Skip to content Skip to footer

المنهَج اللَّفظي في فَهم النّصّ القرآني: نحو تكاملٍ منهجيّ بين آلية اللِّسان ومُقتضيات واقع الإنسان | د. بدر الحمري

لا شكّ أنّ النظر في النص القرآني غاية جليلة، وذوق سنيٌّ، وحِكمة بالغة، وترشيدٌ للإنسان في آجله وعاجله، لكن تحقق ذلك لا يخلو من مسؤولية حضارية، وأمانة أخلاقية، وثقل روحي؛ أولا لأن النَّاظر يجب أن يكون متدبّرًا بموضوعية، ثانيًا يجب أن يكون بعيدًا عن دخن الأيديولوجيا، وثالثًا عليه أن يُسلّم بأن فَهم آيات الله ﷻ لا يتمّ إلاّ بعد فتح أقفال القلب، وإلاّ كيف نفهمُ قول الحق العظيم: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾‎﴿محمد: ٢٤﴾‏

ومن جملة الأقفال التَّسلِيم بأن النَّّصَّ القرآني يفهمُ من خارجه؛ فمُحال أن يحكم الخارج الداخل في أنموذج فهم القرآن المجيد، وهذه المسلَّمة تؤدي بنا إلى فرضيةنتحقق من صدقها في مراحل البحث التي تأتيمفادُها أنّ النّصّ القرآني «مفاتيح فهمه كامنة في داخله»i. وهكذا، فإنّ مَسِير تدبّر القرآن، وإعادة التفكير فيه، مَحكُومٌ بتتبع منطقه اللِّسانيّ الداخليّ الذي يؤدّي بنا لا محالة إلى استنباط آلية كُبرى تمهِّدُ فهمه.

الفرضية السَّابقة يفرضها المنطق السَّليم للنظر في روح منهج فهم النّصّ القرآني وصلابته، لأنّ فهم القرآن بآلية لسانية قرآنية تبعدنا عن الفهوم المعارضة والمتهافتة والزمنية للقرآن، وإلاّ يمكنُ طرح السؤال الآتي: هل هناك آلية يمكن أن نفهم بها القرآن خارج منطقه اللساني الداخلي؟

قد يقول قائل إن مناهج الإنسانيات والعلوم النظرية والتجريبية مثلا، تقرِّبنا من فهم النَّص القرآني، وهذا لا شك فيه طبعًا، ولا ينكره إلاّ من أُبعدَ عن الحكمة، لكن دراسة النص القرآني بتلكم المناهج أو بمناهج أخرى عالقة في التاريخي أو المذهبي أو الهووي أو غيرها من العوائق تحول دون فهم صافٍ وواضح وبدهي للقرآن. بالإضافة إلى ما سبق يكفي أن نذكر في هذا السياق أنّ منطق التَّقدم العلمي قَائم على مِعيار القابلية للتَّكذيب بوساطة الخبرة التجريبية؛ إذ يُعطينا التفسير العلمي معلومات عن العالم الذي نحيا فيه، لكن « ليس هناك علم إلا إذا قام تكامل بين الفكرة والواقع، ذلك التوافق الذي لا ينتهك بين اليد والدماغ ذلك التكامل المفروض والمحقق بمقابلة دائمة بين النظرية ومحاضر الملاحظة الحسية بالمقارنة والتقريب المتماديين في الدقة، بتفصيل كل إعلام للفرضية وتفصيل كل نتيجة للتجربة »ii ويؤكد بوبر أن هذه المقارنة والمقابلة هي إمكانية الإخضاع لاختبارات نسقية منهجية قد تؤدي في النهاية إلى التفنيد، فالخضوع للاختبار وإمكانية التفنيد التجريبي أي التكذيب هو ما يميز الصُّورة المنطقية للقضيَّة العلميَّة عن بقية الصور المنطقية لسائر القضايا التركيبية، أي التي تتخذ الشكل المنطقي: «أ هي ب»iiiمن ثمّ هل يمكننا أن نفسر النص القرآني بآليات مستمدّة من حقول علمية يقوم منطقها على مِعيار التكذيب؟ وماذا عن الآليات المنطقية التي جرى تجاوزها أو القطع معها معرفيًا بحكم منطق التقدم العلمي؟ هل ذلك يعني أننا سنقطع مع الاستنتاجات القرآنية التي أقيمت على تلك الآليات أيضًا؟ .. بتعبير آخر: هل يمكنُ فهم القرآن بآلية القابلية للتكذيب مثلا كما هي في الحقول المعرفية القائمة على الملاحظة والفرضية والتجريب والاستنتاج مثلا؟ أم نفهمه بآلية اللسان العربي المبين التي يشهدُ لها القرآن المجيد نفسه؟

