لو سألت عامَّة المسلمين اليوم مثل هذا السؤال ممَّن له اعتناء بتلاوة القرآن وتدبره، لرأيتهم من غير ما تردُّد يفيؤون مباشرة إلى ما كتبه ابن جرير الطبري ومن تبعه، ممّن نقل عنه ثمّ زاد أو نقص مع بعض إضافات، لا تخرج في العموم عن المنهج الذي اختطه الطبري لكتابه. ولو فتحت كتابًا من كتب علوم القرآن المنتشرة لوجدتهم يقولون: إنّ أوّل مرحلة للنظر في تفسير آية، هو الرجوع إلى المأثور من الروايات المرفوعة للنبي الكريم أو الموقوفة على الصحابة، ثمّ من بعدهم من التابعين.
نعم، هم يذكرون في كلّ مناسبة أنّ الإلمام بعلوم العربية شرط أساسيّ لتفسير القرآن والخوض في غمار تدبره، لكنّك عند محاولة تطبيق هذه المقالة تطبيقًا عمليًّا في دراسة النصّ القرآني، سرعان ما تجد أنّها مقالة مفرّغة من مضمونها، فبمجرد خروجك عن منقولات الطبري ومَن سار مساره ولو كان ذلك انطلاقًا من قواعد اللسان العربي وأسسه المطّردة، ستجابه بإقصاء يقيمه أصحابه على حجّةِ أنّ من سبقك ممّن عاشر التنزيل هم أفهم منك بالعربية وتصريفاتها وأحوالها، وهكذا كان فهمهم للنصّ، فليس لنا أن نتجاوزه. المشكلة الكبرى في تجريد هذه المقالة من مضمونها وتفريغها من تطبيقها العمليّ ليس فقط إيقاع قائليها في التناقض، ولكن في كونها تفرّغ نصوصًا محكمة من القرآن الكريم من مضمونها ودلالتها. أما وقد اختلف النّاس في المنهج الذي ينبغي سلوكه لفهم النصّ القرآني والنفاذ إلى جواهره، فإنّ القول الفصل في هذا الخلاف شديد التأثير بالغ الأثر ينبغي أن يُبتّ فيه وَفق الأسس التالية، وهي بالمناسبة أسس ينبغي ألا يكون فيها اختلاف:
أولًا: إذا بيّن النصّ نفسه الطريقة التي يجب أن يفهم بها، ويدرس على ضوئها، فليس بعد بيانه بيان، وقد ألحّ القرآن الكريم أيّما إلحاح على عربية النصّ باعتبارها الأساس الذي يجعله قابلًا لأن يُعقل ويُفهم مضمونه، من مثل قوله تعالى: “﴿إِنَّآ أنزلنه قراءناً عربياً لعلكم تَعۡقِلُونَ٢﴾ يوسف، ﴿وَكَذَٰلِكَ أوحينا إليك قُرۡءَانًا عربياً لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنۡ حولها وَتُنذِرَ يوم الجمع لَا ريب فيها فَرِيق فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيق فِي ٱلسَّعِيرِ٧﴾ الشورى. ولقد كان المخاطبون بمثل هذه الآيات كفّار قريش ومن حولهم من العرب بالدرجة الأولى، فهل تراهم حين تتلى عليهم الآيات يطلبون بيانًا إضافيًّا لها وَفق فهم واجتهاد للصحابة، فضلًا عن التابعين، فما البيان إذن؟ وأي بيان هذا الذي يتحدث عنه القرآن واصفًا نفسه بأنّه مبين، إذا كان بيانه سيقف على منقولات واجتهادات أو مناسبات ضيّقة لا يعرفها إلا آحاد النّاس فقط، ثمّ يبنى عليه نصّ عامّ العبارة، لكنّه -بزعم الزاعمين- ضيّق الدلالة محصورها في إطار من قصّة تروى هنا أو رواية تنقل هناك. إذا عُرف هذا، فليعلم أنّ السبيل الذي يتحتّم سلوكه لدراسة النصّ القرآني وسبر أغواره ينبغي أن يقوم قيامًا لا محيد عنه على دراسة اللسان العربيّ، وذلك يعني بالضّرورة في الأزمنة المتأخرة التي نعيشها اليوم جمع أكبر قدر ممكن من كلام العرب جمعًا يمكن معه الوصول إلى أصول الدلالات وتتبع التطوّر التاريخيّ للمفردات والتراكيب والصيغ الصرفية والقوانين النحويّة، ثمّ الانطلاق ممّا يتمخض عن ذلك من نتائج، متخذين إيّاها معيارًا يفهم النصّ القرآني من خلاله.
