Skip to content Skip to footer

“نظرية المعرفة عند ابن خلدون: دراسة تحليلية” لـ علي الوردي مع حسين سعدون

كيف نقرأ فكر ابن خلدون؟ هل فصل الدين عن الدنيا؟ كيف فسر الأساطير بمنظور اجتماعي؟ ما سر صراع البداوة والحضارة؟ لماذا ندرس تراث الماضي اليوم؟ هل تصلح نظرياته لفهم واقعنا؟ كيف تتطور دراسات العلوم الإنسانية؟ كل هذه الأسئلة يجيب عنها الباحث حسين سعدون من خلال قراءته لكتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون” لـلدكتور علي الوردي في #بودكاست_كتاب، على #منصة_مجتمع

 

كيف نقرأ نظرية ابن خلدون؟

طابت أوقات الجميع بخير، استكمالًا لما بدأنا به في الحلقات السابقة من برنامج “كتاب” على منصة مجتمع، لتسليط الأضواء على أهم المؤلفات أو الكتب التي نرى أنها جديرة بالقراءة.

عزيزي القارئ، كيف استطاع رجل عاش في القرن الرابع عشر الميلادي أن يسبق علماء الاجتماع والفلسفة والأنثربولوجيا في طرح أسئلة ما زالت تربك العقول إلى اليوم؟ وكيف يمكن لكتاب يعود إلى 440 صفحة، كُتب قبل أكثر من نصف قرن، أن يعيد فتح ملف ضخم اسمه: كيف نعرف؟ وكيف نصنع معرفة صحيحة؟

بين يدي الآن كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون” للكاتب العراقي الدكتور علي الوردي. في هذا الكتاب، يأخذنا الدكتور علي الوردي إلى أعماق فكر ابن خلدون، ليكشف عن جانب خفي في مقدمته، نظرية معرفية متكاملة سبقت عصرها، وبقيت مهمشة تحت ضجيج الحديث عن الدولة، والعصبية، والاقتصاد. يناقش الوردي كيف فهم ابن خلدون العقل؟ وكيف ميّز بين الوهم والمعرفة؟ وكيف رأى آليات التفكير الجماعي؟ بل وكيف تنشأ الخرافة في المجتمعات؟ ولماذا يهرب العقل من الحقيقة حين تهدد مصلحة، أو سلطة، أو تقليدًا؟ هذا الكتاب ليس قراءة في التاريخ، إنه مواجهة مباشرة مع طريقة تفكيرنا نحن اليوم: كيف نفهم؟ ولماذا نصدق؟ ومتى نخطئ؟ إنها أسئلة ابن خلدون، ويعيد طرحها علي الوردي على طاولة عصرنا الحالي.

مؤلف الكتاب هو الدكتور علي الوردي، ولد عام 1913، رحل عام 1995، عالم اجتماع عراقي بارز، يُعد من أوائل من أدخلوا المناهج الحديثة في دراسة المجتمع العربي. امتاز أسلوبه بالجرأة، وكشف التناقضات، وقراءة السلوك الإنساني بعيدًا عن المثاليات. كتبه… أهم كتبه: “مهزلة العقل البشري”، “وعاظ السلاطين”، ما تزال تقرأ حتى اليوم؛ لأنها تفكر بصوت عالٍ، وتزعج بصوت أعلى.

في هذا الكتاب يوظف الدكتور علي الوردي أدواته التحليلية ليعيد اكتشاف ابن خلدون لا كمؤرخ، بل كعقل نقدي وعالم معرفة قبل أن يوجد علم المعرفة نفسه.

 

كيف نعيد رسم العقل العربي؟

عزيزي القارئ، عودة إلى كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”، نأتي إلى أقسام وفصول هذا الكتاب. يفجر علي الوردي في “نظرية المعرفة عند ابن خلدون” سلسلة من الأقسام التي تعيد رسم صورة العقل العربي من الصفر. يبدأ بكشف مصادر المعرفة كما فهمها ابن خلدون: كيف نفكر؟ ولماذا ننخدع؟ ثم يتقدم إلى المنطقة الأخطر: تأثير العصبية، والبيئة، والمصلحة على عقول البشر، وكيف يتحوّل العقل الجماعي إلى قوة تصنع الوهم أكثر مما تصنع الحقيقة؟ بعدها يعري الوردي عيوب الفلاسفة، ويبرز ثورة ابن خلدون على التفكير النظري العقيم، قبل أن يكشف منهجه الصارم في تمحيص الأخبار وفضح أكاذيب المؤرخين. وفي الختام يثبت الدكتور علي الوردي أن ابن خلدون شق طريقًا معرفيًا سبق عصره بقرون، طريقًا لم نلحق به حتى اليوم. وسوف أختار -من وجهة نظري- الفصول أو الأقسام الأكثر أهمية للقارئ في مجتمعنا وواقعنا الحالي.

 

لماذا يصعب فهم ابن خلدون؟

ندخل الآن مباشرة إلى مقدمة كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون” للدكتور علي الوردي. في بداية هذا الكتاب يكشف لنا الدكتور علي الوردي أن فهم ابن خلدون ليس مهمة سهلة؛ فالرجل غامض تتعدد حوله القراءات والاتهامات، ومع ذلك يرى الوردي أن سر فرادة ابن خلدون يكمن في كونه ابن عصره الذي حاول تفسير الواقع بعين عالم اجتماع سبق زمانه. ومن هنا يُمهد الوردي لرحلته في تحليل نظرية المعرفة عند ابن خلدون، محاولًا أن ننظر إلى العالم كما كان يراه ذلك المفكر الكبير.

السؤال الآن: لماذا ابن خلدون؟ يعد ابن خلدون من الشخصيات الغامضة التي يصعب فهمها، ولم يتفق النقاد على فهم المعنى الحقيقي لكتاباته مطلقًا؛ فمنهم من يراه شديد التدين، ومنهم من يراه ملحدًا ودنيويًا إلى أبعد الحدود، ومنهم من يراه عروبيًا، ومنهم من يراه بربريًا عدوًا لدودًا للعرب.

وتبدو مقدمة ابن خلدون أشبه بالكتاب المقدس أو القرآن الذي يمكن أن يجد فيه كل طرف ما يدعم آراءه المختلفة، وقد تكون هذه مشكلة كل مؤلف يُنظر إليه من منظور يختلف عن منظور المؤلف، هذه من زاوية إن لم يكن المؤلف معتادًا عليها. لقد ولى الزمن الذي كان ينظر فيه إلى الحقيقة على أنها معطيات موضوعية مجردة هناك، وبالتالي فإن أي شخص يتمتع بنظرة ثاقبة يستطيع أن يفهم الحقيقة كاملة. إن هذه الفكرة لم تعد صحيحة؛ فالحقيقة الآن ظاهرة معقدة للغاية، وبتعبير علي الوردي: “من المستحيل أن ننظر إليها كلها من منظور منفرد”. ويمكن أن نشبه الحقيقة بهرم متعدد الأوجه، فلا يستطيع أحد أن يرى جميع الأوجه في آن واحد وهو واقف في مكان واحد. وقد أشار أحد علماء الاجتماع البارزين إلى أن الحقيقة لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال شكل دائري، أي من خلال نظرة عامة تجمع جميع الآراء.

إن الخطأ الذي وقع فيه نقاد ابن خلدون هو أنهم يحاولون فرض أفكارهم ومبادئهم على ابن خلدون، وكانت النتيجة أن خرج كل منهم في دراسته بتفسير مختلف إلى حد ما. لقد عاش ابن خلدون في ثقافة تختلف عن ثقافتنا تمام الاختلاف، وهاجم معظم النزعات الفكرية في زمنه، لكننا لن نستطيع أن نفهم وجهة نظره ما لم ندرس تلك النزعات والقيم التي هاجمها. ولكي نفهم ما المعنى الحقيقي لنظريته، لا بد أن نضع أنفسنا في مكانه وننظر إلى العالم بعينه.

إن أحد الأهداف الرئيسة لهذه الدراسة هي القول إن ابن خلدون، مثل أي مفكر آخر بالضبط، هو ابن عصره، وأنه استجاب لظروف عصره فأنتج لنا كتابه الأشهر “مقدمة ابن خلدون”. علمًا عزيزي القارئ أن هذا الكتاب هو رسالة الدكتوراه للدكتور علي الوردي التي حاز فيها على الدكتوراه من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1950، وقد تُرجمت إلى اللغة العربية مؤخرًا.

