لماذا تحولت أمة الإسلام إلى شيع وأحزاب متناحرة رغم وضوح الوصايا القرآنية؟ الدكتور يوسف أبو عواد يفرّق بين التعددية السياسية الإدارية المشروعة والتحزب الديني المحرّم الذي يعدّه “أكبر الكبائر”، داعيًا للعودة إلى “الفطرة” و”الدين القِيَم” كسبيل وحيد لنجاة المجتمع من نار الفتنة الدنيوية قبل عذاب الآخرة، في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع
كيف تكون مخالفة الوصايا السبب الأول لتفرّق المجتمعات؟
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد. أهلا دكتور.
يوسف: أهلا بك.
باسم: في الحلقة السابقة كنا نتحدث عن مفهوم الوصية، وما هي الوصايا التي أُعطيت للأنبياء، بدءًا من النبي نوح إلى النبي محمد عليه السلام، أو عليهم السلام جميعًا، وتطرقنا إلى الكثير من المفاهيم: ما هي الوصية، وتبيّن معنا أن الوصايا هذه جوهر الدين، طُلِبَ من الناس أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وتطرقنا إلى معنى الفرقة في الدين، ماذا تعني؟ التي هي التقسيم أو التجزئة في المجتمعات، وظهور مجموعات لا علاقة لها بالدين، وتزيد على الدين لكي تبرر لنفسها الوجود، سواء سياسيًا أو اجتماعيًا أو حتى تجاريًا، لأنه هناك فرق، كما أعرف هناك فرق دينية كثيرة ظهرت على… وتمارس التجارة بناءً على فهم خاص للتديّن لها.
وتطرقنا في الحلقة السابقة عن ماذا يُقصد، أو عندما يخالف الإنسان الوصية ماذا يحدث، نريد أن نلقي مزيدًا من الضوء عن مفهوم “اتقوا الله” الذي ينتج عن مخالفة الوصية، كيف تكون مخالفة الوصايا؟ وما هي النتائج المجتمعية التي تترتب على مخالفة الإنسان، فردًا ومجتمعًا، للوصايا الإلهية؟
يوسف: أهلا بك دكتور، وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. طيب، كما ذكرتَ نحن تتبعنا الوصايا التي أُوحي بها للأنبياء جميعًا في جميع النص القرآني، ووجدنا أن الفكرة الجوهرية هي إقامة الدين وعدم التفرق، وشرحنا أن ذلك في أقصى تفاصيله يشمل المبادئ الأربعةَ عشرَةَ، وانتهى. ثم أثبتنا أن هذه الوصية قد وصلت إلى الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم، يعني من قبل المخاطَبين، من قبل البشر في عهد الرسالة الخاتمة. وإياكم.
الآن هناك آية تشير إلى أن هذا المضمون نفسه ضُمِّن في الصحف، لأننا قلنا إن الموضوع تدرج من الوصايا إلى الصحف إلى الكتاب. لاحظ في سورة البينة: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» (سورة البينة، الآية 1). وهذا الأمر يصف المجتمع البشري في عهد نزول الرسالة الخاتمة، أنه كان هناك طائفتان، طائفة من الذين كفروا من أهل الكتاب، هم في الأصل لديهم كتاب، لكن غطوا الحقائق الواضحة التي لا يختلف عليها الناس كما قلنا.
باسم: يعني كفروا بها.
يوسف: بالضبط، هذا معنى كفروا بها، فصاروا فرقًا، صاروا أحزابًا؛ حزب كذا وفرقة كذا. والمشركين الذين كان لهم تعدد مصادر، أو مَن يصادر إرادتهم وحريتهم وعقولهم، فيكون بينهم وبين الله، كما قلنا، يصادر حريتهم، لم يكونوا منفكِّين عن ماذا؟ عن هذه الحالة التي هم فيها.
باسم: التي هي حالة التفرُّق.
يوسف: بالضبط، حتى تأتيهم البينة، وهذه نقطة في غاية الأهمية؛ أن الخروج من هذه الحالة يحتاج إلى العودة إلى أمرٍ بيِّنٍ واضحٍ تمام الوضوح. طيب، الآية التالية تقول: «رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً» (سورة البينة، الآية 2).
باسم: وكأن هنا توضيحًا لماهية البيِّنة.
يوسف: نعم، البينة هي الصحف المطهَّرة التي يتلوها الرسول، وسنأتي في حلقة القرآن، إن شاء الله، نثبت أن هذا يدل على أن هذه هي الرسالة التامة التي لا تحتاج إلى زيادة عليها، كما شرحنا هذا كثيرًا. «فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» (سورة البينة، الآية 3)، هذه أيضًا كنا قد شرحنا أن الكتاب، الكتب، ليس معناه كتاب نوح وكتاب عيسى وكتاب موسى وكتاب إبراهيم، لأن الكتاب واحد، وإنما معناه كتاب -مثلًا- التوحيد.
باسم: كتاب الموت، كتاب التوحيد…
يوسف: كتاب الصيام، وكتاب الصلاة…
باسم: كتاب النجاح، كتب كلها.
يوسف: “وقَيِّمةٌ” ذات… أوّلًا هي مستقيمة، فيها معنى الاستقامة، أيضًا ذاتُ قيمةٍ للمجتمع، يعني معناها أيُّ شيء يتحدث عنه أيُّ متحدث باسم الدين، لا قيمةَ اجتماعيًا له، فقط عبارة عن تخييلات وتخويفات، هذا ليس من الكتب. الآن…
هل الكتب السماوية مجرد “أدلة تشغيل” للمبادئ النظرية؟
باسم: قبل أن نخرج من موضوع الكتب هل يمكن فهم الكتاب أو الكتب التي هي عبارة عن آليات تفعيل الأشياء مثلًا، أو ما يُسمى بالإنجليزية “Manuals“؟
يوسف: هذا الربط جميل، دكتور، لأننا سنأتي أيضًا في حلقة القرآن. الكتب هي المبدأ النظري قبل تحوُّله إلى الواقع العملي؛ يعني لما أشرح لك المبدأ النظري الذي تقوم عليه قضية معيَّنة، في هذه الحالة يُسمَّى هذا الشرح كتابًا. فأنا أشرح لك مثلًا لماذا “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…”؟ “… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة، الآية 183)، معناها هو وقاية لك من الأمراض ومن ما يسيء إلى صحتك، فلما أشرح لك المبدأ النظري، هذا في هذه الآلية من الشرح يُسمَّى كتابًا.
«وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» (سورة البينة، الآية 4)، هذه نقطة في غاية الأهمية. إلا أنه قد يقول قائل: إذن الذين أُوتوا الكتاب، لماذا تفرقوا أصلًا؟ أليس قد جاءهم كتاب؟ تقول لك الآية: بلى، قد جاءهم وكان بيِّنًا. إذن لماذا تفرقوا؟ لأنه جحد بحقه، ليس التفرُّق لعدم وضوح الكتاب، الذي شرحناه من مضمون الوصايا الذي هو الصحف، والذي تربطه هذه السورة بالكتاب. الآن، التدرج من الوصايا إلى الصحف إلى الكتاب، هل هو بيِّن أم فيه التباس؟ يعني، هل يحتمل أن يختلف فيه الناس كما شرحنا في الحلقة السابقة؟ لا يحتمل، لأنه لو أنت استندت فقط إلى الفطرة البشرية فلا أحد يختلف في هذا. صحيح أن الاختلاف..، لأنه، دكتور، فيه -تعرف أنت في عصر الحداثة أو ما سُمِّي عصر ما بعد الحداثة- يقول لك: الاختلاف ظاهرة إنسانية، صحيح، لكن ليس كل شيء الاختلاف فيه ظاهرة إنسانية؛ يعني الاختلاف في مثلًا قتل النفس البريئة، شخص يقول لك: لا يجوز قتل النفس البريئة، هل هذا اختلاف…
باسم: صحي…
يوسف: إي نعم.. أم اختلاف…
باسم: صح، أم عُوار مجتمعيّ؟
يوسف: أي نعم، لا بد من التمييز بين فعلًا ما يتسع فيه الاختلاف وقبول وجهات النظر وتبادلها وصولًا إلى الحقيقة شيئًا فشيئًا، وبين ما ليس أصلًا محلًّا للاختلاف، لأنه يخالف جوهر الوجود الإنساني والقيم الكبرى التي هي مغروسة في فطر الناس.
لكن الآية تقول لك -وهنا دقة- في أول الآية قال أهل الكتاب: “لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” (سورة البينة، الآية 1)، لأنه يتكلم بالعموم. في الآية هذه: «وَمَا تَفَرَّقَ…”
باسم: “الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ”.
يوسف: ما قال “وما تفرق أهل الكتاب”، وما قال “وما تفرق الذين آتيناهم الكتاب”؛ لِمَ؟ لأن «أُوتوا» -كما شرحنا- لا تأتي إلا في سياق الذم. ولذلك يمكنني أن أقول الآن لكلِّ مَن فرَّق المجتمعات الإسلامية بالأحزاب والفرق: إنْ أنتَ أُوتيتَ القرآن أو الكتاب لكنك لست من الأتباع الحقيقيين، لست من الذين آتاهم الله الكتاب والإسلام والقرآن. هكذا في طريقة القرآن، لو كنت من الذين آتاهم الله الكتاب لَما تفرَّقتَ، كان عاملًا في التفريق بين الناس.
باسم: يعني هذا ينطبق تقريبًا على كل الفرق الإسلامية، بغض النظر عن تشكيلاتها وعن تسمياتها، أنها تفرقت في الدين لأنها لم تكن من الذين أُوتوا الكتاب ولم يفهموا الكتاب.
يوسف: صاروا من الذين أُوتوا.
باسم: أو زادوا على الكتاب.
يوسف: أي نعم، هذه الإشكالية؛ لأنه قال لك: «رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً» (سورة البينة، الآية 2)، متى ما صرتَ تزيد عليها زدتَ على الأربعة عشر مبدأً التي ذكرناها.
باسم: التي هي الصراط المستقيم.
يوسف: هكذا تترابط المبادئ.
باسم: يعني الوصايا هي الصراط المستقيم.
يوسف: أي نعم، هو القرآن يأتيك إلى نفس النقطة من محاور كثيرة؛ يبدأ من نقطة (أ) فيوصلك إلى المركز، ثم (ب) ثم (ج)، لماذا؟ لأنه كتاب اجتماعي؛ يعني هذه طريقة معالجة القضايا الاجتماعية، هكذا، هي ذكرى، تذكير، في كل مرة بأساليب مختلفة.
