على فيزياء الكوانتيك يصبح لهذه الخوارزميات تطبيقات، منها خوارزميات شور، بمعنى أننا لا ندرك العالم كله محسوسًا نعبر إليه. ولذا أنا أقول يسكننا الغيب، ميكانيكا الكوانتيك فيها جزء من الغيب، لم نقم حجة على وجود حقل مغناطيسي فيزيائيًّا، لكن نؤمن بآثاره موجودًا. لا يمكن…

باسم الجمل: نحسه.

محمد الخمسي: الجاذبية لا يمكن أن ننكرها، لكن هل رأى أحد حقلًا جاذبيًّا؟ هل رصده؟ نحن نقيسه بالمعادلات. معنى هذا أن ليس كل ما لا يُدرك بحواسنا وبمشاعرنا هو معدوم. هذا قول لا يقول به عقل.

 

كيف نؤسس الإيمان بعيداً عن تقلبات نتائج العلم؟

باسم الجمل: سؤال على ذكر الغيب، نحن يسكننا الغيب، يعني الإيمان بالغيب جزء منه هذه الجزئية أيضًا؟

محمد الخمسي: طبعًا هذه من القضايا التي سيبقى التفكير فيها، وسيبقى… أنا قصدت الإيمان.

باسم الجمل: نعم، فهمتك، الإيمان بالغيب، بوجود الشيء.

محمد الخمسي: هو لا يمكن أن نستدل بالإيمان من خلال العلم، لأن العلم مؤقت في نتائجه. وهذا الذي وقع في النص القرآني قيّدنا المطلق بالنسبي.

باسم الجمل: كلامك سليم، صح.

محمد الخمسي: وستأتي كوارث من الناس الذين لهم حساسية كبيرة جدًّا مما يُسمى بالإعجاز العلمي.

باسم الجمل: مئة بالمئة كلامك صحيح.

محمد الخمسي: لم يثبت يوم واحد أن أتينا بنتيجة قبل أن يُثبتها العلم. إذن نحن نركض ونُلبس شيئًا لم نكن شركاء فيه.

باسم الجمل: كان من الخطأ ربط الإيمان بنتائج العلوم.

محمد الخمسي: لذا أقول يُستأنس به، العلم يُستأنس به، لكن الإيمان موجود حتى في الرياضيات، وهو ما يسمى بالمسلمات. إما أن تسلّم ببعض القواعد ثم تنشئ أو ترفض المسلّمات ولن تنشئ شيئًا. الإيمان فيه مجموعة من المسلّمات حينما تسلّم تدخل في عوالم أكبر، حينما لا تسلّم تضطر إلى صناعة عالم آخر الذي يمثّل الإيمان. في آخر المطاف لن تخرج من الإيمان، سيشتغل عقلك على بناء نوع من الإيمان، وبالتالي الإلحاد بالمعنى الإطلاقي لا يوجد.

باسم الجمل: لا يوجد، نعم صحيح.

محمد الخمسي: هو لا بد أن تصمّم نوعًا من الإيمان قد تسميه إلحادًا. مثال، ولذا يُستأنس. فحينما تعتمد على علم الاحتمالات وتقول ما هي الاحتمالات العشوائية بالمنطق الرياضي لتصميم الحياة في الوجود؟ بعلم الاحتمالات سيذهب إلى صفر.

إذن أنا أستأنس بهذه النتيجة فقط، ولكن لا أقيم الحجة أنه بما أن علم الاحتمالات أخبرني باستحالة… لأن الذين يقولون باستحالة العشوائية، معناها زمن لا نهائي، هذا افتراض، هذه مسلمة.

باسم الجمل: لا يوجد إثبات عليه.

محمد الخمسي: لا يوجد عندك دليل على زمن لا نهائي، الإنسان يتحدث عن بداية ونهاية. إذا افترضت زمنًا لا نهائيًّا هذا أحد أركان إيمانك، هذه من المسلمات. إذن لا نشتغل إلا ضمن المسلمات.

هذا التماثل أو التشابه بين العالم العلمي والعالم الإيماني الروحي يتقاطعان في هذه النقاط، لكن لا نصنع إيمانًا بالعلم ولا نصنع كفرًا بالعلم أو إلحادًا بالعلم، نستأنس وكل له أدواته. أحيانًا ناس تخلط بين الاستئناس وما بين جوهر الحقيقة، ولذا القرآن الكريم أشار إلى الاستئناس، دعا إلى التدبر، إلى التأمل، هو يدعوك إلى الاستئناس.

باسم الجمل: أن تستأنس بقوانين الكون، صح.

محمد الخمسي: وخلق حالة من الاطمئنان. إذا كان إبراهيم عليه السلام وبحث عن هذه الحالة لماذا تحرمني منها؟ السفر في البحث عن الاطمئنان ظاهرة إنسانية.

باسم الجمل: ومحثوث عليها.

محمد الخمسي: ابن طفيل وكل هذه القصة للبحث على سؤال: هل يمكن أن أصل إلا بعقلي وبرحلة تأمل أن أصنع إيمانًا؟ انطلق من التأمل. فهذه قضايا الآن لن يُحسم فيها ولن يقع فيها إجماع. من آمن بالاستئناس سيمتد ويتطور، من رفض له ذلك، لكن أن نقول: سنبرهن على الإيمان من خلال العلم هذا ادعاء فقط وليس حقيقة.

 

هل الإبداع البشري في مهب رياح الذكاء الاصطناعي؟

باسم الجمل: أريد أن أسأل طالما تحدثنا عن التأمل، العلاقة ما بين الخيال والإبداع؟

محمد الخمسي: ما بين الخيال والإبداع. هذا سؤال قوي جدًّا، لأن المفردتين لهما وصل. الإبداع هو حقيقة الإتيان على نموذج لم يكن سابقًا.

باسم الجمل: لم يكن سابقًا عليه.

محمد الخمسي: ولكن السؤال كيف يشتغل هذا الإبداع إلا من خلال الخيال والمخيال؟ ولعل أحد سمات الإنسان الخيال والإبداع. ولعل من أعطاب المنظومات وتفاوتها في التعليم هو تحرير الخيال والإبداع أو إعاقته.

باسم الجمل: نعم، مهم جدًا هذا.