 

هل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟

أهلاً بكم، عودة إلى كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”. الكتاب يتكون مجموعة من الأبواب، وكل باب فيه مجموعة فصول، تقريبًا خمسة فصول. في الباب الأول: المثالية والواقعية. قبل البدء في تفصيل ما جاء في هذا الفصل وفي هذا الباب، هناك سؤال أزلي بتعبير الدكتور علي الوردي: هل الحقيقة مطلقة أم أن نظرتنا إليها مجرد انعكاس لمجتمعنا ومصالحنا؟ في هذا الفصل وفي هذا الباب يوضح الدكتور علي الوردي أن التفكير الإنساني ليس مطلقًا، بل مرتبط بالبيئة الاجتماعية، والطبقة، والعواطف؛ فالمثالي يرى الحقيقة جاهزة وواضحة، أما الواقعي فيفهم أن المنطق نفسه هو نتاج اجتماعي، وأن اختلاف البشر في الرأي يعكس اختلاف ظروفهم ومواقفهم.

في الفصل الأول، الذي جاء تحت عنوان “المثالية والواقعية”، يناقش الدكتور علي الوردي نمط التفكير لمناقشة المثالية والواقعية، وبالتالي لا بد أن ندرس طبيعة الفكر الإنساني. فالمثالية والواقعية، بتعبير المؤلف، هم أساليب تفكير أو أنماط تفكير، ومع ذلك لا يكفي أن نصنف الناس إلى مثاليين وواقعيين دون أن نغوص في عقولهم وندرس الكيفية التي ظهر بها هذان التوجهان الذهنيان.

إن مفهوم نمط التفكير مفهوم لمن يفكرون وفقًا لنمط التفكير التقليدي، فهم يرون أن عملية التفكير مطلقة وشاملة، وينطبق الحال على أي مكان يستطيع أن يفكر فيه الإنسان، وهم يرون أن الحق شيء موجود بوضوح وجاهز للالتقاط، وما على المفكر إلا أن ينظر إليه ويراه، وطالما فكر المفكرون بصورة صحيحة استطاعوا أن يروه كما هو دون أي تغيير أو تشويه. هذه النظرة المثالية ينتقدها مؤلف الكتاب يقول: غير أن هذه النظرة لم تعد صحيحة، فالتفكير، كما يقول الفيلسوف الأمريكي الشهير جون ديوي، هو نوع من أنواع النشاط البشري، وهو يميل كأي نشاط آخر إلى السير على الأسس التي وضعها المجتمع. ويمكن -وهذا الكلام مهم جدًا- أن يكون هذا النمط نسبيًا؛ قد يكون هذا الرأي صادمًا للغاية للمفكرين التقليديين، وقد يكون لفكرة نسبية المنطق والحقيقة أثر مشابه للأخلاق بين البدائيين.

ويمكن أن نقول أن الاعتقاد بمطلقية قواعد المنطق ومطلقية القيم ناشئ من مصدر واحد وهو المجتمع البشري، ومن خلال ذلك نستنتج أن قواعد المنطق ليست مطلقة أو فطرية في العقل كما يعتقد أرسطو، بل هي نتاج جدل ونقاش، بمعنى أنها أنظمة اجتماعية لضبط الحوار بين المتحاورين.

ومن المهم -والكلام للدكتور علي الوردي- أن نشير إلى أن ظهور المنظومات الفلسفية المعقدة للغاية في اليونان القديمة قد ارتبط لأول مرة في تاريخ البشرية بحرية التعبير، وبنوع من الحكم الديمقراطي الذي يسمح للناس بالتعبير عن أفكارهم دون خوف من العقوبة، وهو الوضع الذي لم يكن موجودًا في أي بقعة من بقاع العالم.

وعلينا -والتعبير للدكتور علي الوردي- أن نؤكد أن عقل الإنسان يتأثر بانتمائه الطبقي ومكانته الاجتماعية؛ فمثلًا ينظر الأغنياء إلى الثورة أو إلى أي نوع من الحركات الاجتماعية على أنها جريمة يعاقب عليها بالموت، لأنها تهدد السلم العام الذي هو برأيها أمر إلهي، بينما يرى الفقراء في الثورة حدثًا مباركًا، أو عملًا إلهيًا إحياءً للعدالة الاجتماعية، ويتأثر عقل الإنسان بذلك بعقده الشخصية والعاطفية.

 

كيف وازن ابن خلدون بين المثالية والواقعية؟

عزيزي القارئ، هل يمكن تجمع بين المثالية والواقعية، أم أن التاريخ والواقع يفرضان وجهة نظر واحدة؟ هنا نأتي لفصل آخر من الكتاب قد عنونه الدكتور المؤلف علي الوردي بـ “نمط تفكير ابن خلدون”.

ابن خلدون كما يصفه الدكتور علي الوردي -وهذا الكلام مهم جدًا- هو النسخة الإسلامية لمكيافيلي، الفيلسوف الإيطالي الشهير، لكنه يمزج بين الواقع والمثالي بالذكاء لا يضاهى؛ فهو يرى أن التاريخ يجب أن يدرس كما هو فعليًا بعيدًا عن الأحكام المثالية، وأن الدين لا ينبغي أن يختلط بأمور الدنيا. عصبية القبائل والظروف الاجتماعية هي التي تحدد الأحداث، وليس مجرد النصوص الدينية أو المثل العليا.

ابن خلدون يفكك الأساطير والخرافات ويضعها في إطار اجتماعي وواقعي، مؤكدًا أن العقل البشري نتاج مجتمعه، وأن الواقع الاجتماعي هو مقياسه. فيقول الدكتور علي الوردي: يمكن أن نعد ابن خلدون النسخة الإسلامية لمكيافيلي بحق، فقد اختلف كل منهما عن المعاصرين بمعالجة الأمور الاجتماعية ضمن إطار واقعي جدًا، غير أن هناك -بتعبير الدكتور علي الوردي- اختلافًا كبيرًا بين الاثنين لا ينبغي أن نغفله؛ فبينما يرفض مكيافيلي المثالية لمصلحة الواقعية، يعترف ابن خلدون بصحة وأهمية كليهما، فهو يرى أن “ما يجب أن يكون” صحيح مثل “ما هو كائن” فعلًا، على أن يكونا منفصلين بالكامل، وأن يكون كل منهما -أي المثالية والواقعية- في عالم خاص يتداخل في الآخر. ويهاجم ابن خلدون -بتعبير الدكتور علي الوردي- مفكري أهل السنة بشدة في مواضع متعددة من مقدمته الشهيرة؛ لأنهم يخلطون بين الاثنين، أي أن نمط تفكيرهم بتعبير ابن خلدون انفصامي.

ويهاجم ابن خلدون في بعض المواضع المؤرخين الذين كانوا يدونون التاريخ ويناقشون إشكالياته بالروحية التي دونوا بها الحديث النبوي؛ فهو يرى -أي ابن خلدون- أن أمور الدين يجب أن لا تختلط بأمور الدنيا، ولأن الأحاديث النبوية عادة ما تتناول ما يجب أن يكون، فمن حق أهل الحديث أن يهتموا بالبحث فيما إذا كان النبي قد قال هذا الحديث فعلًا أو لم يقله، ولكن عليهم -بتعبير ابن خلدون- أن لا يستخدموا هذه الطريقة في التاريخ. فالتاريخ يتناول ما هو كائن فعلًا، أي يتناول وقائع المجتمع، وبالتالي فلكي تدرسه لا بد أن تدرس القوانين الاجتماعية التي تحكم حياة الناس اليومية أولًا.

وبالتالي، فإن ابن خلدون يعتبر أن طريقة أهل الحديث في التحقق من سلامة وصحة الحديث النبوي لم تعد مهمة في كتابة التاريخ، وأن معظم المؤرخين المسلمين والمنظرين لعلم الاجتماع أشبه بالدعاة والمعلمين الذين يقولون ما يجب أن يكون، في حين أن علمهم الحقيقي هو أن يقولوا ما حصل في الماضي فعلًا.

ويهاجم ابن خلدون المفكرين المثاليين لتناسيهم الحاضر وتركيزهم على ماضي النبي ومستقبل المهدي، ويرى ابن خلدون أن مثالية النبي كانت تلائم الزمان والمكان الذين عاش فيهما، ومن غير المجدي تمامًا -والمؤذي أحيانًا- أن نطبق هذه المثالية القديمة عن الحاضر الذي يختلف عن عصر النبي تمام الاختلاف.

