المقدمة
هل مشكلاتنا اليوم وليدة ثقافتنا أم نتاج صراعات سياسية نخبوية؟ في هذه الحلقة، تغوص نور الحريري مع الدكتور نظير الأتاسي في رحلة لتفكيك الإسلاموفوبيا كصناعة سياسية، وتبحث في مشاريع النهضة عن بذور التطرف، كما تبحث في اختراع “الحضارة الإسلامية” استشراقيًا، وتناقش جدوى العصبية اليوم، وكيف يرتد الإنسان المعاصر إلى القبلية؟ في أولى حلقات #بودكاست_سرديات، على #منصة_مجتمع.
لماذا الانتقال من الهندسة إلى التاريخ الإسلامي؟
نور: مرحبًا بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سرديات”. كما تعلمون، بدأنا هذه السلسلة بغاية نقد السرديات الشائعة الموجودة والمتداولة على ألسنة الناس والمتراكمة في الكتب أيضًا. هذا البودكاست يطرح سؤالًا جديًا واحدًا في كل حلقة: هل مشكلاتنا اليوم مشكلات ثقافية؟ هل تراكمت المشكلات الثقافية لدينا بحيث أصبحنا اليوم بحاجة إلى أن نقرأ هذا الواقع وهذا التاريخ من حولنا قراءة ثقافية؟ أم أن التاريخ والسياسة هما العوامل الأقوى في قراءة هذا الواقع وفهمه؟
ضيفي لهذه الحلقة هو الدكتور نظير الأتاسي، هو أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في لويزيانا. جاءنا من أمريكا لينضم إلينا في هذه الحلقة ويساعدنا على نقد السرديات وقراءة التاريخ ومحاولة الإجابة عن الأسئلة الصعبة. أهلًا وسهلًا دكتور نظير.
نظير: أهلًا بك.
نور: شكرًا جزيلًا على قبول الدعوة.
نظير: شكرًا على الضيافة.
نور: شكرًا لك. في البداية أود أن أسألك كنوع من التعارف الأولي: ما الذي جذبك لمجال التاريخ، دراسة التاريخ العربي والإسلامي بصورة خاصة؟
نظير: جو العائلة أولًا، كان والدي مهتمًا بالتاريخ. درست هندسة، لم ترق لي. ثم في الغرب، أنا أسكن في أمريكا، في الغرب الإنسان يقضي حياته كلها في الشغل. فقررت أنه إذا كان لزامًا أن أقضي حياتي أعمل شيئًا، فأقضي حياتي أعمل الشيء الذي أحبه. فاخترت التاريخ. واخترت التاريخ الإسلامي لأنه جذاب أكثر بالنسبة لي من التاريخ الحديث. فهذا الذي كان.
هل يواجه الأكاديمي العربي تمييزًا في الغرب؟
نور: أنت اليوم أكاديمي في جامعة أمريكية، طبعًا من أصول عربية وإسلامية. هل هذا الأمر شكّل نوعًا من التحدي أو العائق أو ما يسمى اليوم بالتمييز؟ هل شعرت بأي مرحلة من مراحل عملك الأكاديمي؟ سواء في فرنسا، أنا أعرف عندك تجربة سابقة في فرنسا وبعدئذ في أمريكا، هل كان هذا الشيء موجودًا؟
نظير: يعني إذا الواحد يبحث عنه فسيجده. بالنسبة لي التمييز كان أكثر بين جامعات مشهورة للنخبة وجامعات غير مشهورة، جامعات أقل من النخبة. كان هذا التمييز الأقوى. لكن الذي صادفته هو نوع من دراسات الشرق الأوسط في الغرب هي دراسات غربية عن الشرق الأوسط. فهي منتج معرفي غربي. فأحسست، لم يؤكد هذا أي شخص كلامًا، أحسست أن هناك امتلاكًا لهذه المعرفة وأنا غريب عن هذا الامتلاك. أنا أمتلك نمطًا آخر من المعرفة. أنا أمتلك مشروعًا آخر -لنقل-. هم عندهم مشروعهم مهما كان شخصيًا أو جماعيًا وأنا عندي مشروعي. فأحسست أن هناك اختلافًا في المشاريع.
نور: هل كان هذا الشيء على مستوى القضايا أم على مستوى المصطلحات والسرديات وطريقة تقديم العربي أو المسلم من رؤية غربية؟
نظير: المواضيع والقضايا. بالنسبة إلي كان البحث هو مشروع متكامل. كل شيء أبحث عنه هو جزء من المشروع. بالنسبة للأكاديميين الآخرين، بعضهم عندهم مشروع للمهنة ما يُسمى “الكارير”، السيرورة المهنية والمسيرة المهنية. بعضهم ما عندهم مشروع فيبحثون في الذي يأتي. أنا بالنسبة إلي كان عندي مشروع. هذا جعلني، ما أصطدم ولكن أحس ببعض الغربة والاختلاف عن الآخرين الذين ليس لديهم هكذا مشروع. بالطبع أنا عندي مشروع يختص ببلدي، يختص بنشأتي، يختص بثقافتي. هم عندهم مشروع يختص كذلك بثقافتهم.
