Skip to content Skip to footer

اختلاق إسرائيل: في تمفصل الديني والمخيالي والكولونيالي | عقيل سعيد محفوض

يمكن الحديث عن ثلاثة عوامل رئيسة أدت إلى اختلاق أو إقامة إسرائيل، هي: الدين والمخيال والكولونيالية. ويمكن إضافة عامل رابع، تمثل بحالة “تأخُّرٌ تاريخي” لدى العرب والإقليم، وإخفاقهم في فهم ما يحدث في العالم، وفي خلق استجابات متناسبة لتحديات ذات طابع وجودي.

لكن المهم فيما حدث هو مدارك “الفرصة السانحة” لدى الغرب والحركة الصهيونية، ذلك ان مجموعة من العوامل والظروف اجتمعت في لحظة تاريخية بدت مناسبة لذلك. لحظة حسمت أمرين رئيسين متداخلين: الأول هو التطلع لإقامة “وطن قومي لليهود”، وثمة ظروف حكمت أو عجلت في قرار بريطانيا تأييد مطلب الحركة اليهودية. والثاني هو الاستقرار على أن يكون ذلك في أرض فلسطين. 

في معرض الحديث عن إسرائيل، يبدو أنّ:

o           الديني “أَولى” من الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، لكن ليس الديني بالمعنى القيمي والإيماني والروحاني فحسب، وإنما بما هو تَمَثُّل لقيم ومدارك لدى جماعة بدا الدين أحد أهم عوامل تشكلها وتكوينها أيضاً. المفارقة أن مؤسسي المشروع الصهيوني في فلسطين كانوا علمانيين، وبعضهم كان ملحداً. كان الدين، من منظور هؤلاء، “ملاطاً لاصقاً” بين اليهود القادمين من مختلف أنحاء العالم إلى فلسطين.

o           والمتخَيَّل أو المخيالي “أَولى” من الحقيقي أو الواقعي، لكن ليس الوهم أو مجرد التَخَيُّل فحسب، وإنما المخيالي بمعنى “تمثل” قيم ومدارك وتصورات، بما في ذلك “المثال” و”المنوال” بشأن “الكيان” أو “الدولة” المأمولة يهودياً أو صهيونياً، أي تصور دولة على غرار نموذج ما، وهو بالطبع “النموذج الغربي”، إذ لم يكن ثمة تصور مفصل أو مكتمل العناصر لـ”دولة يهودية” على غرار “سلف صالح” أو “ذاكرة توراتية” يجب السير على خطاها أو البناء على منوالها! بالتالي فإن الدولة المأمولة هي في أفق أفكار قابلة للتلقي والتمثل العملي، وليس فقط الذهني أو التخيلي، أي أن المشروع أمام أفكار وخطط عن دولة حداثية وعلمانية يمكن للعالم تقبلها والتوافق معها.

o           والكولونيالي “أَولى” من الاجتماعي والتاريخي والانثروبولوجي. لكن ليس بما هو قوة احتلال وسيطرة فحسب، بل قوة بناء أو إعادة بناء وتشكيل للمجال الجغرافي والاجتماعي وبالتالي الثقافي والقيمي أيضاً، ليس لفلسطين والإقليم فحسب، وإنما للعالم أو النظام العالمي أيضاً. وليس للحاضر فحسب، وإنما للماضي أيضاً! 

الجماعات المتخيلة

أفادت الحركة الصهيونية من لحظة عالمية جرى فيها رسم خرائط وإقامة كيانيات ودولاً حول العالم بكيفيات لا تختلف كثيراً عن خط التفكير والتدبير لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين. دول وكيانيات كثيرة أقامتها الكولونياليات الغربية بالمسطرة والقلم، ومن دون اعتبار كبير لتطلعات ورغبات الناس الذين سوف يصبحون مواطنين أو رعايا فيها.

وسوف يجري لاحقاً هندسة أو صناعة أفكار حول مجتمع ودولة في تلك الكيانيات أو الدول. وثمة كلام كثير حول “الجماعات المتخيلة” و”الأمم المتخيلة”، بما في ذلك تخيل وحتى اختلاق سرديات تاريخية وأحداث ووقائع تأسيسية الخ.  وهكذا، تَمَفْصل المخيالي والديني معاً في الحاجة لسردية ليس تاريخية أو أسطورية أو ميثية تستند إلى نصوص ومرويات وتأويلات فحسب، بل إلى دلائل ميدانية أو أركيولوجية.

اختراع “الشعب” و”الأرض”!