ثم شرح لك، طيب ما هي هذه البينة؟ لاحظ الشرح المختصر: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» (سورة البينة، الآية 5). جَمَع بين العبادة التي ذكرناها في وصية إبراهيم، وإخلاص الدين الذي ذكرها في وصية نوح وموسى وعيسى وإبراهيم. «حُنَفَاءَ» طريقة إبراهيم في العمل؛ تحويل هذا إلى عمل، «وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» (سورة البينة، الآية 5)، آخر شيء الذي جاء على لسان عيسى؛ «وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ». رأيتَ كيف جمعت الآية كلَّ ما ذكرناه؟
باسم: يعني في آية قصيرة جدًا وضَّح المنهاج، وضَّح المبادئ، وضَّح الصراط المستقيم، وضَّح ما مطلوب من الفرد أن يقوم به تجاه ذاته.
يوسف: مما ذُكِر من نوح إلى عيسى..
باسم: إلى عيسى.. صح.
يوسف: صحيح؟ ثم بيّن لك أن هذا هو الكتاب، وهو الصحف المطهرة.
يوسف: طيب، وهنا لا بد أن نضع نقطة نظام، لأن لدينا في الحلقات القادمة دراسة لقضايا تفصيلية في الكتاب، نريد أن يفهم السادة المشاهدون والمشاهدات أن هذه الدراسة لا يصح بأي حال من الأحوال أن تكون سببًا لاختلاف الناس؛ يعني أي شيء فيها محل اجتهاد، هذا في الحقيقة يرجع لترجيح فردي، ولا يجوز أن يُحوَّل إلى فرقة، ولا يجوز أن يُحوَّل إلى حزب. إذا اختلف الناس، اختلف على المستوى الفردي، اختر ما تشاء، لكن نقطة المرجع في المبادئ الأربعة عشر، وفي أن الدين الذي هو نظام الجزاء يقوم على فكرة كفِّ الأذى، هذه دائمًا هي نقطة المرجع.
هل التفرّق الديني هو “أكبر الحرام” في الإسلام؟
باسم: هل يمكن الفهم أو الاستنتاج من هذه الآيات تحريم الفرقة وتحريم التجزئة أو التحزُّب، بناءً على أن أنا أمثِّل هذا الدين وذلك لا يمثله…
يوسف: طبعًا.
باسم: وأنا فرقتي تفهم هذه الطريقة؛ يعني وكأنه حرام الفرقة؟
يوسف: لا، هو أكبر الحرام، هو ليس حرامًا، هو أكبر حرام يمكن اقترافه هو الفرقة.
باسم: لأنه يعارض الوصية الأساسية، جوهر الوصية الدين، هو يعرضها للتفريق.
يوسف: صحيح، لماذا بُدئت الآية «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ» (سورة الأنعام، الآية 151)؟ لأنه في النهاية سيخبرك أن «ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ» (سورة الأنعام، الآية 151)، فأكبر حرام هو التفرق في هذا.
طيب كيف يحصل التفرق؟ الناس لا يختلفون كما قلنا. يحصل بالزيادة؛ أنا أريد أن أطرح مثالًا بسيطًا، الآن مثلًا قضية الحجاب؛ سنأتي في حلقات قادمة نناقشها، لكن لنفترض أنه اختلفت الآراء في موضوع الحجاب. الآن تحويل هذا الاختلاف إلى حيِّز تفرُّق، بحيث تجعل علامة لتفريق هذا عن هذا، فتقسم المجتمع قسمين وثلاثة وأربعة.
باسم: فتكون أنت دخلت في دائرة معارضة أو مناهضة الوصية.
يوسف: نعم، طيب، كيف أرجع إلى موضوع الوحدة؟ يكون المعيار الأساسي هو: هل أنت بالرأي الذي اتخذته، أهم شيء أن لا تصل إلى الأذى، هل آذيتَ أحدًا ودخلتَ في مرحلة الأذى وخالفت الإسلام أم لا؟ إذا لم تدخل مرحلة الأذى انتهى، إذا كان لديك حجة تبنَّ ما تشاء، أنت حرٌّ في ما تتبنى، لكن لا تحوِّل هذا إلى…
باسم: إلى فرقة.
يوسف: تفريق. التفاصيل التي ستأتي بعد ذلك، عندما نشرح تفاصيل الكتاب الخاتم، من المهم جدًا أن يفهم السادة والسيدات المشاهدون والمشاهدات أن هذه نقطة نظام.
باسم: يعني المعيارية الأساسية التي تضبط عدم الفرقة من الفرقة ذاتها، هي سِلميَّة السلوك في المجتمع؟
يوسف: أي نعم. وأقول مرة أخرى: المبادئ الأربعة عشر، أن لا يجعل ما زاد عليها…
باسم: سببًا للتفريق.
يوسف: عاملًا للتفريق، بالضبط. وهذه نقطة في غاية الأهمية. لذلك قال لهم: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ» -يتبعوه كما شرحنا كثيرًا- «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»؛ أي لا تُدخل على فكرة الجزاء التي أرادها الله -وهي الإسلام، أكفُّ الشر- لا تجعل سببًا للإدانة غير هذا، لا يحق لك أن تدين شخصًا إلا إذا آذى غيره. أي إدانة تخترع لها سببًا غير قائمة على فكرة الأذى، أنت بدأت تفرِّق الناس.
باسم: مثل ما يقول في العامية: «تلبّسُه قضية».
يوسف: بالضبط، وهذا كم تشاهده، يعني كثيرًا ما نشاهد إدانة… شخص يتبع مذهبًا من المذاهب الإسلامية الشائعة، أو فرقة أو حزبًا، ثم ماذا يفعل؟ يدين شخصًا آخر، حتى لو ليس إدانة قضائية، أحيانًا الإدانة الاجتماعية نتيجتها أشد من الإدانة القضائية؛ يدينه، فيُقنع الأتباع ويقنع الناس أن هذا الشخص فعل كذا وكذا. بناءً على ماذا أدنته؟ هل آذى أحدًا أو آذى شيئًا؟ إذا أدنتَ أحدًا بناءً على شيء ليس هو في الحقيقة أذى، فأنت أدنته بما ليس دينًا، هذا الدين الذي تشرحه الآية: «مُخْلِصِينَ»؛ هذا معنى «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»، أنت لم تُخلِص الدين، غششته وأدخلت فيه ما ليس منه، جعلت وسيلة للإدانة مما لم يجعله الله وسيلة للإدانة.
باسم: يعني سلميَّة السلوك تجاه نفسك وتجاه الطبيعة وتجاه الآخرين هي المعيار الأساس للإدانة.
يوسف: بالضبط، تكفل لك عدم الإدانة، وهذا هو إخلاص الدين الذي ينبغي أن يتبنَّاه المجتمع؛ قضاءً وأفرادًا، المؤسسات القضائية وأفراد المجتمع المدني. “وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ”، كما قلنا، هذا الذي خُتم به لما تحدثنا عن وصية عيسى عليه السلام، نعم، “وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ” (البينة: 5)، خلاص انتهى. يكرر لك، يؤكد أن هذا هو “دين القيمة” الذي نحن نريده. لا، ليس ثمة شيء آخر. هذا الاختصار. فهذه السورة عجيبة، كيف ربطت الوصية، نقلتها إلى الصحف، ثم حدّثتك أن هذا هو جوهر الكتاب.
باسم: المشكلة التساؤل نفس العملية، أن هذا القرآن، كما قلنا سابقًا، موجود بين أيدي الناس منذ أكثر من 1450 سنة وأكثر أو يزيد، وهذه الآيات موجودة، ويقرؤها الناس صغيرًا وكبيرًا ويحفظوها، ولكن لا أحد يعمل بما جاء في هذه الآيات، والمجتمعات الإسلامية مقسَّمة بين فِرَق وشيع ومذاهب وطرق صوفية وطرق…
يوسف: وشيع.
باسم: والغريب جدًا وكأن هذه الآيات ليست موجودة ولا تعنيهم في شيء.
كيف حسم القرآن خلاف القبلة لئلا يتحول لفرقة؟
يوسف: الآن دكتور سنذهب إلى ذِكر الاختلاف مع الكتاب، لنرى هل يختلف الاختلاف عن الاختلاف في الوصايا وفي الصحف أم لا؟ لاحظ في الكلام على الكتاب الخاتم وما قبله، لأن هذه الآية تربط، لو تتبعنا السياق كانت تتحدث عن نزول الكتاب الأول ثم ها هي تربطه بالنزول الثاني: «ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ…»…
باسم: «… لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ» (سورة البقرة، الآية 176).
يوسف: ربطنا الاختلاف والتفرق مع الوصية فيما سبق، الآن في الكتاب. طيب الذين اختلفوا في الكتاب، كيف؟ يقول لك: طيب هو الاختلاف قد يقع، انظر إلى الآية اللاحقة، قال لك: «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (سورة البقرة، الآية 177). وهنا لفتة في غاية الأهمية، لِمَ؟
لأنه كما قلنا، هذه نقطة النظام التي نريد أن نبني عليها ما سيأتي من الحلقات، من المهم جدًا أن ننتبه، أنه يقول لك ستأتي التفاصيل؛ مثلًا جاءت التفاصيل التي تتعلق بالقبلة، هذه التفاصيل أحدثت تفرُّقًا. لاحظ كيف حسمت الآية هذا التفرُّق لتعطيك نموذجًا: «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»؛ يعني يقول لهم في نهاية المطاف: اختيار قبلة جهة مشرق أو مغرب أو غير ذلك ليس مقصودًا لذاته.
باسم: وهي ليست البر.
يوسف: فلا تجعل منه سببًا لصناعة فِرَق وأحزاب، احذر. طيب ما هو البر؟ «وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ» عاد لك إلى الوصايا: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» (سورة البقرة، الآية 177). طبعًا اليوم الآخر قلنا كثيرًا فكرته أن الإنسان جزاء عمله إن لم يتلقاه لحظيًّا لا بد أن يجازى بعمله، والملائكة والكتاب والنبيين كلها تعود إلى مضمون واحد؛ لأن الملائكة تمثل قوانين الله في الكون، والكتاب يمثل وضع هذه القوانين في هيئة مكتوبة أو على شكل نظريات كما قلنا، والنبيين هم حَمَلة هذا إلى الناس.