محمد الخمسي: لأن من المنظومات التعليمية التي يعيش فيها العالم العربي هو إعاقة الخيال والإبداع. ولا شك أن كمية الحريات الموجودة في المجتمع تؤثر على الخيال والإبداع، لا يمكن أن نتصور في مجتمع يرتفع فيه منسوب الرقابة في كل شيء أن تنشئ فيه مخيالًا ولا خيالًا. لكن الآن هذا الموضوع الذي كان يميز الإنسان فقط انقض عليه الذكاء الاصطناعي، فأنت لو أخذت مهندسًا معماريًّا مهما كان سيتحداه الذكاء الاصطناعي في الاقتراحات، لأننا سنصبح أمام شخص أمامه آلة أو أن نقول خوارزميات ومهندسين وتراثًا تشتغل في زمن وجيز وتبدع ما يمكن أن يبدعه الملايين من الناس. إذن حتى منطقة الخيال والإبداع أصبحت الآن منطقة حرجة ومنطقة ملتبسة بما وصلنا إليه من تقدم.

 

كيف يحاصرنا الذكاء الاصطناعي في ماضينا ومستقبلنا؟

باسم الجمل: هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يخنق هذه الـ…؟

محمد الخمسي: قد يحاصر الإنسان ويرهقه في الخيال والإبداع، لما؟ لثلاثة أسباب؛ الخيال لم يكن يعود للماضي ليغيره، الذكاء الاصطناعي يسافر إلى الماضي ويعيد رواية أخرى. تجد شخصًا مناضلًا -من باب التقريب- طيلة عمره يدعي أن أباه كان في المقاومة، عن طريق الذكاء الاصطناعي يمكن أن نسافر ونثبت أن أباه كان زعيم الخونة، من باب البسط. ولكن هذا الذكاء الاصطناعي يسافر في الماضي ويصنع خيالًا آخر، في المستقبل قد يهددنا حتى في اختياراتنا. تصور فيلمًا من الذكاء الاصطناعي يتحدّث عن زواج أسرة سوف يكون أبناؤه على النموذج. وتقول… إذن أنا سأكون جَدًّا لمجرمين أو جَدًّا لعباقرة فهو ينقض إلى مستقبلك ويصنعه بطريقة أخرى.

باسم الجمل: ليس يحاصرك بخيالك إنما يحاصرك حتى بمستقبلك.

محمد الخمسي: بمستقبلك، يحاصرك في الماضي يشوش عليه، ويحاصرك في المستقبل يقترح عليك ما هو غير موجود. ولعل أحد متع الإنسان ذلك التقديس للماضي بعض الأحيان، فتصور، نعود إلى الماضي ونعود فيه لننقض على كل أحداث ونعيد كتابتها من خلال الذكاء الاصطناعي. ما كان انتصارات سيبدو خيانة، ما كان جمالًا سيبدو قبيحًا، أنا أتصور فيلمًا حول قيس وليلى بالذكاء الاصطناعي في الماضي، ما الذي سيبقى من هذه اللوحة؟ من هذه الـ…

باسم الجمل: سيقتلها إذا أعطانا جوابًا مختلفًا.

محمد الخمسي: ما الذي سيبقى فيها في الذكاء الاصطناعي؟ إذا عاد سينشئ تصورات سرديات، كانت لنا سرديات وقصص جامعة الآن سيتم بعثرتها. هذا على مستوى الماضي. أيضًا على مستوى المستقبل، ولذلك عندما نرجع إلى الإبداع والخيال هو سمة إنسانية، لكن مع الذكاء الاصطناعي هامش الإبداع فيها هامش المتخيل سيتم تقويضه أو سيدفعنا إلى القيام بشيء آخر غير الذي تعودنا عليه.

أعتقد هنا ستدخل القيم وستدخل الأخلاق في عملية الانتقاء وفي عملية الترتيب، وبدون هذه السلطة سنصبح أمام اللانهائي في السرديات في القصص في الروايات مستقبلًا وماضيًا.

وبالتالي، للمحافظة على إنسانية الإنسان ولكون أن طاقته محدودة سواء في الامتصاص في الاستيعاب في الهضم، سيأتي الإنسان ويفكر ما الذي يهذب الذكاء الاصطناعي ليبقى الإنسان إنسانًا.

 

هل يدرك “المستهلك” الفجوة العميقة بين المنبع والمصب؟

باسم الجمل: الذكاء الاصطناعي ما زال في بداية مراحله الأولى، لم نر التدخلات الكبرى التي سيتدخل فيها الذكاء الاصطناعي مثلًا في صياغة مستقبل لنا أو صياغة ثقافات خاصة بنا. هل تعتقد أنه ما زال هناك مجال للإنسان أن يتدخل في ضبط أو تهذيب نتائج الذكاء الاصطناعي عن طريق القيم المتعارف عليها بين البشرية مثلًا؟

محمد الخمسي: الذكاء الاصطناعي لا بد أن نستحضر أمرين: دول منبع ودول مصب.

باسم الجمل: الدول التي تنتجه والدول التي…

محمد الخمسي: الدول التي تنتجه والدول التي تستهلكه، ونحن نعلم أن النهر حينما يمر يتلوث في الطريق. فالذكاء الاصطناعي في المنبع يعلمون أو يدرك عقلاؤهم الآثار الأخرى وهم مستوعبون له، وبالتالي عباقرة الذكاء الاصطناعي -ليست تخويفًا ولا تهديدًا- ولكن يشعرون بالرعب في بعض الجوانب الإنسانية.

باسم الجمل: والكثير منهم عبر عن ذلك الخوف.

محمد الخمسي: وهذا الذي الآن يطرح أسئلة في هذا المستوى عندهم، على المستوى البيولوجي، على مستوى ما معنى اللذة والرغبة لأنها مرتبطة بفيسيولوجيا الإنسان، على مستوى مفهوم السعادة، على مستوى تدبير الزمن، لأن الذكاء الاصطناعي يمتص الزمن. بمعنى أنك لا تشعر بالزمن، قد يدخلك من حالة إلى حالة إلى درجة أنك تعيش في العالم الافتراضي أكثر من العالم الواقعي.

باسم الجمل: صحيح، صح.

