تحرير: د. يوسف فؤاد أبو عواد
لا شكّ عند كلّ دارس للقرآن الكريم بمنظورٍ لسانيّ بحت أنّ (محمّد شحرور) شكّل في تناوله للتنزيل الحكيم من خلال هذا المنظور نقلة نوعية؛ فقد أسّس لما يمكُن اعتباره منهجًا أصيلًا لدراسة القرآن الكريم لسانيًّا، بعيدًا عن إخضاعه لقالب المرويّات والاجتهادات البشريّة التي تصيب وتخطئ؛ فقد ساهمت تلك الآلية التراثية بتقزيم النص القرآني وإغلاق آفاقه، في حين، كان أهمّ ما أسّس له شحرور إعادة الامتداد والمرونة للنصّ، وتحريره من القيود التي فرضها عليه الفهم التراثيّ، وقد تتابع الباحثون اللسانيون في القرآن بعد ذلك على هذا النّهج.
وإن كان قد ظهر بينهم اختلافات، إلّا أنّ ذلك نِتاج طبيعيّ، ونتيجة حتميّة كان قد نبّه شحرور نفسه أنّها لا بدّ أن تكون؛ بحكم أنّ الوحدانية لله وحده، والتعدّد سنّة الله في الخلق، مع التنبيه لأمر آخر؛ وهو أنّ هذا النّهج يقوم أساسًا على رفع القدسيّة عن كلّ ما سوى النصّ القرآني، فمن المحتوم أن لا يقدّس المؤمنون بفكر شحرور مقالاتِه، وإنْ وافقوه في إطارها العامّ.
ولدى إمعان النّظر في كتابه الموسوم بـ” دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، النهج والمصطلحات” يمكننا تلخيص هذه المنهجيّة التي أسس لها شحرور بالمحاور الخمسة الآتية:
الأساس الأول: الإيمانيات
يضع شحرور الأساس الأول لمنهجيته مبيّنًا أنّ آيات التنزيل الحكيم هي نصوص إيمانية بامتياز، لا تُعرض كدلائل علمية قاطعة، بل كتوجيهات إيمانية تؤسس لعلاقة الإنسان بخالقه. ويقع على عاتق المؤمنين بها إثبات مصداقيّتها للنّاس، وهم مطالبون بإثباتها في واقع الحياة، إذ إن التاريخ الإنساني، بتطوراته وصراعاته هو من يكشف هذه المصداقية. وإثبات المصداقية هذا ليس حكرًا على مجتمع محدد أو جيل واحد، بل الأمر ممتدّ عبر الزمان والمكان، متجاوزًا الحواجز التي تفصل بين الحضارات.
ويضيف شحرور بُعدًا معرفيًا مهمًا حين يشير إلى أن الوجود المادي وقوانينه هما كلمات الله الملموسة، وأن العلوم بأنواعها هي السبيل لفهم هذه الكلمات. هذه الرؤية تدعو إلى إعادة النظر في التفاعل بين الدين والعلم من جهة، وتعيد للعوم الطبيعية مكانتها الطبيعية كما أراد الله لها أن تكون، وكما هي لدى كلّ الأمم المتحضرة، ويُضع حدًّا حاسمًا لصراع مفتعل جرى عبر مراحل تاريخية متتالية للأمّة بين الإيمان بالغيب وعلوم الطبيعة. حيث تتكامل المعرفة البشرية -وفق منهج شحرور- مع النصوص الإلهية لفهم الوجود.
وفي إطار تأسيسه لاستقلاليّة النصّ الحكيم تمامًا، يؤكد أن مفاتيح فهم التنزيل الحكيم ليست مستمدة من مصادر خارجية، بل تنبثق من النص ذاته، فهو بذلك غنيّ عن القيود المقزّمة التي فُرِضت عليه في عصور التقليد.
أما في التشريع، فيعلن شحرور مبدأً جوهريًا: الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم هو من حق الله وحده. الإنسان، بفطرته وتطوره، مخوّل بلأمر والنهي ضمن حدود معرفية وزمنية، بينما يظل التحريم الإلهي خارج نطاق التدخل البشري. هنا يتجلى الفهم المزدوج للسنة: السنة الرسولية التي لا اجتهاد فيها، والتي تتعلق بكل ما بلغه الرسول من الوحي، وتشمل المحرمات، في مقابل السنة النبوية، التي تعكس اجتهادات الرسول كقائد مجتمعي، وتشتمل على أحكام قابلة للتغيير.
