Skip to content Skip to footer

مُعتزليُّ أكسفورد المسيحي: جورج حوراني (1913-1984) -الجزء الثاني | شفيق محمد اكّريكّر

ما الذي خسره المسلمون بأفول نجم المعتزلة؟

رأينا في القسم الأول من هذه المقالة أن جراءة المذهب الأخلاقي للمعتزلة وعمقه الفلسفي يغدوان واضحين إذا علمنا أن المسألة الأخلاقية، بحسب حوراني، إنما تدور على سؤالين: سؤال أنطولوجي يقسم الناس إلى قائل بالموضوعانية وآخر منتصر للذاتوية؛ وسؤال إبستملوجي يكون بموجبه المرء إما عقلانيًّا أو مؤلِّهًا. بالتركيب بين القسمتيْن نحصل على المعسكريْن الكبيريْن الذين تنازعا بينهما أمر الفكر الأخلاقي في الإسلام:

1- الموضوعانية العقلانية (rationalistic objectivism)، التي حمل لواءَها المعتزلةُ (Hourani 1985a, 126)، والقائلة بأن للقيم الأخلاقية وجوداً موضوعياً ثابتاً في نفسه، وبأن العقل قادر على إدراكها. وهذه هي الترجمة المعاصرة لمقولتهم الشهيرة: الحسن والقبح العقليان.

2- الذاتوية المؤلِّهة (theistic subjectivism)، التي نافح عنها الأشاعرة، خصوم المعتزلة. جرّد هذا المعسكر القيم والحقائق الأخلاقية من أيّ وجود موضوعي مستقل عن الذات الإلهية؛ ولذلك يسمي حوراني هذه النظرية أيضًا “الإرادوية الأخلاقية” (ethical voluntarism) لأنها تُعلّق المفاهيم الأخلاقية على مجرد إرادة هي الإرادة الإلهية (ibid., 24). ولو شاءت إرادة الله إقرار أضدادها، كتحسين الكذب وتقبيح العدل، لجاز ذلك (ibid., 251). ليس الحسن سوى ما أمر به الشارع، وليس القبيح إلا ما نهى عنه؛ وتلك هي نظرية الآمرية الإلهية (divine command theory)،

تكمن أهمية الموضوعانية العقلانية عند المعتزلة في أن لها وجهًا فقهيًّا عمليًّا؛ إذ هي تنطوي على نظرية للخير تلتقي موضوعياً مع ممارسات أصحاب اجتهاد الرأي في الفقه. فحرصاً على المصلحة أو على التلاؤم مع الواقع والعرف أو لاعتبارات أخرى مماثلة، يأخذ اجتهاد الرأي بمبادئ مثل الاستحسان والاستصحاب؛ وهو ما يشكّل نوعًا من التوسع ضد تضييقية مبدأ القياس. ومثل هذه الممارسة الفقهية تفترض، في العمق، وجود خير موضوعي يحيل على مصلحة عامة وعدالة موجودتيْن، بدورهما، وجوداً واقعياً وموضوعياً، وقابلتين للإدراك بواسطة العقل عبر النظر الأخلاقي (ibid., 60). وهذا بالضبط ما تثبته الموضوعانية العقلانية للمعتزلة، ولكن بحسب حوراني (ibid., 60-62)، لم يحدث تاريخياً، للأسف، ذلك الالتقاء والتحالف المفترض بين المعتزلة ومدرسة الرأي؛ ونعثر عند فضل الرحمن على التحليل نفسه لضمور مدرسة الرأي الفقهية وعلاقة ذلك بافتقارها إلى نظرية عامة للحق والخير والعدالة من شأنها توحيد وتعضيد المبادئ المتفرقة للاستحسان والاستصحاب..، ووضع الحدود الواقية من الشطط والفوضى المحتمليْن عند إعمال الرأي (Fazlur Rahman, 3-15).