محمد الخمسي: فهم يطرحون إلى جانب التقنيات أسئلة في العمق، تلمس مجال العلوم الإنسانية، تلمس مجال القيم والأخلاق، تلمس مجال الحقوق. لو نعطي مثالًا، يطرحون السؤال التالي: حينما كان يقوم الطبيب بعملية جراحية، القانون يعرف من قام بالعملية وحدود العملية وأثر المتابعة القانونية عند الخطأ الطبي، الآن إذا قام بها روبوت…

بسم الجمل: من يحاسبه؟

محمد الخمسي: هذه الأسئلة كلها ستبقى عالقة. من نتابع؟ من نحاسب؟ ما معنى خطأ طبي عند الروبوت؟ أكثر من ذلك، نحن موجودون بصفة معنوية، الشركات لها صفة معنوية، الذكاء الاصطناعي سينشئ مؤسسات، ستطرح السؤال ما الصفة المعنوية؟ إذا أثبتت أن لعبة في الذكاء الاصطناعي هي التي سببت لابنك كذا، من تتابع؟ من تحاسب؟ من المسؤول؟

إذن في المنبع إلى جانب التطور التقني هناك مئات الأسئلة في المجالات الأخرى، المجال الحقوقي، المجال الإنساني.

باسم الجمل: دون الدخول في مسألة تداعيات…

محمد الخمسي: دون الدخول في المستوى الآخر، وبالتالي ما يحدث فينا من تغييرات أكبر مما يحدث في دول المنبع.

أنا آخذ تجربة تيك توك، تيك توك كمنتج تقني في الصين يقال إنه أنتج أكثر من 90 مليون منصب شغل، منصب عمل. نحن، شَرَخ المجتمع إلى أسر مفتتة ثقافيًّا نفسيًّا اجتماعيًّا. إذن ما بين المنبع والمصب ليس نفس الأحداث، مع أنه منتج تقني، مشتق من مشتقات الذكاء الاصطناعي.

نأخذ بعض وسائل التعلم والتعليم عندهم لإحداث أولًا جودة التكوين، لرفع منسوب السعادة للمدرس ولدى التلميذ. نحن اشتغلنا بها كأدوات غش، أخذناها وأصبح الذكاء الاصطناعي أدوات غش.

خذ مثالًا آخر: هم استعملوا الذكاء الاصطناعي، دائمًا أتحدث عن المنبع والمصب، لمعالجة بعض القضايا الاجتماعية والسياسية من خلال الصورة. نحن أخذناها من باب الاستهزاء يوميًّا حتى لم يعد هناك رمز إلا وتم الانقضاض عليه بالذكاء الاصطناعي في مشاهد مريبة.

إذن لما لم ندرك هذه الهوة ما بين المنبع والمصب ستزداد الاختلالات عندنا. هذا أمر أول، أمر ثانٍ يجب أن نكون شركاء ولكن شركاء واعين. لحد الآن في الذكاء الاصطناعي في العالم العربي لم تطرح الأسئلة العميقة، ما الذي يفيدنا من هذا الذكاء الاصطناعي؟

باسم الجمل: الاستخدامات القليلة للذكاء الاصطناعي في مجتمعاتنا تمر دون سؤال.

محمد الخمسي: في مجتمعاتنا مثلًا: سؤال التصحر في الذكاء الاصطناعي، سؤال الماء في الذكاء الاصطناعي، سؤال الرعاية الصحية في الذكاء الاصطناعي. معناها فيه قضايا مهمة كانت إلى عهد قريب ذات أولوية، أتى الذكاء الاصطناعي ومدنا بأدوات الإجابة عنها. كان يجب أن نخوض هذه المعركة، هذه الثغرات، هذه الفجوات، هذه الحاجيات يجب أن نكون فيها عقولًا مثل تجربة الهند والصين. تجربة الهند والصين في التفوق، وكما يقال طي زمن التخلف، لأن كل زمن…

باسم الجمل: تقصيره.

محمد الخمسي: طوت هذا الزمن وقلصته باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، في ترشيد الانتاج، تقديم الخدمات، تطوير المبيعات. أخذت الذكاء الاصطناعي لحل معضلات اجتماعية واقتصادية وسياسية واقعية. نحن أخذنا من الذكاء الاصطناعي لتعقيد البنية الاجتماعية، في مجال الحيل، في مجالات -كما يقال- التحايل على القانون، في مجال استغلال الآخرين. وبالتالي تسمع دائمًا فضائح النصب والاحتيال من خلال الذكاء الاصطناعي في عالمنا أكثر مما تسمع عنها في الدول التي أنتجته.

باسم الجمل: أو من خلال إنتاج دراسات بحثية لا علاقة للباحث بها.

محمد الخمسي: هذا الجانب.

باسم الجمل: شيء مخيف فعلًا هذا الجانب.

محمد الخمسي: نحتاج إليها، يعني هذا مجال.

 

لماذا نتجاهل الأسئلة الجوهرية قبل البحث عن الأجوبة؟

باسم الجمل: ما الذي لا يدفع مؤسسات المجتمع في المجتمعات العربية بالذات أن يكون هناك خوف من هذه.. من استخدامات غير دقيقة وغير مضمونة النتائج للذكاء الاصطناعي في المجتمعات؟ لماذا لا يوجد مستويات إدارية في المجتمعات العربية تحرص على كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟

محمد الخمسي: أحيانًا ندفع ثمن عدم اليقظة المبكرة.

باسم الجمل: نعم صح.

محمد الخمسي: في فترة معينة، اعتبرنا أن العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية عبء في العالم العربي، لدرجة بعض المسؤولين السياسيين كانوا يعتبرون أن كلية الآداب والعلوم الإنسانية عبء على التعليم، لهذه الدرجة. ثم الآن استيقظنا أن كبرى المعارك تدار هناك، سؤال القيم هناك، سؤال تنظيم المجتمع هناك، سؤال الفن وما يصنعه بالمجتمعات هناك. فاكتشفنا أننا أمام مؤسسات كان يجب أن تكون هي الريادة وهي الأول.

العلوم التقنية نعم، لكن ضمن مسار محدد، ضمن رؤية واضحة، ضمن مشروع مجتمعي متكامل، ضمن مساهمات ومؤسسات متعددة، نحن الآن ندفع ثمن المؤسسات التي يجب أن نكون قد بنيناها. وبالتالي مئات الظواهر الاجتماعية ليست لدينا أدوات علمية لقياسها، قياس آثارها، اقتراح حلول لها. بل تجد -كما يقال- مكتب سياسي عنده عشرات المهندسين لا يوجد واحد باحث في الأنثروبولوجيا، ولا واحد في علم الاجتماع، ولا واحد في علم التربية، فبالتالي هو يعتقد أن الوزارة ستسير بعقول تقنية، بينما القضايا العالمية الشق التقني جزء منها، هناك أعمق من التقنيات، ولذا هم يشتغلون.