وفي إطار إعادة ضبط المصطلحات الكبرى، يوضّح شحرور أنّ الإسلام يتألف من بُعدين: الإيمان التسليمي بالله واليوم الآخر، والسلوك العملي المتمثل في العمل الصالح. ويذهب إلى القول بأن أي إنسان يحقق هذين الشرطين، مسلم، بغض النظر عن دينه أو مذهبه، مع تخصيص أتباع محمد بأنهم “المسلمون المؤمنون” تمييزًا وصفيًّا لا عنصريًّا.
الأساس الثاني: الأولويات
يقرّر شحرور أن التنزيل الحكيم نص لغوي إلهي، وأن الله هو المؤلف لهذا النص، في حين أن البشر هم القراء له؛ ومن هنا، يؤكد أن الفهم الكامل للنص لا يمكن أن يتحقق لشخص واحد أو جيل بعينه، فلو كان هذا ممكنًا، لكان الإنسان في نفس مستوى العلم الإلهي، وهذا يناقض طبيعة الإنسان المحدودة. ومن ثم، فإن فهم التنزيل يتغير ويتطور وفقًا للحدود المعرفية للقراء، وهو ما يجعل النص حيًّا، متجددًا مع الزمن.
وفي إطار الرسالة الخاتمة لمحمد، جعل الله التشريع على نوعين: تشريع ثابت يشمل المحرمات الواضحة (المحكم)، وتشريع مرن يسمح بالاجتهاد (المتشابه)، بحيث يتبدّى ذلك الاجتهاد ضمن مساحة رسم النصّ لها حدًّا أعلى وحدًّا أدنى، وترك للبشر صلاحية اختبار المناسب وفق المعطيات المعرفية والحضارية والاجتماعية، ليحقق مبدأ ثبات النص وحركية المحتوى. هذا التمييز بين المحكم والمتشابه يعكس الحكمة الإلهية في جعل النص قابلًا للتأويل والتجديد.
الأساس الثالث: اللغويات
يرى شحرور أن المعاني تسبق الألفاظ، وأن الكلمات مجرد أدوات لخدمة المعاني. عندما يخاطب المتكلم السامع، فإن الهدف هو إيصال المعنى الكلي للنظم، وليس المعنى المنفرد لكل كلمة؛ فالنّظم (السّياق) يحكم المفردة. وهذا يجعل اللغة خادمة للتفكير، تتطور مع الفكر الإنساني، ولذلك جاء التنزيل الحكيم في قمة البلاغة التي لا يمكن تجاوزها، ليطور اللغة العربية ويلغي الترادف، رافعًا مستوى اللغة إلى أقصى درجات التجريد. يُعد القرآن كتابًا دقيقًا، لا مجال فيه للصدفة، وكل كلمة فيه تُستخدم في موضعها بعناية.
وينبّه شحرور إلى قاعدة بالغة الأهميّة في عملية التأويل؛ فيؤكّد على أنّ المؤوِّل يجب أن يحافظ على الرابط اللغوي بين الشكل والمضمون، لأن قطع هذا الرابط يفتح المجال لتفسيرات لا نهائية. كما أن النظم هو الذي يحدد معنى الكلمة، بما أن الترادف ملغى في التنزيل، لكن تعدد المعاني للكلمة الواحدة معترف به.
وفي هذا السياق، يبيّن شحرور أنّ النصّ سابق على قواعد النحو، وحاكمٌ عليها، وهو يدعو في الوقت ذاته إلى الاستفادة من تطور علم اللسانيات لفهم النص.
رابعا: المنهج الفكري
يركز الدكتور محمد شحرور في منهجه الفكري على أهمية استخدام العقل لفهم النصوص اللغوية. فهو يؤكد أن النصوص لا يمكن أن تُفهم إلا بما يقتضيه العقل، مما يجعل التفكير المنطقي أساسًا لفهم النص القرآني.
ويوضّح شحرور أنّ إعجاز التنزيل الحكيم لا يكمن فقط في أسلوبه اللغوي وبلاغته، بل في مصداقية محتواه وقدرته على تطبيق نفسه في واقع الحياة. النص القرآني خالٍ تمامًا من الحشو، وهذا يعني أن كل كلمة فيه تحمل أهمية قصوى، سواء كانت للأخبار أو التعليم أو الوعظ.