ثانيًا: لو نظرنا في مسألة البحث هذه من منظار قواعد علم المنطق وأصول تحصيل المعارف وتمييز صحيحها من سقيمها، فإنّنا نقول:
إذا كان أهل القبلة جميعًا مجمعين على تواتر النصّ القرآني، بألفاظه تواترًا لا يحتاج معه إلى سند ولا بحث في أحوال النّقلة، فإنّ ذلك يعني بالضرورة أنّ نصّ القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم بالغ الرتبةَ العليا من ناحية الثبوت، وبالمقابل فإنّ المرويّات التي تنقل في تفسير آيات القرآن الكريم لا تعدو في أحسن أحوالها أن تكون ممّا اصطلح علماء السند أن يسموه “الحديث الصحيح”، والحديث الصحيح عند عامّة الأصوليين الذين لهم قدم راسخة في علوم المنطق هو حديث ظنّي الثبوت وليس قطعيًّا. وبالمناسبة، فإنّ شهرة هذه المسألة في كتب أصول الفقه أكبر من أن تحتاج إلى تأكيد، فما سمّاه المحدثون حديثًا صحيحًا هو في نهاية المطاف مرويّ بما لا يصل إلى حدّ التواتر في إحدى طبقات السند على الأقل، وذلك يعني وجود احتمال لخلط أو نسيان أو تعمّد لكذب قد يخفى على أحذق الحذّاق، وذلك كما أسلفت أمر معلوم بالضرورة من أصول المنطق وقواعد العقل السليم، فتوثيق الرجال في نهاية المطاف قائم على اجتهاد رجال آخرين، وتوثيق أولئك الآخرين هو أيضًا اجتهاد، فليس الموثَّقون معصومين ولا الموثِّقون كذلك، واحتمال الخلط لديهم ليس بمعدوم، واحتمال الدسّ والتدليس أيضًا لا تحيله قواعد المنطق، بل يثبته الواقع في كلّ زمان، وبناء المتأخر على ما قال المتقدّم لا يرفع درجة الثبوت إلى القطع بأي حال. بناء على ما تقدم، فإنّ من النتيجة الحتمية لهاتين المقدمتين: قطعية ثبوت النص القرآني وظنيّة ثبوت الروايات في أحسن أحوالها، يجعل من غير المنطقي جزمًا أن يحمل نصّ قطعي الثبوت على نصّ ظنيّ الثبوت، فغاية الأمر أن يُدرس الظنّي دراسة نظر ويحاكَم إلى القطعي، وليس العكس.
