تحدث الدكتور أحمد سالم، الباحث المصري، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن أحكام الفقه المستنبطة من القرآن والسُّنة؛ وكيف كان المستشرقون حريصين على إيجاد الصلة بين فقه الإسلام والتشريعات الرومانية والفارسية والهندية وغيرها، وعن صاحب كتاب “مخطط تاريخ الفقه الإسلامي” جوزيف شاخت، واستدلاله على ذلك بأحكام القصاص؛ مسألة العين بالعين التي تعود إلى الملك البابلي حمورابي، هذه الشريعة الحمواربية التي أدرجها عرب الجاهلية من أحكامهم العرفية، قبل أن تقرها شريعة الإسلام, وعن رأيه في هذه العلاقة أو هذه الصلة بين التشريعات القديمة والشرع الإسلامي؟ ولماذا يصر البعض على تعارض هذه الصلة التي تحدث عنها المستشرقون مع قدسية الشريعة وصبغتها الإلهية؟
حقيقة الاستشراق والدراسات الاستشراقية.. 3 مراحل
قال الدكتور أحمد سالم، الباحث المصري، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “في البداية، لازم نتساءل عن حقيقة الاستشراق والدراسات الاستشراقية، هل هي تميل إلى الدراسة العلمية الخالصة أم الدراسة العلمية الموجهة؟ الواقع أن الاستشراق مرَّ بثلاث مراحل ما قبل الحقبة الكولونيالية الاستعمارية، والاستشراق في الحقبة الاستعمارية، والاستشراق في ما بعد الحقبة الاستعمارية.
الواقع أن الاستشراق في الحقبة الاستعمارية كان استشراقاً موجهاً، ينزع نحو تشكيك المسلمين في أصالة حضارتهم وتاريخهم، وأن معظم ما جاء في الحضارة الإسلامية نتلمس أصوله لدى اليونان في الفلسفة، ونتلمس الأصول الهندية والفارسية في التصوف، ونتلمس الأصول الرومانية واليهودية في الفقه وأصول الفقه أيضاً..”.
أصالة الفقه الإسلامي
وأضاف د.أحمد سالم: “الحقيقة أن الإسلام حينما انتشر في الجغرافيا السياسية قد ورثَ ضمن ما ورثَ أنظمةَ الحضارة والثقافة السابقة عليه، وحينما ورثت تلك المجتمعات يمكن أن نقول إن ذلك كان له تأثير في تخلق الفقه في التاريخ؛ فالفقه تأثر بالتشريعات اليهودية وتأثر بالتشريعات الرومانية وتأثر بالتشريعات الفارسية، لكن ذلك لا يلغي أصالة الفقه الإسلامي؛ باعتباره اشتباكاً للوحي مع حركة المجتمع، يختلف باختلاف الزمان والمكان والبيئة، ولذلك كان فقهاء المسلمين على وعي بأنه لا يجوز فرض اجتهاد فقهي واحد على كل الناس في كل الأماكن. فحينما عرض أبو جعفر المنصور على الإمام مالك أن يكون كتابُ المغطى هو الكتاب المطبَّق في أرجاء الخلافة الإسلامية، رفض الإمام مالك؛ لأنه يعي أن الأحكام تختلف باختلاف الزمان والبيئات والأماكن، المشكلة في أن الاستشراق حين يأتي ليقول بأصل روماني أو أصل فارسي أو أصل يهودي؛ فإنه ينزع إلى التشكيك في ذاته، وليس إقرار أن هذا الأصل كان ضمن ما ورثه المسلمون في التاريخ من أنظمة كانت قائمة على الأرض..”.