يشير شحرور إلى أن المجتمع يساهم في تكوين معنى الآيات من خلال تطوره المعرفي، لكن مهما تطورت المعارف البشرية، فإنها ستظل منسجمة مع النص الإلهي ولا يمكن أن تخرج عن إطاره. إن قوانين العقل تخضع لمستوى المعرفة المكتسبة، ولهذا فإن فهم النص الثابت للتنزيل الحكيم يتأثر بالسيرورة والصيرورة، أي بحركة الزمن وتطور المعرفة. الفهم النهائي للتنزيل سيظل مؤجلًا حتى قيام الساعة.
كما يوضح شحرور أن كلام الله في التنزيل الحكيم يُفهم من خلال دراسة كلمات الله المتمثلة في الوجود وقوانينه. هذا الفهم متغير، يخضع للتطور المعرفي الإنساني، بينما كلام الله ثابت نصًّا. التنزيل يحمل ميزتين أساسيتين: فهو لا يتناقض مع العقل، ولا يناقض الواقع، مما يجعله نصًا حيًّا يتفاعل مع التطور العلمي والفكري.
تقوم المعرفة الإنسانية، وفق منهج شحرور، على مبدأ أن العلم يتبع المعلوم، وأن المعلوم يأتي من خارج الإنسان، فالعلم الإلهي سابق على المعرفة الإنسانية ولا يدخل في نطاقها. ويُعتبر التجريد الفكري، مثل اللغة والرياضيات، أحد أسس المعرفة الإنسانية. وتستند هذه المعرفة إلى مبدأين أساسيين: التمييز (identification) الذي يعرف بالتقليم، والتصنيف (classification) الذي يسمى بالتسطير.
إن إدراك الإنسان للعالم الخارجي يتم عبر مبدأ الكم والكيف، وهو نافذته لفهم المحيط المادي. وتتشكل المعرفة بالعالم الموضوعي من عناصر أساسية: المادة، والبعد، والموقع، والحركة. التنزيل الحكيم يطرح مفهومًا للعالم الموضوعي قائمًا على جدلية الصراع بين البقاء والهلاك، ومن هذه الجدلية تنبثق جدليات أخرى، مثل التناقضات، وجدلية التأثير والتأثر، وجدلية الأضداد.
في نهاية المطاف، يضع شحرور الحرية كقيمة عليا وأساس للحياة الإنسانية، فهي جوهر العبودية لله. الله لم يطلب منا العبودية بمعناها القهري، بل أن نعبده بإرادتنا الحرة، مجسدين بذلك قيمة الحرية التي وهبها الله لنا.
خامسًا: أسس التشريع المعاصر
يستعرض الدكتور محمد شحرور في منهجيته رؤية معاصرة للتشريع الإسلامي، مستندًا إلى قراءة جديدة للتنزيل الحكيم، الذي يضم بين دفتيه نبوة محمد ورسالته. يوضح أن آيات النبوة تتناول نواميس الكون، وأحداث التاريخ، والرسالات السابقة، كما تقدم إجابات على أسئلة فلسفية متعلقة بالوجود والمعرفة. هذه الآيات تحتمل التصديق أو التكذيب، ما يجعلها جزءًا من الآيات المتشابهات، التي تخضع لثبات النص مع حركية المحتوى. في المقابل، نجد آيات الرسالة التي تتعلق بالأحكام والتشريعات، والتي تحتمل الطاعة أو المعصية. تنقسم آيات الرسالة إلى قسمين: قسم ثابت في النص والمحتوى، يُعرف بالمحكمات، وقسم ثابت في النص لكن محتواه متحرك، يُعرف بتفصيل المحكم.
ويؤكد شحرور أنه لا يوجد في التنزيل الحكيم مفهوم الناسخ والمنسوخ، إذ إن الآيات ليست ملغية أو معطلة. كذلك، يحتوي القرآن على نصوص تاريخية، مثل القصص المحمدي، وهذه النصوص ليست تشريعية، بل هي جزء من السرد التاريخي الذي يوضح سياقات معينة، وهي ليست ضمن آيات الرسالة الملزمة.
أما الاجتهاد، فهو محصور في تفصيل المحكم، ويكون صحيحًا فقط إذا صدقه الواقع دون أن يوقع الناس في مشقة أو حرج. ويشدد شحرور على أن الإجماع المقصود هو إجماع الناس الأحياء في زمنهم، وليس له علاقة بالآيات المحكمات التي تتناول التحريم. أمّا القياس في التشريع الإسلامي، بحسب منهجه، فيجب أن يستند إلى البراهين المادية والأدلة العلمية، مع التركيز على الواقعية والملموسية.