 

ما الذي خسره المسلمون بأفول نجم المعتزلة؟

وقبل ذلك، كيف انهزموا؟ سلط حوراني الضوء على الاستراتيجية الرئيسة التي اتبعتها الذاتوية المؤلِّهة لإحراج الموضوعانية الأخلاقية المعتزلية وإلزامها وإخراسها. تقضي هذه الاستراتيجية، كما نجدها عن ابن حزم مثلاً، بمعارضة الأحكام الأخلاقية التي اعتبرها المعتزلة كونية عقلية بحالات خاصة أمر فيها الشرع بضدها مثل تعدد الزوجات، تفاوت نصاب الإرث، الرق، إيلام البهائم بذبحها… (Hourani 1985a, 181-183)، ويطبّق الغزالي الاستراتيجية عينها ضدهم (ibid., 154).  وطبيعي أنه يصعب على المرء، كما قال حوراني في الفصل المخصص لابن رشد، الصدع بأن للخير والحسن معنى مستقلا عما يأمر به الشرع، حتى لو افترضنا بأن الشرع قد أمر بعكس ذلك (ibid., 151)! كأنّ الخصوم يضطرون المعتزلة إلى أضيق السبل، مخيّرين إياهم بين دين ترفضه الأخلاق، وأخلاق يرفضها الدّين. ولا يتوانى حوراني عن التساؤل عن قيمة هذا الدين الرافض للأخلاق الذي يراد إعلاء قدره ورفعه في وجه المعتزلة!

بانهزام المعتزلة، خلا الجو للذاتوية المؤلِّهة، القائلة بالآمرية الإلهية، مما أوهن ثقة النخبة المتعلمة في قناعاتها الأخلاقية. وفي المقابل، بذل المعتزلة كل ما في وسعهم لأجل إفساح مساحة لحرية الإنسان وسط القوة الضاغطة لنظرية الآمرية الإلهية (ibid., 275). لو قُدّر لهم النجاح لَافتّكتْ عقلانيتهم الأخلاقية الإنسان العادي والحكام من يد الفقهاء الذين يدّعون لأنفسهم الرقابة الأخلاقية على الأعمال، ولَفَتحتْ باب رجاء الخلاص الأخروي لغير المسلمين بناء على الاستحقاق الأخلاقي (اكّريكّر 2025، 264-271). وبهزيمة المعتزلة، لم تجد فكرة العدالة، وبالتحديد فكرة عدالة موضوعية قابلة للتعقل مباشرة من طرف العقل الإنساني، أي سند لها في وجدان الناس يغذي توْقهم إلى الإصلاح السياسي أو الاقتصادي. وبقي الإمكان الوحيد هو الإحياء الديني مع زعيم متصوف أو مهدي (Hourani 1985b, 73-88). وهكذا، على الرغم من تركيزه على الأخلاقيات المعتزلية، إلا أن حوراني لم يغفل عن أن الاختيار بين الاستقلالية والانقياد الأخلاقييْن هو في العمق اختيار بين نوازع التحرر وكوابح الخضوع في مجالات الحياة كافة.

توغلت الذاتوية المؤلِّهة عميقاً في بنية الفكر الإسلامي. وقد نجح حوراني في بيان أن إقرار الإجماع مصدراً من مصادر التشريع هو واحد من مظاهر هذه الذاتوية، لأن هذا الإجماع ليس سوى ذاتوية الجماعة؛ بمعنى أنه لم يُكتف بجعل الذات الإلهية، من خلال القرآن والسنة، مقررة للمعايير الأخلاقية، بل أضيفت إليها الآن الذات الجماعية، مختزلةً في تلك الجماعة المؤمْثَلة المسمّاة بـ”السلف”. صارت هذه “الجماعة” مصدراً وضعياً جديداً للقانون الأخلاقي (new positive source for moral law)، تُقرر ما هو حق وعادل تقريراً، قاطعةً الطريق على العقل المستقل. صار إجماعها، الذي حصل في وقت من الأوقات -سواء كان إجماع أهل عصر أو إجماع الصحابة أو إجماعاً داخل المذهب- إجماعاً ملزماً للخَلَف من بعدهم في جميع الأوقات (Hourani 1985a, 190-226). ولكن حوراني لا يرى أي حجية للإجماع؛ إنما هي الجماعة وهبت لنفسها (أو لجيل من أجيالها السابقين) حق التشريع، وألقت على عاتق الخَلَف واجب الامتثال والاتباع والتطبيق. بيد أن النظرية القرآنية للقيمة (Quranic theory of value)، في ما يلاحظ حوراني، لا تدعم هذه الذاتوية الجماعية، مهما تأوّلنا هذه النظرية.