أما عن المستقبل -والكلام للدكتور علي الوردي- فقد أنكر ابن خلدون صراحة ظهور أي مهدي، ولذلك يمكن أن نعدّه -بتعبير علي الوردي- أن ابن خلدون آخر كاتب في الإسلام يجرؤ على إنكار المهدي، وهو يرى أن المستقبل والماضي يعملان بطريقة واحدة ويسيران وفقًا لقوانين واحدة، ويمكن أن نلاحظها في الحاضر، وأن التشابه بينهما أكثر من التشابه بين قطرات الماء.

ويولي ابن خلدون اهتمامًا كبيرًا بالخلافات التاريخية بين علي ومعاوية، وبين الحسين ويزيد، وأخيرًا بالخلافات الإلهية والملك الدنيوي. ولاحظنا -بتعبير الدكتور علي الوردي- أن تلك الخلافات كانت من سمات الصراع بين المثالية والواقعية في العصر الأموي، واتخذت طابعًا مؤسسيًا أخيرًا في التسنن الإسلامي خلال العصر العباسي.

هنا يقول المؤلف الدكتور علي الوردي: واجه ابن خلدون معضلة محيرة، فوفقًا لنزعته الواقعية أو نمط تفكيره الدنيوي، كان عليه أن يقف مع معاوية ضد علي، ومع يزيد ضد الحسين، ومع الأمويين عمومًا ضد المثاليين، ولكن من المؤكد أن ذلك كان سيسبب متاعب له -أي لابن خلدون- ولكل من يجرؤ على التشكك في الصحة المطلقة للمذهب السني. لكن ابن خلدون كان ذكيًا بما يكفي ليخرج من هذه الورطة سالمًا، مع أنه بإمكانه أن يخرج ببعض الأحاديث التي عزز بها نظريته بالظاهر بالنتيجة التي خرج بها مكيافيلي؛ أي أنه كان يمكنه أن يلعن وينتقد إلى الأبد، ويدافع عن معاوية بذكاء وينتقد الحسين، ويناقش انغماس الأمويين بملذات الدنيا والحياة دون أن يثير أي ريبة أو استياء أو شك بين أهل السنة، وينظر بنمط تفكير دنيوي تمامًا، ولكن حاله وما يتهدد وضعه يلجأ إلى حديث إلى محمد، أي فعل للخلفاء الراشدين، غير أن معظم الأحاديث والأفعال التي استخدمها لا تنسجم -أي ابن خلدون- مع النظرية التي قدمها. ويرى الدكتور علي الوردي أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الموضوع دنيوي بوضوح؛ أي نسبي، ومؤقت، ومادي.

ويناقش الدكتور علي الوردي لاحقًا في هذه الدراسة العوامل الشخصية والطبقية التي تؤكد نمط تفكيره الدنيوي، حيث يتفق ابن خلدون مع كُتاب أهل السنة في أن الخلافة الإلهية انتهت بتولي معاوية مؤسس البيت الأموي، ولعله لم يستطع إنكار ذلك لوجود حديث مشهور منسوب إلى النبي يقول: “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا عضوضًا”، غير أنه يعترف بأن معاوية كان ملكًا وليس خليفة.

ويتساءل ابن خلدون، ربما مبررًا لنفسه: لكن ما الخطأ في ذلك على حد قوله؟ فالملك أمر نسبي، أي أنه ليس فاسدًا فسادًا ذاتيًا، فهو كأي أمر بشري -أي الملك- يُستخدم لأغراض فاسدة أو لأغراض صالحة، والنتيجة تكون بالنهاية. وأن النبي، بتعبير ابن خلدون، لم يذم الملك أو ينتقده لهذا السبب، بل ذم عوارضه المعروفة كالظلم والترف وما إلى ذلك، ولكن حين يُستخدم الملك لإحقاق الحق، وحماية الدين، وتشجيع الشعائر الدينية، فلا شك أنه سيستحق الثناء.

ويقول ابن خلدون أن ذم الملك كذم الغضب أو الشهوة، وأن هذه الغرائز ليست فاسدة لذاتها، فهي أسباب حفظ البشرية وحمايتها من العدوان، إنها لا تكون فاسدة إلا حينما تستخدم ظلمًا أو بما يخالف الشرع.

ويقول الوردي هنا إن هذا رأي ابن خلدون الشخصي: إن معاوية كان مسلمًا حقيقيًا وحاكمًا جيدًا، فقد قبل يتولى -بتعبير ابن خلدون- هذا الملك الشاسع لأن ظروف عصره أرغمته على ذلك ليس إلا. إنه عاش في عصر يختلف كثيرًا عن عصر النبي أو الخلفاء الراشدين، وإن مظاهر الترف والأبهة في عصر معاوية كانت من ضرورات الوقار للحاكم. وأما أن تمرده على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب وانتزاعه الخلافة عنوة، فيشير ابن خلدون إلى الضغط الاجتماعي الذي أرغم معاوية على ذلك، ويقول إن الهدف لثورة معاوية لم يكن خاطئًا، فهو لم يقاتل عليًا إلا لأنه وجد نفسه أفضل استعدادًا للخلافة منه، ولأن عصبيته كانت أقوى من عصبية علي فقد كان وضعه أفضل لفرض الشريعة الإلهية.

ويتناول ابن خلدون الخلاف بين الحسين ويزيد بالإطار والمرجع النسبي والمؤقت والمادي الذي تناول به الخلاف بين علي ومعاوية، وهنا نجده يذم تمرد الحسين على يزيد، ويعترف مع مؤرخي أهل السنة -أي ابن خلدون- بأن يزيد كان فاجرًا فاسدًا، ولكن ذلك لا يكفي برأيه للتمرد عليه.

ويدافع ابن خلدون عن تمرد معاوية على علي، على أساس العصبية، ويذم تمرد الحسين على الأساس نفسه. ويعلق الكاتب، مؤلف الكتاب الدكتور علي الوردي هنا يقول: الظاهر أن قياس التمرد عند ابن خلدون يكمن في نجاحه النهائي، ويبدو أنه أخفى رأيه البراغماتي في أعماق عقله، ولعله لم يستطع البوح به -أي ابن خلدون- لنفسه أو لقرائه.

والحقيقة أن غموض العصبية كان أكبر من أن يكون عاملًا يعول عليه في أمور السياسة والمجتمع، وأن يبين تاريخ الإسلام بين قوة العصبية التي قد تزداد أو تضعف بتغير الوضع، واكتسب كثيرون غيرهم عصبية قوية بعد انتصار عارض أو ارتفاع مفاجئ.

وتشكل حياة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، مثالًا جيدًا على ذلك؛ فهو كان في البداية يسعى لكي يحقق مبادئه المثالية، ولكن لم يتحقق ذلك، وحينما انتصر في معركة بدر، وهو ما حصل بالصدفة ليس إلا، بدأ يطور بالتدريج أقوى عصبية في شبه جزيرة العرب حينذاك.

والظاهر أن ابن خلدون كان يتناسى أن السياسة نوع من أنواع القمار ولا تخضع لحسابات وقياسات دقيقة، وأنه على الأرجح كان يشهد الطبيعة المقامرة للسياسة في سيرته الشخصية. ويمكن أن نشبه نظرة النظام الاجتماعي عند ابن خلدون بنظرة الاقتصاديين التقليديين إلى حد ما، والظاهر أنه يؤمن أن هناك -أي ابن خلدون- يدًا خفية هي يد الله تبني المجتمع البشري وتوجهه، ويرى أن الله هو خالق الخير والشر في العالم، وأن الشر نتيجة لازمة للخير. ويمكن أن نقول إن المجتمع يسير نحو قدره الذي قدره له خالقه القادر بحكمته، وقد تسوء الأمور أحيانًا، بل وحتى تسوء أكثر بالتدريج يومًا بعد يوم.

ويمكن أن نلاحظ في عدة مؤلفات وعدة مواضع من مؤلفات ابن خلدون أنه يرى في الجدل الاجتماعي أداة فاعلة لإحياء العدالة الاجتماعية حينما تسير الأمور نحو التدهور.