فيما يتعلق بالتحريم، يرى شحرور أن الله وحده هو الذي يحرم وينهى، بينما للمجتمع، من خلال سلطته، الحق في المنع والنهي، لكن ليس في التحريم. اجتهادات النبي، في نظر شحرور، كانت اجتهادات إنسانية، وليست وحيًا إلهيًا، وتهدف إلى تنظيم الحلال ضمن سياق المجتمع. يوضح أن كل محرم مرفوض بالفطرة الإنسانية، لكن ليس كل حلال مقبولًا تلقائيًا.
السنة تنقسم إلى نوعين: السنة الرسولية، وهي ما تضمنته الرسالة الموحاة وتستلزم الطاعة التامة، والسنة النبوية، التي تمثل قوانين تنظيمية خاصة بمجتمع النبي ومعاصريه. هذه السنة النبوية تعتبر أول اجتهاد بشري في التفاعل مع الرسالة، وقد اقتصرت على الأوامر والنواهي، لكنها ليست آخر اجتهاد في تنظيم الحلال.
يؤكد شحرور أن الوحي الوحيد المقدس هو ما جاء في كتاب الله، أي القرآن الكريم، باعتباره نصًا إلهيًا ثابتًا. الفقه، من منظوره، هو اجتهاد إنساني مرتبط بظروف تاريخية ومعرفية محددة، مما يعني أن الأحكام الفقهية قابلة للتغيير مع تطور النظام المعرفي الإنساني.
ويشير شحرور إلى أن الرسالة الإلهية المجردة تقبل الاجتهاد في تفصيل المحكم، وهذا الاجتهاد يُعتبر تشريعًا إنسانيًا مدنيًا. من هنا، يُسمح بالاختلاف في الآراء، مما يعزز مبدأ التعددية الفكرية ويؤسس لقاعدة الاختلاف كركيزة أساسية. بناءً على ذلك، يطالب شحرور بأن تكون مجالس الإفتاء مختصة بالشعائر الدينية فقط، دون التدخل في التشريعات المجتمعية، والتي يجب أن تكون من اختصاص المجالس التشريعية المنتخبة، بما يضمن تحقيق العدالة والمرونة في إدارة شؤون المجتمع.
الاستشراق لم يكن مجرد دراسة أكاديمية للشرق، بل مشروعاً هيمنياً رسم صورة مشوَّهة تقابل بين شرقٍ جامدٍ روحاني وغربٍ عقلاني متفوق. وتزداد خطورته حين يتحول إلى استشراق ذاتي، فتتبنى النخب المحلية رؤية الغرب عنها، فتنظر إلى تراثها وتاريخها بمنظاره، وتعيد إنتاج خطابه الاستعلائي. وهكذا وجد المثقف العربي نفسه بين الانبهار والرفض، بين الأصالة والتغريب. أمام هذا المأزق ينهض سؤال حاسم: كيف نتحرر من مرآة الغرب لنرى ذواتنا بعيوننا، ونبني مشروعاً نهضوياً من داخل سياقاتنا؟
يُعَدُّ الاستشراق أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في مجال الدراسات ما بعد الكولونيالية؛ حيث يقدم العلاقة بين الشرق والغرب وكلَّ ما طَبَعَها من ثنائيات: الغالب والمغلوب، التقدم والتخلف. وقد سعى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه التأسيسي “الاستشراق، المفاهيم الغربية لشرق” الصادر عام 1978 إلى تفكيك هذا المفهوم وإعادة تعريفه، ليس كمجرد حقل أكاديمي يهدف إلى دراسة الشرق فقط، بل كمشروع استعماري مرتبط عضوياً بسياسة الهيمنة والتفوُّق، يقع تقديم الشرق من خلاله في صورة متخلِّفٍ لا عقلاني، في مقابل غربٍ متقدِّمٍ وعقلاني.
