Skip to content Skip to footer

من اللغة إلى الدور المنتظر: قراءة في فلسفة الإبداع الأدبي مع د. أنطوان أبو زيد

المقدمة

ما الضرورة الوجودية للأدب؟ وهل اللغة نظام اعتباطي أم سياق منضبط؟ وما حدود الاشتباك بين الفصحى والعامية في وعي المبدع؟ وهل يغير الكاتب واقعه أم يكتفي بتخليد لحظته الهاربة؟ تساؤلات جدلية في عمق اللسانيات وفلسفة الإبداع، يجيب عنها د. أنطوان أبو زيد، الأديب والأكاديمي اللبناني، في لقائه مع د. باسم الجمل في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع.​​

ما الضرورة الوجودية للأدب في حياة الإنسان؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور أنطوان أبو زيد من لبنان. الدكتور أنطوان ناقد أدبي وروائي ومتخصص في اللغة وشاعر. ما شاء الله عليك يعني.

أنطوان: تسلم.

باسم: لفظة أدب، ما الدلالة اللسانية خاصتها؟ حتى تنتج هذا يعني… لماذا لفظة أدب مثلًا يُفهَم منها أنك كاتب وروائي وشاعر. الأدب يبحث فقط في كتابة الرواية مثلًا؟ أم يمكن يتوسع أكثر في حياة الإنسان؟ أو ممكن نصوغ السؤال بطريقة أخرى. ما ضرورة الأدب في حياة الإنسان؟

أنطوان: يعني ما ضرورة الأخلاق؟ ما ضرورة القيم؟ الأدب هو تعبير -إذا شئت- عن اتجاه أو عن حاجات غير مادية موجودة عند الإنسان منذ أن كُوِّن، منذ أن خُلِق في هذا الوجود. يعني مثلًا ماذا نقول عن ملحمة جلجامش التي نشأت في القرن قبل ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح. هي حاجة أراد بها هؤلاء القوم أن يسجلوا نظرتهم إلى العيش وإلى ما وراء العيش حتى. الوقت الذي بكى على البطل أنكيدو ما اسمه؟ جلجامش بكى بكاءً مرًّا. إذن سجل بكاءه في هذه الملحمة.

إذن الأدب هو تسجيل كل ما يتجاوز اللحظة وكل ما يريد الإنسان أن يدونه في لحظة تكاد تهرب منه. وطبعًا هي اللحظة المحتومة، هي لحظة الموت لحظة النهاية. إذن الإنسان في جوابه على ما بعد الموت لا يجد سوى هذه الآلية التعبيرية الجميلة التي ينقش بها وجوده أو أثره ما بعد الموت.

هل يُعتبر السلوك البشري والفلكلور جزءًا من الأدب؟

باسم: أنت أخذت مفهوم الأدب وأعطيته المدى الأوسع له. ليس فقط يشمل…

أنطوان: هذا جذره الأساس.

باسم: هذا يعني ليس فقط كتابة رواية أو قصة قصيرة أو قصة كبيرة أو حكاية أو قصيدة شعر. هل ممكن اعتبار مثلًا السلوك البشري بشكل عام؟ يعني دعنا نقول السلوك المنضبط بشريًّا. هل يمكن اعتباره جزءًا من أدب المجتمع أو أدب أي مجتمع مثلًا؟

أنطوان: السلوك بحد ذاته لا يعتبر له دلالة معينة. دلالة تخص كل شعب من الشعوب في التعبير عن نفسه في التعبير عن حركته تجاه الآخرين إلى آخره، وعن التقاليد. ولكن هذه التعبيرات ليست مدونةً. لا تدخل في التدوين. بينما الأدب يدخل في التدوين. إلا إذا كان فلكلورًا، فيما بعد يمكن أن يسجل في اليوم، يسجل هذا الفلكلور في تسجيلات في أفلام في صور إلى آخره. ولكن إجمالًا الشعوب في سلوكها قد لا تجد سبيلًا إلى تدوين آرائها إلى تدوين تطلعاتها. سوى في أمور عديدة، في أمور متفق عليها. مثلًا الفلكلور. غير الفلكلور هناك يمكن الموضة الدارجة، الدرجات، الثياب إلى آخره، الأكل، الأطعمة، الرقصات.

باسم: هل هذا يعتبر من الأدب أم من الثقافة؟

أنطوان: لا تدخل في الأدب. إنما تدخل في ما يسمى التراث غير المادي -إذا أردت- عند الشعوب. هو تراث غير مادي. إذا تدخل في التراث الأنثروبولوجي، في التراث الفلكلوري، ولكنها لا تدخل في باب الأدب. الأدب هو كل ما دُوِّن في نص، وما تناقله الأجيال في نصوص مكتوبة.

ما الفرق بين “الأدب” و”التأدب”؟ وهل يتغير المعنى بتغير الزمن؟

باسم: نحن مرات في حياتنا اليومية، نستخدم نقول شخص فلان مؤدب. ونقول شخص فلان أديب. ما الفرق بين هذا وذاك؟

أنطوان: هذا يعود إلى تعريف الأدب القديم، الذي كان يقول إن الأدب هو التربية. بالتحديد إذا عدنا إلى اللسان العربي، أو إذا عدنا إلى القواميس العربية. الأدب يعني التربية الحسنة. ولكن هذا التعريف لم يعد جاريًا على مفهوم الأدب الذي صار إلينا اليوم. يعني في حياتنا المعاصرة.

باسم: أنا أرى أنه هناك دلالة أو تشابه لفظي ما بين اللفظتين.

أنطوان: نعم.

باسم: وهناك اشتراك بالأصوات. في نفس الوقت يبدو كأن كل لفظ أخذ دلالةً مختلفةً عن الآخر.

أنطوان: لا. انتقل معناه. لأنه في علم اللسانيات اليوم شيء اسمه تغير المعاني بحسب التاريخ، بحسب السياق التاريخي. من سنوات كانوا يقولون الجريدة. جريدة النخلة، أو جذع النخلة. اليوم صرنا نعني بالجريدة “الجورنال”. فتغير المعنى بحسب الأزمنة، بحسب…

باسم: هل هذه ظاهرة صحية في اللغة مثلًا؟

أنطوان: لا نقول إنها صحية أو غير صحية. ولكن علينا أن نعترف بوجودها.

باسم: هي موجودة. سألتك ما بين الفرق بين الأدب وفلان مؤدب. نعم. وأنت طبعًا أجبت. الآن كلمة جريدة. هي فعلًا في الذهن يقصد فيها النخلة. ويقصد فيها الصحيفة. لكن هل هذه الظاهرة، أصبح هناك اصطلاح هنا. يصطلح أن هذه نخلة. ويصطلح أن تكون جريدة. طبعًا هناك فرق كبير.