طيب هذا المبدأ النظري، ثم قال: «وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ» (سورة البقرة، الآية 177). عاد لك إلى المجتمع وطريقة كفِّ الأذى؛ يعني هذا بالنهاية «آتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ»، لماذا؟ لأن هناك من هو متأذٍّ ويحتاج إلى أن يُرفع عنه الأذى؛ اليتامى، المساكين، ابن السبيل، السائلين، وفي الرقاب، ركّز على ضعفاء الناس.
باسم: هو ركّز على الفئات الضعيفة في المجتمع.
يوسف: بالضبط، «وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ»، ثم عاد فقال: «وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا» (سورة البقرة، الآية 177). أنه أنت إذا عاهدتَ عهدًا فلم توفِ به آذيتَ، أم لم تؤذ؟ وهذا ذُكر في الوصايا.
«وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ» (سورة البقرة، الآية 177)؛ يعني إذا أصابك ما يضرك، هل يدفعك ذلك أن تؤذي أم تمنع نفسك عن الأذى حتى تتجاوز الأزمة التي أنت فيها؟ لأن كثيرًا من الناس يؤذي بدعوى أنه أنا متضرر، فيستبيح الأذى بهذه الدعوى.
باسم: ويبيح لنفسه أن يسرق الآخرين أو يأخذ قوت الآخرين.
يوسف: هذا هو. فعاد إلى الضوابط الاجتماعية ثم قال: «أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (سورة البقرة، الآية 177)؛ يعني الذين أقاموا ما يقيهم ويقي مجتمعهم من الضرر.
هل تسمح تفاصيل الكتاب بالاختلاف المؤدي للتحزّب؟
يوسف: إذن أهم نقطة في الموضوع؛ أن الكتاب لما نزل، هل لأن الكتاب تضمَّن الوصايا والصحف وأعطاك تفاصيل لأمور أخرى، هل يسمح بالاختلاف؟
باسم: لا.
يوسف: الاختلاف الذي يؤدي إلى التفرق والتحزُّب لا يسمح به. طيب اختلفنا؟ قال لك ارجع إلى النقطة الأصلية، خَلِّ هذا الاختلاف هي آراء شخصية، لا تنقله ليصبح فِرقًا ولا مذاهب ولا أحزابًا. لأنه قال لك دعك من المشرق والمغرب، وهو يتحدث عن القبلة، فقال لهم -مع أنه تحدث عن القبلة في آيات- لكن ماذا قال لهم؟ «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، تذكَّر أنه بالنهاية هذا إجراء تنفيذي، إياك واحذر أن تجعله سببًا للتفرُّق.
باسم: يعني ليس بالضرورة أنكم تتفرقوا اعتمادًا على اختلاف حول فكرة غير جوهرية.
يوسف: أي نعم، بالضبط، كل الذين تفرقوا مذاهب وفرقًا وأحزابًا، هل يحتجون بالتفرُّق في تفسير المبادئ الكبرى التي شرحناها في الحلقة الماضية في الوصايا؟
باسم: بالتأكيد لا لا، صح.
يوسف: إنما بحجة أنه لا، أنا اختلفت معك في مسألة كذا؛ اختلفنا في مسألة الربا، اختلفنا في مسألة ما هو التعريف الحقيقي للزنا، ما هو الحجاب، ما هي الصلاة، ما هي الزكاة. طبعًا تفاصيل، ليس المعنى الكبير، الكل متفق على المعنى الكبير، لكن تفاصيل. هذا الاختلاف حُوِّل إلى مذاهب في عصر من العصور، حُوِّل إلى فِرَق، حُوِّل إلى جماعات، وقسَّم المجتمع. طيب هذا التفرُّق الذي يفعله هل هو يسير على الكتاب؟ لا، «وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ» (سورة البقرة، الآية 176)، انتهى الموضوع. بَعُدَ جدًا عن مضمون الكتاب.
كيف يعيد الكتاب توحيد الناس بعد اختلافهم وبغيهم؟
يوسف: وهناك آية أيضًا تختصر مسيرة حياة الناس منذ…
باسم: منذ الخليقة.
يوسف: منذ بداية وجود البشر على الأرض إلى الآن: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً» (سورة البقرة، الآية 213)؛ لا نبي ولا كتاب ولا غير ذلك.
باسم: سلوك موحد، متعايش، ومجتمع مستقر.
يوسف: متعايش، يُكفُّ فيه الأذى، «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» لأن الناس اختلفوا كما سيشرح فيه، «وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» (سورة البقرة، الآية 213). إذن هذا الكتاب، لماذا نزل؟ ليعيد توحيد الناس بعد أن اختلفوا. بماذا؟
باسم: وليس ليؤسِّس لسلوك جديد.
يوسف: أي نعم. بماذا يعيد توحيدهم؟ بإعادة فكرة أن الإدانة لا تكون إلا لمن آذى، وأن ما بعد ذلك من مسائل كل إنسان حرٌّ فيها بحيث لا يحوِّلها إلى تفرُّق. هكذا تعود الأمة الواحدة، هذا ما فعله الكتاب لما نزل..
“وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ”، هل عاد الناس فاختلفوا بعد الكتاب؟ نعم، طيب لِمَ؟ «إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ»، وأين البينات؟ كما شرحناها في سورة البينة، «بَغْيًا بَيْنَهُمْ» (سورة البقرة، الآية 213).
إذن البغي هو الزيادة والمجاوزة؛ زاد على الكتاب ففرَّق، حصل اختلاف. فصار هذا البغي -الزيادة التي بدأت بالزيادة على الكتاب- صارت بغيًا على الآخر واعتداءً وعذرًا.
باسم: صارت فرقة، صارت شيعة، صارت تسنن، صارت…
يوسف: أي نعم.
باسم: فرق صوفية، فرق…
يوسف: يعني البغي…
باسم: سلفي.
يوسف: البغي هو إرادة، مستوى أعلى من الإرادة. أنت أعطاك الله الكتاب بسهولة، الأسس الكبيرة. أنت تبغي أكثر من هذا، فصرت تؤلِّف، تنشئ فرقة، حزب، شيخ، مذهب… إلى آخره. هذا البغي جعلك تخرج عن الكتاب، فجعل هناك اختلافًا تفرقيًا في المجتمع.
ماذا نفعل؟ نلغي كل أساس فُرِّق عليه المجتمع أنه فعلًا أساس، ونقول: هذه ليست أسسًا؛ الأسس الكبيرة هذه هي مرجع الاتفاق بين المجتمع، ويُمنع أن يُدان أي إنسان لم يؤذِ غيره. باختصار، هذا الرجوع إلى القاعدة.
كيف تهدي الوصايا المؤمنين لما اختلف فيه من الحق؟
باسم: والآية طبعًا في نهايتها تقول: «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة البقرة، الآية 213). وكأنه يعيد تكرار أو تثبيت أن الوصايا هي الصراط المستقيم.
يوسف: نعم. أرأيت كيف؟ هذا نحو النص الذي كثيرًا ما تكلمت عنه؛ أحالك للصراط مستقيم ما فسره هنا. القرآن، طيب، ماذا أعمل؟ أرجع إلى سورة الأنعام. أرأيت كيف أرجعك إلى الوصايا الأربعة عشر؟
باسم: يعني ربط الآية في سورة البقرة 213 بالآيات التي في سورة الأنعام، انظر الحبكة الموجودة في النص.
يوسف: هذا الحبك، بالضبط. وقال لك ما هدى مِن… لاحظ «هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا»، آمن يعني كما قلنا؛ أراد ووافق على بذل الأمن لغيره، هذا هو الذي يريده النصّ، هذه نقطة الاجتماع؛ نقطة الاجتماع أن تبذل الأمن لكل من لم يؤذِك ولم يعتدِ عليك. “المؤمن من أمِنه الناس على دمائهم وأموالهم”.
هل مشيئة الله في الاقتتال نتيجة لإرادة البشر في الاختلاف؟
يوسف: وأيضًا «تِلْكَ الرُّسُلُ» (سورة البقرة، الآية 253)، هذه أيضًا آية في سورة البقرة مهمة جدًا، تشرح أنه فعلًا الاختلاف الذي نقول عنه هو الاختلاف المفرِّق، لأن الفرق هذه دكتور، التي يُبنى عليها تصنيف الناس نهايتها ماذا؟ اقتتال.
باسم: اقتتال والدم.
يوسف: ولذلك ينبغي أن يُوقَى المجتمع منها، لذلك ربط التقوى بالموضوع. لأن بذرتها الأولى صح تبدأ أنه أنا فرقة وأنت فرقة أخرى، أنا من حزب وأنت من حزب، ونحن شاهدنا هذا؛ كم شاهدنا من استباحة الدماء في المجتمعات الإسلامية! وما يسمى طبعًا مجتمعات غير إسلامية، مع أن كثيرًا منهم مسلمون أصلًا بحكم… يعني استنادًا على ماذا؟ بذرة تفريق، للأسف المؤسسات أحيانًا تُهمل هذا؛ يعني ينبِّهون يا جماعة هذه بذرة نهايتها استباحة الدم، نهايتها تفجير، نهايتها قتل، تكفير، إلى آخره، لكن أحيانًا يُترَك هذا الأمر.
باسم: يبدو لسوء فهم للآيات، وبالتالي الناس ما عندها القدرة على فهم؛ يعني غياب فهم دقيق للصراط المستقيم في حياة المجتمعات، وغياب أيضًا فهم أو وضوح حول ما هي الوصايا، ويجعل الناس تستسهل وجود هذه الفِرق، وجود هذه الأحزاب الداخلية.
ما الفرق بين الأحزاب الإدارية الغربية والأحزاب الدينية العربية؟
باسم: أريد أن أنتقل من هذه النقطة وأعمل مقارنة؛ لاحظ مثلًا في دول أوروبا وفي دول أخرى غير العرب مثلًا وغير الدول الإسلامية، هناك وجود لأحزاب؛ الأحزاب موجودة، لكن تلك الأحزاب تختلف حول مناهج أو برامج اجتماعية اقتصادية، ولا تختلف حول برامج لها علاقة بالعقائد أو التصورات الإلهية. على العكس في الفِرق والأحزاب الموجودة في المجتمعات الإسلامية، التي كلها بُنيت على فكرة الاعتقاد بالله أو عدم الاعتقاد بالله، وبالتالي تتخذ من الدين منطلقًا أو تشكيلًا أساسيًا ليميزها عن غيرها من المجتمعات.
