قد يتساءل قارئ هذا العنوان عن مبررات «مجاوزة الحقيقة» اليوم، والكل يبحث عنها، إن لم تكن بعض التيارات المتطرفة تدعي أنها تمتلك الحقيقة، بل جعلتها صكوكًا للمغفرة ونيل المطالب العليا. وبالفعل ما الداعي إلى مجاوزة الحقيقة اليوم، وبدلًا عن ذلك نقترح البحث عن الإنسانية؟ ما العمل أمام ثقافات تقدم نفسها على أنها حقيقة، وفي خطابها تسعى إلى القوة؟
زد على ما سبق، هل يمكن للأشياء أن تنشأ من نقيضها، كأن نقول مثلًا إن السلام ينشأ من الحرب، والإيمان ينشأ من الكفر، والنجاح ينشأ من الفشل، وإرادة الحقيقة تنشأ من إرادة الخداع؟ بمعنى آخر: هل القيم السامية تنبع من أصول صافية أم من أصول خبيثة ومختلطة؟
يرى الفيلسوف فريدريك نيتشه أن الأشياء ذات القيمة السامية لا يمكن أن تكون نابعة من هذا «العالم الوضيع الفاني المضلل الخادع، عن هذا الخليط الغامض من الوهم والشهوات».
[1]لا بد وأن في كلام نيتشه مجازًا مرسلًا؛ فالعالم ليس إلا نحنُ، بعلاقاتنا المزيفة، وصراع الميكروأيديولوجيات التي مكنت كثيرًا من الفارغين من تصدر المنابر الرقمية، ورشق المخالفين بالكفر مثلًا.
ولنقف هنا عند إرادة الحقيقة ومقابلها إرادة الخداع، هل مجتمعاتنا اليوم تريد الحقيقة أم تريد الخداع، وهل هي على إرادة كاملة من حمل الحقيقة أم تميل في اتجاه اللاحقيقة جملة وتفصيلا؟
اللاحقيقة وأوهام الحياة السلمية:
يعدّ فريدريك نيتشه من الفلاسفة القلائل الذين نبهوا إلى أن الحقيقة وهم، بل إن الحقائق عبارة عن استعارات وتشبيهات وتمثيلات، بل هي في أحسن الأحوال والأقوال والمقامات مَجازات لا صلة لها بالواقع المعيش، وأوهام تحفظ حياة الفرد في الجماعة؛ نؤمن بالأوهام لأنها الطريق الآمنة المؤدية إلى حياة سليمة، بينما الإيمان بالحقائق تهديد لوجودنا، ودفع إلى حافة الموت، فكم من شهداء الحقيقة في تاريخ الإنسانية (سقراط، هيباتيا، غاليلي…) غامروا بحيواتهم من أجل قول الحقيقة. وكذلك اليوم: قول الحقيقة صعب؛ فانظر إلى كل مجتهد في الدين، وكيف يمكن تكفيره بفيديو قصير لا يتجاوز دقيقة.
إنّ الوهم في مجتمعات ترفض الحقائق يقوي الشعور بالانتماء إلى الجماعة وتذوق الحياة، لكن هل للحقيقة مذاق حتى نتذوق «طعم الحياة»؟
إن ما هو حقيقي هو ما يعطي للفكر إحساسًا بالقوة، وما هو حقيقي بالنسبة للحواس هو ما يتطلب منا جهدًا أكبر على الانغماس في الحياة، لكن للفكر الصافي شيء ما يقاومه، إنه الوهم، وما دمنا نحفظ حيواتنا بالأوهام، فهذا دليل على إفلاس إرادة الصفاء في مقابل إرادة الأوهام. ولكم كان نيتشه وجيهًا عندما قال في هذا السياق: «أية أسئلة ظلت إرادة الحقيقة هذه تطرح علينا! وأية أسئلة غريبة، سيئة ومريبة! إنها قصة طويلة، ومع ذلك يبدو كما لو أنها لم تبدأ إلا بعد حين! أي غرابة إذن إذا غدونا مرتابين بالنِّهاية، وإذا ما نفد صبرنا وصرنا نتقلّبُ قلقين؟ وإذا ما تعلمنا من أبي الهول هذا أن نصبح بدورنا طارحي أسئلة؟ من هذا الذي يطرح علينا أسئلة هنا؟ أي شيء فينا بالنهاية هو هذا الذي «يريد الحقيقة»؟»[2]، هلهذا يعني أن في الإنسان غريزة الحقيقة؟!