أنطوان: بحسب السياق. نحن نعرف تمامًا أن اللغة، أو أن الكلمات المفردات تأخذ معناها بسياقها، بحسب ما قال عبد القاهر الجرجاني، أحد أئمة اللغة…

باسم: أن السياق يحدد معنى المفهوم.

أنطوان: السياق هو الذي يحدد المعنى. إذا دخلت كلمة جريدة في كلام على البلح، على النخل، تنتمي إلى ذلك الحقل الذي تنتمي إليه. وإذا تكلمنا على الإعلام، وعلى الجريدة، فالجريدة حُكْمًا يجب أن تكون الصحيفة.

باسم: من الأكثر قربًا؟ دعنا ننظر في موضوع اللسان. من الأكثر قربًا للدلالة المعنوية. لدلالة المعنى. أن الجريد هو النخلة أم الجريد هو الجريدة؟ أم هو الصحيفة؟

أنطوان: بحسب السياق الزمني. حين نقول. نتحدث عن الجريدة أمام أي رجل، أمام أي كائن، يقول لنا أي جريدة تريد؟ جريدة النهار أو جريدة كذا. فالسياق الزمني هو الذي يحدد أغلبية أو طغيان المعنى هذا على المعنى ذاك، على ذاك المعنى القديم.

هل اللغة اعتباطية أم خاضعة لمنطق السياق؟

باسم: أدقق أكثر، الدلالة اللسانية. ما هي؟ أين الدلالة اللسانية التي أفهم من كلمة جريد، أنها تعطي معنى الصحيفة؟

أنطوان: أين الدلالة اللسانية؟

باسم: نعم. على قاعدة أن الدال يجب أن يكون مطابقًا لمدلوله. فبالتالي، كلمة جريد أو جريدة، أين الدلالة اللفظية التي تعطي أن فعلًا المعنى يطابق هذا. ولهذا دخلنا هنا، أنا قلت لك قد تكون اصطلاحية أو اعتباطية، المعنى اعتباطي.

أنطوان: نعم أستاذي ندخل في السياق. السياق هو الذي يحدد، يعني أنا إذا تحدثت بجملة معينة المعنى يكون بهذه الجملة…

باسم: أنا متفق معك.

أنطوان: حُكْمًا.

باسم: يعني أعطيك مثلًا، خذ لفظة “نساء” في القرآن الكريم، في آية تأتي لفظة نساء وفي آية أخرى تأتي نفس اللفظة، لكن هنا نفس اللفظة تعني شيئًا وفق السياق، وهناك تعني شيئًا آخر وفق السياق…

أنطوان: حُكْمًا.

باسم: لكن بقيت نفس اللفظة.

أنطوان: حُكْمًا.

باسم: الذي حدد صدقية المعنى أو مصداقية المعنى أن الدلالتين في السياقين متفقتان. سؤالي أنا: نحن نحكي مثلًا هل دلالة جريدة تتوافق مع الدال الخاص بها في الواقع؟ أم هي اصطلاح أو اعتباط؟ هذه النقطة التي أنا أحب…

أنطوان: تتوافق مع المرجع يعني؟

باسم: دعنا نتفق على قاعدة. أن اللفظ في اللغة العربية أو في لغة اللسان هو مكون من أصوات، وهذه الأصوات ذات معانٍ، وائتلاف معنيين أو ثلاث معانٍ في لفظة واحدة تعطي سياقًا، تعطي معنى…

أنطوان: نعم، نعم.

باسم: أو دعنا نقول تعطي مفهومًا، هذا المفهوم عندما تستخدمه في سياق يعطيك المعنى القصدي الذي أنت تريده. اختلاف السياقات لنفس اللفظ ممكن يعطيك معنيين مختلفين، لكن يظلان ضمن الظلال الخاصة بالمعنى الصوتي المنطوق، هنا نسمي أن السياق هو يحدد المعنى، لكن نحن نتحدث عن نفس المفهوم، أما أن يكون عندنا مفهوم مختلف الدلالة وتضعه بسياقين مختلفين وتقول إنه أعطى هذا المعنى هنا وأعطى هذا المعنى هنا، الآن دخلنا في الاعتباط. هذه النقطة التي أحب أثيرها أنا بحكم كونك أنت كاتب وروائي وشاعر ومترجم.

أنطوان: أستاذي، الاعتباط هنا، ونفهم على ما يقول ما اسمه؟ فرديناند دو سوسير، في كلامه على الاعتباطية في الدلالات.

باسم: دو سوسير هو الذي ألف الاعتباطية في اللغات.

أنطوان: نعم نعم، تمامًا. الاعتباطية بحسب المرجعية، المرجع، يعني الشيء الذي نتحدث عنه، قد يكون هناك اتفاق على اللفظ واختلاف على المرجع كما نقول، ولكن طبعًا إذا أراد الشخص أن يختص بهذا المجال فيدخل فيه باب علم المعجميات (اللكسيكوغرافيا) ولا ينتهي.

باسم: لأنه طرحت هذه النقطة… كنت أود أن أسألك أنه كونك أنت أيضًا تترجم وتصوغ أفكارك ومفاهيمك ضمن ألفاظ خاصة، هل تواجهك مثلًا مشكلة أن هذا اللفظ…

أنطوان: حُكْمًا، حُكْمًا. أنا أختار بين لفظتين أو ثلاث لفظات لكلمة واحدة باللغة الفرنسية إذا أردت أن أترجمها إلى العربية، وهذا يخلق لدي مشكلة أنه أيها الأقرب إلى…

باسم: إلى ضبط المعنى المقصود به.

أنطوان: إلى المعنى المقصود، وأحاول أن أجد معادلةً نوعًا ما قريبةً ليست أكثر من 40-50-70% من المعنى المطلوب في المرجع، في النص الفرنسي، في النص الأصلي، حتى أنقله إلى اللغة العربية. إذن بالترجمة لا ننقل 100% من المعاني، ولا نستطيع ذلك، وإن قال لك أحدهم إنه ينقل 100% معناه أنه يكون كاذبًا؛ لأن المصطلحات الموجودة باللغة العربية غير المصطلحات الموجودة باللغة الفرنسية.

باسم: بحكم اختلاف الثقافات والبيئة.

أنطوان: اختلاف الحضارة، هناك اختلاف التفكير، هناك اختلاف يعني وضع الكلمات… وحتى تراكيب الكلمات. في اللواحق، هناك قبل وبعد باللغة الفرنسية، بينما باللغة العربية لا تجد هذا التغيير. فعليك أن تختار الكلمة الأنسب والتي يمكن أن تكون أصيلةً في اللغة العربية حتى لا تكون مهلهلة.