وحتّى يُفهم هذا الأساس فهمًا تامّا، فإنّني أضرب لذلك مثلًا شائعًا: فسورة الكوثر مثلًا، من ناحية ألفاظها قطعية الثبوت، وعامّة المسلمين اليوم حين يقرؤون هذه السورة يذهب بهم الفهم إلى نهر في الجنّة أو إلى حوض الرسول الكريم، فهكذا يفهمون النصّ، وقل مثل ذلك في فهمهم لمعنى: (صلِّ، انحر، شانئك، الأبتر)، تنصرف أذهانهم مباشرة إلى النحر يوم الأضحى، وإلى القصّة المشهورة لتعيير النبي الكريم بأنّه مقطوع النسل، إلى آخر القصّة المشهورة في ذلك، ولكننا حين نعمل المنطق السليم في فهم هذه السورة، فالواجب علينا أن نبحث بعمق وتسلسل تاريخي عن الكلمات التي تقوم عليها السورة متتبعين سيرورتها وصيرورتها اللسانية، وهي كلمات: (الكوثر، صلِّ، انحر، شانئك، الأبتر)، كما أنّ علينا أن نأخذ بضمير الخطاب على عمومه؛ حيث لا مخصص قطعي الثبوت يخصصه، وما دام هذا الضمير جاء بصيغة عامّة في النصّ القطعيّ الثبوت فلا مجال لتخصيصه بما ليس بقطعيّ، وإلا فإننا إن فعلنا ذلك سرنا بالاتجاه المعاكس لمنطق العقلاء بأصوله الكبرى التي لا يسعها اختلاف، إذ هي من بدهيات العقل السليم، ولسنا هنا نعني إهمال ما ورد من روايات تتعلق بالسورة؛ بل نعني أن تُدرس في الإطار الكبير الذي لا يحدّه شيء سوى قواعد اللسان العربي ومقتضياته، فتحاكم الروايات للنصّ القطعيّ، ولا تكون حكمًا عليه، ويُعوَّد الدارسون على مدّ النظر في تدبّر النص بقدر انسداح الأفق اللساني، ويبقى عموم النصّ هو ما يرتسم في الأذهان، وشتّان عند ذاك بين من فقد هذا المدّ في التدبر وبين من أغلق الباب وقزّم القطعي؛ حيث حصر النظر فيه من عدسة رواية ظنيّة، فذهب بمعظم ما في النصّ من إعجاز وصلاحية لكل زمان ومكان، إن لم يكن قد ذهب بكلّ ما فيه من ذلك.
ثالثًا: قد يقول لنا قائل هنا: ومن أين لنا أنّ الدرس اللساني الذي ستسبرون أغوار النصّ في ضوئه قطعيّ الثبوت أيضًا، فهاكم رفضتم قصر النصّ على الروايات لعدم بلوغها رتبة القطع، ثمّ وقعتم في ما فررتم منه، فعدتم إلى كتب العربية وموروثتها، وهي بالمثل لا تصل لدرجة القطعية. وهذا في الواقع استشكال يبدو للوهلة الأولى وجيهًا وذا بال، ولكن، لدى تفكيكه وتتبع لبناته يظهر زائفًا لا يقوم به اعتراض؛ ذلك أنّنا لسنا نعتمد في فهم دلالة الحروف بل الكلمات والعبارات على رواية أو روايتَين، بل نسلك طريقًا لا نحتاج فيها أصلًا إلى السند كلّه، ولا علمِ الجرح والتعديل، فطريق هذا العلم (الجرح والتعديل) مهما اجتهد فيه المجتهد لا يمكن أن ترقى بنص إلى أعلى من درجة الظنّ، وإنّما نشيّد اعتمادنا على تسلسل تاريخي وتتبع بنيوي ممزوج بالنظر العقلي والمراقبة الحثيثة للحروف والكلمات والعبارات في عدد كبير من الجمل والعبارات التي قيلت بالأساس من غير ما نيّة لأن يُحمَل بناء على قولها فهم النصّ القرآني، بل خرجت بسجيّة اللّسان وعفوية أهله من غير ما غرض لأن تكون تفسيرًا لغيرها، بل تعبيرًا عن مراد قائلها، وإنّ مثل هذا النّوع من الدّرس ليصل بدارسه إلى رتبة اليقين، وما قد نفقده من بعض حلقات الشواهد التاريخية يكتمل لدينا بالمقارنات الصوتية والصرفية والنحوية، وما نراه مستجدًا في الصرف والنحو ممّا لعلّه لم يُظفَر بمثله يسعنا أن ننظمه ضمن عائلته الصرفية أو النحوية فيكون كاللبنة المفقودة في البناء، يسعفك شكل الفراغ الذي تُرك لها أن تعرف شكلها قبل أن تراها، فلو قد رأيتها مغمّاة، فستكون قادرًا على رسم تفصيلها الدقيق وإنْ لم يكن لائحًا لعينيك.