تمتد الجذور التاريخية للاستشراق من لحظة مبكِّرة من التاريخ، بدأت مع محاولات الإغريق والرومان فهم جيرانهم الشرقيين، ثم عاد الاحتكاك على نطاق أوسع وبشكل مباشر بين أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي في إطار الحروب الصليبية. غير أن الانطلاقة الفعلية والتأسيسية للاستشراق كانت في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع بداية حركات التبشير الكنسي، واستحداث كراسي للغات الشرقية في جامعات أوروبية من أجل تدريب المبشرين والتجار والدبلوماسيين. وبلغ ذروته مع الحملة النابليونية على مصر عام 1798، وحركات التحديث مع محمد علي، والبعثات الطلابية للغرب. ومع حلول الحقبة الاستعمارية، أصبح الاستشراق أحد أهم أدوات السيطرة على المستعمرات؛ إذ نَشِطَت الترجمة، وانتشرت المعاجم والموسوعات، وتُرجمت الكتب المقدسة مما سمح بمعرفة الشرق عن قرب، غير أن المستشرقين أخرجوا إلى العالم صورة مشوَّهة عن الشرق لا تنصف ما فيه من ايجابيات فوقع اختزاله في شخصية السلطان المتربع على سدة الخلافة، والحريم الغامض، والزاهد المنعزل عن العالم. وقد اعتمدت دراسات المستشرقين على التجانس والتأويل؛ فقد تعاملوا مع الشرق ككيان واحد ثابت لا تاريخي، غارق في الروحانيات، ومخدَّر بأفيون الدين، متجاوزين الاختلافات الطائفية والإثنية واللغوية. وأوَّلوا الدين الإسلامي وفق سردية واحدة، دون الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الإسلام كدين مطلق والممارسات الدينية من قبل المسلمين كما فهموه ليقع الخلط بين المتغيِّر والثابت، وحكموا على المسلمين بالجمود انطلاقاً من دينهم.
وفي مواجهة هذه الصورة القاتمة للشرق، وجد الفكر النهضوي العربي والإسلامي المعاصر نفسه في موقع الإهانة، فكانت ردود الفعل الأولى دفاعية، تسعى لنفي كل ما رُوج له من مغالطات تاريخية وثقافية ودينية حول الشرق. ثم أدى النقاش إلى انقسام بين تيارين: تيار منبهر بالغرب يدعو إلى الاستفادة من تجربته، وآخر منغلق عليه يعتبره المهدد الأول لهويته. فمن ناحية، انبهر العديد من المفكرين بالتفوق العلمي والتقني والعسكري الذي حققه الغرب، ودعوا إلى استيراد النماذج الغربية وتطبيقها في السياق العربي. إذ أبدى الطهطاوي في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” إعجابه بمدينة باريس، مثنياً على ما وصلت إليه من حضارة وثقافة، ودعا خير الدين التونسي إلى اقتباس “ما يناسبنا” من الغرب من أجل النهوض بالأمة. وفي المقابل، أفرز الموقف النقدي تياراً يرى الاستشراق والاستعمار وجهين لعملة واحدة، ومحاولة لطمس الهوية، فتمسك أصحاب هذا التيار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد صادق الرافعي بتراثهم وهويتهم، ودعوا إلى مقاومة التقليد الأعمى للغرب وبين التيارين ظهر فريق آخر حاول التوفيق بين الأصالة والتحديث.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تقتصر على الصورة التي رسمها الاستشراق عن الشرق فحسب، بل في مدى تصديقها من قبل الشرقيين أنفسهم. لقد شكّل الاستشراق نوعاً من “الاستشراق الداخلي” أو “الذاتي”، وهي ظاهرة تناولها عدد من المفكرين، من بينهم عبد الله حمودي في تحليله الأنثروبولوجيا الاستعمارية في المغرب، وتَمثَّل في تبني النخب المثقفة المحلية في العالم العربي والإسلامي للرؤية الاستشراقية عن ذواتهم ومجتمعاتهم، بفعل تأثير المركزية الغربية وما خلَّفه الاستعمار والانبهار لحظة اللقاء. كل هذا جعل المثقف العربي والمسلم يرى تاريخه وتراثه وثقافته وواقعه بمنظار الاستشراق، فوصف مجتمعه بذات الصفات التي أطلقها المستشرقون، وطرح حلولهم بما تحمله من دعوات تحرير وتحديث، وقَطْع مع التراث، وإبعاد للدين. حتى المفكرون المسلمون الذين سعوا للدفاع عن التراث وقعوا في هذا الفخ من خلال مساعيهم عن البحث عمّا يتناسب وقيم الحداثة الغربية في تراثهم، حتى ظهرت مفاهيم ملتبسة كـ”الإسلام العلماني”.
وبهذا المعنى، يُعْتَبَر الاستشراق الذاتي من أخطر تجليات الاستشراق؛ فهو يحوِّل الخطاب الاستعماري الاستعلائي إلى مشروع داخلي تقوده النخب المحلية التي تدرس نفسها بمناهج الغرب، وتخضع ذاتها لثنائيته، حتى تكوَّنت عقدة ازدراء الذات.