أضف إلى ذلك أن المراكز البحثية غير مستقلة، وضعيفة التمويل، وضعيفة الإرادة. إذا قال الواحد الآن في دول، نأخذ الولايات المتحدة، رئيس مركز دراسات يُنظر إليه إلى أنه عنده دور، وعنده مهمة، وعنده قيمة. نحن إذا قلنا رئيس مركز دراسات يقال إنه مختبئ هناك، ويبحث عن بعض المساعدات يمينًا ويسارًا، هذا من خيال معطوب، بينما يصنع القرار من خلال هذه المراكز هناك. بل نحن يوميًّا نتلقى من هذه المراكز أكثر مما نتلقى من القرار السياسي. هذه المراكز تعرفنا ثقافيًّا، تعرفنا فكريًّا، تعرفنا نفسيًّا، تعرفنا تاريخيًّا، تعرف طموحاتنا وما نتخيله. إذن هذه الثغرة الأولى التي أشرت لك، أنه ندفع ثمن الغياب المبكر من بعض المواقع.

الأمر الثاني أننا لا نهتم بما يسمى مجالات تفكير، لأنه حينما لا تنضج الأسئلة الأساسية والتفكير سليم، كل جهد لا معنى له. أتذكر كنت قرأت طريفة أستشهد بها الآن، راهب أراد أن يرفع من قيمته في قريته ودوره، فكتب: “هنا الجواب على سؤالك”. فأتى صبي وكما يقال كسّر عليه الشوكة بسؤال بسيط، ولكن ما هو السؤال؟ أنا أبحث عن السؤال الذي أنت تجيب عنه، أنا مشكلتي في السؤال.

باسم الجمل: ليس في الجواب بعد.

محمد الخمسي: ليس في الجواب. نحن مجتمعات لدينا جميع الأجوبة ولا ننتج أسئلة، وبالتالي لما ظهر الذكاء الاصطناعي كل المؤسسات بدأت تكتب عنه، بدل أن تقول سآخذ زمنًا لفهمه ما هي قضاياه ما هي تحدياته. وبالتالي نشأت كتب كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟ الذكاء الاصطناعي وكذا، التخويف من الذكاء الاصطناعي…

باسم الجمل: دون الدخول في البحث في مكوناته.

محمد الخمسي: معنى هذا أننا لا نعطي وقتًا لإنضاج السؤال، وعندنا أجوبة، وهذه الأجوبة لا علاقة لها بالأسئلة. حتى العالم الآن، كل يتخيل العالم، قليلة هي العقول التي تعرف حقيقة هذا العالم. إذا لم تعرف حقيقة هذا العالم أيًا كانت تصوراتك وأجوبتك في خارج هذا العالم. أنت حينما لا تعي العالم أنت لا تجيب على أسئلة العالم وإنما تجيب على ما تتخيله عن العالم. ثمة منطقة صعبة في الفيزياء هنا.

باسم الجمل: في القلب.

محمد الخمسي: في القلب. نفس المشاكل تقع في محرك الطائرة أحيانًا، كيف يتحرك السائل مع الحركة، إذا توقف الكيروزين تسقط طائرة، إذا توقفت حركة الدم كان هنا ما يسمى بتيار (مصطلح أجنبي). وهذه الحركة مهمة جدًّا. فمناطق التماس في العلوم مهمة جدًّا. ما قصدي؟ حينما تلتقي العلوم الإنسانية، علم الاجتماع، علوم التربية، علوم السياسة، الرياضيات، اعلم أن تلك منطقة إبداع. حينما تبدأ في تخصص مغلق ففي الغالب لا تنتج لأن التحديات في التماس، في التحدي، أريد نحن…

باسم الجمل: وكل حياتنا تماسّ.

محمد الخمسي: نعم، نحن كانت لدينا دولة دينية، نريد دولة ديمقراطية، منطقة التماس فشلنا فيها، لأنه عندها قوانين أخرى، هذه القوانين غير هذه القوانين. فحينما يلتقي فقيه بسياسي تقوم معركة، لأن استيعاب مناطق التماس محدود عنده.

باسم الجمل: محدود صح.

محمد الخمسي: محدود.

باسم الجمل: لا هذا يفهمه، ولا هذا يفهمه.

محمد الخمسي: هذا يفهم بقوانين عالمه، هذا بقوانين عالمه، ونحن نريد منطقة مشتركة.

باسم الجمل: لا توجد قوانين توليفية بينهما، لا توجد قوانين توليفية.

محمد الخمسي: نعطي مثالًا آخر: حامل السلاح في العالم العربي والمدني، لم نستطع أن نبني هندسة العلاقات بينهما. وبالتالي كل الثورات جاءت من عقلية حامل السلاح والمدني، المنطقة المشتركة بينهما لم نستطع تدبيرها، لم نستطع.

باسم الجمل: ما السبب برأيك؟

محمد الخمسي: سببها مسكونات وسببها فعل التاريخ، أوروبا ثلاثة قرون وهي تفكر فلسفيًّا كيف تكون العلاقة بين حامل السلاح والمدني. ولذا حينما يلتحق حامل السلاح في أوروبا بمؤسسة عسكرية يؤمن إيمانًا مطلقًا أنه سيكون فوقه مدني، هو الذي يقرر في سلاحه، هو فقط يتكوّن على استعماله والإدلاء برأيه، معناه هذه المعادلة تمت معالجتها. نحن، قد ندخل ليأخذ المكانة الأخرى مؤقتًا، بينما هناك نشأت ثقافة توزيع الأدوار. نحن ليست لدينا ثقافة توزيع الأدوار.

باسم الجمل: وهذه كلها لها علاقة بمناطق التماس رياضيًا؟

محمد الخمسي: هذا من مناطق التماس، لأنه أنا أقرأ بعض الكتابات لبعض الحركات، منطقة التماس لا يكتبون فيها، يؤجلونها وهي أهم منطقة. أنت حركة سياسية اكتب لي كيف ستكون عندك علاقة بحامل السلاح، من سيحسم لي؟ هذا ليس ثناءً، ولكن للمغرب على الأقل أنتج مفهومين، أنتج مفهوم إمارة المؤمنين لتدبير السؤال الديني لأنه تأتي منه من المشاكل ما لا يُتصور. ونحن حين نقرأ الخريطة في العالم العربي تأتي من هذه المعادلة، العراق، سوريا، السودان، اليمن، القائمة طويلة لا أحتاج إلى أدلة وأنت أوعى بها.