ولعلّنا في مقالات قادمة نضرب لذلك أمثلة كاشفة ترسم للقارئ صورة واضحة للمنهج الصحيح الذي يجب أن يسلك لفهم النصّ القرآني الحكيم.
الاستشراق لم يكن مجرد دراسة أكاديمية للشرق، بل مشروعاً هيمنياً رسم صورة مشوَّهة تقابل بين شرقٍ جامدٍ روحاني وغربٍ عقلاني متفوق. وتزداد خطورته حين يتحول إلى استشراق ذاتي، فتتبنى النخب المحلية رؤية الغرب عنها، فتنظر إلى تراثها وتاريخها بمنظاره، وتعيد إنتاج خطابه الاستعلائي. وهكذا وجد المثقف العربي نفسه بين الانبهار والرفض، بين الأصالة والتغريب. أمام هذا المأزق ينهض سؤال حاسم: كيف نتحرر من مرآة الغرب لنرى ذواتنا بعيوننا، ونبني مشروعاً نهضوياً من داخل سياقاتنا؟
يُعَدُّ الاستشراق أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مجال الدراسات ما بعد الكولونيالية؛ حيث يقدم العلاقة بين الشرق والغرب وكلَّ ما طَبَعَها من ثنائيات: الغالب والمغلوب، التقدم والتخلف. وقد سعى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي “الاستشراق، المفاهيم الغربية لشرق” الصادر عام 1978 إلى تفكيك هذا المفهوم وإعادة تعريفه، ليس كمجرد حقل أكاديمي يهدف إلى دراسة الشرق فقط، بل كمشروع استعماري مرتبط عضوياً بسياسة الهيمنة والتفوُّق، يقع تقديم الشرق من خلاله في صورة متخلِّفٍ لا عقلاني، في مقابل غربٍ متقدِّمٍ وعقلاني.
تمتد الجذور التاريخية للاستشراق من لحظة مبكِّرة من التاريخ، بدأت مع محاولات الإغريق والرومان فهم جيرانهم الشرقيين، ثم عاد الاحتكاك على نطاق أوسع وبشكل مباشر بين أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي في إطار الحروب الصليبية. غير أن الانطلاقة الفعلية والتأسيسية للاستشراق كانت في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع بداية حركات التبشير الكنسي، واستحداث كراسي للغات الشرقية في جامعات أوروبية من أجل تدريب المبشرين والتجار والدبلوماسيين. وبلغ ذروته مع الحملة النابليونية على مصر عام 1798، وحركات التحديث مع محمد علي، والبعثات الطلابية للغرب. ومع حلول الحقبة الاستعمارية، أصبح الاستشراق أحد أهم أدوات السيطرة على المستعمرات؛ إذ نَشِطَت الترجمة، وانتشرت المعاجم والموسوعات، وتُرجمت الكتب المقدسة مما سمح بمعرفة الشرق عن قرب، غير أن المستشرقين أخرجوا إلى العالم صورة مشوَّهة عن الشرق لا تنصف ما فيه من ايجابيات فوقع اختزاله في شخصية السلطان المتربع على سدة الخلافة، والحريم الغامض، والزاهد المنعزل عن العالم. وقد اعتمدت دراسات المستشرقين على التجانس والتأويل؛ فقد تعاملوا مع الشرق ككيان واحد ثابت لا تاريخي، غارق في الروحانيات، ومخدَّر بأفيون الدين، متجاوزين الاختلافات الطائفية والإثنية واللغوية. وأوَّلوا الدين الإسلامي وفق سردية واحدة، دون الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الإسلام كدين مطلق والممارسات الدينية من قبل المسلمين كما فهموه ليقع الخلط بين المتغيِّر والثابت، وحكموا على المسلمين بالجمود انطلاقاً من دينهم.