يوسف: أي نعم.
باسم: هذا الفرق بيننا وبين الأحزاب الموجودة في الدول التي لا تتخذ أحزابها جزء الدين كمنطلق أو كمشكِّل أساسي أو ميزة أساسية لها عن غيرها من الأحزاب الأخرى.
يوسف: صحيح، هذه الأحزاب دكتور، هي في الحقيقة أحزاب إدارية، ليست أحزابًا دينية، الذي يحظر هو -كما تفضلت- الأحزاب الدينية، لأن إشكاليتها أنك لما تقول أنا حزب ديني ويمثِّل الإسلام، الكلام الضمني والذي نتائجه موجودة بالواقع أن غيري يمثِّل محاربة للإسلام، هذا معناه. فأنت توحي للعقل الجمعي أن هذا ضد الإسلام؛ ضد الإسلام ماذا يعني؟ كفر وفسوق وفجور وإلى آخره، هكذا أوحيتَ للعقل الجمعي لما تقول أنا من أمثل الإسلام.
باسم: إذن، يعني المجتمعات التي تتخذ أو تضع قوانين لمنع اتخاذ الدين منطلقًا لتشكيل أي تحزُّب، يعني تكون في الاتجاه الصحيح؟ في اتجاه الاتقاء من حدوث الفرقة؟
يوسف: هذا مبدأ قرآني أصيل جدًا. التقسيم لغرض إداري أو لغرض إجرائي أو لغرض رؤية مثلًا -كما تفضلت- اقتصادية أو اجتماعية، هذا لا بأس به، لأنه في آية: «وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ”، لاحظ: “وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا» (سورة المائدة، الآية 12)، وفي آية: «وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا» (سورة الأعراف، الآية 160)؛ يعني كنت أريد أن أذكرها لاحقًا، هذه الآيات تشرح لي أنه قد يكون من طريقة إدارة المجتمع تقسيمه إلى فئات لأجل إدارة محافظات أو مناطق مختلفة، أو لأجل: عندي رؤية اجتماعية سنضعها تحت التجربة؛ هل ستثبت التجربة أنها تنجح أو لا تنجح، لكن لا تنسبها إلى أن هذا دين وأن ما أنت عليه ليس دينًا، هنا الإشكال. إذا قلت إنه ليس دينًا فرَّقت الدين إلى شيع مباشرة، فرَّقت الدين بسلطان وباسم السياسة، لذلك ممنوع منعًا باتًا أن تخلط الدين الذي يتكلم عنه القرآن، يشمل كل البشر أصلًا -كما قلنا- الأسوياء الطبيعيين، يعني العقلاء، فلا داعي أن أقول والله هذا حزب ديني وهذا حزب غير ديني؛ حزب غير ديني كيف يعني؟
باسم: مثلًا في أوروبا لما منعت نشوء أحزاب تعتبر أنها تمثِّل الدين دون غيرها، كانت في الاتجاه الصحيح؟
يوسف: أنا أقول مئة بالمئة، ولذلك حتى مع وجود أحزاب كثيرة اليوم في أوروبا، وحتى أعراق وجنسيات كثيرة، لكن التوحُّد الموجود بين المجتمعات ليس موجودًا للأسف عندنا في المجتمعات -بين قوسين- (الإسلامية)، صح أم لا؟
باسم: يبدو أنه، بحسب معرفتي بالسياسات في المجتمعات العربية أو بطبيعة الأحزاب الموجودة في المجتمعات العربية، لا توجد أحزاب تُقام بناءً على تقديم برامج ومناهج لخدمة الناس. هناك أحزاب تُقام لتبرير ذاتها ووجودها، تتخذ من الدين منطلقًا لتكتسب شرعية أمام المجتمع دون أن تهتم بطبيعة المناهج التي تُقَدَّم لتسهيل حياة الناس.
يوسف: أي نعم.يعني مبدأ الاستحواذ الديني للأسف يُستخدم وسيلة للوصول إلى السياسة والغايات السياسية، وهذا الخلط ولَّد ما ولَّده.
باسم: بينما الأحزاب التي تُقام دون هذه المنطلقات -بين قوسين (الدينية)- هي أصلًا تسعى إلى إقامة الدين القيِّم، لأنها عندما تقدم عملية بمناهج مجتمعية أو اقتصادية لتسهيل حياة الناس تعمل على إقامة الدين القيِّم.
يوسف: صحيح؟ بالضبط، تحويله إلى ملة. وهي تقول لك سنخضعه للتجربة؛ عندي برنامج انتخابي لحزبي، وهذا البرنامج سنفعل فيه كذا كذا كذا، يخبرون من سينتخبهم، يعني الناخبين، بهذا. الآن لو أثبتت التجربة أنهم فشلوا، الناس تلقائيًا تترك هذا وتنتخب غيرهم، لكن في كل هذه العملية لا يتم تصنيف الناس دينيًا، هذه أهم نقطة.
باسم: صح.
يوسف: هذه أهم نقطة؛ لا يتم تصنيف الناس دينيًا، أنه أنت لأنك انتخبت هذا الحزب فأنت إسلامي، ولأنك لم تنتخبه أنت غير إسلامي، هذه أخطر نقطة. وبالتالي غير إسلامي ما معناها؟ كما قلنا، إدانة اجتماعية.
باسم: اجتماعية، صح.
يوسف: ويتعرض الشخص هذا لأنواع من الأذى بدون ما يكون هو فعلًا خالف الدين القيِّم، وهذه هكذا بذرة التفريق التي تحدثت عنها الوصايا والصحف والكتاب.
لماذا اقتتل أتباع الرسل رغم مجيء البينات؟
يوسف: ما يؤكد، دكتور، أن الاختلاف الذي قلناه هو الاختلاف الذي ينتج عنه التحارب والإقصاء والأذى، هي هذه الآية: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ» (سورة البقرة، الآية 253)، إلى أن جاء إلى عيسى -كما قلنا في الختام- «وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ» (سورة البقرة، الآية 253).
طيب، «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم»؛ يعني من بعد الرسل نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وحتى محمد عليهم السلام جميعًا، ولكن يقول لك لو شاء الله ما اقتتلوا. طيب، لماذا شاء أن يقتتلوا؟ لا، هو قال لك: «وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا»، لأن الله في هذه الحالة تتحقق المشيئة، مشيئة الله، عندما يريد الناس شيئًا، فالمشيئة تسير وتتساوق مع ما أراده الناس.
باسم: وكأن مشيئة الله مربوطة بمشيئة الناس بهذا المنطق؟
يوسف: بإرادة الناس.
باسم: بإرادة الناس؟
يوسف: أي نعم، هذا المعنى الأدق، لماذا؟ لأن المشيئة تشييء، يعني الوصول إلى مرحلة الخلق، وهذا ليس في قدرة الإنسان بالمعنى الدقيق، لكن الإنسان أُعطي الإرادة، وكُلّف، وهذه الأمانة، هذه حقيقة الأمانة. ما هي حقيقة الأمانة؟ انتبه…
باسم: إذا اتبعتَ هذا الطريق ستحصل على هذه النتيجة، وإذا اتبعت هذه الطريق ستحصل على هذه النتيجة.
يوسف: أي نعم، بالضبط. أنت على مفترق.
باسم: وبالتالي الحرية لك، أنت تختار كفرد أو كمجتمع.
يوسف: هذا أعلى مستوى من الحرية، فردي واجتماعي، وتلقوا العواقب أو النتائج الإيجابية حسب ما تريدون، ستجري المشيئة الإلهية. «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ» (سورة البقرة، الآية 253). لاحظ الاختلاف ما طبيعته؛ «فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ». هذا الذي آمن أمسك بالدين كما هو. والآيات هنا طبعًا تقول آمن بإطلاق. لاحظ، دكتور…
باسم: ليس آمن بكذا…
يوسف: حتى لأنه هو صحيح أن المعنى النهائي آمن بالله واليوم الآخر، لكن حتى لا يُجيَّر كما جُيِّر؛ أنه آمن بالله، ما معنى آمن بالله؟ قال لك: لا، آمن بستمائة صفحة كُتبت في العقيدة الفلانية والعلانية، كتب تُنسب لأشخاص؛ يعني مثلًا العقيدة الطحاوية وعقيدة ابن تيمية والواسطية والطحاوية، ولا أعرف ماذا؟ التدمرية، ينسبون العقيدة لشخص أو لمنطقة معينة، ويقول لك هذه هي الإيمان بالله، فسرقوا المفهوم.
باسم: أستغفر الله العظيم.
يوسف: فالآية تقول لك: «وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ» (سورة البقرة، الآية 253). الذي كفر هو الذي جحد ما هو واضح، فصار يزيد ويقسّم الناس بناءً عليه، فحصل الاقتتال هنا. هذا الاختلاف الذي تنهى عنه الآيات. أما القرآن الكريم من ناحية مراعاة طبيعة البشر أنهم يختلفون في الأمور الإجرائية والطبيعية، قال لك في الآية السابقة ماذا؟ «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (سورة البقرة، الآية 177). اختلف وفكر، ولكن اعرف دائمًا وأنت تختلف، اعرف أن هذا ليس البر.
باسم: ولا يقودك الاختلاف إلى الفرقة.
يوسف: نعم، لا يقودك إلى الفرقة التي تقود إلى الاقتتال في نهاية المطاف. وهذه التقوى، هكذا تقي المجتمع من التفرُّق والتحزُّب الذي ينتهي في النهاية إلى الاقتتال.
ما هو البغي الذي فرق الأمة الواحدة؟
يوسف: وطبعًا هناك آية أيضًا تلقي بالمسؤولية الهائلة على الإنسان، وإلقاء المسؤولية معناه قمة الحرية على فكرة: «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (سورة يونس، الآية 19). قضي يعني ليس قُدِّر، قُضي يعني حُسم بدون أن يكون هناك مسارات. إذن هل هناك قضاء في هذا الأمر؟ لا، لأنه تُرِك للإرادة.
باسم: لأن الكلمة التي سبقت هي الحرية التي أُعطيت للإنسان.
يوسف: أي نعم.
باسم: حرية الاختيار.
يوسف: مئة بالمئة، فهذه الكلمة لا يوجد تراجع في القرارات الإلهية، خلاص لا يقضى فيه، سيترك إلى أن تنتهي التجربة البشرية؛ إما بنجاح وإعمار فعلًا وتحقيق رسالة الاستخلاف، أو يذهب الله بهم ويأتي بقوم آخرين، هذا هو.