مرونة الوحي في الاشتباك مع حركة الاجتماع الإسلامي
وتابع أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “فالفقه الإسلامي يغير واقعَ العادات والتقاليد.. على أرض مصر في الطقوس الجنائزية والفرعونية وعادات المصريين القدماء؛ لأن تلك العادات كانت قائمة وممتدة في العمق التاريخي؛ فالوحي كان فيه قدر من المرونة في الاشتباك مع حركة الاجتماع الإسلامي، وفقاً لاجتهادات الفقهاء؛ لا يمكن أن أحكم بما هو قائم في العراق مع ما هو قائم في مصر، ينبغي ألا نتوقف عن البحث عن الأصول القديمة للفقه الإسلامي باعتبار أن ذلك يقلل من الفقه الإسلامي في التاريخ؛ المشكلة أننا أمام وجهتَي نظر، وجهة نظر الاستشراق أنها تخضع الآلة للعقل البشري، لتفكيك البناء الخاص بالإسلام في التاريخ، وتشكيك المسلمين في تاريخهم. وجهة النظر الأخرى، وهي وجهة النظر السلفية التي تطلق الفقه خارج حركة التاريخ لتدَّعي أن اجتهادات القدماء ينبغي التحكم في هذه الفترة التاريخية لا التوجه السلفي الذي يطلق أحكام الفقه ويصبغها بصبغة المقدس صحيحة ولا التوجه الذي يسعى إلى تفكيك الفقه وأصوله صحيحة بالكلية، فحينما أسعى للنظر إلى الفقه بأنه تاريخاني، فإنني أريد أن أقصي دور الفقه والشريعة عن حركة الاجتماع، وحين أطلق الفقه برؤية سلفية مجاوزة لحركة التاريخ؛ فإنني أمنح علماء السلف اجتهاداً في تسيير حياة واجتماع مختلف عن الاجتماع القديم”.
الإسلام لم يكن ديناً ثورياً بل إصلاحي
وأجاب د.أحمد سالم عن سؤال “هل فعلاً الإسلام باعتباره ديناً جاء مهتماً بالعقيدة أساساً ومتجاوزاً للعقائد السابقة، مصدقاً عليها ومهيمناً عليها؟ ربما هذا هو الذي أعطى الأولوية بالنسبة إلى الإسلام، إلى مسألة تحصين العقيدة بالشعائر، وهكذا كانت العقيدة في القرآن أهم من التشريع والأحكام، ما رأيك؟”، قائلاً: “دعنا نتفق أنه قِس على الأديان الإبراهيمية واحد، وأن الأثر التوراتي في القرآن هو الأثر الأكبر، وأنني يمكن أن أقبل ذلك باعتباره وحدة المصدر للأديان الإبراهيمية جاء منه، وأن شريعة محمد هي تكميل للشريعة اليهودية وتجاوز لها في نفس الوقت؛ لأن الإسلام لم يكن ديناً ثورياً؛ ولكنه كان ديناً إصلاحياً لم يقلب الموازين السائدة في التاريخ القديم إزاء قضايا الرق والعبودية والتسري والتعدد.. وغيرها؛ ولكنه حاولَ تهذيب هذه الاعتقادات. ليست لديَّ مشكلة في أن يكون هناك للإسلام مشترك بينه وبين اليهودية، وأن يكون هناك موقف للإسلام مشابه لليهودية في قضايا تتعلق بالمرأة والحيض وحقوق المرأة والتعدد.. إلى آخره؛ لأن الجذع المشترك واحد، وإن تجاوزها الإسلام في مساحات أخرى، وبالتالي هنا المفروض أنه يكون ذلك التشابه هو وسيلة لانفتاح التعايش بين الأديان الإبراهيمية وليس وسيلة لإقصاء الأديان الإبراهيمية بعضها والبعض الآخر، فحينما أقول إن هناك جذوراً يهودية داخل الشريعة الإسلامية، ليس هناك ضير؛ لأن لو كان هناك اختلاف بالكلية ما كانت هناك وحدة المصدر، وما دام المصدر واحداً فلا ضير في ذلك، وبالتالي هنا أنا لا أجد أية مشكلة في التعامل بلا حساسية مع قضية وجود جذور توراتية؛ لأني أري أن التوراة نفسها لها جذور بابلية وآشورية، إذا تكلمت على أن البنية التوراتية قد ورثت ضمن ما ورثت تشريعات البابلية والآشورية والكنعانية وتخلَّقت على مدار ١٢٠٠ عام في منطقة جغرافية سياسية واحدة، فأنا هنا ليست لديَّ حساسية مفرطة أن يكون هناك مشترك واحد بين اليهودية والمسيحية والإسلام، فالمسيحية جاءت بلا شريعة؛ لأنها رأت أن شريعة العهد القديم هي شريعتهم. هنا الإسلام لمَّا جاء خَد، في أجزاء جَت وخَدها، وفيه أجزاء تجاوزها. الإسلام لم يخلق الرق؛ ولكنه دعا إلى تحرير الرق، الإسلام لم يلغِ العبودية؛ ولكنه نظر إلى العبد على أنه ضعيف ينبغي أن يُعامل بمواصفات أخلاقية معينة”.