ولمواجهة هذا الخطاب ذي النزعة السلطوية، تبرز الحاجة إلى بناء حوار مع الذات ينبع من الداخل، من أجل فهم ذواتنا وتراثنا بحيث نرى أنفسنا بعيداً عن المرآة المشوَّهة التي يقدمها لنا الاستشراق. نحن بحاجة لتطوير آليات ومناهج جديدة لتفكيك التراث وإعادة بناء مشروع نهضوي يتناسب مع سياقاتنا التاريخية والثقافية، ثم نتوجه بالحوار مع الآخر في موضع الندية لا التبعية ولتحقيق هذا يجب معرفة الآخر من الداخل. ووفق هذا الإطار، برز مشروع “الاستغراب” في مقابل الاستشراق، الذي دعا إليه المفكر المصري حسن حنفي فإذا كان الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق، فإن الاستغراب، من وجهة نظر حنفي، هو دراسة الغرب من قبل الشرق. فحنفي يرى وجوب دراسة الشرق للغرب من الداخل، بهدف فهمه كنموذج من الاجتماع البشري في شكل مجتمعات ودول لا تخلو من تعقيدات وعيوب، له نجاحاته وإخفاقاته، وليس كنموذج حتمي مركزي يعلن نهاية التاريخ. وقدَّم حنفي هذا المشروع في كتابه “مدخل إلى علم الاستغراب”، وهو محاولة لنقد المركزية الغربية وفهم مصادر قوَّتها، وكشف النقائص والتحديات والمشاكل التي يعانيها الغرب حتى نزيل هالة القداسة عنه وبريق الانبهار عنا. وبهذا نكون قد تخلصنا من وهم التبعية وسجن الصورة المشوَّهة التي قدمها لنا الاستشراق، لننصرف نحو رسم صورتنا بأيدينا، بكل ما تحتويه من نقد وتحديث وتجاوز، يتناسب مع خصوصيتنا التاريخية والثقافية والدينية.
وفي الختام لا تزال صدمة اللقاء بين الشرق والغرب، بكل ما حملته من انبهار وردود فعل مختلفة إزاء النموذج الغربي، تسكن الوعي العربي المعاصر، وتختبئ في خطابه الفكري والسياسي اليومي، إذ لم نتحرر بعد من الثنائية التي وضعه فيها الاستشراق ورواد النهضة بأشكال مختلفة. فبقي النقاش حول الدولة المدنية والهوية والعلمانية وحجاب المرأة والحرية يتأرجح بين تَبَنٍّ أو إنكار للنموذج الغربي، فلم نعد نرى سواه نموذجاً نقيس به مدى تقدمنا أو تخلفنا، كما جعلنا نهج اللحاق بالغرب المتقدم دون رسم طريق خاص بنا يقودنا نحو الحداثة، وكأن التحديث هو مرادف دائم للتغريب. لقد أصبح المثقف العربي اليوم منشغلاً بالغرب أكثر من انشغاله بنفسه، إضافة إلى الاستشراق الذاتي الذي أصبح أداة تبرر الانسلاخ عن الجذور والهوية تحت مسمى التحديث، أو رفع شعارات شعبوية عن الأصالة لتحقيق أجندات سياسية خاصة بأصحابها. وفي خضم كل هذا، يكمن التحدي الأكبر في كيفية الانتقال من حالة التقليد والاقتباس إلى حالة الإبداع والتأسيس، وكيفية ابتكار نموذج نهضوي خاص انطلاقاً من تراثنا وسياقاتنا التاريخية والثقافية، وحسب متطلبات الحداثة، للدخول في حوار ندّي مع الآخر، دون أن نبقى أسرى لصورة الشرق في مرآة الغرب.
المصادر والمراجع:
- سعيد ادوارد: الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ط 1995، ت: محمد عناني: دار رؤية لنشر والتوزيع، القاهرة 2006
- حنفي حسن: مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية لنشر والتوزيع 1991
- عبد الله حمودي: المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية» (دار توبقال، 2019
- زماني محمد حسن: الاستشراق تاريخه ومراحله: جامعة المصطفى العالمية، مجلة الدراسات الاستشراقي العدد الأول 2014
- بوزاغية وفاء: الاستشراق ظاهرة انتهت أم بداية جديدة: جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية (الجزائر) مخبر التأويل وتحليل الخطاب المجلد الثاني العدد الخامس، أكتوبر 2024