هل حرية الإنسان هي المسؤول الوحيد عن إعمار الأرض أو تدميرها؟
باسم: يعني جوهر الحرية التي أُعطيت للإنسان لضبط سلوكه وفق القوانين الإلهية، وفق الوصايا، هي المعيار الوحيد لتحكم على الإنسان، سواء هل هو أصبح قادرًا على إعمار الأرض أم غير قادر، أصبح يسلك سلوكًا يقوده إلى تفريق المجتمع وتجزئته، أو إلى تأمين المجتمع ووحدته.
يوسف: صحيح، أنا كيف سأعمِّر وأطور وأُحدّث في الأرض إذا لم يكن هناك سِلم وأمن؟
باسم: صح.
يوسف: لا يمكن. طيب، ما أهم مبدأ يخل بالسلم والأمن؟ أن تجعل مما ليس سببًا للإدانة سببًا للإدانة، تُفرِّق المجتمع فيصبح هذا يخاف من هذا، وهذا يخاف من هذا.
باسم: يعني أن تزيد على الوصايا، أن تزيد على سنن الله ما هو ليس منها.
يوسف: بالضبط. هذا هو. وهذا الاختلاف حصل من بعد موسى؛ أول ما نزل الكتاب اطّلع: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ”، هو قال لك بشكل عام: “وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ» (سورة هود، الآية 110).
الآن الشاهد يا دكتور: «وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ» (سورة هود، الآية 111)، هذه معناها حرية بمسؤولية؛ كل هؤلاء سيوفَّون. التوفية هي الإكمال، لأنك ما تعمله فردًا أو ما تعمله مجتمعًا ستوفَّى حسابه على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي، وهذا المعنى الكبير لليوم الآخر.
طيب، بماذا أمرت الآية لما تحدثت عن هذا الاختلاف بعد كتاب موسى؟ لاحظت، خاطبت الرسول الخاتم وكل من يتبعه: «فَاسْتَقِمْ» عاد إلى ماذا؟ الاستقامة «كَمَا أُمِرْتَ» (سورة هود، الآية 112). «وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا»؛ ما معنى تطغى؟
باسم: لا تزيد.
يوسف: لا تزيد على الاستقامة…
باسم: التي أُمِرتَ أن تكون عليها.
يوسف: بالضبط، «إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» (سورة هود، الآيتان 112-113). إذن الصراع صراع ظلم وعدل فقط. قال ولا تركن من؟
باسم: أمن وسلام.
يوسف: لذلك لما قال لك: «وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ» (سورة البقرة، الآية 253). الكفر الذي يقصده هل هو كفر بروايات وأشياء وُضِعَت في المذاهب وفلسفات وأجندات وُضِعَت للأحزاب؟ أم هو تغطية للحق تؤدي إلى الظلم؟ تظلم إنسانًا فتدينه بما ليس بِمُدين. فلذلك قال لهم: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا». ما سوى ذلك اختلفوا وتناقشوا وتباحثوا حتى تصلوا إلى…
باسم: لاحظ «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (سورة هود، الآية 113).
يوسف: كما قلنا: «قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا» (سورة التحريم، الآية 6). لأنه إذا ركنَّا إلى الذين ظلموا وتركنا الظلم، سمحنا لهم بتفريق المجتمع بهذه الطريقة فستمسُّنا النار، لأن النار لن تقف عندهم، ستبدأ عندهم ثم تصل إلينا، هذا الإجراء الوقائي.
كيف تمسّ “نار” الفتنة من يركن إلى الذين ظلموا؟
باسم: تلاحظ حتى على مستوى المجتمعات بشكل عام، وبالذات، يوجد الكثير من السياسيين الذين يتخذون من طريق التفريق؛ على طريقة فرق تسد، سواء التي اتبعها الاستعمار أو حتى تتبَّع داخل المجتمعات نفسها من بعض القيادات السياسية في كل دول العالم، لاحظنا أن السياسي الذي يقود الناس إلى تفريق المجتمعات، فعلًا النار ستمسُّهم بمعنى المجتمعات ستثور ضد هذا التفريق.
يوسف: وفي تتمة الآية، دكتور، لاحظ: «وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ» (سورة هود، الآية 113). يعود فيشرح لك المبدأ؛ لماذا تتبع غير الله؟ هذا هو الذي سبَّب هذا التفرُّق الذي تذكره الآيات، والذي علاجه الاستقامة وعدم الركون إلى الظلم.
باسم: هنا المقصود «وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ»؛ هي فكرة التوحيد؛ توحيد المنهج، توحيد الرؤية، توحيد السلوك، توحيد العبادة، توحيد…
يوسف: الأمة والمجتمع.
باسم: والأمة والمجتمع، في النهاية عندما يتوحد السلوك يتوحد سلوك البشر بشكل عام.
يوسف: الذي هو الفطري طبعًا؛ السلوك الفطري..
باسم: بالتأكيد.
يوسف: الذي لا يختلف فيه الناس كما شرحنا.
باسم: إن الموضوع ليس أنني آمنت بالله وبالتالي تقعد في البيت بدون أي ترجمة فعلية سلوكية تتوضح في المجتمع بين الناس.
يوسف: صحيح. هو ما معنى وليَ الشيء؟
باسم: تبعه.
يوسف: موالاة الشيء متابعته شيئًا بعد شيء، فهو يقول لك لا تتبع مذهبًا ولا فرقة ولا جهة، ولا… هذا عامل التفرُّق الذي يؤدي إلى الظلم. اتَّبِعِ الله، طيب اتباع الله ماذا معناه؟ ما هو معناه؟
باسم: اتباع السنن والقوانين، واتباع الدين نفسه…
يوسف: أرأيت كيف تعطيك الآيات؟
باسم: والمنهاجية، توحيد المنهاجية في كيفية فهم الدين، إضافة لمنهجي في فهم الوصايا.
يوسف: يعني الآيات بآلاف الأدلة تعالج الموضوع وتعطيك حسمًا لا كلام بعده، حقيقة يعني.
باسم: واضحة، لا تحتاج إلى كثير من الذكاء أنك تفهم ما المقصود من النصوص.
كيف يقود المترفون دائمًا حملات التفريق في المجتمعات؟
يوسف: صحيح، الآن في آية مثلًا يشرح لك ما الذي حصل في القرون؛ نحن قلنا الاختلاف بدأ من نزول الوصايا الأولى. يقول لك، لاحظ: «فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ» (سورة هود، الآية 116). الفكرة الكبيرة أن مخالفة الكتاب كانت نتيجتها الفساد في الأرض، ثم يقول لك: «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ» (سورة هود، الآية 116). لاحظ توصيفات القرآن لمسبِّبي الفِرقة والاختلاف، ما هي؟ لا يقول لك أنت خالفتني في الحكم الفقهي الفلاني ولا في رؤية الحزب الفلاني ولا في ما قاله المذهب الفلاني. فساد، اتباع الظلم، الإجرام، هذه هي الصفات التي تتحدث عنها الآيات، الذي مَن لم يدخل فيها فهو على الدين القيِّم.
باسم: لكن هنا لفظة مجرمين، هل تعني مجرمين مِن قَتَلَ؟ المجرم، أم الذين في سلوكهم وكأنهم انفصلوا عن المجتمع؟
يوسف: دكتور، كل من خالف مفهوم الإسلام، يعني من دخل في حيِّز الأذى، في آية: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» (سورة القلم، الآية 35)؟ كالمجرمين، أي نعم. فهو أعطاك أقصى اليمين وأقصى اليسار، فهذا هو.
الفكرة أنه ما الذي كان يُطلَب من القرون أنا أقصد؟ الذي كان يُطلَب من القرون حتى لا تخالف الوصايا، ما هو؟ أن ينهوا عن الفساد في الأرض، أن لا يتبعوا الذين ظلموا.
باسم: “مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ”.
يوسف: لأنه هو يقول لك: «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ»، وهذا مهم جدًا؛ الظالم الذي فرَّق الدين وأنشأ الأحزاب وأنشأ المذاهب وجعل نفسه وليًّا دون الله بين الله وبين الناس، مترف؛ هو ما الذي يريده أصلًا؟ يريد الترف. لذلك قال لك «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ»، وأنت دائمًا لما تبحث عن رؤوس المتحزبين، الأحزاب -بين القوسين- كما قلنا (الإسلامية) أو الفِرَق أو المذاهب، دائمًا تجدهم مترفين.
باسم: هل المقصود “أُترِف” يعني يعيش حالة من الغنى، أم “أُترِف” ابتعد قليلًا عن سلوك المجتمع؟
يوسف: لا، الإتراف هو الطغيان الذي يدخل الإنسان في حالة من الحرص الشديد والهائل على حاجاته الشخصية والفردانية.
باسم: يعني يميز نفسه عن المجتمع، هذا المقصود فيه.
يوسف: نعم، لذلك لاحظ الآية: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (سورة الإسراء، الآية 16). لماذا قال أمرنا مترفيها؟ هو يأمر الجميع، طبعًا هذه الآية كثيرًا ما تُفَسَّر خطأً؛ يعني هو قال لك أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، هل أمرهم بالفسق؟ لا، هو أمرهم بالوصايا التي قلناها؛ أمرنا مترفيها، أي افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا.
باسم: لكنهم فسقوا عن هذه الوصايا.
يوسف: انتهت الجملة، هذا معنى أمرنا مترفيها. طيب النتيجة: «فَفَسَقُوا فِيهَا» لم يستجيبوا، «فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (سورة الإسراء، الآية 16).
باسم: يعني تم تدمير القرية أو المجتمع نتيجة سلوك المترفين الذين رفضوا اتباع الوصايا.
يوسف: والبقية ساروا وراءهم، هذا هو.
باسم: آه، سكوت البقية أيضا.
يوسف: هو قال لك «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»، يعني لا تركنوا تقول: خلاص، ما هو يعني… كثير من الناس يسير خلف هؤلاء الشيوخ؛ المذاهب والأحزاب والفرق، لِمَ؟ يقول لك: خلاص، شغلي ورزقي هنا وكذا وكذا… النتيجة طيب؟
باسم: دمار عليه.
يوسف: دمار عليه، بالضبط هذه هي النتيجة.