باسم: المقصود بالأصيلة أن المعنى أسير اللفظ.

أنطوان: أثيل، والأصيل. نعم.

باسم: يكون المعنى أسير اللفظ.

أنطوان: تمامًا.

باسم: هذه الأصالة. وبالتالي أنت كمترجم قد تضطر إلى ممارسة الاعتباط

أنطوان: حُكْمًا. ولكن أكون، بعد هذه الممارسة، أكون وضعت يعني…

باسم: تفاسير أو…

أنطوان: وضعت أثرًا معينًا يسير عليه القارئ. فإذن أنا وضعت علامةً أخرى جديدةً تكون معادلةً للمفهوم.

باسم: فهمتك، يعني…

أنطوان: أنا وضعت مفهومًا جديدًا. صحيح أني تجاوزت الحدود المرسومة لدي. بعض الأحيان أُضّطر إلى وضع مفهوم جديد لم يكن موجودًا باللغة العربية، معادلًا للمفهوم الفرنسي الذي أترجمه.

هل يدمر “الاعتباط اللغوي” قدرتنا على إنتاج المعرفة؟

باسم: هناك من يقول إن الاعتباط يدمّر اللغة، وربما يجعلها عاجزةً عن إنتاج المعرفة.

أنطوان: لا، الاعتباط. بهذا المعنى، يعني مفهوم مجرد أراد به أن يقول دو سوسير إنه ليس هناك من قاعدة مرسومة مسبقًا لنقل المعاني…

باسم: إلى الألفاظ. تحميل الألفاظ معاني…

أنطوان: تحميل الألفاظ معاني معينة. فالاعتباطية نعم موجودة، ولكنها ليست… يجب ألا تكون أساسًا، وإلا يكون كل تواصلنا بلا معنى.

باسم: هذه النقطة التي أردت إيصالها إليك.

أنطوان: نعم.

باسم: هل قاعدة الاعتباط التي تكلم عنها دو سوسير، وبالتالي الكثير حتى يعني… حتى عندما تشاهد في لغة الصحافة عندنا مثلًا، لغة الإعلام، تحس هناك اعتباط كثير، وبالتالي أنه يصير هناك تعدٍّ على المعنى.

أنطوان: صحيح.

باسم: يحدث نوع من الفوضى في المفاهيم وفي المعارف عند الناس.

أنطوان: نعم.

باسم: فظاهرة سيئة للغة.

أنطوان: طبعًا.

باسم: وتضعف اللغة. ممكن تساعد أهل الكلام الذين يرددون الكلام، أنه يزيد من كلامهم المواصفات، أو أهل السجع، ممكن تشجع الشعراء أنه يكرر أوصافًا، كونها تسجع بعضها البعض أو ذات قافية واحدة، لكن لا تشجع أنه يلتزم أن يكون كل لفظ له معنى خاص في سياقه الخاص. هذا القصد من سؤالي.

أنطوان: هذا يفترض بالشخص الذي يتكلم أن يكون على دراية، يعني أن نقول لهذا الشخص الصحافي وكذا: كن على دراية باللغة، احترم تعابيرك، وكن صادقًا وواثقًا من كلماتك، من دلالات هذه الكلمات التي تتحدث بها.

ما هي الأخلاقيات المطلوبة من الكاتب تجاه لغته؟

باسم: وبالأحرى حتى الأديب، أو كاتب الرواية، وكاتب الحكاية، وكاتب الخاطرة، كل هؤلاء مطلوب منه أن يكون دقيقًا، أو على الأقل ملمًا بقواعد اللسان العربي المبين في كيف أن يصوغ أفكاره ضمن الألفاظ التي فعلًا تكون قادرةً على حمل المعنى الذي يريد إيصاله للناس.

أنطوان: صحيح، هذا يستدعي ما نسميه بالالتزام (الإيتيقا) الأخلاقي عند الكاتب والمبدع، كما تفضلت، أن يكون على دراية عميقة باللغة العربية التي يكتب بها، والتي يريد أن يصوغ بعض العبارات التي تكون ربما تتجاوز الحدود الموجودة في التراث، ربما أن يضيف جديدًا. فكيف لك أن… كيف تدعي أن تضيف جديدًا وأنت لا تملك القديم؟ حُكْمًا، ينبغي للكاتب أن يمتلك ناصية اللغة، وأن يكون على دراية بالتراث العربي قديمه وجديده؛ حتى يستطيع أن يضيف، أن يقول كلامًا جميلًا وكلامًا مقبولًا، وأن يؤدي، وأن يصوغ الأساطير التي يريد أن يصوغها، وأن يكتب عالمًا أدبيًا خالصًا بهذه اللغة.

هل اللهجات العامية عاجزة عن إنتاج معرفة شاملة؟

باسم: هناك من يخلط ما بين مفهوم اللسان بشكل عام ومفهوم اللغة، وهناك من يعتبر أن اللغة أداة قادرة على إيصال المعلومات بالعموم، وهناك من ينتقد أن اللغة قادرة على إيصال المعلومة المقصودة ضمن الإطار الخاص فيها. يعني مثلًا، ممكن أنا أستخدم لهجة داخلية بيني وبينك حاليًا، أقصد، وأقول لك أنا: ممكن تعطيني “البتاع” لو سمحت؟ أنت تفهم من الدلالة ما المقصود بالـ”بتاع”، لكن أنت أيضًا كلمة “بتاع” تستخدمها في مكان آخر لن تعطيك شيئًا. يعني على سبيل المثال. وبالتالي هنا دخل الاعتباط، أن الدلالة لم تعد مطابقةً للمدلول، التي قصدت بها، وبالتالي لغتنا الخاصة التي نحن نتحدث بها بين الناس عجزت عن إنتاج معرفة. وهناك ناس بدأت تستشهد بذلك، كونه صار هناك انزياح في اللهجات المستخدمة أو اللغة المستخدمة، التي نسميها تجاوزًا، صار انزياح كبير للوراء، وصارت غير قادرة على تقديم معارف متجددة للناس. ما رأيك بالموضوع؟

أنطوان: هذا يعيدني إلى المشكلة التي أثيرت في أوائل القرن العشرين في مصر، حين ظهر أحدهم بالقول أنه يجب أن نتخلى عن اللغة العربية..

باسم: ونستخدم اللهجات المحلية.

أنطوان: ونستخدم العامية المحلية. صار هناك جدال طويل عريض.