نور: صحيح.
نظير: فأحسست بالاختلاف. لكن في الأكاديمية الأمريكية مؤخرًا في العشرين سنة الأخيرة كان دخول عربي وإسلامي هائلا، إلى درجة أنه تغيرت الأوجه، في أوجه الباحثين، أوجه الأساتذة، أوجه المواضيع المطروقة.
نور: أوجه، تقصد أصبحوا أكثر من أصول مسلمة؟
نظير: من أصول مسلمة نعم. مقارباتهم أصبحت أكثر من أصول مسلمة كذلك. يعني لم يعد هناك هذا الشك والارتياب الغربي. هناك أصبح نوع من معالجة الإنسان المولود ما يُسمى الـ”Nativist”، الإنسان المولود في الثقافة لثقافته. فصار هناك، لا أعرف إن كانت هناك منافسة، ولكن أحسست أن هناك اتجاهًا في الأكاديمية الأمريكية نحو جلب ناس يتكلمون عن ثقافتهم.
نور: صحيح.
نظير: هو نوع من التنوع الثقافي.
نور: التنوع.
نظير: فأفسحوا المجال، والطلاب الباحثون العرب اغتنموا الفرصة بقوة شديدة جدًا. حتى في المؤتمرات تلاحظين ازديادًا سنويًا في عدد الأسماء ذات الطابع العربي أو المسلم.
لمن يذهب التمويل في الجامعات الغربية؟
نور: صحيح. قبل ما ندخل بموضوع حلقتنا اليوم، عندي فضول أسأل عن الدراسات الإسلامية أو دراسات الشرق الأوسط أو الدراسات الشرقية في الجامعات الغربية وجامعات أمريكا. يعني أنا أشعر مثل ما حضرتك تقول إنه نعم صار فيه نوع من قبول الآخر وجعله قادرًا على أن يمارس ثقافته في مكان مختلف. لكن أنا أشعر أيضًا هناك تحجيم، يعني أشعر دائمًا في كل جامعة، حتى أنا في الجامعة الألمانية حيث أدرس، أنه هذا قسم الدراسات الإسلامية وفقط. يعني هنا تمارس إسلاميتك أو عربيتك أو تقرأ في هذه الكتب والمكتبات وهذا هو الحجم.
وهناك تُموّل أيضًا، تمويلات أيضًا تذهب في ذلك الاتجاه ولا تذهب في اتجاهات أخرى. على سبيل المثال في مجالات الفلسفة ليس هناك تمويل لمن هم عرب أو مسلمون أو قضايا فلسفية إسلامية. لكن داخل الدراسات الإسلامية، حسنًا، خذوا تمويلًا واقرأوا وابحثوا وكذا وابقوا هناك. هل هذا الشيء صحيح؟
نظير: التمويل له علاقة في النهاية بالحكومة. مهما قالوا عن التمويل الخاص فالتمويل الأكبر يأتي من الحكومة الأمريكية. عام حوالي 2004، ومن عام 2001 هناك اتجاه نحو تخفيف التمويل لدراسات الشرق الأوسط. من 2004 فما فوق أصبح هناك مثل هجوم على دراسات الشرق الأوسط. وحتّى “MESA” (منظمة دراسات الشرق الأوسط في شمال أمريكا) قسمت إلى قسمين. وأصبح هناك منظمة بديلة تعطي خطابًا بديلًا. حصلت اتهامات أن هذا معقل لاتجاه معين. خفّ التمويل الحكومي.
نور: ما سبب هذا الأمر؟ ما سبب التخفيف؟
نظير: سياسة. أحداث سبتمبر، دخول العراق. 2004 هو هجوم على الخُبر في السعودية. كان هذا له وقع كبير في السعودية وفي أمريكا. واتجاه نحو اعتبار الحرب على الإرهاب حربًا كونية، وعنصر أساسي من عناصر السياسة الأمريكية الخارجية. فكان هناك فكرة أن دراسات الشرق الأوسط تدعم الإرهاب، ولا تخفف من الإرهاب، هي لا تدرس الإرهاب، لا تعطينا أي مدخل لفهم الإرهاب، ولكنها على العكس تنشر أفكار الإرهابيين في أمريكا. فتم تخفيف التمويل. ولكن ظهر بالنسبة لي فيما بعد، وبعد أكثر من 10 أو 15 سنة، أن تمويل الدراسات الثقافية والدراسات التاريخية ودراسات العلوم الاجتماعية، بشكل عام خف.
نور: صح.
نظير: لم يكن هجومًا على دراسات الشرق الأوسط فقط، على كل الدراسات “Area Studies” الدراسات الإقليمية، وعلى كل الدراسات الاجتماعية. وهي أصبحت -أعتقد هذا واضح في الوقت الحاضر- سياسة للحزب الجمهوري، العزلة الأمريكية.