هنا الدكتور علي الوردي، بعد أن سرد كتابات أو شهادات ابن خلدون عن الصراعات الأولى في التاريخ الإسلامي العربي، يعلق بقوله: الظاهر أن ابن خلدون كان يؤمن مثل الربوبيين الإنجليز في القرن الثامن عشر بأن الله بعد أن خلق العالم تركه يدار بقوانينه دون أي تدخل، وحتى الأنبياء الذين أرسلهم كانوا يميلون إلى تحقيق رسالتهم السماوية طبقًا لقوانين المجتمع.

ويقول ابن خلدون إنهم يتفقون مع ما تُمليه عليهم العصبية كغيرهم من الناس، أي إنهم لم يحاولوا أن يغيروا الأساليب المألوفة وأخلاق المجتمع وتركوا كل شيء على حاله أو كما نظمته حكمة الخالق الحكيم.

ويشير ابن خلدون إلى النبي محمد صراحة ويقول بأنه بُعث لتعليم الدين لا لأمور الدنيا، والظاهر أنه -بتعبير علي الوردي- يُميز هنا بوضوح بين الأمور الدينية والدنيوية. ولا شك في أن هذا يتناقض مع روح الإسلام التي حدّدها أتباع أهل السنة؛ فالإسلام كما أشرنا هو نظام سياسي ديني، وأحاديث النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، تتناول أمور الدين والدنيا. وقد ذهب فقهاء أهل السنة وأهل الحديث إلى النظر إلى الظواهر الاجتماعية من زاوية تعاليم النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك هم يميلون إلى أي ظاهرة أو عرف يختلف عن نمط محمد.

 

هل فصل ابن خلدون الدين عن الدنيا في قراءته للأحاديث؟

هنا كلام مهم جدًا للدكتور علي الوردي، هو يحاول قراءة ابن خلدون قراءة عصرية؛ فهو يرى ابن خلدون لم يوافق أهل السنة في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حاكمًا لأمور الدين والدنيا، فيرى ابن خلدون حديث تأبير النخل الشهير: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، أن هناك أمورًا دينية تكلم بها النبي، وإن هناك أمورًا دنيوية حياتية سكت عنها النبي، وأن ابن خلدون كان يميل لذلك؛ أي إن النبي عليه الصلاة والسلام جاء لتعليم الناس أمور العبادات والصلاة والزكاة وغيرها -بتعبير علي الوردي عن ابن خلدون- ولم يكن مهتمًا بتعليمهم الأمور الدنيوية.

وفي عصر ابن خلدون، الذي كان أحد أحلك العصور في تاريخ الإسلام، رأى أهل الحديث -بتعبير الدكتور علي الوردي- أن تراجع المسلمين كان أساسه ابتعاد عن المثل العليا الأصيلة للإسلام. وقد هاجم ابن خلدون بعنف هذا النوع من النزعة المثالية أو نمط التفكير الإلهي، وكان يرى أنه نوع من الرياء والنفاق. وأن المتقين الحقيقيين هم من يعتزلون الحياة الدنيا ويعبدون الله بصدق في خلواتهم.

ويؤكد ابن خلدون أن هؤلاء هم الورثة الحقيقيون للنبي، في حين لا علاقة للفقهاء وأهل الحديث بذلك بتعبير ابن خلدون. فهم يعلمون الناس كيفية التصرف، ولا يفعلون وفقًا لما يعلمون هم.

فما زلنا نبحر في كتاب الدكتور علي الوردي الذي كتبه وكان له به شهادة الدكتوراه عام 1950.

استعرض ابن خلدون عدة أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام تتناول أمورًا دنيوية. ومن ثم ضرب ما يمكن أن نسميه أعظم وأخطر ضربة له. وبرأي ابن خلدون وكما ينقل الوردي أننا ينبغي أن لا ننظر إلى تلك الأحاديث على أنها مطلقة وأبدية، أي أحاديث النبي، أي بما يتجاوز مؤثرات الزمان والمكان. ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقصد أن نتبعها بحذافيرها دون أن ننظر إلى الأسباب الكامنة خلفها.

وقال ابن خلدون: يجب أن ننظر إلى جميع أقوال النبي وأفعاله عن هذا العالم ضمن إطاره المؤقت والنسبي، ولا فائدة من اتباعها بالصيغة التي هو عليها. ويمكن أن نعود بتعبير الدكتور علي الوردي أن ابن خلدون، وهذا كلام مهم جدًا، أول مفكر في الإسلام. ابن خلدون يضع أحاديث النبي الدنيوية على طاولة تشريح الزمان والمكان.

والحقيقة قد ظهر أحد الكتاب المسلمين وهو الجاحظ قبل ابن خلدون بعدة قرون، وبذل محاولة ضعيفة -بتعبير علي الوردي- لذم موقف أهل الحديث المطلق والأبدي ودراسة الأحاديث من حيث الزمان والمكان. غير أن هذا الكاتب، أي الجاحظ، لم يكن ندًا لابن خلدون في هذا الأمر، إذ كان الجاحظ منطقيًا في تفكيره إلى أبعد الحدود. والحقيقة أنه انتقد الأحاديث -أي الجاحظ- وفقًا لأرسطو، في حين كان ابن خلدون متحررًا من أي اعتبار للمنطق؛ فقد هاجم بشدة المنطق الأرسطي وتطبيقه على حياة الواقع، ويضع ابن خلدون أحاديث النبي ضمن إطار العادات والتقاليد الاجتماعية. وكان موضوع الخلافة هو أحد أهم المواضيع الإسلامية المثيرة للجدل الكبير في زمن ابن خلدون.

 

ما علاقة الخلافة بقوة العصبية عند ابن خلدون؟

ومن المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بأن الخليفة لا بد أن يكون من قريش. هنا ابن خلدون يستعرض النقاش. يقول: لم يكن هناك خليفة قرشي في جميع أنحاء الدولة الإسلامية في زمن ابن خلدون. وبقي كُتاب أهل السنة في برج عاجي، مجمعين على أن الخليفة لا بد أن يكون قرشيًا، دون أن يراعوا الظروف الحقيقية لدولتهم. وكان ابن خلدون يرى أن هذه المشكلة بسيطة جدًا، فعندما تنظر إليها بالمنظور النسبي والمؤقت والمادي، يرى ابن خلدون أن الخليفة ليس بالضرورة أن يكون قرشيًا في كل زمان ومكان. ويقول ابن خلدون حينما حصر النبي الخلافة بقبيلة قريش -إن صح الحديث- لم يكن يقصد أن يقول إن لقريش فضائل روحية لا تتوفر في القبائل الأخرى. بل لأن قريشًا كانت، بتعبير ابن خلدون، أقوى قبيلة في شبه الجزيرة العربية حينذاك، بعبارة أخرى أن عصبيتها -أي قريش- كانت الأقوى. بالتالي فإذا كان الخليفة من تلك القبيلة القوية، سيتمكن من إخضاع شبه جزيرة العرب بأكملها لسيادة الإسلام. ولكن الآن -وهذا الكلام مهم- بعد أن فقدت قريش عصبيتها، فإن لأي قبيلة قوية تستطيع دعم منصب الخليفة الحق الذي كانت تتمتع به قريش في السابق.

 

كيف نفسر الأساطير بمنظور اجتماعي؟

عزيزي القارئ، نأتي إلى محطة هامة من هذا الكتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”، تبدأ هنا بسؤال مهم جدًا نطرحه على ابن خلدون: هل كل ما نراه من معتقدات وأساطير حقيقي؟ ابن خلدون يقول: لا، الحظ، والذكاء، وحتى النبوة، كلها تُفهم وفق قوانين المجتمع والواقع. هذا ما تكلمنا عليه، ابن خلدون غادر المثالية واتجه للواقعية؛ لا السحر ولا القدر، العقل البشري -وهذا ما يقوله علماء الاجتماع الآن- يتشكّل بالبيئة والتجربة، وأي فارق بين الأمم ليس بالفطرة، بل بالثقافة والتاريخ. والأدهى أن الإنسان يمكن أن يكون مثاليًا وواقعيًا، متدينًا ودنيويًا في آن واحد، بشرط أن يبقي كل عالم مستقلًا عن الآخر.