باسم: وصارت هناك محاولات في بلدان أخرى لكتابة…

أنطوان: صحيح، نعم إلى آخره، وتدخل كبار الكتاب من طه حسين وغيره أنه، يا عمي، طيب، ماذا نفعل باللغة العربية؟ باللغة العربية الأصيلة التي لدينا؟ وحتى أنه أيضًا نجيب محفوظ أجاب عن هذه الإشكالية، ولكن من ما الذي انتصر؟ انتصر في النهاية، انتصرت اللغة التي حاولت أن تجمع بين، لا أقول نقيضين، وإنما بين مكملين، بين العامية والفصحى، إذن الصراع بين الفصحى والمحكية بعالمها، موجود في ديارنا، في لبنان، وفي مصر، وفي الجزائر، وفي تونس، أنه نستخدم الأمازيغية أم اللغة العربية الفصيحة إلى آخره. وأحيانًا يعتبر بعضهم أن اللغة العامية هي تعبر عن مشاعرهم.

باسم: اللهجة الدارجة فعلًا تعبر عن مشاعر مستخدمها؛ لأنه هو أيضًا، هذه اختيرت بكلماتها أو بألفاظها لتقدم رسالةً هو يريدها. لكن هل هذه الألفاظ المستخدمة قادرة على إنتاج معرفة أوسع أو مقاصد معرفية أوسع من اللفظ، أو أوسع من الرسالة التي يريد أن يبلغها إليك؟

أنطوان: هو لا يضع أمامه هذا الهدف، وإنما يضع أمامه هدف التعبير عن ذاته حُكْمًا. فبالمقام الأول هو يريد أن يعبر عن ذاته، ولا يضع نصب عينيه هدفًا أعلى، أسمى، الذي هو أن يضيف جديدًا إلى اللغة.

باسم: بالتالي أن اللهجة المحلية عاجزة عن إنتاج معرفة شاملة.

أنطوان: طبعًا. أنا أقول ذلك رغم أنه، ليس هناك عيب في أن يُضمّن الكاتب أو الأديب بعضًا من العبارات العامية…

باسم: لإيصال مغزى…

أنطوان: لشخصية معينة تمر مرور الكرام؛ حتى يعبر أنه يقول هذا هو الإطار المكاني أو الزماني الذي يعيش فيه، فيترك حريةً لأحدهم. ولكن أن يترك، أن يضع، أن يصنع عملًا أدبيًا بلغتين أو بالمحكية، فهذا أمر تجاوزناه.

باسم: هو جُرّب وفشل وسيكون فاشلا أصلًا.

أنطوان: يعني مثلًا يوسف الخال في كتابه حول اللغة، “دون كيشوت”، الذي هو حكى عن أزمة اللغة العربية، أنه هناك حائط ولم نستطع أن نتجاوز هذا الحائط. هذا له رغم أنه ترجم الكتاب المقدس بلغة رائعة سامية، لكن بالشعر، بالأدب، بالأدب الذي يعتبره لغةً أسمى أو أعلى من اللغة العادية، لم يستطع أن يتجاوز نفسه، فرمى ذلك على اللغة، وقال: إننا لا نستطيع أن نتجاوز حدودًا معينةً في اللغة العربية؛ بالتالي علينا أن نعود إلى الفصحى أو إلى المحكية. ولكن هذا سقط أيضًا، يعني رغم هذه الادعاءات، بقي الكثير من الشعراء العرب بعده، مثلًا أنسي الحاج تابع يتكلم بالفصحى وليس بالعامية.

باسم: لأنه اكتشف أنه عاجزة أن توصل المعنى المقصود منه أن يوصله.

أنطوان: فيك، تستطيع أنت أن تعدل بتراكيب اللغة، أن تدفع بصورك إلى حدود غير متصورة، ولكن لا تستطيع أن تخلق لغةً جديدةً تتجاوز بها هذا السقف الذي وضعته أنت لنفسك في إبداع الشعر وفي إبداع الأدب.

لماذا الصراع بين الفصحى والمحكية في اللاوعي الجمعي؟

باسم: هذا الصراع أو هذا الاختلاف حول استخدام اللغة المحكية أو ما يسمى بالفصحى، التي أنا ممكن أسميها أحد تداعيات اللسان، ما سببه؟ يعني لماذا العقل العربي أو دعنا نسمي المشتغلين بالشعر أو بالأدب بعموميته اصطدموا بصراع داخلي ما بين اللغة المحكية، اللهجات المحلية، ورغم غناها في التعابير، وما بين الطبقة الأكثر التي نسميها نحن اللغة الفصحى؟

أنطوان: هذا يعود إلى جذور كل متكلم منهم أو إلى تطلعاته. فهذا شخص، يوسف الخال مثلًا لا يستطيع أن يتنكر لجماعة، أو لاوعي جماعي واقع فيه، عرفت؟ الكاتب، الكاتب بحد ذاته أحيانًا يتحرر من تاريخية معينة في لغة شعبه أو في لغة جماعته، ولكن بشكل عام كل من ادعى، أو بالأحرى قال، إنه اصطدم باللغة العربية أو باللغة الرسمية، ربما يكون قد استدعته، حفّزته بعض المعايير التي ينتمي إليها، أو التي تنتمي جماعته إليها…

باسم: نعم ممكن.

أنطوان: فالجماعة بحد ذاتها، إذا كان الإنسان الكاتب غير متحرر في ذاته، فهو يصطدم باللاوعي الجماعي عنده… دون أن يعلم.

باسم: دون أن يدري.

أنطوان: دون أن يدري، فينعكس هذا الاصطدام ببعض… التطلعات أو بعض الآراء أو بعض المفاهيم اللغوية. فبرأي الشاعر يوسف الخال، ولست هنا لكي أدخل في لاوعيه، وإنما أنظر إلى كتاباته ولا أنظر إلى… مثلًا في مجلة “شعر”، مَن مِن الشعراء الذين أكملوا كتابة العامية؟ ولا أحد منهم، شوقي أبي شقرا مثلًا كتب بالفصحى رغم أن عالمه هو عالم ريفي وصوره هي صور ريفية بامتياز، ولكنه لم يتخلَ عن الفصحى. تقرب بعض الكلمات التي يستقيها ربما من المحكية، ولكنه يفصحنها، يجعلها فصيحةً، يقرب الفصحى من العامية، ولا يذهب إلى العامية ولا يذهب إلى المحكية. ونفس الشيء أنسي الحاج، نفس الأمر أيضًا يمكن شعراء مثل فؤاد رفقة، أيضًا كان معه في مجلة “شعر”، ولا أحد منهم اصطدم أو ادعى اصطدامه باللغة العربية، بقواعد اللغة العربية أو بتراكيب اللغة العربية، أمكن له أن يجد مخارج منها.