يمكن الحديث عن عملية “اختلاق كبرى” في السردية الإسرائيلية، ليس في التاريخ والدين فحسب، وإنما في الاجتماع والجغرافيا والثقافة أيضاً، هندسة فكرة عن “شعب يهودي” و”أمة يهودية” بوصفهما جماعات إثنية وقومية، بالمعنى الذي تعرفه العلوم الاجتماعية والسياسية والانثروبولوجيا والتاريخ. وهذا مجرد “اختلاق” و”تخيل” لا أساس علمي له، لكنه “صالح للاستعمال الإيديولوجي”. (شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، 2011، ص 49)، وتوظيفه في خلق واقع مادي، وبالطبع واقع سياسي.

يقول المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند: إن الدين أو الإيمان لا موطن له، وأما “الشعوب فينبغي أن يكون لها وطن. لذلك اضطرت الصهيونية إلى تأميم الديانة اليهودية وتحويل تاريخ الجماعات اليهودية إلى سيرة شعب “إثني””. (ساند، اختراع الشعب اليهودي، ص9-10).  ويذهب ساند عميقاً في تحليل ذلك “التأميم” الجائر من قبل الحركة الصهيونية لمفاهيم مثل: “الأمة” و”القومية” و”الشعب”، وهندسة معانيها لتوائم واحدة من أكبر عمليات التزييف في التاريخ الحديث، ما يدعوه ساند “اختراع الشعب اليهودي” واختراع “أرض إسرائيل”. (انظر أيضاً: ساند، اختراع “أرض إسرائيل”، 2014).  

سرديات مزيفة!

يتحدث المؤرخ العراقي فاضل الربيعي عن اختلاق وتزييف سرديات تاريخية وأركيولوجية لـ “التماثل” أو “التمفصل” بين “جغرافية التوراة” و”جغرافية فلسطين” للزعم بأن أرض فلسطين هي أرض اليهود والتوراة. (انظر مثلاً: الربيعي، القدس ليست أورشليم، مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين، 2020). ويعود جانب من ذلك “الاختلاق” إلى جهود أو سياسات غربية في وجهين رئيسين: الأول الاستشراق والمؤرخين اللاهوتيين من جهة. والثاني هو تمويل حملات تنقيب عن الآثار مهمتها ليس البحث عما “تحت الأرض” في فلسطين والمشرق، عن آثار، بقدر ما أن الهدف هو “تأكيد” ما تقول السرديات المخيالية والتأويلية والنصية المزيفة والتحريفية التي اتخذت لبوساً ثقافياً ولغوياً وجغرافياً وآثارياً وبالطبع دينياً.

وكان “صندوق استكشاف فلسطين” الذي تأسس في بريطانيا عام 1865، من أول وأهم المؤسسات التي عملت على تزييف مركب وبالغ التعقيد لتاريخ المنطقة وللسرديات الدينية والأنثروبولوجية والأركيولوجية، بهدف “صناعة هويات زائفة”. عمل الصندوق -مع مراكز ومؤسسات أخرى يهودية ولاهوتية غربية واستشراقية ومؤسسات كولونيالية مختلفة- على تأسيس مخيالي، ونصي تأويلي، وتلفيقي، لـ”معطيات” و”لقى” آثارية في أرض فلسطين والمشرق، والزعم بأنها يهودية توراتية. (انظر مثلاً: الربيعي، القدس ليست أورشليم. وما بعد الاستشراق، 2007).  

يقول الربيعي: إن الجميع تقريباً وقع “تحت نير “عبودية السرد اللاهوتي” المطلقة وغير القابلة للتحدي. وينبغي الاعتراف أن الهيمنة السردية اللاهوتية/ الاستشراقية على التاريخ القديم في الشرق العربي، شكَّلت بالفعل نجاحاً باهراً حققه اللاهوتيون من أعضاء صندوق آثار فلسطين”. ويضيف: تم “إدخال هذه السردية [التوراتية المزيفة] في مناهج التعليم الرسمي في معظم البلدان العربية منذ مطالع القرن ما قبل الماضي”. (الربيعي، صناعة الهويات الزائفة، مركز مجتمع، 15 كانون الأول/ديسمبر 2023).

فرصة تاريخية!

بدت فكرة إقامة “دولة لليهود” في فلسطين فرصة تاريخية، كما سبقت الإشارة، ليس لـ”الحركة الصهيونية” و”المسيحيين الصهيونية” فحسب، وإنما للمشروع الكولونيالي الغربي عموماً أيضاً، ونوعاً من “استجابة مزدوجة”:

o           أولاً، “حل للمسألة اليهودية” في الغرب، ونقلها إلى خارج أوربا. ولا يزال الغرب ملتزماً بذلك “الحل”، على حساب الإقليم؛ ويمنع مجرد طرح الأسئلة حول أصل أو شرعية ذلك الموقف، تحت عناوين “معاداة السامية”.

o           ثانياً، “حل” مديد وعميق لواحدة من عقد الصراع بين الشرق والغرب أو بين الإسلام والغرب، بجعل إسرائيل “قاعدة متقدمة” للمشروع الغربي في قلب الإقليم العربي والمشرق. وكانت فلسطين –من هذا المنظور- مكاناً مثالياً لذلك.