ابن خلدون يكسر كل صورة نمطية؛ لا مكان للمنافقين، لا للادعاءات المطلقة. هنا تبدأ الحقيقة الواقعية للإسلام والمجتمع، فمن المهم جدًا أن نشير إلى أن ابن خلدون يحاول تفسير جميع أنواع المعتقدات والأساطير الشعبية، وليس أحاديث النبي الإلهية فحسب، على أساس اجتماعي؛ فهو يتناول قضايا الحظ، والذكاء، والصحة العامة، وما إلى ذلك، ويحاول أن يفسر أصلها وفقًا للتفسيرات المادية والاجتماعية. فمثلًا حين يناقش ابن خلدون مشكلة الشرق والغرب، وسبب كون شعوب الشرق أذكى وأعلى من شعوب الغرب في عصره، عصر ابن خلدون بالتأكيد، يجزم بأن ذلك ليس بسبب وجود أي اختلاف في بنية العقل الأصلية كما يعتقد الرحالة الجاهلون، بل لأن القدرات الذهنية لجميع الناس الشرقيين كانت -وطبعًا الشرقيين وغيرهم- متشابهة، والاختلاف هو نتيجة اختلاف في التطور الثقافي والاجتماعي.

وفي عصره يرى ابن خلدون أن حضارة معظم الأمم الغربية كانت بدائية وغير معتادة على الأمور التي اعتادت عليها أمم الشرق المتحضرة. ويرى ابن خلدون أن العقل هو نتاج بيئته الاجتماعية إلى حد كبير، وحكمته -أي العقل- تزيد أو تنقص بحسب الاحتكاك والتعلم الذي يتلقاه من محيطه.

ويرى ابن خلدون بالنص أن بعض أهل البداوة في الأصل أذكى من كثير من الحضر، وإنما زيف الحضارة هو الذي يجعل أهل الحضارة يبدون أرقى من أهل البداوة.

 

هل يمكن الفصل بين العوالم؟

وفي موضع آخر من المقدمة يشير ابن خلدون أنه كلما زاد عدد سكان مدينة أو بلد، كان ذلك أفضل للصحة العامة. وفي زمن ابن خلدون كان هناك اعتقاد شعبي مفاده أن العلم والحظ نادرًا ما يجتمعان في شخص واحد، لأن المرء يكتسب العلم على حسب معيشته. ويعزو ابن خلدون هذه الظاهرة إلى سبب اجتماعي، فيقول إن الرجل العالم عادة ما يفخر بنفسه وذكائه، وإن هذه إحدى المساوئ التي تعوق نجاح المرء وفلاحه في الدنيا. وإن السعادة والكسب إنما يحصل غالبًا لأهل الخضوع والتملق لأهل الجاه.

وتتوهج نظرة ابن خلدون الاجتماعية حين يناقش خرافة أخرى من خرافات زمانه ألا وهو الاعتقاد بالعلاقة بين زراعة الأشجار غير المثمرة وتراجع الرخاء بين الناس. يقول ابن خلدون لا يوجد عامل سحري أو روحي في تلك الأشجار يجلب النحس كما يظن الجهلة. بل إن زراعة أي نوع من الأشجار غير المثمرة هي علامة الترف المفرط. وبالتالي فهي مؤشر على انهيار الأمة.

ويمكن أن يجد القارئ أمثلة أخرى في مقدمة ابن خلدون -بتعبير علي الوردي- تشير إلى هذا التفكير الواقعي. بل إنه يفسر ظاهرة النبوة، كما يشير طه حسين، تفسيرًا نفسيًا واجتماعيًا. والظاهر أن ابن خلدون يعد النبوة ظاهرة طبيعية، يستطيع الإنسان أن يجربها بدرجة معينة في أحلامه أو وجده الصوفي.

باختصار يمكن أن نقول إن ابن خلدون قد اعتمد على ازدواجية التفكير التي اتبعها أهل السنة وطورها إلى نهايتها المنطقية. ويتفق مع مفكري أهل السنة الذين يجب أن ينعزلوا عن بعضهم البعض كليًا.

ووفقًا لنظرية ابن خلدون لا ينبغي للإنسان أن يُقلق العالم الواقعي ببعض الأفكار المنحازة المأخوذة من العالم المثالي. فليست هناك علاقة بالمرة بين العالمين المثالي والواقعي. فيمكن أن يكون المرء مثاليًا وواقعيًا في وقت واحد. ويمكن أن يكون دينيًا ودنيويًا في وقت واحد دون أن يشعر بأي صراع في نفسه.

وبخلاف مفكري أهل السنة لا يحب ابن خلدون -بتعبير علي الوردي- أن يؤدي مسرحية “الدكتور جيكل والسيد هايد” في ميدان النشاط الاجتماعي. فهو يكره المتحلقين، والمتحذلقين، والمنافقين. الذين يتصرفون بطريقة ويفكرون بطريقة أخرى. والظاهر أن ابن خلدون قد فكّر بموضوع الازدواجية. وأن هذه كامنة في عصره. وأن الانقسام بين العالم الديني والعالم الدنيوي ينبغي أن يكون قائمًا على دليل فكري. ولا بد أن يكون كل عالم أي العالم الديني والعالم الدنيوي مستقلًا عن الآخر. فلا علاقة بينهما.

 

ما الجذور الفلسفية لابن خلدون؟

عزيزي القارئ، من خلال قراءتي للكتب ولمؤلفات ابن خلدون أستطيع أن أقول إن ابن خلدون ليس مجرد مؤرخ، بل مفكر ثوري قلب المنطق التقليدي رأسًا على عقب. جمع بين روح الغزالي وانتقاداته وبين الواقعية العملية لابن رشد، ليبتكر منطقًا جديدًا يعتمد على الواقع والمجتمع، لا المثالية الفلسفية. حيث يرى ابن خلدون أن التاريخ والعمران البشري يخضعان لقوانين اجتماعية يمكن فهمها وتحليلها. وأن الدين، والمنطق، والحكم، كلها أدوات مرتبطة بالواقع لا بالخيال. هو عقل واقعي. يرى أن الحكمة تأتي من مراقبة الناس والمجتمع، وليس من مجرد التأمل في الأفكار المجردة.

الكاتب -مؤلف الكتاب الدكتور علي الوردي- في كتابه يعد أن أفكار ابن خلدون كانت نتاج ما… يعني نتاج التطور الفلسفي الذي بدأ في صدر الإسلام بالمعتزلة في الشرق. وتوج بعد أمد طويل بفيلسوف الغرب العظيم أو المغرب العظيم ابن رشد الأندلسي. ويميل الباحثون المعاصرون إلى عد نظرية ابن خلدون نظرية منجزة يمكن تفسيرها يعني بأسلوب الطفرة. كيف ظهر ابن خلدون في هذا القرن وقرون الانحطاط؟ فمنهم من يرى أنها كانت فيضًا؟ منهم من يرى أنها كانت طفرة؟ والمعروف أن ابن خلدون اعتزل الناس في قلعة ابن سلامة حتى خرج لنا بهذه المقدمة.

والسؤال المهم الذي يحتاج إلى جواب هو: من أين وكيف حصل ابن خلدون على نقطة البداية؟ نظريته الاجتماعية الشهيرة. يقول بعض الباحثين إن ابن خلدون كان غزاليًا. نسبة إلى أبي حامد الغزالي. ويقول إنه كان رشديًا نسبة إلى ابن رشد. وقد يكون هذا مربكًا، لأن النزعات الفلسفية لكل من ابن رشد والغزالي كانت متعارضة تعارضًا شديدًا. فبينما كان ابن رشد أقوى تلاميذ أرسطو المسلمين وأكثرهم، كان الغزالي ذا عداء للفلسفة الإغريقية واليونانية حتى قام بتكفير الفلسفة في كتابه الشهير “تهافت الفلسفة”. فرد عليه ابن رشد بكتابه الشهير “تهافت التهافت”. ويعد هذان الكتابان الآن من الكتب التقليدية في الإسلام.

يرى دكتور علي الوردي بأن تشبيه ابن خلدون بالغزالي وابن رشد في آن واحد يمكن أن نقول إنه أخذ عن الغزالي عداوته التهافتية لمنطق أرسطو. وأخذ المواقف الإيجابية لابن رشد تجاه العوام في آن واحد. وبهذه التوليفة الفريدة للفكرتين الموجودتين سابقًا خرج ابن خلدون بنظريته المبتكرة الغريبة.