 

هل نجح شعراء العامية في تجاوز صدام اللغة؟

باسم: لكن هناك شعراء مثلًا استخدموا العامية، وهذه العامية نقلت صورةً جميلةً للناس وغُنّت، أصبحت من القصائد الغنائية المشهورة، وأغانٍ مشهورة، تمكن في لحظة أن يستخدم اللفظ العامي في إيصال المعنى الذي يريد قوله أو الصورة المعنية.

أنطوان: ولكنه لم يقل أنا أريد أن أصطدم باللغة العربية.

باسم: لا لا، بالتأكيد لا، إذا تأخذ شعر الأبنودي مثلًا قدم قصائد جيدة جميلةً ورغم أنها بسيطة…

أنطوان: قصائد فيروز مثلًا بالعامية.

باسم: قصائد فيروز كلها صور شاعرية..

أنطوان: عظيمة.

باسم: وكلها صور فعلًا…

أنطوان: ولكن لا يدعي الكاتب الشاعر العامي أنه يريد أن يصطدم بلغة أخرى، فهو لغته المحكية يحاول أن يستنفد إمكانياتها إلى أبعد مدى، وإمكانياتها جميلة ومتاحة أمامه. ولكن أنه هناك شعراء عامية اليوم مثلًا موريس عواد، أيضًا هناك ميشال طراد الذي كان سبقه طبعًا قبله وتوفي. هناك العديد من الشعراء، شعراء العامية لهم باعهم الطويل في هذا المجال. ولكن لا نقول إن هذا شعر عامي لم يصل إلى مرتبة، لكل مجاله، لكل عالمه، ولكل جمالياته.

هل تصلح لغة واحدة لكل المقامات؟

باسم: يبدو لي أن اللغة التي نتداولها قادرة على صياغة الشعر أو قادرة على توصيل الصورة الشعرية للمتلقي بحكم أن هذا هو المطلوب إيصاله بينها، لكن هل هذه اللغة نفسها قادرة على قراءة النصوص مثلًا المقدسة؟ أو حتى النصوص الدستورية التي تعتبر هذه نصوصًا مفهومية؟ يعني أنا لما أضع دستورًا أستخدم الكلمات التي تعطيني معنى… تعطيني لـلخمسين سنةً الجائيات، لا تعطيني مثل لغة الصحافة، أنا قلت خبر أستخدم، أختار اللفظ الذي ينقل المعلومة فقط التي أريد أن أوصلها.

أنطوان: صحيح.

باسم: وهذا ينطبق على الكتب المقدسة، سواء الإنجيل أو القرآن، يعني هذه الكتب ألفاظها مفهومية، ليست ألفاظا ذات مصداق واحد.

أنطوان: هنا ندخل في باب ما نسميه بالسجل اللغوي (مصطلح بالإنجليزية) يسمونه، هناك ما يمكن أن نسميه لغات وليس لغةً واحدةً. هناك لغات، هناك مستويات من اللغة.

باسم: مستويات من استخدام اللغة.

أنطوان: مستويات من استخدام اللغة. هناك اللغة المقدسة كما تفضلت، التي لا نستطيع أن نقاربها من منطلق مع العامية، وهناك لغة رسمية متداولة في الدواوين الرسمية، وهناك اللغة الأدبية المستخدمة في كل أنواع الأدب، سواء كان في الرواية أو في المسرح أو في لا أعرف…

باسم: ولهذا يطلق لغة صحافة، لغة شعر، لغة أدب، لغة…

أنطوان: تمامًا، لغة الصحافة، لغة… إذن إذا صنفنا اللغات بهذه المستويات، نعم ساعتها نقبل أن ندرجها في مستويات معينة ونتعامل معها على هذا الأساس.

اللسان العربي المبين وفقه اللغة

باسم: حتى نضع معياريةً لاستخدام اللغة ولا يصير هناك إيغال باستخدام المصطلحات أو حتى الاعتباط فيها، ألا يجب أن يكون لدينا معيار خاص بنا مثلًا؟ هل يمكن أن يشكّل اللسان العربي حسب التعبير في القرآن “اللسان العربي المبين” الذي نقصد به أصالة اللفظ ومطابقته للدال الخاص به، ومطابقة الدال بالمدلول، وأن المعنى هو أسير اللفظ، وأن هذا اللفظ هو مفهومي، وأن المفهوم علاقته مع المعنى هي هذه التي يمكن صار فيها خلل، عند قراءة مثلًا النصوص المقدسة أو الدساتير. كيف نستمد من هذا المفهوم معنى وهذا المعنى أي لفظ نريد أن نستخدمه حتى نتمكن من إيصال المعنى بالضبط للسامعين؟

أنطوان: هذا يدخل في ما يُسمى في فقه اللغة.

باسم: بالضبط.

أنطوان: فقه اللغة، طبعًا أنا اشتغلت قليلًا في فقه اللغة، وفي فلسفة اللغة بحد ذاتها، ولكن هذا مجال آخر أنا لم أدخله كثيرًا، وإنما مررت به، نعم. هذا مجال لم يُستَنفَد بعد، وهذا مجال متروك أمام الدارسين في أن يذهبوا بعيدًا في استخراج المفاهيم وفي أن يؤصلوا وأن يؤثلوا أيضًا هذه المفاهيم. يعني يعودون إلى الأصل وإلى اللغة العربية القرآنية والرسمية، وأن يجدوا فيها نعم الكثير من العبارات التي تدل على أخواتها أو مرادفاتها باللغات الأجنبية الأخرى.

مثلًا في اللسانيات، هناك دراسة لأحد الباحثين التونسيين، لا يحضرني اسمه، المسدّي على ما أظن، وتحدث عن هذا الجانب، فقال: إن هناك كثيرًا من المفاهيم التي يمكن أن نجد لها أصلًا، مفاهيم مرادفةً تمامًا وهي أصيلة في اللغة العربية، بدلًا من أن نستخدم مرادفات مستخدمةً وليست ذات دلالة مباشرة.

 

هل اللسان العربي اصطلاحي؟

باسم: بهذه المناسبة هناك أيضًا هناك باحث عراقي توفي –الله يرحمه- في 2002 أو 2003 اسمه عالم سبيط النيلي، للأسف هذا الشخص غير معروف لكن له مجموعة من الكتب أهمها كتاب اسمه “اللغة الموحدة”، وكتاب ثان اسمه “النظم في القرآن” أو “النظم القرآنية”، يعني يقرأ القرآن ضمن مجموعات، أو مجموعات النظم في القرآن، لكن في كتابه “اللغة الموحدة” عنده مقدمة كثير مذهلة للكتاب، التي هي طبعًا يحارب الاعتباط والاصطلاح، ويؤكد أن منظومة اللسان العربي، التي تنطلق منها ما يُسمى ما نسميه الفصحى، أن لا يمكن لهذه اللغة أن تحتمل الاعتباط ولا يمكن تحتمل الاصطلاح، بحكم أن تمكنك من الاشتقاق إلى ما لا نهاية.