قد يقول قائل: يمكنُ أن نأخذ بالحل الوسط، ونجعل من الآليات المعرفية المعاصرة بوصفها أدوات إجرائية تساعدنا على فهم النص. غير أننا في هذا الموقف نقفُ عند المعضلة نفسها؛ إننا نقول تساعدنابمعنى آخر ليس كل الآليات الخارجية ناجعة وفعَّالة ورشيدة في توجيه فهمنا للنص القرآني، وإلاّ سنسقطُ في حاكمية تلك الآليات على النص الإلهي ومستوياته المعرفية والقيمية والروحية المنفصلة تمامًا عن مستويات النظريات العلمية وتجاربها.

إنّ الفهم، بالمعنى الذي نفترضه للنصّ القرآني، لا يُورِّط منهجه في مجالات العلوم الخارجة عنه، ولا يُؤسِّس آلياته على عناصر مباينة لبنيته ونظمه؛ بل يجعل من هذه الآلية مقياسًا لسانيًا وتحليلًا منطقيًا يُمكِّن من استيعاب كليته من جهة، ومن مقاربة الوقائع العلمية والقضايا الانسانية من جهة أخرى.

وعلى هذا الأساس، فإنّ النصّ القرآني يقدّم عالمه الخاص الذي تُحيل إليه حروفه وكلماته وآياته وسوره، ولا يمكن الحديث عنه حديثًا موضوعيًا إلا انطلاقًا من داخله؛ إذ هو مفسِّر للعالم، لا العالَم مفسِّرٌ له.

ونزيدُ إلى ما سبق أنّ هذه الخارجياتiv تأتي في سياق التفاعل بين النص والواقع؛ إذ قد توضِّح بعض المعطيات الواقعية التي تخصّ الاجتماع البشري مثلا، لكنها ليست أسبابًا كافية تدعو إلى تأويل آية، أو فهم سياق قرآني، لأن هذه الخارجياتنفسها، تتبدّل وتتغيّر وتتلوّن وفق التقدم العلمي والظرف السياسي والأفق الذوقي والحال النفسي والسير الروحي للإنسانية، بينما النَّص القرآني لا يؤثّر فيه مؤثّر، أو يخضع لأسباب خارجة عنه، أو حتى يقف عند تلك الخارجياتالمنضبطة لمنطق الصَّيرورة التاريخية والمعرفية! .. هذا محال في حق كلام الله ﷻ.. تعالى كلامه عن أي شرط، بل إنّ النص هو الحاكم والمبيّنُ لما جرى ويجري وسيجري .. فهو الأصل والثابت .. وما سواه متغير ومتحوّل.

إننا ندرك أن مَهمة فهم المنطق اللساني الداخلي للقُرآن ليست بالهينة، ولا يدركها إلاّ من قلَّب النظر في خصوصيات اللسان العربي المبين المعرفية والأخلاقية والرُّوحية، و«فتح الأبواب للمعرفة القرآنية كي تحلّ محلّ المعرفة التجريبية العاجزة عن إحداث التغيير المنشود في النظام الطبيعي سَعيًا لتغيير العالم وفق الإرادة الإلهية وتحقيق الهدف الأول من الخلق»v.