يمكن أن تكون هذه نقطة البداية لنظرية ابن خلدون. فكل شيء يقودنا للاعتقاد بأن ابن خلدون كان ينوي أساسًا حينما كتب مقدمته تطوير نمط واقعي للمنطق يستبدل به المنطق المثالي القديم. ويمكن أن نقول، والكلام للدكتور علي الوردي، بأن ابن خلدون هو الكاتب الوحيد في الإسلام الذي أدرك -سواء كان يدري أو لا يدري- أهمية المسلمات وقضايا الفكر في حسم النزاعات الفكرية. فقد تصارعت المدارس المختلفة والفرق الإسلامية لقرون قبل زمنه لتعرف أي طرف على حق. وكان هذا النزاع دون أي جدوى بتعبير الدكتور علي الوردي. وكان كل منهما قد تحصن بقوة بأدلة عقلية ونقلية واستنتاجات مبنية على منطق أرسطو. وكانت النتيجة كما أشار أحد الكتاب: “ما أثبته المنطق يمكن دحضه بالمنطق أيضًا”. ولتسوية تلك الخلافات، كان لا بد من إزاحة المنطق القديم وابتكار وسيلة جديدة بكفاءة أعلى. ولعل بعض المفكرين المسلمين شعروا بالحاجة إلى ذلك قبل ابن خلدون.

وهناك بعض الأفكار قد أصابت ابن خلدون، لعل هذه الأفكار حينما قرر كتابة تاريخه العام. ولا بد أن نشير -والكلام لدكتور علي الوردي- إلى أن ابن خلدون لم يكتف بتمييز منطقه الجديد بالأسماء وعلم العمران البشري أو علم الحضارة. ويذكر طه حسين أن ابن خلدون كان يود لو استخدم علمه الجديد في تدوين التاريخ كما كان المنطق القديم يُستخدم في الفلسفة والكلام بالضبط. وكان قصده في القوانين الاجتماعية التي شرحها أن تكون أدوات أو أحكامًا يمكن الإفادة منها في التعرف على صحة المعلومات التاريخية.

ويبدو أن ابن خلدون كان معجبًا بالحكمة الفلسفية القائلة: “حينما يكون الجميع على باطل فلا أحد على باطل”. ولم يكن يشعر بالخجل من تقلبه وتحركه الدبلوماسي لأن جميع الناس متقلبون ومتلونون بطريقة أو أخرى. ويرى ابن خلدون أنه لا بأس أن تكون متقلبًا طالما كنت سائرًا على عادات المجتمع وفقًا لما تمليه عليك المصلحة.

ومن الواضح أن ابن خلدون كان يميز بين أهل العلم وأهل التجربة والخبرة. وبعبارة أخرى بين من يسيرون على المنطق المثالي القديم، ومن يسيرون على المنطق الجدلي الواقعي الحديث، الذي يسير عليه. ويؤكد على أن المنطق القديم عقبة أمام النجاح في في الواقع وفي الحياة.

ويرى ابن خلدون عمومًا أن المناطقة والواقعيين هم من يمتلكون أسلوب النجاح في الواقع السياسي لأنهم يتعاملون بالتجربة والواقع. بعيدًا عن الأفكار المجردة التي تختلف عن الواقع. في حين لا يولي أهل التجربة اهتمامًا لتلك الأفكار المجردة الخيالية. وغالبًا ما يتقيدون بمعرفة ما حدث بالفعل في المجتمع. وفي هذا الخصوص يقول ابن خلدون إن هناك فرقًا كبيرًا بين الاثنين. ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق ليست مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع، وبعدها عن المحسوس. ويقول ابن خلدون حتى في العالم الدنيوي فالمنطق وقانونه قاصر.

ولا يمكن أن لا نلاحظ تأثير الغزالي في تفكيره بوضوح. وأشرنا إلى أن ابن خلدون يفضل بقوة وحي الله أو الإلهام عن المنطق. وقد ذكر ذلك في المقدمة. وبتعبير الدكتور علي الوردي هناك خلاف بين الباحثين المعاصرين فيما إذا كان ابن خلدون شخصًا متدينًا أو لا بتعبير طه حسين. فبتعبير طه حسين ابن خلدون لم يكن متدينًا، بسبب شخصيته المتقلبة والغادرة للغاية. ولقد -بتعبير الدكتور علي الوردي- قد لا يكون طه حسين محقًا تمامًا في ذلك، ويبدو أنه يفرض قيمه الدينية على ابن خلدون. ولغرض أن نتأكد أن هذا الشخص متدين أو لا، لا بد أن نعرف أولًا المفاهيم الدينية التي يفكر بها. يمكن أن نعود بتعبير الدكتور علي الوردي أن ابن خلدون غير متدين فيما لو قيمنا الدين من منظور تعاليم محمد الأصلية. وسبق أن أشرنا إلى أن الرسول محمدًا كان يرى أن الدين يغطي جميع الأوجه المختلفة لحياة الإنسان، ولكن ليس هذا ما كان يفكر به ابن خلدون، إذ كان يرى ابن خلدون أن الدين لا علاقة له بحياة الإنسان. والحقيقة أن الفرد ليس بوسعه بتعبير ابن خلدون إلا أن يجاري الحوادث التي تقود الحياة الاجتماعية. وفي ذلك لا يمكن بتعبير علي الوردي أن ننظر إلى تقلب ابن خلدون على أنه مؤشر لعدم تدينه.

ويرى ابن خلدون أن الدين لا يحرم الضرورات، أو كما يقول علماء الدين. فالواقع والمنطق الخلدوني هو منطق الكثرة، أي أغلبية الناس. في حين أن منطق أرسطو هو منطق القلة، إلا أن الله مع الكثرة دائمًا وفقًا للإجماع.

 

لماذا ولع المفكرون بابن خلدون؟

أهلًا بكم، عودة إلى كتاب نظرية المعرفة عند ابن خلدون، لا بد من ذكر ملاحظة مهمة أو ملاحظتين. الأولى هي ولع المفكرين العرب بابن خلدون كأنهم اكتشفوا شيئًا جديدًا. طه حسين في فرنسا كانت رسالة الدكتوراه “فلسفة التاريخ عند ابن خلدون”، كتب عنها وكان أول اكتشاف له. الناس يظنون أن طه حسين بالأدب. لا، بالحقيقة طه حسين بعلم الاجتماع. الدكتوراه. محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، محمد جابر الأنصاري بالبحرين، علي الوردي. كل هؤلاء كان لهم ولع بابن خلدون كأنهم اكتشفوا شيئًا جديدًا.

أذكر مرة أني قرأت حوارًا للدكتور علي الوردي قبل رحيله، قال إن علماء الاجتماع في العالم العربي انقسموا فريقين، فريق وراء -بتعبير علي الوردي هذا- كارل ماركس ماركسي، وفريق وراء آدم سميث. يعني منهم من اتجه اتجاهًا ليبراليًا، منهم اتجه اتجاهًا ماركسيًا للبحث عن حلول لمشاكل مجتمعهم. بتعبير علي الوردي يقول: “أنا وجدت أن ابن خلدون أقرب، أقرب لنا من كارل ماركس، ومن آدم سميث، ومن غيرهم علماء الاجتماع”، لأن ابن خلدون في نظرية العصبية الاجتماعية قد فطن إلى أمور لم تنتبه إليها الماركسية أو الليبرالية، لأن الماركسية والليبرالية جاءت من بيئة غير بيئتنا فزرعت في التربة العربية فلم تحقق نجاحًا.

يعني معلومة جدًا مهمة الإهمال العربي في عدم تقدير العلم والمعرفة. تذكر كتب التاريخ -هذا مجمع عليه- أن مقدمة ابن خلدون كانت مخطوطة، اكتشفت على يد ضابط فرنسي سيلفستر دي ساسي عام 1806، أي بعد 400 سنة من رحيل ابن خلدون. فلولا هذا التحقيق الذي نشر في فرنسا عام 1806، لما عرفنا اليوم شيئا اسمه مقدمة ابن خلدون. وهذا يدعو إلى أعمال ابن سينا، والنفري، وابن عربي، وغيرهم. وكل هذه الكنوز التراثية التي لم يكن لنا أي فضل في معرفتها واكتشافها.

على المستوى العربي يتميز الدكتور علي الوردي بأن رسالة الماجستير عام 1948 كان بعنوان “منطق ابن خلدون”، وعام 1950 من الولايات المتحدة كان عنوانها “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”. فعلي الوردي أعاد إحياء ابن خلدون وقراءته وفق نظرية القرن العشرين. وبتعبير الدكتور علي الوردي فإن ابن خلدون صالح لليوم لقراءة مجتمعنا ووضع اليد على الأمراض التي فتكت بهذا المجتمع.

