Skip to content Skip to footer

                          غطاء رأس المرأة وشعرها | سامر إسلامبولي

   حكم تلمودي تسلّل إلى الثقافة الإسلامية وليس حكمًا قرآنيًا

    تكشف قضية غطاء رأس المرأة وشعرها نموذجًا واضحًا لاختراق ثقافة اليهود للثقافة الإسلامية، إذ لا يدور البحث حول أول مجتمع عرفت نساؤه غطاء الرأس، ولا حول وجود هذا اللباس عند العرب أو غيرهم، فالمرأة قد تغطي رأسها اتقاء للحر أو البرد، أو اتباعًا للعرف، أو طلبًا للزينة، أو مراعاة لبيئتها ومكانتها وظروف عملها، وكل ذلك من شؤون الحياة والعادات، وإنما يدور البحث حول تحويل هذه العادة إلى حكم ديني ملزم، ووصف شعر المرأة بأنه عورة، واعتبار كشفه معصية، ثم توسيع دائرة الحجب لتشمل الوجه والنقاب والبرقع، ولذلك فموضع المقارنة ليس قطعة القماش، بل شرعنة الغطاء ونقل الفعل من حقل الحلال والاختيار إلى حقل الوجوب والتحريم.

وإذا بدأنا من الثقافة التلمودية وجدنا هذا الحكم ظاهرًا قبل نشوء البناء الفقهي الإسلامي، فقد جاء في مشناة كتوبوت 7:6 ضمن النساء اللواتي يطلقن من غير استحقاق ما ثبت لهن في عقد الزواج، أن من مخالفة ما يسمونه عرف نساء اليهود: «أن تخرج ورأسها مكشوف، وأن تغزل في السوق، وأن تتكلم مع كل إنسان»، وبذلك لم يعد كشف الرأس شأنًا شخصيًا أو عادة قابلة للاختيار، بل صار مخالفة تترتب عليها خسارة حقوق زوجية ومالية، ثم ناقش التلمود البابلي في كتوبوت 72أ العبارة نفسها، واستند إلى كشف رأس المرأة الوارد في سفر العدد، وقرر: «من هنا تحذير لبنات إسرائيل ألا يخرجن برأس مكشوف»، فتحول مشهد متعلق بامرأة متهمة إلى قاعدة عامة تلزم النساء بتغطية رؤوسهن، وانتقل الغطاء بذلك من مجال العرف إلى مجال الشرعنة والمخالفة والجزاء.

ولم تقف الثقافة التلمودية عند إلزام المرأة بغطاء الرأس، بل وصفت الشعر نفسه بالعورة، فقد ورد في برخوت 24أ: «قال راف ششت: شعر المرأة عورة»، ثم استند النص إلى وصف الشعر في نشيد الأنشاد، وهنا تظهر الفكرة في صورتها المباشرة، إذ لم يعد الشعر جزءًا طبيعيًا ظاهرًا من الإنسان، بل صار عورة يجب تغطيتها، ثم ازداد المثال الثقافي تشددًا في يوما 47أ حين سأل الأحبار كِمحيت عما فعلته حتى تولى أبناؤها الـ7 منصب الكاهن الأكبر، فقالت: «منذ أيامي لم تر عوارض بيتي ضفائر شعري»، فقدم النص إخفاء الشعر حتى داخل البيت باعتباره فضيلة، وبذلك اكتملت عناصر التصور التلمودي، فتغطية الرأس إلزام، والشعر عورة، وكشفه مخالفة، والمبالغة في حجبه فضيلة، ولا يعني ذلك أن اليهود كانوا أول من عرف غطاء الرأس، وإنما يعني أن ثقافتهم التلمودية شرعنت العادة وحولتها إلى حكم يرتبط بالطاعة والمخالفة والحقوق.

ثم أُدخلت تحت تفسير آية الخُمُر رواية منسوبة إلى عائشة تقول: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وليضربن بخمرهن على جيوبهن، شققن مروطهن فاختمرن بها»، وقد أوردها البخاري وأبو داود، كما أورد البخاري رواية أخرى بلفظ: «أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها»، ثم أُدخلت تحت آية الجلباب رواية منسوبة إلى أم سلمة تقول: «لما نزلت: يدنين عليهن من جلابيبهن، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية»، وقد أوردها أبو داود، ثم جاءت رواية أسماء بلفظ: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وأشارت إلى الوجه والكفين، وقد أوردها أبو داود وصرح بأنها مرسلة لأن خالد بن دريك لم يدرك عائشة، ومع ذلك استعملت هذه الروايات في تحديد عورة المرأة وربط آيات اللباس بتغطية الرأس والشعر والوجه، مع أن ما تصفه من أفعال منسوبة إلى نساء ذلك العصر، على فرض ثبوته، لا ينشئ حكمًا إلهيًا ولا يضيف إلى الآية عضوًا لم تسمه.