بناءً على ما سبق، لا بدّ لنا من منهج، أي مسلك نسلكُ فيه إلى حقيقةكلام الله تعالى، أو قل طريقة بيِّنة وواضحة ومستقيمة لا اعوجاج فيها. ومن البيّن أن مفهوم المنهج منطقيًا يستعملُ للدلالة على المسلك النظري، متى كان متصفًا بالاستقامة والوضوح والبيانvi.

وهكذا لا بدّ وأن تكون لهذا المنهج قواعد ومبادئ تمكّنه من النظر والعمل، حتى نصلَ بموجبها إلى النتائج المرجوّة. والمنهج لا يقف عند حدوده النظرية، لأن ذلك لا يستقيم مع فهم النّصّ القرآني الذي يدعو إلى العمل أيضًا. ومن ثمّ، فلا بدّ أن تكون للمنهج تطبيقاتٌ على الآيات، يُختبَر فيها معيارُ صدقه أو فساده بالمعنى الإبستيمولوجي. يضاف إلى ذلك أنّ المنهج نفسه مستنبطٌ من الآيات ذاتها؛ بمعنى أنّ آلياته تستمدّ روحها من القرآن، كما تستمدّ تطبيقاته منه أيضًا.

وعلى قلّة، بل ندرة، من حاول استلهام منهجٍ لدراسة النص القرآني بالمواصفات التي ذكرناها سابقًا، يأتي في هذا السياق مشروعُ المفكّر العراقي عالم سبيط النيلي (1956-2000)، الذي سمّى منهجه بـالمنهج اللفظي، وذلك ضمن مشروعه لفهم النظام القرآني. وهو مشروعٌ يتألّف من أربعة كتب أساسية، هي على التوالي:

  • اللغة الموحّدة، [دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2008م].

  • الحلّ القصدي للّغة في مُواجهة الاعتباطية، [دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2007م].

  • الحلّ الفلسفي بين مُحاولات الإنسان ومكائد الشيطان، [دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2007م].

  • النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، [دار المحجة البيضاء للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2006] vii.

يلتقي مشروع المنهج اللفظي عند عالم سبيط النيلي، من جهة منطقه المعرفي، مع المسعى الذي نروم الكشف عنه في البنية اللسانية الداخلية للقرآن الكريم؛ إذ يقوم كلا التصورين على الاجتهادات الآتية:

  1. ينظر إلى النص بوصفه بنيةً لغويةً كلية ذات انتظام داخلي يستدعي مقاربته من داخله.

  2. الكشف التدبّري يتجه إلى استقراء الخصائص البنيوية والتركيبية والدلالية والتداولية للنص القرآني، في سياق بناء تصور علمي لآلية اللِّسان العربيّ المبينviii أكثر انضباطًا بأصوله الداخلية.

  3. إنتاج معرفة تفسيرية رصينة تتفاعل مع الواقع وتأوّله.

  4. الاستمداد من اللِّسان العربيّ المبين لا يُلغي توسيعَ أفقِ فهم النصّ القرآني بجعله مُفسّرًا للحقول المعرفية الأخرى ومقوّمًا لها.

  5. التأكيدُ على أنّ النصّ القرآني هو المعيار المعرفي، أو هو الحاكمix على غيره، لا العكس، بما يسمح بإنتاج معرفةٍ قرآنيةٍ أكثر رصانةً وموضوعيةً في الآن نفسه، ويُجنّبنا آفةَ الإسقاط المنهجي، التي من مظاهرها فرضُ آلياتٍ خارجية ليست من صميم النصّ القرآني.