إشكالية تخليص الحضارة الإسلامية من أصالتها ووحدة الجذر الإبراهيمي
وأضاف أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “وبالتالي هنا الاتجاه المغرض نحو تأسيس جذور يهودية أو فارسية أو رومانية تجاه الإسلام، بدعوة تخليص الحضارة الإسلامية من أصالتها وتشكيك الذات في تاريخها.. ده اتجاه لا يتوافق مع مسألة وحدة المشترك الإنساني العام، وحدة الجذر الإبراهيمي، وأن مسألة إمكانية التسامح والتعايش بين الأديان الإبراهيمية بروح التعايش والتسامح وليس بروح الإقصاء؛ تفرض مسألة الاعتراف بهذه الجذور، ولا ضير فيها على الإطلاق”.
اجتهادات الفقهاء والمتاح من التشريعات الوقتية
وقال د.أحمد سالم بشأن “المنطقة الأخرى التي يحصل فيها التماس؛ ليس بين النصوص المؤسسة، ولكن بين الفقهاء في اجتهاداتهم مع المتاح أمامهم من تشريعات وقتية، وأفكر هنا الآن في الإمام الشافعي”: “من المبكر في مسألة حد الزنى أن الأمر كان يتعلق بامرأة يهودية، والرجم كان موجوداً في الديانة اليهودية، والرسول طبقه، وبالتالي هنا العرب حينما نزل القرآن نزل في بيئة لها خصوصية بلا دولة ولا نظام، الذي حدث أن هناك أنظمة حضارية حول الجزيرة العربية؛ لها إرث تاريخي وحضاري كبير، حينما حكم العرب لم يستطيعوا أن يحكموا دون وجود العنصر الذي دخل الإسلام من الأجناس الأخرى؛ أنظمة الدولة الفارسية القديمة التي تقوم على التراتب الهرمي القائم على الخلافة ثم الخليفة ثم جهاز الدولة.. ثم كذا. هذا التراتب الهيراركي القائم كان منقولاً عن الإرث الفارسي. حينما نعود في الفقه السياسي الإسلامي الذي يقول إن الدين أس الملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا ملك له فضائع.. هكذا نقل من عهد أردشير في الفقه السياسي الإسلامي ومرايا الأمراء، وبالتالي هنا الذي يحاول أن يرفع عن الحضارة الإسلامية أصالتها، نقول إن الإسلام حين انتشر ورثَ كل ما هو قديم؛ ولكنه أتاحَ لهؤلاء الحق في الحرية والتفكير والتنظيم”.
حركية التاريخ وفترة النبوة وتصورات المستشرقين
وأضاف أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “حركة التجارة وذهاب المسلمين إلى بلاد الشام وإلى بلاد اليمن في مناطق حضارية.. كل ده كان له تفاعل؛ لأن التجارة كانت مركزية في حياة قريش، والتجارة هي الاطلاع على ثقافات وأنظمة الشعوب الأخرى التي نذهب إلى التجارة معها، وبالتالي هنا الاحتكاك الثقافي ماكانش دايرة مغلقة بالكلية في الجزيرة العربية ومنعزلة؛ لكن كان فيه اطلاع واسع، كانت الأديان، الأديان نفسها الإبراهيمية، اليهودية، المسيحية، الحنيفية، موجودة داخل مكة وداخل المدينة، ومؤثرة في أفكار الناس، ولها وجود، هي المشكلة اللي نواجهها مع الاستشراق؛ مش في الفقه، في تعامله مع كل أنظمة الثقافة الإسلامية في الحقبة الاستعمارية.. هي البحث عن الجذور المؤسسة لأنظمة الثقافة الإسلامية، دون بيان خصوصية التجربة الإسلامية داخل نظامها الثقافي. يعني أنا ليس لديَّ مانع أن أتحدث عن الأصل الروماني أو اليهودي أو التوراتي؛ لكن أنا عندي مشكلة أنك ما تكسبليش التجربة الإسلامية خصوصيتها في التاريخ..”.