باسم الجمل: لا يوجد تلاقٍ ما بين رجل الدين ورجل الدولة.

محمد الخمسي: لا توجد، هذه منطقة فراغ، وبالتالي منطقة اشتباك، وهذه تحتاج إلى كتابات وتأمل وتدبر لتدبيرها.

هذه المنطقة الأولى، منطقة السياسي والاقتصادي لم نستطع أن ندبرها في الكتابة، لأنه هنا منطقة الاشتباك، هنا تحتاج الكتابة والتفكير والتدبير. أنا حينما أكون اقتصاديًّا في الشركات حياتي سهلة، حينما أكون سياسيًّا حياتي سهلة، لكن أن يلتقي الاقتصادي بالسياسي في العالم العربي منطقة اشتباك.

باسم الجمل: لا يوجد قاعدة توليفية بين الطرفين.

محمد الخمسي: لم ننتج فيها، لم نكتب فيها، لم نفكر فيها بشكل سوي. وبالتالي الاقتصادي يتصور أن السياسي مرحلة مؤقتة يأخذها، والسياسي يعتبر الاقتصادي مرحلة مؤقتة ليستعملها، ليست هناك… لذا حينما نقول عقدًا اجتماعيًا هو ليس فقط عقدًا في المجتمع، هي عقود اجتماعية لم نحررها.

 

كيف نصنع “كيمياء” التوازن في مناطق التماس المجتمعي؟

باسم الجمل: كخبير مثلك وكأستاذ رياضيات، كيف تنصح المجتمعات لإحداث هذه التوليفات في مناطق التماس؟

محمد الخمسي: أول شيء الاستعداد النفسي.

باسم الجمل: للتقاسم في الأدوار.

محمد الخمسي: للتقاسم. يجب أن أقبل نسبية أفكاري وما أقترح، وأن أجيد الإنصات للآخر، هذه الثقافة لم تنتشر بعد عندنا، ولذا تجد برامجنا تشتعل في الدقائق الأولى لأنه دائمًا تسكننا فكرة الانتصار على الآخر، ليس فكرة الإنصات للآخر، التقاسم مع الآخر، معرفة الآخر.

وأنا أكاد أخشى أن في اللقاءات الكبرى الأمم تنصت لنا أكثر مما ننصت لها، نهيمن على الكلمة، نتحدث في كل شيء، وبالتالي يتركوننا على حالنا. هذه ثقافة يجب أن تنتشر في المجتمع أن يكون لدينا ثقافة الإنصات، وهذا نوع من التدريب النفسي والثقافي والاجتماعي، ومنشأه المدرسة، الأسرة، مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ولكن أيضًا المؤسسات السياسية. أنت حينما تنظر إلى البرلمانات العالمية تشعر بوجود هذه الثقافة من غيابها، أحيانًا تكون مرافعة سياسية حادة وقوية ولكن بشرط الإنصات المتبادل يستطيعون بناء حل. بينما نحن أحيانًا المضمون… أولًا هو هزيل، ثانيًا حتى شروط الإنصات لهذا الضعيف القليل غير متوفرة.

باسم الجمل: طيب ما السبب؟ لماذا؟ لماذا؟

محمد الخمسي: إذن هذه المعركة الأولى، أنا أعتبرها على المستوى الثقافي النفسي التربوي. الأمر الثاني هو أنه -كما أشرت لها من قبل- بسبب تعقيدات المجتمعات، أصبحت معقدة جدًّا، لا يوجد حل عند فئة معينة، ولذا تجد بأن هناك من يعتقد أن الرفع من عدد المهندسين، أو الرفع من عدد الأطباء أو الرفع من عدد التقنيين أو الرفع من عدد الإعلاميين… المعادلة مركبة لا بد من توازن، لا بد من كيمياء، وبالتالي نحن نحتاج إلى كل الطاقات لصناعة قرار المستقبل. ومن يعتقد أن فئة معينة هي التي تملك الحلول بدأ بالفشل أو انطلق من العجز، لأنه لا يوجد عقل يستطيع أن ينظر 360 درجة، ينظر من زاوية، مهما اتسعت هذه الزاوية تبقى غائبة عيونه. إذا ما لم نؤمن بتعدد الرؤى والزوايا…

كان هناك تقليد في العالم العربي، كان تقليدًا هو إنصات الشرق للغرب وإنصات الغرب للشرق، على الأقل على المستوى الثقافي، الآن حتى هذا الفضاء أصبح جافًّا ومتقلصًا. وهذه حينما تنظر المجتمعات التي وقعت فيها تحولات عميقة، لقد تحوّلت من خلال الإنصات إلى بعضها البعض، سواء داخل البنيات الوطنية، أو أفقيًّا مع العالم العربي كامتداد أو العالم الإسلامي. فكلما وفّرنا الإنصات إلى بعضنا البعض ربما أنشأنا أجيالًا على هذه الثقافة، على ثقافة الإنصات. قد لا يسمح عمرنا بتغيير عميق ولكن لا ننشئ جيلًا معاقًا نضيف إليه عجزًا مع عجز آخر.

إذن عملية التنشئة والتدريب، إيجاد الفضاءات المتعددة. الأمر الثالث يعتقد الناس -وهذا وهم- أن مشكلتنا في العالم العربي مشكلة سياسية، هي مشكلة حضارية، والفرق ما بين أن ندركها حضاريًّا وأن ندركها سياسيًّا. حينما ندركها سياسيًّا نصبح تحت ضغط الزمن وبالتالي نريد أن نحدث تغييرات كبيرة في خمس سنوات، بينما حينما ننظر لها بعمق حضاري، هذا ليس من باب النوم أو الاستسلام، لا ولكن باب قوانين المجتمعات، هناك ظواهر حضارية إذا لم ننظر لها بمقاربة حضارية سنخطئ الحساب.

أعطي مثالًا أقرأه حضاريًّا أكثر من سياسي.

باسم الجمل: تفضل.