  6. ربط الفهم القرآني بتفسير الواقع في أبعاده النفسية، والاجتماعية والعلمية والثقافية والقيمية والروحية، في إطار مقاربةٍ منفتحة على مقتضيات الواقع تتجاوز الفصل بين مُستويات التَّحليل النّصيّ وإشكالات الاجتماع الإنساني، وصلٌ يؤسِّس لتكاملٍ منهجيّ بين لسانيات النصّ القرآني ومُقتضيات الواقع، يمكنُ معه أن تتصالح الذات العربية والإسلامية عمومًا مع نفسها، وتفهم قوانين الكون والحياة والطبيعة بروح قرآنية رحبة لا ضيّقة!

انطلاقًا مما سبق نفتح أفق الإشكالات على المحورين الآتيين:

  1. المنهج اللفظي من خلال آلية اللِّسان العربي المبين.

ب. ومقتضيات الواقع.

سنتناول هذين المحورين من خلال المنهج اللفظي الذي اقترحه علم سبيط النيلي، منطلقين من الأسئلة الآتية: ما المقصود بالمنهج اللفظي؟ وما هي مبادئه التي ينطلق منها؟ والأسس التي يقوم عليها؟ وغاياته التي يروم الوصول إليها؟ ونتائج تطبيقاته على آي القرآن المجيد؟ وما مدى تفسيره لمقتضيات الواقع والتفاعل معه؟

الهوامش:

i محمد شحرور، القصص القرآني، قراءة معاصرة، دار الساقي، بالاشتراك مع مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2010، ص: 103.

ii يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم، الباب الثالث معيار القابلية للتكذيب، مؤسسة هنداوي، https://www.hindawi.org/books/48649370/

iii جان فوراسبته، معايير الفكر العلمي، ترجمة فايزكم نقش، منشورات عويدات، بيروت، 1969، ص134.

iv نطلق هنا وصف الخارجياتعلى كل المناهج التي نستعين بها من خارج النص القرآني لفهم النص القرآني!

vعالم سبيط النيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، دار المحجة البيضاء للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2006، ص: 09.

vi ينظر : حمو النقاري، معجم مفاهيم علم الكلام المنهجية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2016، ص: 502.

vii مع الإشارة إلى أنّ هذه المؤلفات الأربعة يعدّها صاحبها عملاً واحدًا، يُتمّم بعضُه بعضًا.

viiiيرجع في هذا السياق إلى يوسف أبو عواد، القواعد الكبرى للسان العربي المبين، نحو منهج جديد لدراسة النص القرآني، نسخة رقمية تقرأ في الموقع : dryousefabuawwad.com. سامر إسلامبولي، علمية اللسان العربي وعالميته، تأسيس نظرية دلالة الأصوات العربية فيزيائيًا، مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى، 2018.

ixمن المبادئ التي يقوم عليها المنهج اللفظي عند عالم سبيط النيلي، مبدأ الحاكمية، ينظر كتابه: النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، المرجع السابق، ص: 19-20.

المراجع:

  • محمد شحرور، القصص القرآني، قراءة معاصرة، دار الساقي، بالاشتراك مع مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2010.

  • يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم، الباب الثالث معيار القابلية للتكذيب، مؤسسة هنداوي، https://www.hindawi.org/books/48649370/

  • جان فوراسبته، معايير الفكر العلمي، ترجمة فايزكم نقش، منشورات عويدات، بيروت، 1969.

  • حمو النقاري، معجم مفاهيم علم الكلام المنهجية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2016، عالم سبيط النيلي، النظام القرآني، مقدمة في المنهج اللفظي، دار المحجة البيضاء للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2006.

  • يوسف أبو عواد، القواعد الكبرى للسان العربي المبين، نحو منهج جديد لدراسة النص القرآني، نسخة رقمية تقرأ في الموقع : dryousefabuawwad.com.

  • سامر إسلامبولي، علمية اللسان العربي وعالميته، تأسيس نظرية دلالة الأصوات العربية فيزيائيًا، مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى، 2018.

Leave a comment