إن العقل البشري له وسائله الخاصة في إرادة الحقيقة، ووسائله الخاصة في إخفائها أيضًا، وهي الصفة المميزة للضعفاء الذين حرموا من وسائل القوة والمقاومة بهدف حماية حياتهم، أو على الأقل يستطيعون من خلال «الحقيقة» أن يحققوا الاستمرار في الحياة، بل الأكثر من ذلك يقول نيتشه إنّ فن الإخفاء يبلغ ذروته عند الإنسان؛فــ«الوهم والتملق والكذب والنميمة والغش والاعتداد بالنفس، والمظاهر البراقة، وارتداء الأقنعة، وحجاب العُرف، وانتحال أدوار زائفة لخداع الذات والغير، وبإيجاز سيرك التملُّق المتواصل بهدف إشباع رغبة عابرة من الغرور والاعتداد بالنفس»[3]، كل هذه القيم تغدو هي القاعدة الصُّلبة والقانون المنظم للعلاقات البشرية، بحيث يستحيل تصور أية علاقة بينهم تحضر فيها غريزة الحقيقة الصافية والأمينة.
بناءً على ما سبق، فالإنسانية حسب فريدريك نيتشه غارقة في دوامات من الأوهام والأحلام، وترى في نفسها أنها غارقة في الحقيقة والواقع، لكن من أين يمكن أن تظهر غريزة الحقيقة في هذا العالم؟
جوابًا عن السؤال السابق، يستحضر نيتشه مقولة توماس هوبز الشهيرة «حرب الكل ضد الكل»[4]، ويرى أن الشراسة الناتجة عن تلكم النتيجة، جعلت الناس بدل أن يجتنبوا الخديعة، أصبحوا يحاولون تجنب الآثار الضارة للخديعة. وفي هذا المستوى «فإنهم لا يكرهون الوهم، لكنهم يخافون العواقب السيئة الناتجة عن بعض أنواع الوهم. وبهذا المستوى ينشد الإنسان الحقيقة، إنه يطمع في النتائج الحميدة للحقيقة، وبالضبط النتائج التي من شأنها المحافظة على الحياة»[5]، أما المعارف التي لا يترتب عنها أي شيء فلا يكترث لها، «بينما يتخذ موقفًا اعتياديًا تجاه الحقائق التي تتسبب له في بعض الأضرار»[6]. من هنا، قولنا السابق، إن الحقيقة مجموعة حية من الاستعارات والتشبيهات، والمجازات، وهي بإيجاز، «حاصلُ علاقات إنسانية تم تحويرها وتجميلها شعريًا وبلاغيًا حتى غدت، مع طول الاستعمال، تبدو لشعب من الشعوب دقيقة وذات مشروعية وسلطة مكرهة. إلاّ أن الحقائق هي عبارة عن أوهام نسينا أنها كذلك»[7]، ومن فرط استعمال هذه الأوهام على أنها حقائق فقدت الحقائق قوتها وقيمتها وبريقها.
مناسبة هذا الكلام، ما تعيشه مجتمعاتنا منذ قرون، فكثير من الحقائق التي يروج لها اليوم، ويزعق لها كثير من أصحاب الحبال الصوتية الصُّلبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما هي في الأصل إلا أوهام بالية، جردت من قيمة الحقيقة الفاضلة، ساعدتها في ذلك أسباب معروفة متصلة بالصراع على السلطة، والجهل، والمال، والاستبداد… وبدل أن نعيش تاريخ الحقيقة أصبحنا اليوم ندفع ثمن تاريخ الأوهام من «حضارتنا» و«هويتنا» و«أمتنا» و«ثقافتنا» و«تديّننا»، وفاتنا – بدلًا عن ذلك – الكثير في سبيل اللحاق بركب الحضارة والحق الكريم في العيش بكل ما تحمل الكلمة من معاني الكرامة والسعادة والعدالة والحرية والخير الأسمى.