محمد الخمسي: خذ تجربة الماء، الماء أحد تحديات القرن الواحد والعشرين بدون منازع، سيتسبب في هجرات كبيرة جدًّا. الناس تتحدث عن هجرة الحروب والفقر، هجرة الماء أخطر، هجرة الماء تدفع الملايين، العطش يحرك الملايين.

باسم الجمل: العطش والجوع يحرك صح.

محمد الخمسي: العطش يغير أنظمة، يغير ثقافات. موضوع الماء لا ينظر له سياسيًا، وإنما ينظر له حضاريًّا، ستفكر في خمسين سنة، ستين سنة، بل تستدعي التاريخ للإجابة على سؤال الماء حضاريًّا.

أنا مرة حاضرت في الأندلس، يسمونها إسبانيا، وجدت الناس يشتغلون على قانون الماء في الأندلس، استخرجوا نصوصًا كانت داعمة للأمم المتحدة في تحرير بعض الوثائق في حقوق الماء.

الفكرة التي تبدو تاريخية، هي فكرة حضارية وليست فكرة سياسية. الذين أنجزوا حل الماء، أنجزوه بوعي على أن هذا الحل يتطلب تطبيقه عشرات السنين بل مئات السنين.

نحن بعض القضايا عندنا اعتقدنا أنها حلول سياسية وهي في حقيقة حلول حضارية، حلول ثقافية، منها التدريب على الديمقراطية. عملية الديمقراطية وجرعة الديمقراطية -بين قوسين- الآن يكتب على أنها وصلت إلى سقفها، استنزفت، لكن نحن لم نصل بعد إلى هذه المرحلة.

باسم الجمل: نحن لم ندخلها.

محمد الخمسي: نحن مازلنا في حاجة لها. ولكن الديمقراطية حينما تقرأ في أوروبا ما كتب فيها، ما فُكر فيه، ما نوقش فلسفيًّا، كم مما خيض في ذلك، تشعر أنها فعل حضاري، عندنا أصبحت فعلًا سياسيًّا، أن نقوم بمنافسة، بقواعد…

باسم الجمل: فعل سياسي تجميلي ليس أكثر.

محمد الخمسي: إذن، ما لم نفرز بين ما هو حضاري وما هو سياسي، ستقول لي ما العلاقة؟ إذا كان عندك ناس يفكرون سياسيًّا ولكن يعتبرون سؤال الماء حضاريًّا، سيراكمون في الحلول، بينما لو فكروا سياسيًّا قد يهدمون جهد من قبلهم.

المغرب في السدود فكر حضاريًّا، بنى، والآن خمسون سنة من الجهد أمنتنا نسبيًّا من العطش، لأننا فكرنا بعقل إستراتيجي وبعقل حضاري أن هذه مشكلة حضارية.

خذ تدبير المدن، الآن نصنع أزمات تحت الصراع السياسي، ستصبح مشاكل حضارية ثقافية، مدن مكتظة مفتقدة لعناصر السعادة والراحة، تحارب البيئة، أينما كانت شجرة تم طردها واستبدالها بمكان للتجارة. هذه المدن، نحن نصنع مشاكل للأجيال، لأننا فكرنا في المدن سياسيًّا لم نفكر بالمعنى الخلدوني، قيم وحضارة وسعادة يعيش فيها الإنسان، وبيئة قابلة أن توفر له، وقس عليها كثيرًا من القضايا. فحينما نفكر دائمًا سياسيًّا قد نقع في أخطاء كبيرة جدًّا ندفع ثمنها.

 

هل ينقصنا السياسي “المفكر” لبناء رؤية حضارية؟

باسم الجمل: عدم التفكير أو الربط ما بين السياسي والحضاري، في ثنايا الحكم أو إدارات المجتمع عند العرب، هل السبب جهل السياسي مثلًا؟ أو يوجد نقص في المفكرين بالاتجاه الحضاري؟ الخلل أين؟

محمد الخمسي: هو بعض الإشارات فقط، لأن هذا سؤال كما يقولون سؤال مؤسساتي، الإجابة على هذا السؤال هو حل معضلات كثيرة، هذا سؤال مؤسساتي بمعنى الكلمة. لكن أعتقد أنه أولًا نوعية أو الدوافع للمجيء للسياسة، في الغالب كان يحكمها أمران: السلطة والثروة. يأتي للسياسة لتقوية سلطته وحمايتها، ويأتي لصناعة ثروة، السفر للسياسة بهذا المعنى لن يأتي إلا بعطاء، وسيكون قاصر النظر، ولن يحتاج لمثقفين ومفكرين، بل قد يكرههم، بل قد يحتقرهم، بل قد يهمشهم.

باسم الجمل: يحتاج إلى نصوص.

محمد الخمسي: هذا وضع. كل ما جاء للسياسة بطموح تغيير المجتمع نحو الأفضل، إنشاء رؤية تغييرية، سد الفجوات، الإجابة عن تحديات، هذا لا يلغي التناقض أن تكون له سلطة وقد تصنع له ثروة، لكن ليست الدافع الأساسي، تصبح في الظل، ويكون الدافع الأساسي هو بناء المجتمع وفق رؤية سياسية.

وبالتالي حينما نقرأ بعض التجارب بسبب هيمنة الرغبة في السلطة أو المال، فسدت السياسة، بينما حينما تأتي تجارب التي فيها، أو يسكنها فكر بناء مجتمع وفق تصورات، إما فلسفية، إما روحية ثقافية. ولذا حينما تقرأ عن الصين، لا نذهب إلى كم جمع ماو تسي تونغ ولا كم سرق، ترك الأخطاء الخاصة به، دعنا من أخطائه، هل استطاع أن ينشل الأمة من صراعات عرقية، من حدود معقدة هشة، من أمراض على أساس أمراض العيون، من إثنيات منقسمة، من مجتمع فلاحين إلى مجتمع قارئ؟ هذه الأسئلة الكبرى المرتبطة بماو تسي تونغ، فهو استطاع أن ينزل تصورًا لإنقاذ مجتمع الصين، يجيب على هذه الأسئلة. لا نذهب إلى كم كان يتقاضى ماو تسي تونغ؟ ما الذي ادخر؟ ما همّ حياته الخاصة؟ لا تشغلنا، لمَ؟ لأن الحجم الكبير الذي هيمن على شخصيته هو هذا التغيير.