وفي مواجهة هذه الصورة القاتمة للشرق، وجد الفكر النهضوي العربي والإسلامي المعاصر نفسه في موقع الإهانة، فكانت ردود الفعل الأولى دفاعية، تسعى لنفي كل ما رُوج له من مغالطات تاريخية وثقافية ودينية حول الشرق. ثم أدى النقاش إلى انقسام بين تيارين: تيار منبهر بالغرب يدعو إلى الاستفادة من تجربته، وآخر منغلق عليه يعتبره المهدد الأول لهويته. فمن ناحية، انبهر العديد من المفكرين بالتفوق العلمي والتقني والعسكري الذي حققه الغرب، ودعوا إلى استيراد النماذج الغربية وتطبيقها في السياق العربي. إذ أبدى الطهطاوي في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” إعجابه بمدينة باريس، مثنياً على ما وصلت إليه من حضارة وثقافة، ودعا خير الدين التونسي إلى اقتباس “ما يناسبنا” من الغرب من أجل النهوض بالأمة. وفي المقابل، أفرز الموقف النقدي تياراً يرى الاستشراق والاستعمار وجهين لعملة واحدة، ومحاولة لطمس الهوية، فتمسك أصحاب هذا التيار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد صادق الرافعي بتراثهم وهويتهم، ودعوا إلى مقاومة التقليد الأعمى للغرب وبين التيارين ظهر فريق آخر حاول التوفيق بين الأصالة والتحديث.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تقتصر على الصورة التي رسمها الاستشراق عن الشرق فحسب، بل في مدى تصديقها من قبل الشرقيين أنفسهم. لقد شكّل الاستشراق نوعاً من “الاستشراق الداخلي” أو “الذاتي”، وهي ظاهرة تناولها عدد من المفكرين، من بينهم عبد الله حمودي في تحليله الأنثروبولوجيا الاستعمارية في المغرب، وتَمثَّل في تبني النخب المثقفة المحلية في العالم العربي والإسلامي للرؤية الاستشراقية عن ذواتهم ومجتمعاتهم، بفعل تأثير المركزية الغربية وما خلَّفه الاستعمار والانبهار لحظة اللقاء. كل هذا جعل المثقف العربي والمسلم يرى تاريخه وتراثه وثقافته وواقعه بمنظار الاستشراق، فوصف مجتمعه بذات الصفات التي أطلقها المستشرقون، وطرح حلولهم بما تحمله من دعوات تحرير وتحديث، وقَطْع مع التراث، وإبعاد للدين. حتى المفكرون المسلمون الذين سعوا للدفاع عن التراث وقعوا في هذا الفخ من خلال مساعيهم عن البحث عمّا يتناسب وقيم الحداثة الغربية في تراثهم، حتى ظهرت مفاهيم ملتبسة كـ”الإسلام العلماني”.
وبهذا المعنى، يُعْتَبَر الاستشراق الذاتي من أخطر تجليات الاستشراق؛ فهو يحوِّل الخطاب الاستعماري الاستعلائي إلى مشروع داخلي تقوده النخب المحلية التي تدرس نفسها بمناهج الغرب، وتخضع ذاتها لثنائيته، حتى تكوَّنت عقدة ازدراء الذات.