ولا تتوقف المسألة عند صحة رواية أو ضعفها، لأن الروايات أخبار ظنية منقولة عن البشر، فلا يصح أن تنشئ حكمًا دينيًا زائدًا على القرآن، أو أن تستدرك عليه، أو تملأ ما يتوهمه الفقيه فراغًا تشريعيًا، فالقرآن هو الحاكم والمهيمن، وما ينسب إلى النبي يعرض عليه ولا يعرض القرآن على الروايات، لأن النبي متبع لما أنزل الله، والرسول مبلغ له، ولذلك فإن الرواية التي تجعل المرأة عورة، أو تجعل غطاء الرأس شرطًا للصلاة، أو تحرم ظهور شعرها، بينما يخلو القرآن من ذلك، لا تستطيع تأسيس حكم ديني مهما اشتهرت أو صححها أهل الرواية وفق قواعدهم، ثم انتقلت هذه المرويات إلى كتب التفسير، فقال الطبري عند قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾: «ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن»، فأضاف إلى النص كلمة «شعورهن» مع أنها غير موجودة في الآية، وقال القرطبي: «الخمر جمع الخمار، وهو ما تغطي به رأسها»، فحصر الكلمة في استعمال عرفي شائع، ثم حمل ذلك الاستعمال على أنه حكم قرآني، فتحول التفسير من فهم بشري قابل للصواب والخطأ إلى بوابة لإدخال الروايات والعرف في دلالة القرآن.

ثم ثبتت المذاهب الفقهية هذا البناء، فصار شعر المرأة الحرة عورة، وصار تخمير رأسها شرطًا لصحة الصلاة، وقال ابن قدامة في المغني: «وأجمع أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت»، ثم قرر أن عليها إعادة الصلاة إذا صلت ورأسها مكشوف، وبذلك اكتملت حركة الفكرة، إذ بدأ الحكم في الثقافة التلمودية بوصف كشف الرأس مخالفة، ثم ظهر في الروايات بوصف المرأة عورة والخمار شرطًا للصلاة، ثم أدخله المفسرون في آية لم تذكر الشعر، ثم حولته المذاهب إلى حكم تعبدي، ويؤكد بشرية هذا البناء أن كتب الفقه نفسها فرقت بين الحرة والأمة، فأوجبت الغطاء على الحرة وأجازت للأمة كشف رأسها، ولو كان الشعر عورة في ذاته بحكم قرآني لما تغير حكمه بتغير الطبقة الاجتماعية، وإنما يكشف هذا التفريق أن الغطاء كان علامة عرفية وطبقية قبل أن يلحق بالدين.

غير أن القرآن يحسم المسألة من أساسها، فهو مصدر الدين والحكم، وهو المهيمن على كل ما ينسب إلى الله، قال تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا﴾ [الأنعام: 114]، وقال: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ [الأنعام: 57]، وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: 89]، ولذلك لا يصح إنشاء حكم ديني أو تأسيسه من خارج القرآن أبدًا، لأن إضافة واجب أو محرم إلى الدين من غير إذن قرآني هي نسبة حكم إلى الله بغير سلطان، ولا يغير من ذلك قدم القول أو شيوعه أو اتفاق الفقهاء عليه، فالحجة في النص القرآني وما يدل عليه، ومن هنا تقوم القاعدة المحكمة: الأصل في الأفعال الحلال إلا ما ورد تحريمه أو النهي عنه في القرآن، والحرام مقيد بالنص والحلال مطلق، ولذلك لا يحتاج الحلال إلى دليل لأنه موافق للأصل، وإنما يحتاج إلى الدليل من يريد إخراج الفعل من الحلال إلى الحرام، أو من الاختيار إلى الوجوب، وما سكت عنه القرآن ليس نقصًا ولا فراغًا تستدركه الروايات والتفاسير، بل هو عفو أبقاه الله في مجال الحرية الإنسانية، فالواجب ما أوجبه الله، والحرام ما حرمه أو نهى عنه، وما سكت عنه بقي على أصل الإباحة.