من إرادة الحقيقة إلى إرادة الإنسانية:
هكذا، تنشأ إرادة الحقيقة، وهي ليست إلا الوجه الآخر لإرادة الوهم، لكن ألا يمكن التحول من إرادة الحقيقة بوصفها إرادة للأوهام إلى إرادة الإنسانية اليوم؟ فبدلًا عن هذا الموت الكبير، والعنف الكثير، والتقتيل المجاني، والتكفير العابر للقارات، والهيمنة على العقول، من أجل حقائق هي في الأصل أوهام، ألا يمكن للعقل أن يكف عن طلب الحقيقة/الوهم؟ وما العمل في عالم ينتج الكذب بطريقة جماعية مكرهة للكل؟ هل يتسبب الكذب في قدر من اللذة أكبر من الحقيقة؟ هل الحقيقة معدومة الحضور في عالمنا المتغير؟
إذا كانت الفلسفة في أحد تعريفاتها المشهورة هي طريقة في البحث عن الحقيقة، فكيف يمكنُ النظر إلى الحقيقة في عالم غارق في ما بعد الحقيقة؛ ونقول غارق لأن الغرق بجميع الألوان والأشكال والاتجاهات والأعماق هو التعبير الصحيح الذي يليق بتفاهات مواجهة الإنسانية اليوم، ومحاولات تجميد النقد وتزويره من أصوله المنطقية والحجاجية؛ فإذا كنا بالأمس، وقبل مائة عام تقريبًا، يوم أن نشبت الشرارة الأولى للنهضة العربية والإسلامية مع رواد مثل سلامة موسى وشبلي شميل وفرح أنطون ومحمد عبده وطه حسين ويوسف إدريس ونجيب محفوظ… وغيرهم، نحاول اللحاق بركب الأمم، وردم ما تبقى من هوة بيننا وبينهم في التدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد والفن، فإنّنا اليوم لا نتمثل حضارات الأمم إلاّ بالقدر الذي نرى فيه إنسانيتنا، وبالتالي لم يعد الغرب – الأوروبي هو المثال الوحيد والأنموذج الفائق للتحضر، كما لم يعد الغرب – الأمريكي هو الإمكان الفريد لتطبيقه على مصير مجتمعاتنا، إنّ العالم اليوم، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، صار مختبرًا من التجارب الحضارية، وتقدم وسائل الاتصال والتواصل التكنولوجي منح هذا العالم صورة ميكروسكوبية تفضح التمركز والاستعلاء والظلم، لذلك بدل أن ينقسم العالم إلى نصفين: متحضر ومتخلف، صار كل شيء فيه له نصيب كبير من الزيف والخداع والوهم والكذب والتضليل؛ إننا بذلك إنما نقسم العالم إلى حقيقة/خطأ، نخرج من دائرة الرياضيات والعلوم الدقيقة التي يصح فيها الحديث عن الخطأ فقط، إلى الإنسانية، حاكمين على تاريخنا بمعيارين تطغى عليهما إرادة القوة، وإلجام الغير المختلف، والحق في إنسانيته… هل سنعيد اكتشاف الحقيقة، أم سنعيد اكتشاف ذواتنا؟
إنّ الأهم من كل ما سبق هو أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا المنسية، التي وضعتها كوارث الأيديولوجيات العنيفة طي النسيان، وزاد من طيها تسليع القيم، وإخفاق المشاريع الفكرية الكبرى في عالمنا، واعتقاد كثير منا بأن ما يهمنا هو «البحث عن الحقيقة». وبما أننا نعترف اليوم بأننا نعيش ما بعد الحقيقة، فالأجدر بنا أن نبحث عن إنسانيتنا، وعن الأعماق المشتركة فيها، وإلا هل يمكن امتلاك الحقيقة والبحث عنها في عصر ما بعد الحقيقة!
على سبيل الختام، إننا ننادي بتجاوز منطق البحث عن الحقيقة إلى منطق جديد يبحث عن الإنسانية بمجمل قيمها (الرحمة، الصفح، الإخاء، السلام، الاحترام، العفو… إلخ) أما دواعي ذلك فمن منطلق المسلمات الآتية:
- الأولى: الفشل الحضاري الذي نعاني منه سببه الأول تجار الحقيقة وملاكها المزعومون.
- الثانية: إذا انطلقنا من مُسلمة موت الحقيقة، وقمنا بتحليل جثتها في المختبرات العلمية، والأبحاث الجرثومية، والصناديق السوداء، وخوارزميات التضليل والبيانات الموهومة… فكل ما تراه أو تسمعه أو تشمه كذب ما لم يثبت العكس.