باسم: وهذه تقريبًا أيضًا نقطة من نقاط الحث على أن يظل الإنسان واعيًا لحقوقه، أن يظل الإنسان قادرًا على أن يستطيع أن يقول ما لصالحه، أن يظل ملتصقًا في مفهوم الوصايا.
يوسف: مئة بالمئة، الذي هو مفهوم الحريات اليوم والحقوق الإنسانية الكبرى.
باسم: يعني تنازل الفرد عن حقوقه مقدمة لأن يسعى المترفون أن يقودوا المجتمع كله للهاوية، صحيح؟
يوسف: ولاحظ الآية التالية، شوف الربط القرآني: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» (سورة هود، الآية 117)، والآية التي قلناها: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا»… النسيج القرآني عجيب في إيصال المعنى.
لماذا لا يتدخل الله لتوحيد الناس قسرًا؟
يوسف: طيب يقول لك: لماذا لا يتدخل الله؟ لاحظ نرجع فنقول: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً» (سورة هود، الآية 118)؛ هم صح كانوا أمة واحدة أول الأمر لكن كانوا بإرادتهم، فلما اختلفوا أتاح لهم ذلك لبقاء قرار الإرادة الحر الذي أعطاه الله للناس، وسبقت كلمة أن لا ينقض هذا القرار. «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (سورة هود، الآية 118). هذا الاختلاف المذموم وليس المحمود طبعًا؛ كثيرًا ما يستشهد المثقفون للأسف الشديد بهذه الآية على أنه يقول لك الاختلاف ظاهرة إيجابية، ليس هذا الاختلاف. هذه الآية تتحدث عن الاختلاف الذي يؤدي إلى الاعتداء على الحقوق الإنسانية الكبرى، وإدانة مَن ليس مدانًا وتفريق المجتمع، لذلك قال لك: «إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ» (سورة هود، الآية 119)؛ من الذي يبتعد عن هذا الاختلاف؟
باسم: مختلفين، يعني مازالوا مختلفين؛ لا تأخذ المعنى الإيجابي الذي يُساق، تُساق هذه الآية يعني مثالًا بين الناس في الحوار.
يوسف: نحن قلنا في فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة تولد مفهوم الاختلاف؛ أخذوا هذا وصاروا يُسقطونه على بعض الآيات القرآنية. انظر، دكتور، كيف ينحرف التفسير عن المعنى وتُحرَّف الكلمات عن دلالاتها اللسانية.
طيب، هذا معنى الاختلاف الذي يتحدثون عنه في الحداثة وما بعدها، ليس هو الاختلاف الذي يصفه القرآن.
باسم: نعم، صحيح.
يوسف: الاختلاف الذي يصفه القرآن هو اختلاف التفريق والتحزُّب الذي يقسم المجتمع، لذلك من الذي استثناه من هذا؟ «إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ» (سورة هود، الآية 119)؛ أي خلقهم لأجل هذا، أن تشملهم الرحمة، لكن ليس يُجبِر الرحمة أن تشملهم، سيدخلهم في نطاق الحرية أن يطبقوا الوصية فتحل عليهم الرحمة فيحصل التطوير والخلافة والإعمار، لأنه يقول لك قائل: أليس في آية أخرى قال: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (سورة البقرة، الآية 30)؟ وقال: «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» (سورة هود، الآية 61)؟ يعني هو أخبرنا في آيات أخرى سبحانه وتعالى.
باسم: الهدف من الوجود.
يوسف: أنه الهدف الخلافة والإعمار. طيب وهنا يقول لك أني خلقتهم للرحمة. هذه هي، لن تدخل في حيز الرحمة ما دام المجتمع متفرقًا، ستدخل في مسيس النار الذي تحدثت عنه في الآيات الأخرى. إنما لو أردت أن تدخل حيز الرحمة، فتطور وتعمر وتحقق رسالة الخلافة، عليك أن تمنع التفرق والتحزُّب الذي يبنى على الزيادة على الدين.
باسم: كلما نتعمق أكثر بمفهوم هذه الآيات، نستدرك عمق وخطورة التفرق في المجتمعات على أساس الدين؛ أن يتبنى شخص أو مجموعة من الأشخاص أنه يمثل هذه الفكرة الدينية، وبالتالي هو صاحب الحق في تمثيلها أمام الناس، وبالتالي يعني وكأن التحزُّب في الإسلام أو في المجتمعات مذموم، ممنوع، حرام، لأنه سيقود للفرقة؟
يوسف: أي نعم، التحزُّب الديني.
باسم: التحزُّب الديني.
يوسف: الأخطر، دكتور، أن أصحاب هذه الأحزاب يجعلون عكس ما قلت هو الخطير؛ يعني يوهم الناس أن الخطر أن لا تكون في حزبي أو مذهبي أو فرقتي أو طائفتي الناجية، هذا هو الأخطر. أنت تفضلت أنه فعلًا خطير جدًا هذا التفرق، هم ماذا يفعلون؟ يوحي للناس: خطير إذا لم تكن معي، أنت على خطر شديد، على حافة النار يعني.
ولما جاءت تكملة الآية: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (سورة هود، الآية 119). إذن هي ليست الكلمة الأصلية، الكلمة الأصلية أن الخلق يُخلَقون فيُعطون الحرية، البشر طبعًا أقصد، ويعمروا ويطوروا في الأرض، لكن حتى يتم مفهوم الإرادة والحرية كان لا بد أن يكون هناك عقوبة لمن لا يلتزم بهذا الأمر البسيط، فتمت الكلمة.
يعني النار ليست أصيلة؛ العقاب والعذاب ليس مقصودًا أصيلًا لله، وليس هدف الله أنه عذاب… يقول لك: سكرات الموت لا ينجو منها أحد، ضمة القبر لا ينجو منها أحد، عذاب جهنم دركات وكل الناس ستناله، ثم ناس تنجو. لماذا؟ لماذا تُصوِّر الله وكأنه خلق النار والعذاب والعقوبة هو شيء أصيل في فلسفة الخلق؟
هل عقوبة “النار” تبدأ في الدنيا قبل الآخرة؟
باسم: عودة، نقطة أخرى، إلى أن السلوك الأساسي المتفاعل مع الوصايا الإلهية أو الوصايا التي أُعطيت للأنبياء جميعًا هو الذي سينجِّي الإنسان من النار، أو ينجِّي الناس من العذاب، أو ينجِّي الناس من أشياء سيئة لا يرتاح إليها في حياته.
يوسف: صحيح، أيضًا، دكتور، هذه نقطة مهمة؛ يوهم الناس أن كل ما تُذكر النار والعقوبة أن معناها هذا شيء بعد الموت، والقرآن لا يقول هذا دائمًا على فكرة، في كثير من الآيات يُطلق، لماذا؟ لأن النار تكون في حياتك. لماذا مجتمعاتنا كثير منها الدنيا مهملة؟ يعني يقول لك خلاص، هو هناك يوم قيامة، فيهملون الدنيا، فتفسد دنيانا.
باسم: تفسد حياة الناس.
يوسف: طبعًا. ولكن في الحقيقة العقوبة والنار متصلة بحياتنا الدنيا اتصالًا مباشرًا، ليس فقط هي شيء بعد الموت.
كيف تعيد “الطيبات والعمل الصالح” توحيد الأمة الواحدة؟
يوسف: طيب، في سورة “المؤمنون”، لاحظ أيضًا من طريقة أخرى تأتينا الآيات: «وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» (سورة المؤمنون، الآية 49)، يعني في عهد موسى، ممتاز. «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ» (سورة المؤمنون، الآية 50). ثم قال: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ» مختصر الدين؛ “كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ”؛ كل ما هو طيب، ليس خبيثًا، ليس فيه اعتداء، ليس فيه أكل لحق الغير. « وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (سورة المؤمنون، الآية 51). »، ثم بعد: «وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً» (سورة المؤمنون، الآية 52)، هذا هو، هذا هو فقط، انتهى، هذا هو توحيد الأمة…
باسم: يعني لا يوجد هذا التقسيم الموجود، لا يوجد هذا التقسيم…
يوسف: لا يوجد، يشرح لك الدين بجمله فعلًا…
باسم: يعني كل الأمم هي أمة واحدة.
يوسف: كلها أمة واحدة، وسر توحيدها أن تأكل طيبًا وتعمل صالحًا، يعني فيما تغذّي به نفسك ومن تعول، في كل أنواع التغذية، ليس فقط الأكل المادي، يكون من الطيب. وفي كل ما تعمله يكون صالحًا، والصلاح معناه مناسب للشيء الذي تعمله، معناه مثمر.
باسم: والتزام الوصايا.
يوسف: بالضبط، هذا تفصيل التزام الوصايا. نعم. الآن هذا هو سر الأمة الواحدة التي تحدثت عنها الآيات. طيب، ومن أين جاء الباقي من البغي والطغيان؟ من الزيادة على هذه الوصايا. لِمَ؟ الآية الأخرى، لاحظ ماذا قالت بعدها مباشرة؟ «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ…» هنا ظهرت كلمة حزب لأول مرة فيما ذكرنا، «بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (سورة المؤمنون، الآية 53). تقطعوا أمرهم بينهم زُبُرًا، قطعة قطعة، «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ». بما لديهم أم بالكتاب؟ لاحظ يا دكتور الدقة القرآنية.
باسم: بما أضافوه هم.
يوسف: لذلك قال «بِمَا لَدَيْهِمْ». لاحظ الدقة؛ قال لك مرة بغيًا، مرة طغيانًا، والآن يقول لك بما لديهم. لذلك من معايير التفرق أنك أنت تجعل التفريق مما لديك، ليس من الكتاب، هذا ليس من الكتاب. طبعًا هم سيحتجون؛ يقول: الكتاب أمرني أن أفعل… لاحظ كيف يضحكون على عقول الناس، يقول لك: لا، هو الكتاب قال لي اسأل أهل الذكر. أهل الذكر يعني من لم ينسَ، هذا معناه؛ من لم ينسَ آيات الكتاب، بس ذكر عكس نسيان. عجيب يعني الموضوع… الموضوع اشتغال، الآيات تشتغل بطريقة عجيبة جدا.
ثم قال: «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ» (سورة المؤمنون، الآية 54). لاحظ هؤلاء، هذا النوع من الناس المتفرقين، في غمرة، يعني تعرف غمره الماء يعني ماذا؟ غطى عليه. تخيل أنت تحت الماء ومغمور؛ أين السمع؟ مشلول، البصر مشلول، التفكير مشلول، أنت في غمرة، حتى تجد النار التي ستمسُّك نتيجة هذا التفرق والتحزُّب وتقطيع المجتمع.