مشكلة الخطاب الاستشراقي.. والحاجة إلى تجديد الفقه
وقال د.أحمد سالم بشأن أن “مشكلة الخطاب الاستشراقي في هذا المجال أنه بإيعاز من هذه التاريخية يعود إلى أصول سابقة؛ ولكن يتعالى على الشرط التاريخي الذي تشكل فيه كل ما يصنع أوجه الثقافة العربية الإسلامية ويشتغل عليه، يعود إلى الأصول ويلغي الشرط التاريخي المؤسس مثلاً. ففي زمن النبوة مثلاً كان الرسول قد ترك دولة صغيرة تستند إلى أفكار واضحة في الشريعة، وكان هذا الموروث النبوي سياسياً تشريعياً قانونياً، بمثابة أرضية حاضنة لكل القوانين التي سيستلهمها في ما بعد المسلمون من شعوب الأمصار التي فتحوها، تحس أن هناك تماهياً خلاقاً حصل بين التراث التشريعي النبوي، بما يتضمنه من عناصر سابقة عليه، الوحي طبعاً، والواقع القانوني لتلك الشعوب الجديدة”، ومجيباً عن سؤال “ألا ترى أن كل هذا التفاعل ومن داخل هذا التفاعل وليس خارجه تشكَّلت تلك المنظومة الفقهية القوية على امتداد ٣ قرون ونصف القرن من الزمن؟ أريد أن أفكر في هذه المنظومة الآن بمنطقنا نحن لا بمنطق الاستشراق؟”، قائلاً: “إذا فكَّرنا في المنظومة بمنطقنا نحن لا بمنطق الاستشراق؛ نقول إننا في حاجة إلى تجديد الفقه؛ تجديد الفقه مرتبط بتغيُّر حركة الاجتماع والعلاقات الحضارية بالآخر، لقد نقلنا عن اليونان تراثهم القديم يومَ أن أنجزت الحضارة اليونانية وأصبحت موروثة، أما الآن فنعيش في حالة تعايش وصراع مع الحضارة الحديثة، ما عاد الفقه القديم يصلح الآن بالكلية.. قد أتفق في الفقه القديم مع أصول الاعتقاد الديني؛ لكن الفقه في معاملات البشر الآن في حاجة إلى تجديد وتطوير، ليس هناك تغيير في أن أؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأؤدي الصلاة، والزكاة، والحج بالشعائر التقليدية القديمة؛ لكن لديَّ مشكلات تتعلق بنقل الأعضاء والزواج الشافعي بكل ما طرحته علينا أنظمة الحضارة الحديثة”.
إشكالية تطور الفقه.. مشروعية نقل الأعضاء مثالاً
وأضاف أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “لقد جلسنا في مصر أكثر من عقد؛ نتحدث عن مشروعية نقل الأعضاء أم عدم مشروعيتها؟ وتأخر الفقه في حسم قضية مشروعية نقل الأعضاء ترتب عليه سوق سوداء أرضية سفلية في تجارة الأعضاء، كيف يمكن للفقه أن يسير؟ تطور حلقة الاجتماع مسألة ضرورية؛ لأن عدم تجديد الفقه معناه إقصاء الدين في مسألة الشريعة. الدين جذعه الأساسي هو الله والأخلاق؛ حينما يأتي نجم الدين الطوفي في القرن السادس، يقول إذا تعارض النص مع المصلحة أوجب تقديم المصلحة على حساب النص، ووجب تأويل النص لكي يوافق مسار حركة مصلحة البشر؛ فالنص من أجل الإنسان والدين من أجل الإنسان، هذا ما قاله نجم الدين الطوفي، في القرن السادس..”.