لعلنا نسأل الآن: ما أثر انتصار الذاتوية المؤلِّهة على الحياة العملية للمسلمين طوال القرون الماضية؟  لا تنبع المشكلة من كون هذه الذاتوية تضع سلطة القرار الأخلاقي بيد الشريعة؛ بل في أنها تضعه، في الحقيقة، بين أيدي المختصين في تأويل هذه الشريعة، الموكول إليهم الإفتاء في كل نطاقات الحياة العملية. إنهم “العلماء” بمن فيهم أولئك الموكولة إليهم مهمة التدريس في المؤسسات الرسمية والوعاظ والقضاة والمُفتون والأصوليون. وبفعل سلطة هؤلاء وبسبب أتوقراطية السلاطين، شُلت قدرة عامة الناس على اقتراح إصلاحات سياسية أو تنظيم أنفسهم في نقابات وجمعيات أهلية وأحزاب سياسية. فلم يعد من سبيل للتغيير السلمي إلا تغيير نازل من فوق أي من الحكام الذين كان الوضع القائم مريحا لهم تماما. فانحصر سبيل التغيير في الحركات الثورية، وهنا ما كان أحد قادرا على حشد الجماهير غير الزعماء الدينيين الذين قدموا أنفسهم في صورة المهدي الذي يأمل الدنيا عدلًا ويعيد العصر الذهبي (ibid., 275). ويلاحظ حوراني أنه في حالة إيران مثلا، دعم الناس الثورة من أجل حياة أفضل، لا من أجل أن يقضوا نحبهم شهداء في حرب دينية (ibid., 276).

على الرغم من صعود الأصولية في عدة دول إسلامية، يعتقد حوراني أن فشلها محتوم في معركتها ضد نِعم الحياة المعاصرة: حرية المرأة، حرية التعبير، وحرية نقد القادة دون وجل من سجن أو تعذيب، حرية النشاط الاقتراض… ولذلك، إن كان للوحي أن يظل هاديًا للناس ما دامت السماوات والأرض، فلابد له من التكيف من الظروف المتغيرة للحياة ومع المراجعات التي تخضع لها القيم طوال التاريخ. وإلا غدا عتيقًا عاجزًا عن أن يبُثّ في النفوس إيمانًا. ليست الأصولية ولا السُنية المحافظة سوى تشبُّث بأمان الماضي، ولن تحرز في النهاية غير نجاحات مرحلية (ibid.).

ذلكم هو جورج فضلو حوراني، المسيحي الذي نافح، بأدوات الفلسفة المعاصرة، عن مذهب الاعتزال في الأخلاق. اجتهد المعتزلة في إثبات أن الحسن والقبح والعدل والظلم قيم موضوعية كونية لا تتوقف على الإرادة الإلهية؛ وذلك لأن خيرية الله وحكمته وفعله الصلاح لعباده والتفضل باللطف تجعل الألوهية ضمانة الطابع الموضوعي لهذه القيم والدليل على شموليتها. وإذا صح ذلك، فالعقل، أو بالأحرى استكمال الله للعقل، يُقدر الإنسان على معرفة هذه القيم والحكم بناء عليها قبل ورود الشرع، الذي لا معنى لإلقائه إلى الإنسان إلا بافتراض فاعلية أخلاقية سابقة، بها يَستحسن المرء الشرع ويقبله. لا يعني ذلك -بحسب حوراني- أن مذهب المعتزلة الأخلاقي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه، فما أكثر ما يمكن أن يضيف المفكر المعاصر إلى هذا المذهب تصويبًا وتسديدًا. ولكن تاريخ المسلمين أطرح الأخلاقيات المعتزلية باسم تصور معين للدين والألوهية، فأخلف المسلمون بذلك موعدهم مع الحرية الأخلاقية، وحُرم المسلم من إمكانية ممارسة القوامة الأخلاقية على نفسه، وهي أعز حرية، بل هي شرط الحرية السياسية.

 

 

المراجع: أنظر آخر الجزء الأول من هذه المقالة.

 

  • المدرسة العليا للأساتذة، جامعة المولى إسماعيل-المغرب

Leave a comment