 

كيف رأى ابن خلدون البداوة والحضارة؟

نذهب إلى فصل آخر من فصول الكتاب، وموضوع إشكالي ومعقد هو “ابن خلدون والعرب”. يذكر الدكتور علي الوردي أن ابن خلدون كان عروبيًا بحق، متمسكًا بالأمة العربية وبروحها القبلية، معتبرًا البداوة -بتعبير الدكتور علي الوردي- مصدر قوة العرب ورافعة لأخلاقهم، على عكس الحضارة التي يربطها بالقوة، والقهر، وانتشار الرذائل. طبعًا هذا بتعبير ابن خلدون في وقته. ويرى ابن خلدون أن القبلية، والدين، والقوة لا يمكن فصلها عن بعضها. فالدين -بتعبير ابن خلدون- يصبح فعالًا فقط عندما يقترن بعصبية القبيلة. والبدو الحقيقيون هم الأقدر على القتال والنهضة. بينما الحضارة تضعف الروح القتالية والانضباط الاجتماعي.

باختصار، البداوة والدين والقوة عند ابن خلدون متوافقون ولا يمكن فصل أي منهم عن الآخر. ونرى فيما أن ما يقوله علي الوردي في كتابه عن عروبية ابن خلدون واحترامه الكبير للأمة العربية، عكس ما قاله كتاب كبار آخرون. فهو لم يكن شعوبيًا كما يقول أحمد أمين، ولا بربريًا كما يفترض محمد عنان. وكلاهما من مصر. ويكفي هنا أن ندرس كيف تمكن ابن خلدون من الدفاع عن قضية العرب في مواجهة الموقف الساحق ضدهم. حاول المدافعون عن العرب قبل ابن خلدون أن يبلغوا صورة مشرقة عن العرب مستمدين معلوماتهم من مصادر تقليدية. إلا أن محاولاتهم -بتعبير الدكتور علي الوردي- كانت ضعيفة وغير مجدية. والظاهر أن ابن خلدون قد أدرك عدم جدوى هذه الطريقة في الدفاع. ولا سيما أن الدفاع عن البدو، أو العرب، أو الأمويين في المنطق القديم كان صعبًا. فعلى سبيل المثال يصنف ابن خلدون المجتمع البشري من حيث القيادة الاجتماعية على نوعين: بدوي وحضري، ففي المجتمع البدوي الذي تسود فيه رابطة الدم يكون التحكم بالناس عن طريق الدوافع العفوية. في حين تكون القوة في المجتمع الحضري ضرورة في السيطرة على أفراده. وتميل الروح البدوية، أو ما يسميه ابن خلدون العصبية لدى البدو إلى ربط الناس بقيم الجماعة. بينما يحقق رجال الشرطة هذه المهمة بين الحضريين. ومن خلال هذا التصنيف يمدح ابن خلدون روح القبيلة لدى البدو عمومًا والعرب خصوصًا.

وعلينا أن نشير إلى أن كُتاب أهل السنة يعدون الروح القبلية من طباع الشر التي لعنها النبي ونبذها، ولم يتمكن أي كاتب قبل ابن خلدون من الدفاع عنها أو إظهار أي فائدة فيها. ويبدو أن ابن خلدون -بتعبير الدكتور علي الوردي- لاحظ بأن العرب لا يمكن أن ينجحوا في الدفاع عن أنفسهم ما لم يتم الدفاع عن روحهم القبلية المدانة أولًا.

وأشار ابن خلدون إلى أن صفات الفرد ليست عارضة لطبعه الأصلي تمامًا، بل لظروفه الاجتماعية. ويرى مؤلف الكتاب الدكتور علي الوردي أن هناك تشابهًا بين وصف ابن خلدون للروح القبلية البدوية ووصف دوركايم، عالم الاجتماع الشهير، للتكافل الاجتماعي، والروح التي تربط جميع أفراد المجتمع بقوة بعضهم ببعضهم ضد الغرباء، هي التي تربطهم بقوة بقيم المجتمع. والظاهر أن قوة روح القبيلة وقوة الأخلاق تسير جنبًا إلى جنب في نظرية ابن خلدون. فهو يرى أن البدو أقرب إلى روح الدين لأنهم يتمتعون بأخلاق قوية، فالعيب والانحلال الأخلاقي نادر في البدو. بعكس ما هو طبيعي في الحضارة تمامًا. ويرى ابن خلدون أن انتشار الرذائل والنذالة في الحضارة عائد إلى استعمال القوة في السيطرة على المجتمع. ويرى أن المظلوم يضطر إلى الكذب والغش ليحمي نفسه من المزيد من الظلم.

ويرى -والتعبير للدكتور علي الوردي- أن ميل ابن خلدون إلى وصف البداوة في صفحات كتبه كافة وتفضيله لهذه البداوة على الحضارة لأسباب. ويخصص ابن خلدون فصلًا كاملًا لدراسة تأثيرات الطعام على طبع الإنسان، ويشدد على أن قوة الحضارة يحتوي الكثير من اللحم والسمن الذي يؤذي العقل والجسم، وعادة ما يصاب العقل بالدوار بسبب البخار الثقيل المنبعث من المعدة المزدحمة بالكثير من اللحم. وفي الوقت نفسه يتشوه شكل الجسم ويقبح لونه. فضلًا عن ذلك فإن الطعام الثقيل لأهل الحواضر يمنع الإنسان عن العبادة الكافية وأداء الفرائض. أما أهل البوادي بسبب حياتهم البسيطة وطعامهم الجاف فإنهم أقرب إلى النقاء، وأجسادهم هي أقرب إلى الرشاقة، والخير في طباعهم -بتعبير ابن خلدون- والعمق في نظرهم وفي فراستهم.

هنا أذكر ملاحظة مهمة، أي دارس لعلم الاجتماع الذي يدرس تأثير البيئة والطعام، مثلًا يذهبون إلى مونتسكيو صاحب “روح الشرائع”، فهم يقولون هو أول من تكلم عن البيئة في أثر أخلاق الإنسان. يعني الناس الذين يعيشون في البلدان الحارة خط الاستواء درجة حرارة خمسين يختلفون عن الناس الذين يعيشون في المناطق الباردة. إذن تأثير الطعام على أخلاق الإنسان. انظر مثلًا إلى تأثير الصوم على الإنسان عندما يصوم ساعات طويلة تكون روحه أقرب إلى التهذيب والدعة، ابن خلدون في المقدمة، ولو يعني ما كان كلامه صائبًا مئة بالمئة، هو أول من أشار إلى ذلك.

أشير إلى نقطة مهمة قبل أن نواصل كلامي. أن المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي الذي رحل في السبعينيات، كان مؤرخًا مهمًا، عنده كتاب من أربعة أجزاء “بحث في التاريخ”. قال عبارة في أحد كتبه إن عقل ابن خلدون هو أعظم عقل بشري في أي زمان وفي أي مكان. السبب المقدمة تحدثت عن أثر البيئة، أثر الأطعمة، وتحدثت عن عمر الأجيال، فابن خلدون توصل إلى أن كل 33 سنة أو  34 سنة هناك جيل. وبالتالي هذه الأمور الخلدونية -بين هلالين- لم يتوصل لها أحد قبله.

 

لماذا يتمرد البدوي على القانون؟

ويتوصل ابن خلدون إلى استنتاج مفاده، كلما كان البدوي أقوى وأقدر على القتال من المتحضر، فلا بد أن يكون أكثر تكبرًا وأقل إذعانًا للأحكام والحياة المنظمة. وهذه سأتوقف عندها قليلًا. في بدايات القرن العشرين عندما كانت في العراق -أنا أتكلم عن العراق، ما أعرف الأمور في الحياة العربية- قد يكون في مصر، كانوا يأتون لتأشير مثلًا حالات التجنيد الإلزامي، كانت العوائل لا تُعطي المعلومات الصحيحة، يعني لا يذكرون الذكور بأنهم ذكور. يكتبونهم إناثًا، هذا يؤكد نظرة ابن خلدون أن عقل البدوي لا يذهب إلى القانون. هو به أمور جيدة مثل الكرم، لكن به أمور سلبية مثل الثأر، مثل الفرهود، فالبدوي بطبعه لا يذعن للقوانين ولا يعترف بها.