أنطوان: صحيح.

باسم: وتختار اللفظ الذي يوصل المعنى الذي أنت تريد أن توصله للآخر.

أنطوان: هناك 80 اصطلاح، 80 كلمة يعني ممكن أن تغير من كلمة واحدة.

باسم: اعتماده كان كالتالي: أن لكل صوت ينطقه الإنسان معنى، وائتلاف صوتين يعطيك معنى آخر، وائتلاف ثلاثة أصوات يعطيك معنى مختلفًا، وائتلاف أربعة أصوات يعطيك… الذي نحن نسميه الثنائي والثلاثي والرباعي إلى آخره.

أنطوان: نعم نعم.

باسم: ويركز على أن المعنى الثُلاثي، أو تآلف ثلاثة أصوات في لفظ واحد، هو يزيد من قدرة العقل البشري على الإيمان بالمجرد أو التفكير بالمجرد، وبالتالي القدرة على إنتاج المعارف المجردة.

أنطوان: وهناك أحد فقهاء اللغة أيضًا، اسمه العلايلي.

باسم: نعم صح صح.

أنطوان: الذي يقول إن كل الكلمات مشتقة من حرفين، حرفين فقط.

باسم: الأصل هي صوتان.

أنطوان: صوتان. فهناك الكثير من الدراسات.

باسم: هناك كاتب آخر توفي اسمه عاصم المصري، كان لديه كتابان بهذا الاتجاه، اعتبر أن أصل اللفظ صوتان.

أنطوان: حسب ابن فارس على ما أظن. فهذا مجال آخر أنا لم أخض فيه، وإنما كنت مهتمًا بما يسمى السيميولوجيا الأدبية، علم الرموزية الأدبية، والسيمياء أيضًا، فركزت أكثر على هذه التجارب. وعندي اختصاص أصلًا بالسيميولوجيا الأدبية، التي انتقلت من جورج مونان وغيره من المختصين في هذا المجال. وهي أن ننظر إلى الأدب باعتباره مجموعةً من الرموز، من المستويات إذا صح التعبير، من المستويات التي تنطوي على مدلولات، تحمل مدلولات، هي دالات ولكن تحمل مدلولات. فهذا هو الاختصاص، وأنا أجريت دراسةً طويلةً عن خليل حاوي.

باسم: إن الهدف من إثارة الموضوع معك، لأنه كونك كاتبًا روائيًا وشاعرًا، بالتأكيد تكون اصطدمت ببعض الأشياء، أنه هذا اللفظ هل يعطي هذا المعنى أم لا أم أفتش عن معنى ثانٍ؟

أنطوان: حُكْمًا، ولكن هذا من ضمن الشغل اليومي، ولكن دائمًا سوف تجد ما هو المعادل الأقرب لهذا المفهوم. الآن تدخل في المُعَادِلات إذا صح التعبير هذه العبارة أقرب بحدود 70%، يمكن 75% أقرب من المفهوم إلى آخره.

إجمالًا ليس هناك من مُعَادِلات تامة أو من كلمات تعادل المفهوم الأساسي الذي ننقله من لغة إلى أخرى، وهنا عدنا إلى إشكاليات الترجمة.

هل الترادف في اللغة حقيقة أم وهم؟

باسم: بالتأكيد. دعنا نحن بنفس اللغة، اللغة العربية، أو اللسان العربي، أو دعنا نسميها الفصحى تجاوزًا، هل يمكن أن نجد مثلًا لفظًا يختلف في المبنى عن لفظ آخر، يشترك مع هذا اللفظ المختلف عنه في المبنى، في المعنى؟

أنطوان: ممكن، لماذا لا؟

باسم: هنا دخلنا في الاعتباط. قد تستعير معنى أو تشابهًا ما بين لفظين مختلفين في البناء صوتيًا، وتجد هذين الاثنين لديهما نفس المعنى. مثلًا أقول جاء هي نفس أتى، أو مثلًا في القراءات القرآنية يعتبر القرآن هو نفس الكتاب، بينما لسانيًا لا يمكن أن أعتبر لفظين مختلفين في المبنى يعطياني نفس المعنى، لا يمكن. باعتماد أن لكل صوت معنى.

أنطوان: لكن ماذا فعلنا بالمرادفات؟ المرادفات معناها، معنى ذلك أنه ليس هناك من ترادف.

باسم: ليس هناك من تماثل.

أنطوان: من تماثل. جيد.

باسم: الترادف موجود. قد تجد لفظين مشتركين بصوتين ويختلفان بصوت واحد، هذا يردف هذا. لكن أن تجد على لفظين مختلفين في المبنى، لا يمكن أن يتماثلا في المعنى. أما الترادف موجود، لكن هناك سوء فهم أو هناك خلط ما بين ما هو مقصود بالترادف والتماثل عند الناس. الناس تعتقد الترادف أن مبنيين مختلفين في المبنى يمكن أن يعطيا معنى واحدًا، لكن هناك لفظان مشتركان في بعض الأصوات، قد يرادفان بعضهما.

أنطوان: نعم قد يرادفان.

هل يملك الأدب قدرة فعلية على تغيير المجتمع والسياسة؟

باسم: هل الأدب أداة من أدوات تطوير المجتمعات مثلًا؟ أو صياغة مستقبل المجتمعات؟

أنطوان: الأدب اليوم، لو أردنا أن نتحدث بشكل خاص عن الرواية، لم يعد الأدب عاملًا من عوامل التغيير في المجتمع، حتى نقولها صراحةً. هل يستطيع أو استطاع نجيب محفوظ أن يغيّر، أن يقلب النظام في مصر؟ لا يستطيع، ولم يستطع، ولم يضع في حسبانه أنه سوف يقلب النظام في مصر، وإنما أراد أن ينتقل من ذاته إلى الجماعة، أن ينقل صورةً حيةً عن مجتمعه. نعم، نقل صورةً حيةً عن مجتمعه الذي كان يعيش فيه، وصوّر كثيرًا من هفوات النظام، من استبداده لنفترض، من تحولاته التي لم تعجبه. ولكنه لم يضع في اعتباره ولا مرةً أنه سوف يقلب النظام.