ثم قال: «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ» (سورة المؤمنون، الآيتان 55-56). لأنه يترافق مع التحزُّب أنه تغنى بعض الجهات فتصبح مترفة. يظن، يقول لك: «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ»، يظن أن الله يحبه وأعطاه الخيرات، «بَل لَّا يَشْعُرُونَ» لأنه سيأتيه الدمار فجأة ومرة واحدة من حيث لا يشعر.
باسم: نتيجة السلوك السيئ ستأتي النار.
يوسف: ماذا فعلت هذه الآيات؟ شرحت المعنى بطريقة أخرى، ولكن أوصلتك إلى نفس النقطة.
يوسف: طيب «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا…» (سورة الأنعام: الآية 159)، تحدثنا عنها في سورة الأنعام، وفي سياقها.
كيف يكون اتباع الأهواء هو المحرك الحقيقي للفرق الدينية؟
يوسف: الآن، «بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ…» (سورة الروم: الآية 29)، لاحظ مرة أخرى يتحدث عن التفرق، بماذا يصفهم؟ الذين ظلموا، ماذا اتبعوا؟ أهواء. العلم ما هو؟ الوصايا، الكتاب، أليس القرآن قال: «وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ»؟ (سورة البينة: الآية 4)، وبعدها قال: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ» (سورة البينة: الآية 5). «فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» (سورة يونس: الآية 93).
باسم: “بغيا بينهم”..
يوسف: طيب العلم ما هو؟ نحن أشرنا… العلم هو هذه الوصايا…
باسم: منظومة الوصايا، أو منظومة الصراط المستقيم.
يوسف: توحيد المجتمع وعدم التفرق الديني، عدم التفرق الديني، أما أنه الآراء في أشياء أخرى..
لماذا يعتبر القرآن “الفطرة” هي الدين القيم والصراط المستقيم؟
يوسف: طيب، أعطاك العلاج، منيبين «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا»، هذه طريقة أخرى، لماذا؟ لأنه أيضًا يستكبرون علينا، لأنه يقول لنا: لماذا تفسر الكتاب بالفطرة؟ لا يا أخي، الفطرة مفهومها مختلف من شخص إلى آخر. لماذا؟ دكتور تعرف لماذا يعترضون، يقول لك: لا، الفطرة مختلفة لذلك لا بد الكتاب والرسل، أنت تقول إنه لم يكن شيئًا أساسيًا، طيب فطرتي غير فطرة فلان، هو يقيس الفطرة حسب أجندة الحزب أو الطائفة.
باسم: بالضبط.
يوسف: نعم، يقول لك في أحد كتب الفقه، وأنا أدرس في الدراسة الجامعية، يتفاخرون، كتاب كذا، فيه 30 ألف مسألة فقهية، والكتاب صغير يعني، كتاب من كتب المتون يعني التي تدرس في مرحلة متوسطة، أو متقدمة، يقول لك يحتوي على 30 ألف مسألة، لماذا؟ ما هذه الـ 30 ألف مسألة؟ عجيب يعني.
فلذلك قال لك: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ…»
باسم: «حَنِيفًا».
يوسف: «فِطْرَةَ اللَّهِ» إذن هنا لم يذكر الوصايا ما هي، ولا ذكر تفصيل الدين، أحالك إلى الوسيلة الثانية، البديلة، الفطرة، هي تؤدي إلى نفس النتيجة التي ذكرت في الوصايا، والتي في الصراط المستقيم.
باسم: يعني الوصايا هي الصراط المستقيم هي الفطرة نفسها.
يوسف: بالضبط، وهذا دكتور يجيب عن السؤال الكبير، ماذا عن أهل الصين والهند والسند؟
باسم: الفطرة.
يوسف: الفطرة. يعني حتى لأنهم يصورون فكرة أن وصول الإسلام إلى المجتمعات البشرية يتوقف على أنه يبدأ يعطي كتيبات وأشياء عن الإسلام، وبعدها يأتي فيجعله ينطق الشهادتين حتى لا يفهم هو ماذا يقول، لما ترى المشهد تقول معقول الموضوع بهذا التسطيح؟ أنه يجب أن يتكلم كلام هو أصلا لا يفهمه حتى يكون دخل في الإسلام. انظر كيف وضعوا القيود الهائلة جدًا، والإسلام أوسع من هذا وأسهل بكثير، بكثير جدًا يعني. هو الفطرة باختصار.
باسم: هذه أحد أكبر الشهادات على عالمية هذا النص.
يوسف: بالضبط، ولذلك قلنا دائمًا التحليل اللساني وفق آلية الترتيل والتدبر، هو ما سيظهر عالمية النص، ولا يمكن ونحن في عصر، أصبحنا عصر الإنترنت والعالم كله فعلًا قرية واحدة، والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تعطي طرحًا عالميًا يتناسب مع كل البشر إذا لم تَعُدْ فتقرأ النص بهذه الطريقة المنضبطة طبعًا.
ثم قال لك: «لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» (سورة الروم، الآية 30). طبعًا هذه الآية خبر، ولكن في معنى الأمر؛ يعني يقول للناس: “لا تبدِّل خلق الله”. هذا معنى الكلام، معنى «لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ». طيب هناك ناس بدَّلوا خلق الله، إذن هذه الآية صيغة خبرية، هو أمر ولكن صيغ بأسلوب الخبر، لِمَ؟ هذا طبعًا أقوى من الأمر المباشر، لو قال لك “لا تبدِّل خلق الله” ستكون الصياغة أضعف من أن يقول «لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ»؛ لأن الجملة الخبرية الاسمية بهذه الطريقة تشير إلى الثبوت، إلى أن هذا أمر ثابت مستقر لا ينبغي أن يُزحزح من مكانه.
باسم: يعني ما المقصود بهذه الآية؟ مثلًا «لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ»؛ بمعنى هل يصير فيه تلاعب في الجينات مثلًا؟ هل، يصير، تلاعب في السلوك العام أو بالثقافة العامة التي تحدد سلوك المجتمعات مثلًا؟
يوسف: هو الجينات تدخل أكيد، لكن الفكرة، الآية تقول لك أنت كفرد خُلقت حرًا أم خُلقت تابعًا؟ خُلقت لديك تساؤلات تسعى أن تفكر بحرية مطلقة في الإجابة عنها، أم مقيدًا بما يقوله الشيخ وإمام المذهب ورئيس الحزب؟
باسم: يعني سلوكيًا.
يوسف: سلوكيًا.
باسم: يغيرون سلوك الناس ليصبح تابعًا مثلًا.
يوسف: أي نعم، هو يخاطب الفرد ويخاطب المجتمع. حتى أنت كفرد، يقول لك لا تسمح لأحد أن يلعب في خَلقِك، أنت خُلقت حرًا وعقلك يتساءل بحرية ويبحث عن الأمور بحرية، ويريد أن يراها كما هي، فلا تبدِّل هذا الخلق الذي نعمة هو من الله وتسمح لأحد أن يستحوذ عليه وأن يستغلك، يعني يجعل عقلك تابعًا له.
هذا هو الدين القيِّم، لاحظ: «ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (سورة الروم، الآية 30)؛ المستقيم الذي يحتوي على قيم، والذي إذا خالفه الإنسان…
باسم: وهذه تؤكد المعنى الذي تحدثنا فيه للتو عن معنى لا تبديل لخلق الله، أن تبديل خلق الله هو ذلك الدين القيِّم، هو…
يوسف: رأيت ما هو الدين؟ هذا الدين هو الفطرة، هو الخلق الأصلي والطبيعة الأولى التي يكون عليها الأطفال قبل أن تبرمج أدمغتهم على أشياء أخرى. هذا هو، هذا الدين.
«مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (سورة الروم، الآية 31)؛ «مُنِيبِينَ إِلَيْهِ» لاحظ الإنابة معناها أنت في كل شيء ترجع إلى الله. كيف أرجع إلى الله؟ كل شيخ يدعي أن طريقه مرجع إلى الله! لا، ارجع كما رجع إبراهيم، وقلنا آلاف المرات؛ ارجع كما رجع إبراهيم من خلال ما خلق الله، مَن يحجزك عن أن تبحث في الخلق كما هو؟
باسم: استقرئ الواقع، انظر.
يوسف: بالضبط. «وَاتَّقُوهُ»؛ شرحناها، إذا لم تقِ نفسك من مخالفة هذا ستمسُّك نار هذا التفرق والتقطيع ومصادرة العقول.
وأخيرًا «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ» التي فيها نظام التهذيب والتقويم للنفس. ثم قال: «وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ». هل فُهِمَ الشرك الآن؟ ألم يُفهم فهمًا واضحًا أنه ستجعل لك مصدرًا آخر للبحث عن الحقائق، وإمامًا وشيخًا… وما هو إلى آخره؟
من هم هؤلاء المشركون؟ انتبه، أنا لست من أقول هذا؛ «وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ» (سورة الروم، الآيتان 31-32). عاد حرف الجر يا دكتور؛ “ولا تكونوا من المشركين، من الذين”… كأنه يقول لك هذا يساوي هذا. «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا» (سورة الروم، الآية 32).
باسم: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (سورة الروم، الآية 32).
يوسف: شيعًا.
باسم: يعني هذه طريقة أخرى للتوضيح أكثر، أن عملية التحزُّب على أساس ديني، أو التشيع أو الفِرَق، أو كل ما يسمى بفرق إسلامية؛ القرآن يقول لك هذا يعني…
يوسف: لماذا يقول عنهم مشركين؟ لأنه جعل بينه وبين الله وسيطًا إضافيًا آخر، فصار معيار الدين عنده حسب ما يقول الوسيط.
باسم: أشرك مع الله أو أشرك…
يوسف: دون الله. وبالتالي يدخل إلى الاختلاف الذي يؤدي إلى التفرق، فالاقتتال. طيب، التفرق عن ماذا الآن؟ عن الفطرة. هذه الآية، لاحظ دكتور، مركز الآية ما هو؟ فطرة الله.
باسم: الفطرة التي فطر الناس عليها.
يوسف: يعني الدين، الوصايا. لو لم تفهم أو لم يصلك الكتاب أو لم تصلك الوصايا، معيار التفرق هو الفطرة؛ يعني هل فطرة الإنسان حَكَم؟ نعم، أنت تستطيع بإجراء دراسات اجتماعية البحث عن الفطرة الطبيعية، خاصة للأطفال الذين لم تلوث أفكارهم، ستجد ما هو الدين بدون شيء ولا شيخ ولا غيره، هذا هو، يعني الموضوع واضح تمام الوضوح.