وقع كل ذلك على منطقة كانت خرجت للتو (في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1914-1918) من السيطرة العثمانية المتداخلة والمتصارعة مع الهيمنة الغربية المتزايدة في الإقليم والعالم. وتشكيل المنطقة كيانيات ودولاً أو أشباه دول. وافتقار محلي أو إقليمي لـ”الوعي بما يحدث”، وتنازع حاد على كل شيء تقريباً، بما في ذلك كيف يمكن للعرب أن ينهضوا بأنفسهم، ويعيدوا بناء أمجادهم، ويعودا إلى التاريخ؟

الوعي، اللا وعي؟

المفارقة، أن بدايات الحركة الصهيونية كانت محل “قبول” و”تلقٍّ” من شرائح وفواعل في السياسة والاجتماع والثقافة وغيرها في الإقليم. وقامت اتفاقات وتفاهمات مبكرة بين الأطراف العربية والحركة اليهودية. ويذكر المؤرخ ديفيد فرومكين مثلاً انطباعات زعماء الحركة الصهيونية في فلسطين عن قادة وزعماء عرب في عشرينيات القرن العشرين، لم تكن لديهم تحفظات حيال وجود اليهود في فلسطين، وحتى حيال خلق كيانية لليهود فيها. (فرومكين، سلام ما بعده سلام، 1992).

ليس ثمة مؤشرات كثيرة على أن فواعل السياسة العرب آنذاك، أي في بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، كانوا على وعي يما يحدث وما هي التداعيات العميقة والمديدة للعلاقات مع الحركة اليهودية؟ وإذا كان ما حدث هو نتيجة فعل واع بالتمام، فهذا يحيل إلى “مشكلات عميقة” في التفكير والفعل السياسي العربي. وهذا من حيث النتيجة، يعزز الدينامية التي ذكرناها أعلاه، حول اختلاق إسرائيل، وهي “التمفصل” بين: الديني والمخيالي والكولونيالي. ويضاف إلى ذلك الاختلال العميق والمقيم في وعي السياسة وفعلها لدى العرب.

الإمكان التاريخي والأولوية

حدث أن كان “الإمكان التاريخي” لـ”الفكرة المتخيلة” هو في فلسطين، التي تم تهيئتها كولونيالياً، لأن تكون بؤرة التركيز لـ”اختلاق إسرائيل”، والصحيح هو “تخيلها” قبل أن يتم تشكيلها وتكوينها مادياً وكيانياً وسياسياً وعسكرياً الخ وبالطبع ثمة عوامل مساعدة أو معززة وأهمها البحث الغربي عن “حل للمشكلة اليهودية” في أوربا، كما سبقت الإشارة.

فلسطين لم تكن في أولوية لدى الحركة اليهودية. كانت الرغبة بإقامة “وطن قومي” لليهود محكومة باعتبارات السياسة أكثر من الدين. وكان ثمة بدائل عديدة مطروحة، مثل: سيناء والأرجنتين وأنغولا وأوغندا الخ، حتى أن الحركة اليهودية بنت العديد من المستوطنات في أوغندا، غير أن تطورات الأمور رجحت فلسطين، التي سرعان ما أصبحت هي الهدف وهي “أرض الميعاد”!

في الختام،

يمكن الحديث عن نوع من “التواطؤ التاريخي” بين عوامل قصدية وغير قصدية، عوامل موعي بها وعوامل غير موعي بها، من أجل “اختلاق إسرائيل”، وجعلها واقعاً مادياً وبشرياً وسياسياً وأمنياً، بعد أن كانت مجرد فكرة أو احتمال في مخيال فواعل صهيونية وغربية كولونيالية مغامرة.

وهكذا، فإن المشروع الإسرائيلي ليس محض مشروع تخييلي، إذ “لا شيء من هذا الشرق تخيلي صرف”، (إدوارد سعيد، الاستشراق، 1984). وثمة “تضافر” بين المخيالي والديني والكولونيالي، وبالطبع السياسي والأمني، بحيث أنتج الواحد منها الآخر، الأمر الذي يفسر –مع عوامل أخرى- ليس قيام إسرائيل فحسب، وإنما استمرارها أيضاً.