ولذلك قال تعالى: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: 59]، وقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: 116]، فليس على المرأة أن تأتي بدليل يبيح ظهور شعرها أو وجهها، لأن الحلال لا يطلب له دليل مستقل، بل على من يدعي أن سترهما واجب وأن كشفهما حرام أن يأتي بالنص القرآني، وحيث لا يوجد النص يبقى الفعل في حقل العفو والحلال، غير أن إطلاق الحلال لا يعني ممارسة الفعل الاجتماعي بعيدًا عن حقوق الناس ونظام المجتمع، فالحلال الاجتماعي يمارس مقيدًا بنظام المجتمع، وله أن ينظم المباح منعًا أو سماحًا أو إلزامًا بحسب المصلحة وحماية الحقوق وطبيعة المكان والعمل، بيد أن هذا التنظيم يبقى وضعيًا متغيرًا بتغير الظروف، ولا يتحول إلى عبادة، ولا ينسب إلى الله، ولا تصبح مخالفته ذنبًا أخرويًا.

وإذا رجعنا إلى قوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: 31] وجدنا أن النص لا يذكر الرأس ولا الشعر ولا الوجه، بل يوجه الفعل إلى الجيوب، وهي فتحات الثياب التي يخرج منها الرأس والأطراف أو يظهر منها ما في داخل اللباس، أما كلمة «خمر» فتدل في أصلها اللساني على ارتخاء الشيء على ذاته متجمعًا بصورة متصلة مع تكرار العملية، ومن ذلك تخمر المواد والخميرة، وسمي الشراب خمرًا لما يحصل فيه من تخمر ولما يترتب على تناوله من ارتخاء الضوابط العقلية، ثم أطلق الخمار على الغطاء المرخى والمنسدل لتحقق هذه الصفة فيه بصرف النظر عن موضع استعماله، فقد يكون على الرأس أو الوجه أو الجسم أو غير ذلك، ولذلك فإن اشتهار استعماله لغطاء الرأس في عرف معين لا يحصر أصل الكلمة في الرأس ولا يحول الاستعمال العرفي إلى تشريع.

وأما الجيب فيدل على الفتحة بين شيئين، ومنه جيب الثوب وفتحة الصدر وغيرها من فتحات اللباس، بينما يدل الضرب على إيقاع شيء على شيء بما يترك فيه أثرًا، فتكون دلالة قوله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ هي إحكام الأغطية المرخاة على فتحات الثياب وحفظ ما في داخلها من الظهور، فالخُمُر أداة الفعل، والجيوب محل الفعل، والضرب طريقة الإحكام، أما الرأس والشعر والوجه فليست جيوبًا، ولا يجوز نقل الأمر من الموضع الذي سماه النص إلى موضع سكت عنه، كما أن تنفيذ الأمر المتعلق بالجيوب لا يتوقف على تغطية الرأس، وما لا يتوقف عليه الواجب لا يصير واجبًا.

وكذلك يقول تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ [الأحزاب: 59]، فالآية لا تذكر الشعر ولا الرأس ولا الوجه، ولا تذكر النقاب أو البرقع، بل تتحدث عن لباس خارجي وتصرح بمقصده الاجتماعي: ﴿أن يعرفن فلا يؤذين﴾، ولذلك فالجلباب وسيلة للحماية والوقار بحسب البيئة والعرف والظرف، وليس شكلًا جامدًا واجبًا على كل امرأة في كل زمان ومكان، وبناء على ذلك يبقى غطاء الرأس والشعر والوجه والنقاب والبرقع في حقل العفو والحلال، فللمرأة أن تختار أيًا منها عادة أو زينة أو راحة أو مراعاة لبيئتها، ولها أن تتركه، ولا يكون فعلها عبادة ولا تركها معصية، وليس هذا دعوة إلى خلع غطاء الرأس أو لبسه، بل إعادة للمسألة من مجال الدين والإكراه إلى مجال الحرية والعرف ونظام المجتمع.

وهكذا تكشف المقارنة مسار الاختراق، فقد شرعنت الثقافة التلمودية غطاء الرأس، ووصفت شعر المرأة بأنه عورة، وربطت كشفه بالمخالفة وخسارة الحقوق، ثم ظهرت البنية نفسها داخل الثقافة الإسلامية من خلال روايات تقول: «المرأة عورة»، وتشترط الخمار للصلاة، وتربط آيات اللباس بتغطية الشعر والرأس، ثم حمل المفسرون تلك الروايات على القرآن، وثبتتها المذاهب حتى صارت حكمًا دينيًا في وعي الناس، بينما ظل القرآن خاليًا من الأمر بستر الرأس أو الشعر أو الوجه ومن وصف الشعر بأنه عورة، ولذلك فإن غطاء الرأس من حيث هو لباس فعل مباح، أما شرعنته وتحويله إلى واجب ديني فهو حكم تلمودي تسلل إلى الثقافة الإسلامية ثم نُسب إلى الله بغير نص من كتابه.

Leave a comment