حينما تأخذ شخصيات أخرى سياسية، نأخذ نماذج، نأخذ غونزاليس، فيليبي غونزاليس، هذا أعتبره سياسيًا كبيرًا في تاريخ إسبانيا، لماذا؟ لأنه خرج بإسبانيا من دكتاتورية إلى دولة متقدمة. طبعًا هناك عوامل أخرى، حتى أكون موضوعيًا، الاتحاد الأوروبي والدعم المالي، لكن كان عنده خياران…

باسم الجمل: كان عنده رؤية أيضًا.

محمد الخمسي: كان عنده رؤية، لكن كان عنده خيار آخر، ما هو هذا الخيار؟ هو الانتقام من مرحلة فرانكو، أن نبحث عن المثقفين الذين كانوا مع فرانكو، من أيدوا فرانكو، من دعموا فرانكو. لم ينشغل بهذا، تركه للمؤرخين وللتاريخ، اشتغل على سؤال كيف نخرج إسبانيا، أن تصبح في مجالها الحيوي دولة منافسة، دولة شريك، دولة ليست ملتحقة وإنما دولة فاعلة. فهذه الرحلة هي التي تجعل هذا السياسي من هذا النوع، وتجعل السياسي من نوع آخر.

الفعل السياسي يميل إلى السلطة ويميل إلى المال بطبعه وضرورته، ولو جعلت فيه من جعلت.

باسم الجمل: نعم صحيح.

محمد الخمسي: من الطبيعي، لكن الذي يهذبه هو الرؤية التي تريد أن يكون عليها المجتمع، من يحيط بك. طبعا إذا كان يحيط بك مجموعة من أصحاب مشاريع، سيصبح المشهد كله تجارة، أو أصبح سلط، سيصبح المشهد كله أخطاء.

ولكن قد يحيط بك… مرة سئل ميتران (فرانسوا ميتران)، قالوا له كم تحتاج إلى قيادة فرنسا؟ قال: ستون عاقلًا، ستون عاقلًا. طبعا البنيات موجودة، هو لم يلغِ لا البرلمان ولا…، ولكن هو كشخص كان يحتاج إلى ستين عاقلًا، كشخص، لأن مجموع القرارات الموجودة بيديه قد تدفعه إلى الخطأ، وبالتالي هؤلاء العقلاء…

فحينما تنظر إلى بنية الأحزاب، انظر إلى حجم عقلائها، فإذا كانت تتمتع بعقلاء فاعلم أن المقترحات أو الحوار أو ما يُتداول ذو قيمة، إذا تقلص هذا العدد ففي الغالب يأخذ الحزب روح وصبغة من يسكنه.

 

كيف نستدعي روح الإتقان والإنتاج من تراثنا المعطل؟

باسم الجمل: إذن وفق هذه الرؤية المنهجية التي تتحدث عنها في إحداث تغيير في المجتمعات العربية، لنفترض أن هذه الآلية اكتملت، ونريد تطبيقها. هل يوجد مجتمع مفضل أكثر من آخر لتنفيذ هذه الآلية، أم يمكن تنفيذها في كل المجتمعات؟ لكن ما الشروط التي يلزم أن تتوفر حتى ننجح؟

محمد الخمسي: حينما ترصد المجتمعات التي تقدمت كنماذج، وتريد أن تتساءل ما الموجود وما غير الموجود، هناك شرط التراكم، إذا احترمناه قد نراكم، عندنا تجارب ناجحة في مجالات متعددة. هذا التراكم رصيد يجب أن نبني عليه، ألا نلغيه، ألا نقصيه، وهذه السيرورة تعطينا… لكن تأتي بعض الأحيان ما نحتاج إليه بمفردة الاحتشاد، والاحتشاد قرار سياسي، نجمع فيه كل القوى والطاقات للدفع بمجال ما.

الصين راكمت وحضارة عريقة، لكن صُناع القرار فيها أتوا في محطات معينة واشتغلوا على الاحتشاد، جمع طاقات الأمة أو الدولة الصينية في اتجاه، ما هو هذا الاتجاه؟ له محددان: أن ننتصر على التخلف، وأن نعمم التعليم، تخلف الصحة، تخلف الصراع، كل مجال فيه تخلف يجب أن نغيره. نحن على الأقل هذان المجالان، ما زلنا لم نحدد فيهما مشاركة فعالة، الذي هو مجال تعليم، ورصد تخلفه، التخلف في كثير من المناطق.

إذن الصين راكمت واحتشدت. حتى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية قامت بتراكم، لأن ألمانيا رغم أنه حُطم كل شيء، ورغم المقولة الخاصة لمارشال، خطة مارشال، لكن الألماني لم تُكسّر إرادة الإنتاج فيه، بعد الخروج من الحرب، لم يتسوّل، ذهب لينتج، معناه تسكنه روح الإنتاج، روح العمل، روح المثابرة، روح الإتقان، الجدية، استدعى مخزونه وبنى به.

نحن لدينا، حتى التراث لم نستدعِ منه ما يبني، استدعينا فيه ما يزيد من النزاع والصراع، حتى القراءة معطلة أو غير إيجابية، لم نغربل ونأخذ منه ما يدفع. إذن هذه العملية الخاصة، يجب أن نقوم بهذه التراكمات.

أنا لما أقرأ رحمه الله مشرفة (علي مصطفى مشرفة)، اسم مصري، كان على حافة جائزة نوبل، اشتغل في الفيزياء يعتبره آينشتاين من أنبغ الطلبة، هذا الشخص لو راكمنا تجربته وعمّمنا النموذج، لو اشتغلنا عليه كشخص كيف كان يفكر، كيف كان يُنجز عمله، لأصبح مدرسة نموذج. في العالم العربي عندنا نماذج، لكن لم نطورها لتصبح مؤسسات، وهذا لن يكون إلا بالتراكم.

عندنا طاقات، عندنا أفكار، عندنا تجارب، عندنا إرادات، لكن لم تنتظم في نسق، أريد أن تأخذ أحدًا من هذه الفضاءات تعبر به البحر المتوسط يصبح باحثًا لامعًا، يأتي من هناك ينخفت لأن النسق لم نستطع أن نبنيه. هذا والمجتمع المدني كان يراهن عليه أن ينشئ هذه التجارب، مع الأسف سكنه الريع مبكرًا، وسكنه منطق الامتياز ومنطق الحدود، فأفسد كثيرًا من قدراته.

هذا الجانب الأول، قضية الاحتشاد، حقيقة هناك نوعان من الاحتشاد، هناك الاحتشاد العقلاني الممكن، وهناك الاحتشاد الوهمي.