- الثالثة: الواقع في كثير من مظاهره انقلب إلى وهم، بل هو أكثر من ذلك، إنه بناء من الأوهام، ولا بأس من أن نستحضر في هذا السياق أطروحة الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حول موت الواقع[8].
من ثمة، بموت الحقيقة يصير موت الواقع أمرًا بديهيًا، إذن ما هو الحي أمام هاتين الفرضيتين إن تحققتا؟ وما الذي يجعل الحقيقة أعلى قيمة من الإنسانية؟
أليس البحث عن إنسانيتنا المشتركة أحق وأجدر من البحث عن الحقيقة؟…
ما الذي يفعله امتلاك الحقيقة بالإنسانية؟
عندما نتدبر القرآن الكريم نجد أن كثيرًا من الآيات تنتصر للإنسانية في مقابل فضحها للزيف والخداع والتضليل، قال الحق سبحانه وتعالى:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾﴿البقرة: ٢٥٦﴾
هذه الآية الكريمة مثلًا تنفي الإكراه في الدين، والسؤال هنا: من يقوم بفعل الإكراه؟
الجواب أن من يقوم بهذا الفعل لا بدّ وأنه يمتلك الحقيقة أو حتى يعرفها، لكن الآية تشير إلى مسألة غاية في الخطورة، أنك حتى لو كنت تعرف الحقيقة لا يجوز لك إكراه الناس على الإيمان بها، والأنموذج هنا من الحقيقة الدينية، لماذا؟
لأن كل إكراه يقود حتمًا إلى العنف، سواء أكان رمزيًا أم ماديًا، مما يجعل أسباب التطرف العنيف والقتل والحروب ممكنة جدًا بين طرفين أو أكثر. لكن من أجل رحمانية واسعة للعالمين الله سبحانه وتعالى ينفي الإكراه. لكن ما هي غاية هذا النفي؟
إن النفي ليس دليل نقصان في الدين، بل لكماله لا يجوز إكراه الناس على الدخول فيه، أو إجبارهم عليه، أو الحجر عليهم، وإنما الدين تمكّن واختيار حر، وهنا تظهر لنا القيم الرحمانية الأعلى والغايات الكبرى التي من أجلها دافع الأنبياء والمرسلون؛ فقيمة الحياة عند الله أجلّ، وديمومة السلام بين العباد أعلى، والحرية الدينية أقدس من أي تدين مغشوش يمكنُ أن يسقط أهله في دوامات النفاق.
وهذا دليل آخر على أن الأهم ليس الحقيقة في ذاتها، بل مجاوزتها إلى صون الإنسانية وتحصينها من الانهيار، والدمار، والتشتت، وما الدين إلاّ من أجل إسعاد الخلائق، وليس إضرام الحرائق.
ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى:
- ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾﴿الكهف: ٢٩﴾
- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يونس: ٩٩﴾
- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾﴿هود: ١١٨﴾
هذه من أدلة القرآن الكريم على علو دين الله تعالى على كل الأيديولوجيات المتاجرة باسم الحقيقة، والتيارات التي تسير نحو تزييف الإنسانية، وكُره الأنفس ببلاغات مفخخة، استعارات وتشبيهات وتمثيلات تقطر دمًا. وكل ذلك من أجل حسن التصرف في أمور العباد، العقلية والروحية والمادية.
الهوامش:
[1] – فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، ط1، 2018، ص: 12.
[2] – فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر، المرجع السابق، ص: 11.
[3] – فريدريك نيتشه، الحقيقة والوهم، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، العدد 4، دار توبقال، ط2، 2005، ص: 73.
[4]– فريدريك نيتشه، الحقيقة والوهم، المرجع السابق، ص: 73.
[5] – فريدريك نيتشه، الحقيقة والوهم، المرجع السابق، ص: 73.
[6] – فريدريك نيتشه، الحقيقة والوهم، المرجع السابق، ص: 74.
[7] – فريدريك نيتشه، الحقيقة والوهم، المرجع السابق، ص: 74.
[8] – جان بودريار، الفكر الجذري، أطروحة موت الواقع، ترجمة منير الحجوجي وأحمد القصوار، دار توبقال للنشر والتوزيع، المغرب، ط1، 2001.