ولمواجهة هذا الخطاب ذي النزعة السلطوية، تبرز الحاجة إلى بناء حوار مع الذات ينبع من الداخل، من أجل فهم ذواتنا وتراثنا بحيث نرى أنفسنا بعيداً عن المرآة المشوَّهة التي يقدمها لنا الاستشراق. نحن بحاجة لتطوير آليات ومناهج جديدة لتفكيك التراث وإعادة بناء مشروع نهضوي يتناسب مع سياقاتنا التاريخية والثقافية، ثم نتوجه بالحوار مع الآخر في موضع الندية لا التبعية ولتحقيق هذا يجب معرفة الآخر من الداخل. ووفق هذا الإطار، برز مشروع “الاستغراب” في مقابل الاستشراق، الذي دعا إليه المفكر المصري حسن حنفي فإذا كان الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، فإن الاستغراب، من وجهة نظر حنفي، هو دراسة الغرب من قبل الشرق. فحنفي يرى وجوب دراسة الشرق للغرب من الداخل، بهدف فهمه كنموذج من الاجتماع البشري في شكل مجتمعات ودول لا تخلو من تعقيدات وعيوب، له نجاحاته وإخفاقاته، وليس كنموذج حتمي مركزي يعلن نهاية التاريخ. وقدَّم حنفي هذا المشروع في كتابه “مدخل إلى علم الاستغراب”، وهو محاولة لنقد المركزية الغربية وفهم مصادر قوَّتها، وكشف النقائص والتحديات والمشاكل التي يعانيها الغرب حتى نزيل هالة القداسة عنه وبريق الانبهار عنا. وبهذا نكون قد تخلصنا من وهم التبعية وسجن الصورة المشوَّهة التي قدمها لنا الاستشراق، لننصرف نحو رسم صورتنا بأيدينا، بكل ما تحتويه من نقد وتحديث وتجاوز، يتناسب مع خصوصيتنا التاريخية والثقافية والدينية.
وفي الختام لا تزال صدمة اللقاء بين الشرق والغرب، بكل ما حملته من انبهار وردود فعل مختلفة إزاء النموذج الغربي، تسكن الوعي العربي المعاصر، وتختبئ في خطابه الفكري والسياسي اليومي، إذ لم نتحرر بعد من الثنائية التي وضعه فيها الاستشراق ورواد النهضة بأشكال مختلفة. فبقي النقاش حول الدولة المدنية والهوية والعلمانية وحجاب المرأة والحرية يتأرجح بين تَبَنٍّ أو إنكار للنموذج الغربي، فلم نعد نرى سواه نموذجاً نقيس به مدى تقدمنا أو تخلفنا، كما جعلنا نهج اللحاق بالغرب المتقدم دون رسم طريق خاص بنا يقودنا نحو الحداثة، وكأن التحديث هو مرادف دائم للتغريب. لقد أصبح المثقف العربي اليوم منشغلاً بالغرب أكثر من انشغاله بنفسه، إضافة إلى الاستشراق الذاتي الذي أصبح أداة تبرر الانسلاخ عن الجذور والهوية تحت مسمى التحديث، أو رفع شعارات شعبوية عن الأصالة لتحقيق أجندات سياسية خاصة بأصحابها. وفي خضم كل هذا، يكمن التحدي الأكبر في كيفية الانتقال من حالة التقليد والاقتباس إلى حالة الإبداع والتأسيس، وكيفية ابتكار نموذج نهضوي خاص انطلاقاً من تراثنا وسياقاتنا التاريخية والثقافية، وحسب متطلبات الحداثة، للدخول في حوار ندّي مع الآخر، دون أن نبقى أسرى لصورة الشرق في مرآة الغرب.
المصادر والمراجع:
- سعيد ادوارد: الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ط 1995، ت: محمد عناني: دار رؤية لنشر والتوزيع، القاهرة 2006
- حنفي حسن: مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية لنشر والتوزيع 1991
- عبد الله حمودي: المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية» (دار توبقال، 2019
- زماني محمد حسن: الاستشراق تاريخه ومراحله: جامعة المصطفى العالمية، مجلة الدراسات الاستشراقي العدد الأول 2014
- بوزاغية وفاء: الاستشراق ظاهرة انتهت أم بداية جديدة: جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية (الجزائر) مخبر التأويل وتحليل الخطاب المجلد الثاني العدد الخامس، أكتوبر 2024