باسم الجمل: الطوباوي.

محمد الخمسي: الوهمي، حينما أقرأ بعض الخطابات السياسية في الثمانينات والسبعينات، كلها مسكونة بالبيت الشعري: “نحن قوم لا توسط بيننا / لنا الصدر دون العالمين أو القبر”، وبما أن الصدر محتل بقي لك القبر.

يعني معنى هذا أن المنطقة الوسطى التي يجب أن نشتغل عليها، ما هي حدودنا؟ ما هي إمكاناتنا؟ ما هي أولوياتنا؟ ما هي القضايا الأساسية التي يجب أن نعتني بها؟ ما هي الأسئلة المستعجلة الآن؟ فحينما لا نجيب على ما هو مهم، الآخرون لا يهتمون بنا. حينما نتحاور مع الآخرين…

نأخذ تجربة الآن ونقول بأن الوسط. لو قلت الآن في العالم العربي، أي دولة من العالم العربي، قلت لها عليك أن تأخذ خيار تملك الطاقة النووية، أنا اشتغلت في مجال الطاقة، ليست الطاقة النووية إنما الطاقة الكهربائية. لو أخذت هذه الفكرة وأسكنتها في عقول النخب، أننا لابد أن نمتلك الطاقة النووية، طيب أمامك خياران. الخيار الأول أن تقوم بتخصيب اليورانيوم، مجرد ما تقول أريد تخصيب اليورانيوم ستصبح في مرمى إجماع دولي لهدمك، وهدم السقف عليك. مجرد ما تقول في العالم العربي الآن، لنا الحق بتخصيب اليورانيوم، في السياق الدولي الذي نعيشه الآن، ستقع بإجماع العالم عليك.

باسم الجمل: تفتح باب جهنم.

محمد الخمسي: إذن الخيار الثاني ما هو؟ هو أن نشتريه مخصبًا. طيب المنطق العالمي يقول سأبيع لك مخصبًا، عند استنفاد أغراضه تكون قد أنشأت مدينة قائمة عليه، مصانع، محطات تحلية الماء، تعالَ لنتفاوض على المرة الثانية، سأمسكك من رقبتك.

إذن الطاقة النووية كخيار الآن أزحه من الطاولة، لا تمتلك شروط تحقيقه بأي وجه كان، سواء بالتفاوض، والمد؛ لأنه في الغد سيمنع عنك إلا بشروطه. أو أن ترفع أصبعك وتقول أنا مؤهل لتخصيب اليورانيوم، سيقع عليك إجماع التدمير.

بين الطاقة النووية وأنواع الطاقة الممكنة، ألا يسعك التفكير في ذلك؟ الطاقة النظيفة، الطاقة الكهربائية، الطاقة الشمسية، إذن نذهب إلى المنطقة دون ازدحام، لكن ما يسكننا من عنترية، هذه اللغة لا يعمل بها الآخر، يفكر عشرات المرات قبل الإقدام عليها.

أنا أعطيت مثالًا عمليًا في القرار السياسي، هذا مثال واضح جدًّا. بمعنى يجب أن نضع فوق الطاولة كمجتمع، كمؤسسات ما الممكن إنجازه، وإذا تعددت الخيارات يجب أن نذهب إلى الخيار الذي لا يربكنا ولا يعثرنا نتعثر به.

نحن نبحث -كما يقال- لا نملك عشاء الليل ونريد أن نخوض معركة، لا يخوض المعركة إلا من كان له عشاء ليله.

 

كيف يكون “التخصص المغلق” هو الفقر الحقيقي للعقل البشري؟

باسم الجمل: أنا أذهلني، أول مرة أدرك أن للرياضيات هذه الرؤية.

محمد الخمسي: أنا كان عندي تجربة في حياتي وأنصح بها، أنصح بها أيًّا كان، لا تكون لديك علاقة فقط مع أصحاب مجالك، ذاك هو الفقر بعينه. ستتحدث عن ذلك الموضوع وتشتغل في ذلك الموضوع وتسافر بذلك الموضوع ولن يقع لك غنى. ولذا حينما يقع السياسيون مع السياسيين، المثقفون مع المثقفين، الباحثون مع الباحثين نحن ننشئ مجتمعًا بدون جسور، ونعيش نوعًا من سوء التغذية، لأنه يأكل على نفس المائدة.

أنا كنت أسكن منازل فيها أناس وفيها طلاب من مشارب متعددة، حقوق، قانون، دراسات، فكانت كتبهم غنائم دون أن أشتريها، أقرأ منها، أطلع عليها، إلى جانب الرياضيات. وهذه التجربة ليست تجربة شخصية، الأحياء الجامعية في أوروبا نشأت على تلاقح طلاب من مشارب متعددة. فتجد الحي الجامعي فيه الطلاب ذوو التخصص الهندسي، الآداب، الفلسفة، المعمار، فهم أنشأوا جامعة دون أسوار، وبالتالي نشأ الفضاء سويًّا. اعتبروا البنايات وسائل فقط أما الأصل إنشاء…

باسم الجمل: يعني تم تفعيل التماسات.

محمد الخمسي: هناك تماس. أنا أؤمن بهذه الفكرة، وبالتالي كانوا يجمعون بالأنشطة الرياضية، بالنوادي السينمائية، بالمسرح، هو لتلاقح تكوينات متعددة لخلق إغناء في الشخصيات.

فنحن أنشأنا جماعات منفصلة جدًّا. أكثر من ذلك، أحيانًا كانت بعض الجماعات تهيمن عليها أيديولوجية واحدة. يعني تجدهم من هذا الجانب، من بعد لن يتحاوروا سيصطدمون، لأنه لم تتشكل لهم عقول بطريقة سلسة وبطريقة سليمة ومرنة، لم ينصتوا لبعضهم البعض أثناء التكوين، فكيف سينصتون أثناء التوظيف؟

باسم الجمل: دكتور أنا سعيد جدًّا بالحوار معك، وأنا لأول مرة -كما قلت لك- لأول مرة أدرك أن للرياضيات هذا التغلغل حتى على مستوى إدارة المجتمعات ثقافيًّا. شكرًا لك دكتور محمد الخمسي. إن شاء الله يكون عندنا فرصة جديدة أخرى لنلتقي في مجتمع، في فكرة ورؤية أخرى جديدة. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.