وتابع د.أحمد سالم: “الآن الخلف عجز عن التفكير، ولا يجتهد في تطوير الفقه. محمد عبده كان يقول إن الناس تحدث لهم بتغير الزمان أحداث وحوادث، وإن لم يتجدد الفقه سيقصى الدين عن مجال التشريعات والمعاملات، كان على وعي كبير في ذلك، فليس هناك إشكالات كبيرة في مسألة الاعتقاد وفقه الاعتقاد”.
القوانين التجارية والبحرية والشريعة الإسلامية وشرائع الأجانب
وقال أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا، بشأن أن “فقهاءنا اليوم ما زالوا منشغلين بإشكالات الملل والنحل القديمة، وبإشكاليات المستشرقين في القرن التاسع عشر والقرن العشرين”: “أنا أُبرِز لك وقائع في التاريخ.. سليمان القانوني لما جاء يعتمد القوانين التجارية والبحرية لم يجد في الشريعة الإسلامية ما يتعلق بالقوانين التجارية والبحرية؛ فاعتمد شرائع الأجانب في تلك الفترة التاريخية. مصر في العصر الحديث نقلت عن القانون الفرنسي في مجالات عديدة، وأعتقد معظم العالم العربي نقل عن القانون الفرنسي، فتراجع مسألة يعني عندي مشكلة إني بانقل القانون ابن بيئته، فأنت أما تنتج قانوناً خاصاً بك في بيئتك وفقاً لتقاليدك وشواهدك الثقافية؛ ده هيكون أكثر يُسراً مع البشر، لكن المطروح تستورد قانوناً هو أيضاً ابن بيئته، هيكون له مشكلات في المجتمع”.
الاستشراق وإشكالية أن التشريعات ابنة وقتها وبيئتها
وقال د.أحمد سالم: “وهذه هي الإشكالية التاريخية؛ إحنا عندنا المقدس بدأ رؤيته بالقرآن، ثم حديث الرسول، وحديث الرسول القول والفعل، وامتد الأمر بعد ذلك إلى سلوك الصحابة والتابعين، ثم إجماع العلماء.. المشكل هنا أن البؤرة الأصلية للقداسة قد سحبت على السُّنة رغم تعرض السُّنة للوضع بشكل كبير في طول الصراع السياسي الذي بدأ منذ عهد علي بن أبي طالب، الفرق، ثم امتد الأمر بعد ذلك إلى اتخاذ سلوك الصحابة كمقاوم للتشريع، وصبغ القداسة على فترة الصحابة.. فده نتائجه كانت وخيمة؛ إنك بتحاول توسع الدائرة عشان تحكم حركة الاجتماع، المسلم ده أصبح له شروطه الزمنية؛ يعني هاتكلم عن حديث الذبابة، إرضاع الكبير.. لا يمكن للعقل البشري مع تطور الزمن، حتى في القرآن فيه حاجات معينة، السبي وملك اليمين؛ حين تطور الاجتماع البشري تجاوز أشياء كثيرة، ليكن صحيح السُّنة موافقاً للقرآن؛ لكن السُّنة كانت أداة الصراع معظم الوقت، اختلفت رمتها على بضع وسبعين فرقة؛ كلها في النار… الشيعة يقولون إحنا، والمعتزلة إحنا، وبالتالي هنا كلما اتسعت دائرة المقدس وسَّعَ البشرُ في اجتهادات ما يُسمى بتعدد الاجتهادات في علوم الدين على مستوى اختلافها، ولأن القرآن هو البؤرة تم اتساع دائرة المقدس من القرآن إلى كلام الرسول ثم العلماء ثم اجتهادات البشر في الناحية، ده كَبَّل حركة المجتمع، كلما ضيقت دائرة المقدس وحددتها؛ حرَّرَت الاجتماع من سطوة المقدس وأصبح حراً في التغير باستمرار”.