فإذن الأدب بحد ذاته لا يدّعي أنه يريد أن يحول العالم، أن يغير في العالم، إنما يغير في صورة العالم، نعم. يعني مثلًا أعطيك المثال عن إلياس خوري، الراحل، الكاتب اللبناني صاحب الهوى الفلسطيني. نعم أمكن له في حياته هذه أن يرسم صورةً عن مظلومية الشعب الفلسطيني. نعم استطاع ذلك، واستطاع أن يغير من وعي العالم ومن هذه المظلومية، وأن ينصر الشعب الفلسطيني في العالم من خلال تصويره في ثلاثيته المشهورة “أولاد الجيتو” (اسمها بالكامل  “أولاد الجيتو – اسمي آدم”، ونشرت عام 2016)، وأن ينقل إلى العالم أجمع هذا النضال الحي الصامد وهذه المظلومية التي تجلّت الآن في غزة وفي الإبادة الجماعية التي تصير هناك.

إذن ونحن أيضًا نحتفل، إذا شاء هذا الأمر أن يصل إلى خواتيمه في نشوء الدولة الفلسطينية، في اعتراف بحق الشعب الفلسطيني في أن يكون له دولة. إذن الأدب طبعًا لا يغير في السياسة إلا أنه يغير في الوعي.

باسم: وهذا المقصود في الموضوع.

أنطوان: نعم. ولكن في أغلب الأحيان، هذا إذا كان الأديب صاحب رؤية سياسية مثل إلياس خوري. أما إذا كان الروائي لا يهتم بالسياسة فإنه قد يغيّر النظرة إلى الإنسان بحد ذاته، إلى ذاته وإلى الآخر؛ لأن اشتغال الأدب هو في الذات بالدرجة الأولى وليس في الجماعة، طبعًا في الذات التي تنطوي على الكثير من النوازع الجماعية، من التطلعات، من الخيبات اللاواعية الكامنة في ذاته، ولكنها ليست هي الأساس. الأدب ليس مشروعًا للمؤامرات…

باسم: هو مشروع للوعي. لتعميق الوعي، زيادة الوعي.

أنطوان: مشروع جمالي أيضًا، مشروع جمالي، يسعى الأديب والكاتب أن يجمل، أن يزيد من جمالية كتاباته وأسلوبه، وأن يكبر، يوسع من نطاق قرائه في العالم.

كيف تبدأ العملية الإبداعية؟

باسم: نأخذ مثلًا تجربتك أنت في كتابة رواية أو كتابة قصيدة شعر.

أنطوان: نعم.

باسم: هل أنت مثلًا تأتي وتقول أنا أريد أن أكتب قصيدة شعر اليوم، أو أريد أن أكتب رواية؟ هل تقرر أن تكتب روايةً أم أن يحدث في داخلك مجموعة من التغيرات، من –دعنا نسميها- تهيجات فكرية داخلية أنه تدفعك أنه صار عندي إحساس بشيء ويجب أن أعبر عنه؟

أنطوان: هناك كثير من العوامل التي تجعل من الكتابة مجسدةً يعني قائمةً فعلًا. أولًا، يجب أن تمتلك الأداة لكي تكتب. أليس كذلك؟ إذا كنت لا تملك هذه الأداة، هذه القدرة على الكتابة، فأنت لست كاتبًا. فإذن امتلاك الكتابة وامتلاك مادة الكتابة أيضًا تؤهلك لأن تنتقل إلى الكتابة. أما إذا لم تكن تملك هذين، المادة واللغة والأداة، فأنت كاتب بالإمكان وليس بالفعل على ما يقول الفلاسفة.

إذن، حين كتبت مثلًا رواية “الحفار والمدينة”، التي هي روايتي التي كُتبت في 2017، أنا انطلقت من سيرة ذاتية أو من بعض من سيرة ذاتية. عشت في بيروت فترةً معينةً تقريبًا تسعة أشهر، قريبًا من العاصمة، وهي كانت بدأت تَعمُر شيئًا فشيئًا، في التسعينات تقريبًا، سبعة وتسعين، بعد لم يتكون، وكان لا يزال هناك عشب في المدينة، لم يجرِ بعد إعادة ترميمها وإعادة بنائها بالطريقة التي صارت إليها. إذن، أنا اختبرت هذه الفترة وعشتها كنا عائلةً صغيرةً، كنت أنا وزوجتي وطفلي، فسكننا تسعة أشهر فيها، في سبعة وتسعين، فكونت صورةً عن هذا التحول الذي كان يجري فيها، والحفر التي كانت تُحفَر في بيروت وإلى آخره. فمن يقرأ هذه الرواية يرى هذه المرحلة…

باسم: لاستنهاض بيروت.

أنطوان: إعادة الإعمار التي كانت تجري في تلك الفترة. ولكن ما لم يكن موجودًا هو الحبكة، فأنا أدخلت حبكةً معينةً فيها لم تكن موجودةً في السياق الأصلي في الحديث، في الأحداث يعني. الحدث الرئيسي هو أن هناك جماعات كانت تتدخل في المحافير وتستخرج اللقى والكنوز الفينيقية وغيرها وتبيعها إلى الأغنياء. إذن…

باسم: يعني أنت أقحمت…

أنطوان: نعم، دخلت فيها واستخرجت منها حبكةً قصصيةً لم تكن موجودةً. ولكن تبين لي فيما بعد أن ما حدث كان حقيقيًا؛ لأنه جرى تتبع اللصوص، اللصوص المهربين، مهربي التماثيل والمقتنيات القديمة التي كانت توجد في تلك المحافير في بيروت.

باسم: هل كان هذا جزءًا من خيالك أم مجرد حدث معرفي؟

أنطوان: طبعًا المخيلة هي التي اخترعت الحبكة، ولكن المخيلة استندت إلى وقائع. لا أستطيع أن أبني مخيلةً على لا شيء. المخيلة هي التي تستند إلى المحسوس لكي تتجاوز منه إلى غيره. هناك سيناريوهات، المخيلة تختلق سيناريوهات، ولكن هذه السيناريوهات تكون واقعيةً، يعني قابلةً للتصديق.

باسم: ليس خيالًا…

أنطوان: طبعًا ليس خيالًا مطلقًا، قابلة للتصديق حسب ما يقول الفلاسفة “الماصدق” (مصطلح بالفرنسية)، هذا خبر الرواية التي أعددتها.

الموهبة أم الممارسة: أيهما يصنع المبدع؟

باسم: العلاقة ما بين الإبداع والخيال…

أنطوان: نعم.

باسم: من ضرورة لمن؟

أنطوان: كلاهما.

باسم: يعني من يقود إلى مثلًا؟ هل يجب أن يكون لديك خيال جامح حتى تبدع، أم يجب أن يكون الإبداع متوفرًا كزبدة أولية؟

أنطوان: حُكْمًا، الإبداع لا نستطيع أن نصفه سوى أنه قدرة الإنسان على الخلق، لكن قبله يجب أن تكون الموهبة موجودةً. الموهبة، المبدع لا نسميه مبدعًا لا يملك موهبةً، أليس كذلك؟ الموهبة أساسية ولكنها فطرية.