ما علاقة الإسلام الحقيقي بالعودة للفطرة الإنسانية؟
يوسف: إذن لما أقول لك: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» (سورة آل عمران، الآية 19)؛ مرة أخرى الإسلام. طيب هو الإسلام هو الفطرة يا أخي، الفطرة. يقول لك: آه والله الإسلام الفطرة. الإسلام الذي يقولون عنه كيف سيكون فطرة؟ من أين سآتي بكل هذه التفاصيل التي يقولونها فأجعلها فطرة؟
لاحظ الآن اجمع الآيات معًا: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»، والآيات السابقة قالت إن الدين هو الفطرة. لو كان الإسلام فعلًا معناه كما يشرحون، أين هذا في… هل رأيت ولدًا مبرمجًا، طفل وُلد مبرمجًا على ما يقولون؟ بعدُ، أين هو في عهد نوح؟ أين هو في عهد هود؟ أين هو… كل هذه التفاصيل التي حُشرت في كتب ومجلدات ومؤلفات وأجندة أحزاب.
باسم: يعني وكأن الآيات تقول إن الوصايا والصراط المستقيم والفطرة هي الإسلام.
يوسف: مئة بالمئة، كلها متساوية، ويمكنك أن تعرفها من أي طريق من هذه الطرق.
باسم: يعني انظر كم آية استُخدِمت لتوضيح هذه الفكرة وتقديمها للناس بهذه السلاسة، وهذا الحبك أو بهذا الترابط.
يوسف: والله، حتى أنا وأنا أجمع الآيات لكل حلقة أتعجب، فعلًا أكون مذهولًا أنه كم عدد الآيات التي توضح الموضوع لئلا يبقى أي جدال؛ يعني تقطع النزاع قطعًا باتًا ونهائيًا.
باسم: ورغم كل هذا، أن غالبية (المسلمين) -بين قوسين، عربًا أو غير عرب- يجهلون هذه المعاني.
يوسف: كما قلنا، هي العقول لا تتبع الله للأسف، تتبع غير الله، هذه المشكلة.
فلما قال: «وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» (سورة آل عمران، الآية 19)؛ يعني هل ما جاءهم ظن أم علم؟ واضح تمام الوضوح، واضح. حسنًا، أنتم الخلطة التي خلطتموها ليست ظنًّا أصلًا، معظمها وهم؛ حتى ظن، لا تصل إلى درجة الظن، أوهام.
لماذا اختلف بنو إسرائيل بعدما جاءهم العلم لا قبله؟
يوسف: ورجع إلى فكرة البغي، وهنا يتحدث، يربط الأمر ببني إسرائيل. فلاحظ كيف ستجتمع المفاهيم الآن: «وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» (سورة يونس، الآية 93). إذن هل اختلاف بني إسرائيل الذي حصل، وتحدثت عنه الرسالة الخاتمة، يعني الفترة البشرية من عهد موسى وما بعده، انتشار بني إسرائيل الكبير، هل حصل لنقص العلم، أم كان قد جاءهم العلم؟
باسم: حتى جاءهم العلم واختلفوا فيه.
يوسف: كان قد جاءهم العلم. هل سبقها مرحلة رغد واستقرار؟ نعم. طيب لِمَ؟ نفس الفكرة، هناك مترفون؛ هؤلاء المترفون أنشأوا أحزابًا وأنشأوا فرقًا، زادوا فيها على الوصايا، زادوا فيها على مضمون الكتاب، قسَّموا المجتمع، فرّقوه إلى فرق وأحزاب دينية، هذا مهم؛ ليست كما قلنا كثيرًا الأحزاب الأخرى التي هدفها إجرائي، هذه ليست إشكالية. ثم بعد ذلك حصل هذا التفرق الذي استدعى نزول الكتاب الخاتم.
وقال بعدها: «وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» (سورة الجاثية، الآية 17). يا رجل، تتحدث الآيات عن بينات من عهد موسى، وليس فقط حتى في الرسالة الخاتمة.
باسم: فعلًا، يعني تذهلني السلاسة التي سِيقت فيها هذه البراهين في الآيات لتثبت شيئًا واحدًا، هو أن سلوك الإنسان يجب أن يكون مضبوطًا وفق منهجية محددة؛ سواء سميتها الوصايا، سميتها الصراط المستقيم، سميتها الفطرة، سميتها الإسلام، سميتها العلم، سميتها البينة… هي معيارية واحدة، وبالتالي عليك الانضباط وفق هذه الآلية.
يوسف: أي نعم، يعني هذه المسميات صحيح كل واحدة تلقي زاوية من النظر على المفهوم، لكن المفهوم الذي في الوسط…
باسم: واحد.
يوسف: واحد، في كل مرة تعطيك الآية وصفًا له من زاوية؛ دين لأنه يُدان من خلفه، إسلام لأنه يَسلَم به الناس وتسلم به كل المخلوقات لله، ملة لأنه سلوك عملي مثلًا، فطرة لأنه أصلًا أنت مبرمج عليه، وصية لأنه هذا الذي ينقلك من جيل إلى جيل بإعمار وخلافة.
باسم: وصراط مستقيم لأنه يُعَبِّر عن قواعد يمكن أن تدين الناس، أو على تدين… يعني اعتمادًا على بنود الصراط المستقيم، يمكن أن تدين الناس وتقاضيهم وفق هذا السلوك؛ يعني معيارية سلوكية واضحة قانونية، يمكن أن تقيّم سلوك الناس وفق هذه المعيارية.
يوسف: مئة بالمئة، صحيح تمامًا. فيعني إذن قضية الاختلاف والتفرق أصبحت واضحة تمام الوضوح.
ما الفرق بين “حزب الله” القرآني والأحزاب الطائفية السياسية؟
يوسف: طبعًا يبقى عندنا مصطلح الحزب والأحزاب أيضًا ورد بتوسع في القرآن في بعض الآيات، يعني مثلًا يقول لك: طيب يوجد آية في القرآن حزب الله، لاحظ الآية: «وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ» (سورة المائدة، الآية 56). الحزب لا يعني بالضرورة وجود حزب آخر؛ هذا الفرق بين حزب وفرق وشيع. الحزب يعني أن الناس…
باسم: تلتم
يوسف: تلتم حول فكرة معينة، أي نعم، هذا هو الحزب.
باسم: يعني تلتم حول الفكرة الجامعة.
يوسف: مئة بالمئة، أيضًا أرجو أن لا تُسقط كلمة الحزب المعروفة اليوم على هذه الآية فيقال إن هناك حزب في… القرآن يقول عن حزب الله وحزب الشيطان. لكن ليس بالضرورة أن يوجد الحزبان، لأنه كان الناس أمة واحدة، ويمكن أن يعودوا أمة واحدة، حزبًا واحدًا يعني، يمكن أن يكون الناس حزبًا واحدًا، لكن لا يمكن أن يكونوا فرقة، لأن الفرقة إذا فَرَّقَت معناها فيه فرقة أخرى. لأنه كما قال: «فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ» (سورة الشعراء، الآية 63). لاحظ البحر لما تحدث عنه؛ تفريق يعني مجرد ما أنشأت فرقة معناها جعلت الباقي فرقة أخرى، ولذلك يبدأ ينبني عليه الاقتتال.
طيب، هناك آية أيضًا تتحدث عن حزب الله، مهم جدًا أن نحللها تحليلًا لسانيًا: «لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (سورة المجادلة، الآية 22). هذه التي يختصر فيها أحيانًا أيضًا الصراط المستقيم وطريق النجاح؛ “يؤمنون بالله” -كما قلنا- أي يبذلوا الأمن بمستند من الله، أي لكل من خلق الله وما خلق الله. واليوم الآخر، أنه ستلقى نتيجة على عملك، سيوفيك الله عملك كما شرحنا في آية سابقة.
هؤلاء القوم: «لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ». ما معنى “حاد الله ورسوله”؟ لأن هذه الآية، دكتور، تُسقَط على أنه والله أنت في بلاد إسلامية ولا تواد من يعيش مثلًا في كذا، ولا تواد نصرانيًا… يبدأ يسقط هذه الإسقاطات. حاد الله ورسوله يعني أخذ حدًّا معاكسًا للفطرة، للوصايا؛ معناها لا تقتل النفس، لا أنا أريد أن أقتل النفس. أحسِن بالوالدين، لن أحسن للوالدين. هذه المحادة، هذه المحادة بكل بساطة. لا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، لا سأسرق مال اليتيم. هذا الذي تقول لك الآيات لا تواد مثل هذا، لأنه أنت ستركن إلى الظلم في هذه الحالة.
باسم: وتصبح مثله، وتشاركه بهذا السلوك السيئ.
يوسف: نعم، لكن هم فسروا بماذا حاد الله ورسوله؟ بكل من ليس من فرقتهم أو مذهبهم أو تفسيرهم المحصور والمحشور للإسلام. فصار… ولَّدوا لك مفهوم يسمونه الولاء والبراء.
باسم: يعني هذه الفرق تتخذ من نفسها المعيارية الصادقة أو الصحيحة لكل ما مر معنا سواء من وصية أو صراط مستقيم، وتحاكم الآخرين وفق ما تفهمه هي من هذه السلوكيات.
يوسف: ولا علاقة لها بالوصايا ولا بالكتاب ولا بشيء، ويسقطون عليها آيات الكتاب. يقول لك: هو حاد الله ورسوله، لا، هو حاد عن أجندتك أنت، لم يحاد الله ورسوله، حاد أجندتك أنت.
باسم: دكتور، الحديث شيق حقيقة، وهناك كثير من المفاهيم التي تحتاج إلى وقت لشرحها وتبسيطها، لكن كما هي العادة، الوقت أيضا له حدود. شكرًا لك دكتور يوسف، إن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من برنامج «مفاهيم» بنفس فكرة الفرق والأحزاب، وبنفس فكرة المفاهيم السلوكية العامة التي تضبط سلوك المجتمع، سواء كانت من وصايا، من كتب، من الفطرة السليمة التي فطر عليها الناس. إن شاء الله في حلقات أخرى نكمل الموضوع.
يوسف: إن شاء الله.
باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج «مفاهيم». إلى اللقاء.