إشكالية غلق باب الاجتهاد.. تاريخياً الاجتهاد ضعُف ولكنه لم ينعدم
وأجاب د.أحمد سالم عن سؤال: “هل نعتبر أن توقف الفقه الإسلامي وإقفال باب الاجتهاد أوائل القرن الرابع الهجري، هو نوع من إيقاف هذا التمدد للمقدس؟ أم أنه على العكس من ذلك يعني مثلما يقول المستشرقون إننا حينما اعتبرنا أن المذاهب قد اكتملت واكتفينا بالمذاهب الأربعة والأئمة الأربعة وما إليه، فتحنا الباب أمام الجمود والتحجر وعدم القدرة على مواكبة روح العصر بالتشريعات الملائمة؟”، قائلاً: “دعنا نكون متفقين أن الدعوة دي جَت مع تدهور وانحلال الحضارة الإسلامية، وبالتالي هنا الحديث عن غلق باب الاجتهاد، ده شعار رُفع؛ لكنه تاريخياً لم يتحقق، ضعف الاجتهاد نعم؛ لكن لم ينعدم الاجتهاد؛ بدليل أن دخول الحداثة إلى العالم الإسلامي طرح إشكالات عديدة على الفقه الإسلامي من جديد، وظهرت حركات الإصلاح من جديد؛ وبالتالي استقالة العقل هي التي تقول إن باب الاجتهاد قد أُغلق وانتهى الأمر، لدرجة أن هناك أحد المصلحين الأتراك قال إننا ينبغي أن لا نتحدث عن غلق باب الاجتهاد، لأن جذور الحضارة الغربية تكاد تقتلع تركيا من جذورها الإسلامية؛ ففي لحظة الرياح العاتية ينبغي أن نقفل الأبواب ونحتمي بالجذور.. فده ادَّى مساحة كبيرة للقدماء أن يكونوا فاعلين وهم أموات، ودي ضمن أسباب تكبيل حركة المجتمع للتغير والتطور”.
الحضارة الحديثة فرضت نفسها في كل شيء
وأضاف أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة طنطا: “يعني أما تيجي تشوف الحضارة الحديثة اللي فرضت نفسها في كل شيء، حتى وإحنا قاعدين، احنا أصبحنا نطلق على الأشياء، نطلق على ما نستهلكه ألفاظها الأجنبية؛ أصبحت هي المتداولة، فإذا كان تطور الاجتماع هيمشي لوحده بقوانينه، بآلياته، بلغته؛ إذن أنت وقفت محلك سر. تقول لي إيه، هل يجوز الصلاة بترجمة معاني القرآن أم لا؟ كل الفقه الإسلامي قال لك لا يجوز؛ ما عدا أبو حنيفة. كل الفقه الإسلامي قال لك رأس المسلم بدية، إلا أبو حنيفة. القرآن لمّا تكلم عن القتل قال (مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) ده إيه؟ اتكلم عن النفس بالمطلق العموم، لا قال لك دي ولا دي. شوف الفقه الإسلامي عمل إيه؟ ما عاد الفقه الإسلامي يصلح، ما عاد فقه أهل الذمة يصلح، ينبغي أن يَتَزَيَّ الزمي بلباس معين، وأن يمشي في طرف الطريق، وألا يعلو بناء الذمي على بناء المسلم.. هكذا يقول في التاريخ، هذا كان في لحظة قوة الجماعة الإسلامية واستعلائها بشرطها التاريخي. الآن أصبحت الجماعة الإسلامية مستضعفة في الأرض، والجماعة العربية مستضعفة في الأرض، نتعايش بمنطق: لا إكراه في الدين، ولا قاتلوا، لأ؛ لا إكراه في الدين، وبالتالي هنا أنا باشوف إنه لم يجتهد المسلمون؛ لأن جزءاً كبيراً من الفقه قائم على إيه؟ على الاستصلاح والاستحسان والمصالح الموصلة. أنت بتقول لي الكتاب والسُّنة وإجماع العلماء أو إجماع الصحابة، لأ؛ النص الثاني هو حر؛ لأنه بتعدده مقاصد العامة للشريعة الإسلامية مسألة مهمة، أنني إيه مقاصد العامة للشريعة الإسلامية..”.
مطلب تاريخي لتعايش المسلمين مع العالم
واختتم د.أحمد سالم، حديثه قائلاً: “نحتاج الشاطبي بيننا، ونحتاج الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي، وكل الفقه المغاربي الذي يتكلم عن المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، هذا مطلب تاريخي الآن لمسألة تعايش المسلمين مع العالم”.