وللآن، الآن أتكلم، يوجد بعض الناس عندما تحصل حادثة قتل بين عائلتين أو عشيرتين. وإن القانون يقول كلمته، إحدى العشائر أو العوائل ترفض إلا أن تأخذ ثأرها من فلان الذي قتل ابنها دون أن تستند إلى القانون. هو هذا عقل البداوة الذي تكلم عنه ابن خلدون.

 

كيف تصنع القوة بالعصبية والدين عند ابن خلدون؟

يرى ابن خلدون -كما يذكر الوردي- أن البدوي هو الأكمل على وجه الأرض، وهو أكبر مثير للمتاعب أيضًا، ولا بد أن يؤدي أحدهما إلى الآخر. ومن السهل أن يؤسس -هذه جدًا عبارة مهمة- البدوي دولة السيف، ولكن من الصعب عليه أن يخضع لأحكامها. وحينما ناقش ابن خلدون طباع العرب الذين هم برأيه أكثر الأمم بداوة في العالم، يلتزم بأنهم الأصعب مراسًا، وهم يميلون إلى الحسد والتنافس والجدل والتخاصم والتقاتل حال اقترابهم من بعض. ويرى ابن خلدون أن روح القبلية هي نزعة طبيعية في الإنسان. وإلا الإنسان يميل في العموم أن يكون لطيفًا ومحبًا لتقديم العون لأقاربه، ومن الطبيعي أن يشعر بالإهانة لو تعرض أحد أفراد أسرته أو عشيرته للإهانة على يد غريب.

ويرى ابن خلدون -كما يذكر الوردي في كتابه- هذه الروح القبلية عادة ما تضعف بين المتحضرين، أي أبناء الحضارة المعاصرين، بسبب نعومة حياتهم المحمية ضمن أسوار المدن المحصنة، في حين تتطور بين البدو إلى أقصى حد. ولا بد أن يكون أفراد القبيلة في مواجهة القبائل الأخرى. وإلا سيمحون من وجه الصحراء عاجلًا أم آجلًا. وفي ضوء ذلك يتضح أن هناك قوتين متعارضتين في الحياة البدوية والروح القبلية، التي توحد الناس في وحدات اجتماعية قوية. ونستنتج -والكلام للدكتور علي الوردي ما بين السطور- أن ابن خلدون يربط بين البداوة والدين والقوة. مؤكدًا أن قوة القبيلة وروح الجماعة لدى البدو هي أساس نصرهم واستمرارهم. والدين وحده عاجز عن تحقيق التأثير الاجتماعي دون أنصار قادرين على الدفاع. والفهم الحقيقي لتاريخ العرب والمجتمعات يتطلب إدراك هذا التوازن بين العصبية والقوة والدين، إذ إنه لا يمكن فصل أي عنصر عن الآخر في رسم معالم الحضارة وصناعة القوة.

 

ما أهمية دراسة الماضي اليوم؟

خلاصة مكثفة ونذهب إلى استنتاج في خاتمة هذا الكتاب وهي رسالة الدكتوراة للدكتور علي الوردي في عام 1950، “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”. يطرح مؤلف الكتاب الدكتور علي الوردي هذا السؤال المهم جدًا. ما الدرس الذي يمكن أن تجنيه شعوب القرن العشرين والحادي والعشرين من دراسة نظرية لكاتب في القرن الرابع عشر؟ وهذا الأمر كما يرى بعض المفكرين أن لا فائدة من دراسة نظريات الماضي، وكان من الأجدى -كما يقول الدكتور علي الوردي- أن نركز على فهم النظريات الحديثة جدًا، لأنها تتضمن العناصر الصحيحة لجميع النظريات السابقة. فهي على حد تعبيرهم، والكلام للدكتور علي الوردي، الحصيلة النهائية لجميع ما أنتجته العقول المبدعة في الماضي. وبالتالي فلا فائدة من دراسة نظريات الماضي الأقل تطورًا. -هذا الكلام سيرد عليه الدكتور علي الوردي لاحقًا.- بينما لا تزال النظريات الحديثة تنتظر الدراسات النهائية لأن لديها الحجة الرئيسية.

بكلام علي الوردي يقول في مجال العلوم الطبيعية هذا مقبول. قليلًا دعونا نشرح هذا الكلام ما يقصد به. طبيب تخرج عام 1980، إذا لم يطور معلوماته في مجال الأدوية والتحاليل والتشخيص ويداوي الناس عام 2025 سيقتلهم. العلوم الطبيعية قائمة على التراكم. نحن ذكرنا في كتاب “التفكير العلمي” الدكتور فؤاد زكريا أن العلم عمودي. هذا الكلام يصح في العلوم الطبيعية كالطب والهندسة لأن الموضوع متطور، لكن بتعبير الدكتور علي الوردي وهذه ألمعية الوردي، هذا لا يصح في العلوم الإنسانية. العلوم الإنسانية هي مبنية أفقيًا. فبإمكاني الآن مثلًا أنا لو أدرس بالعلوم السياسيةأن أذهب إلى كتاب “الجمهورية لأفلاطون”. أقرأه إلى اليوم. وبتعبير أحد الباحثين المعاصرين يقول لو أفلاطون وسقراط قاما من قبريهما سيناقشاننا في أمور العدل والمساواة والحكم والعقد الاجتماعي. نحن إلى اليوم نناقش جان جاك روسو.

فبتعبير الدكتور علي الوردي، العلوم الإنسانية تختلف عن العلوم الطبيعية. العلوم الإنسانية محركات معرفة. وهذه العلوم وضعت في صندوق أسود. الناس لم يعودوا يهتمون بها. وأنا قرأت عبارة لأحد الباحثين أعجبتني جدًا. يقول الطبيب قد ينقذ حياة فرد، لكن العالم الإنساني، الفيلسوف، الاقتصادي، عالم الاجتماع قد ينقذ حياة أمة.

انظر إلى مقولة لأحد الفلاسفة المهمين وهو فريدريك نيتشه يقول: “المفكر طبيب حضارات”. أنا أعتبر ابن خلدون طبيبًا. الوردي طبيبًا. في مصر يوجد عالم اجتماع قريب يعني أذكر سيد عويس وحامد عمار. حامد عمار أنا أسميه وردي مصر. هذا حقل للعلوم الاجتماعية، هناك علاقة وثيقة جدًا بين الماضي والحاضر. أنا أريد أن أدرس الآن طبيعة المجتمع العراقي، أذهب إلى علي الوردي. طبيعة العالم الإسلامي بالقرن الرابع عشر، أذهب إلى ابن خلدون. فالكاتب مرآة عصره. وبالتالي لا يصح القول لماذا ابن خلدون؟ ضرورة وواجب بتعبير الدكتور علي الوردي أن نذهب لأن هذه علوم إنسانية وليست علوم طبيعية لأن هذه علوم قائمة على الحذف. لا، العلوم الإنسانية تمشي بطريق التطور، لكن السابق واللاحق لهما علاقة جدًا وثيقة.

 

لماذا ندرس ابن خلدون الآن؟

عزيزي القارئ بعد سرد هذا الكم الهائل من تفاصيل كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون” للدكتور علي الوردي، نتوصل إلى أن الدكتور علي الوردي يؤكد أن دراسة نظريات الماضي مثل نظرية ابن خلدون ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم الظواهر الاجتماعية من زوايا متعددة، إذ لا تفهم العلوم الاجتماعية كبساطة العلوم الطبيعية. فابن خلدون عاش في حدود بين المجتمع الديني والدنيوي، وبين البداوة والحضارة، فكان شاهدًا حقيقيًا على الصراعات الاجتماعية والتاريخية في عصره. ورأى ابن خلدون ما لم يستطع الآخرون رؤيته. وإبداعه في مفهوم علم العمران البشري الذي يعد اليوم علم الاجتماع. إذ يتيح لنا فهم الحدث ليس ظاهريًا فقط، بل بما يحمله من صراعات وأفعال اجتماعية وتاريخية وهو الدرس الأساسي الذي يقدمه هذا الكتاب، كتاب “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”.

ملاحظة مهمة، الكتاب من 440 صفحة، وهو كتاب فيه سرد هائل، وهو رسالة دكتوراه. هذه دعوة لحضراتكم للتقدم لقراءة الكتاب ووضع جميع الملاحظات التي ترونها. فأفضل تكريم للكاتب هو أن نعرض أفكاره ثم أن نقوم بنقاشه.