باسم: هذا السؤال كنت سأسألك إياه.

أنطوان: إلا أنها تحتاج إلى تمرس، إلى تمرن.

باسم: صقل.

أنطوان: إلى صقل، إلى ثقافة موسوعية إلى آخره. فإذن… وإذا لم تتقدم في هذه الموهبة تبقى موهبةً فقط، لا تنتقل إلى الإبداع.

باسم: تبقى في إطار الفطرة المخفية.

أنطوان: تمامًا، تبقى فطريةً، وتحتاج، ويحتاج الخيال أيضًا إلى ثقافة، إلى قراءات مستمرة حتى يستطيع أن يذهب هذا الخيال إلى البعيد، إلى أبعد مما توصل إليه في حال معينة، في محاولة أولى وثانية وثالثة ورابعة.

هل يعيش الأديب في برج عاجي بعيدًا عن الناس؟

باسم: هناك نقطة قبل ما ننهي أحاول أن… تتعلق بشخص الأديب أو شخص الشاعر أو شخص الروائي سلوكيًا. هل يختلف سلوك هذا الشخص في المجتمع عن الآخرين مثلًا؟ أو كيف ينظر للآخرين من منظار…؟ أنت تسير في الشارع وترى الناس في حياتهم الطبيعية، تجلس مع الناس وتراهم يناقشون كل مجالات الحياة. أنت ككاتب، كروائي، كشاعر، إحساسك كيف تبادل هؤلاء الناس؟ أنه والله أنا أفهمهم؟ أم أني أستطيع أستفيد منهم وأعطيهم أرجع لهم بضاعتهم ولكن بطريقة مختلفة؟ أو كيف ترى سلوك الناس؟

أنطوان: نحن بشر ونعيش بين الناس، ولا نعيش في أبراج عاجية، ولكن ما أقول أنا تجربتي في الناس، ما أستطيع أو ما أود أن أراه في الناس هو أن أستخلص المعنى، معنى حركاتهم، معنى ربما تصرفاتهم، المعنى. وإذا استخلصت هذا المعنى ساعتئذ أمكن لي أن أفهم تصرفاتهم.

فإذن أنا كشخص لا أتدخل كثيرًا، أنا أسكن في محيط شعبي لكني لا أتدخل كثيرًا في حياة الناس، ولست منزويًا حتى لا أقول ولست منعزلًا، وإنما أذهب لشراء الحاجيات اليومية طبعًا إلى الدكاكين وغيره، ولكن ما يهمني هو هذا المعنى، في تصرف الأشخاص.

كيف كتب كافكا من خلال هواجسه؟

باسم: يعني في النهاية الناس، المجتمع الذي تعيش فيه، أو المحيط سواءً البيئي بشكل عام أو حتى البشري، أن يشكل جزءًا ما أو مادةً من تفكيرك أو في إنتاجك الأدبي.

أنطوان: حُكْمًا.

باسم: هل يمكن أن نتصور مثلًا أديبًا مقطوع التواصل عن المجتمع أن ينتج أدبًا مثلًا أو ينتج… ممكن؟

أنطوان: يمكن، ولكن هذا ينعكس على أدبه، على… ربما خياله يعينه على تكوين عالم خاص به، يكون بديلًا عن العالم الذي لم يعش فيه أو الذي لا يريد أن يعيش فيه. ربما يكون هذا العالم… يعني مثلًا خذ كافكا في رواياته، كان منعزلًا في… ولكنه تصور، طبعًا أنا لم أعش في فترة كافكا، ولكن أفترض أنه كان موظفًا في دوائر رسمية ولكنه لم يكن شعبويًا، لم يذهب إلى النوادي وإلى آخره، وإنما كان منعزلًا جدًا، وعَمّر عالمًا من خياله، من قدرته على خلق هذا العالم. طبعًا من ثقافته، من إبداعه، عالمًا يشبه هواجسه مبنيًا على…

باسم: يعني اعتبر هواجسه هي المادة الأساسية.

أنطوان: الهواجس هي التي تقود صياغة هذا العالم عنده.

باسم: هل يمكن للأديب مثلًا أنه يشكل مادة أدب وحده بدون التواصل مع الناس؟

أنطوان: لا يجوز.

باسم: لا يجوز.

أنطوان: حُكْمًا. التواصل اليومي مع الناس لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة للأديب، إلا إذا كان يقصد أن يُدخل هذا العامل في تكوين عالمه، في تكوين هذا العالم.

هل يختار الأديب أن يكون أديبا؟

باسم: نقطة أخيرة يا دكتور. هل الأديب يختار أن يكون أديبًا أم أن هناك مجموعة عوامل لها علاقة بالنشأة، بالتربية والثقافة بالتعلم إلى آخره، تقوده إلى أن يختار أن يكون أديبًا؟ يعني هل يمكن أن نحدد ونقول إن فلانًا ممكن أن يكون أديبًا وممكن ألا يكون؟ أم يجب أن يكون هناك اشتغال على الذات حتى يصبح…

أنطوان: حُكْمًا لا يكفي أن يقول أحد: أنا أريد أن أكون أديبًا، أو إنه في فترة معينة أنا صرت أديبًا. هذا يقوله الآخرون ولا يقوله هو نفسه، إنما يريد وإنما يقول أنا أريد أن أكتب مثلًا، أو في رأسه بذهنه وهو طفل: أنا أتمنى أن أكون كاتبًا. ولكن هذا التمني لن يكون…

باسم: سيظل تمنيًا.

أنطوان: سوف يظل تمنيًا إذا لم يسعَ إلى تحقيقه في الواقع، وإذا لم تسعفه هذه الموهبة وهذه الثقافة في أن ينتقل من حال التمني إلى حال الفعل، إلى الكتابة.

باسم: سيحتاج إلى تدريب وإلى قراءات وتثقيف وإلى آخره.

أنطوان: نعم.

باسم: دكتور، أنا استمتعت في الحوار معك حقيقةً.

أنطوان: يا هلا.

باسم: شكرًا لك دكتور أنطوان أبو زيد.

أنطوان: ونحن نشكركم أيضًا.

باسم: الكاتب والشاعر والباحث والمترجم اللبناني.

أنطوان: تسلم.

باسم: إن شاء الله نلقاك في فرصة أخرى في حلقات “مجتمع” نجدد الحوار.

أنطوان: إذا الله أراد. شكرًا لكم، شكرًا على هذه المنصة التي تقدم كل جديد في الثقافة والأدب، شكرًا للعاملين أيضًا فيها.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.

Leave a comment