كيف يعيش المسلم الإسلاموفوبيا في أمريكا؟
نور: حديثك كان مقدمة جيدة جدًا لندخل بموضوع حلقتنا، وهو الإسلاموفوبيا أو عداء الإسلام، رهاب الإسلام. كلمة في حد ذاتها، عندما نسمعها نصاب بشيء من الذعر، خصوصًا أنها موجهة ضدنا. طبعًا قبل أن نسأل أي إسلام وما الإسلام المقصود، أنا أريد أن أسألك في البداية: ما هو وقع هذه الكلمة عليك كمسلم في الغرب؟ لأن وقع هذه الكلمة مختلف بين مسلم يعيش في بلداننا، وحتى يفهمها بطريقة مختلفة، ووقعها في الغرب.
نظير: والله بالنسبة لي لم يكن لها أي أثر. ولكن يجب أن أضع نفسي في سياقي الخاص. أنا أُدَرِّس في جامعة صغيرة في مدينة صغيرة في ولاية فقيرة في الجنوب الأمريكي. هناك مسجد في المدينة، وله قبة نحاسية مثل قبة المسجد الأقصى. كان هناك عداء ولكن ليس شديدًا. يعني العداء تجلّى بأن الصناع والحرفيين رفضوا العمل، فقرر أصحاب المسجد القائمون عليه أن يجلبوهم من مدن أخرى.
نور: هل بسبب أنك بعيد ربما عن مراكز أو أماكن الاصطدام ربما؟
نظير: نعم. نحن ليس لدينا قسم لدراسات الشرق الأوسط. لدينا قسم التاريخ. أنا في قسم التاريخ.
نور: في قسم التاريخ.
نظير: ومطلوب مني أن أدرس مواد أولية أساسية، وأدرس مواد مستويات أعلى ولكنها تبقى للدراسات الجامعية، السنوات الأربعة الجامعية. فهذه تعتمد على الطلب، على العرض والطلب. إذا لم يكن هناك طلب فلا أدرسها. فأنا بدأت بتدريس التاريخ الإسلامي، لم يكن هناك أي طلب، فبدأت أدرس التاريخ الروماني. درّست تاريخ الشرق الأوسط الحديث، هناك طلب، استمررت في التدريس. درّست تاريخ الفكر الإسلامي، لم يكن هناك طلب. درّست التاريخ المسيحي، تاريخ الفكر المسيحي، كان هناك طلب. يختلف حسب العرض والطلب.
نور: صح.
نظير: هذا خاص جدًا في الجامعات الصغيرة.
نور: صحيح.
نظير: فلا نواجه ما يسمى صدام حضارات. صدام الحضارات يكون في مراكز النخبة.
هل “الإسلاموفوبيا” صناعة نخبة سياسية؟
نور: صحيح. طيب، حتى نخرج من التجربة الشخصية وندخل في الموضوع بشكل موضوعي أيضًا. لما نحكي اليوم عن الإسلاموفوبيا أو عن عداء موجه ضد الإسلام، وهي ظاهرة بلا شك لها أبعاد تاريخية وقديمة ولها أبعاد حديثة، لذلك هي قليلًا معقدة. كيف ممكن أن نقرأ هذه الظاهرة؟
نظير: أنا من أنصار أن أي ظاهرة اقتصادية لها أساس سياسي. أنا من أنصار نظرية النخبة، ليست نظرية مؤامرة ولكن نخبة. أنا أعتقد أن النخبة المجتمعية، النخبة السياسية، النخبة الاقتصادية لديها المال والوسائل لتسيطر على الثقافة. فهي تدعم أو لا تدعم. أنا أعتقد أن الإسلاموفوبيا كان مدعومًا من النخبة السياسية. فهو خطاب يعبر عن سياسة خارجية ويعبر عن سياسة داخلية.
أما إذا قلنا وبدأنا بالتفكير من أين جاءوا بالمادة؟ يعني من أين جاءوا بالكلام؟ من أين جاءوا بالأفكار؟ فهذا يدفعنا إلى تاريخ أطول. ممكن نبدأ من الآخر إلى الأول. فمثلاً الإسلاموفوبيا تعتمد على العداء للإرهاب، هذا 2001. قبلها في التسعينات، الهجوم على الـ “World Trade Center” (مركز التجارة العالمي) -الأول، الهجوم الأول وليس الثاني- في التسعينات. هذا جعل الإرهاب في مقدمة القضايا التي يخاف منها الأمريكيون. هناك ثقافة خوف في أمريكا. ثقافة الخوف باعتقادي تتحكم بها الدولة. فهناك دائمًا شيء يخاف منه الشعب الأمريكي. في التسعينات أصبح الإرهاب. وهناك استبيانات: لماذا تخاف؟ تخاف من الاقتصاد؟ تخاف من الجريمة؟ تخاف من الإرهاب؟ أصبح الإرهاب يرتفع تدريجيًا.
نور: حتى يقال -عفوًا للمقاطعة- إن المصطلح نفسه تقريبًا ظهر وبرز للسطح على الإعلام في تلك المرحلة بعد سقوط جدار برلين وانتهاء المعسكر السوفيتي، الذي كان هو العدو، الآن أصبحنا في حاجة إلى عدو مختلف. طبعًا هناك مقومات لوجود هذا العدو.
نظير: إذا عدنا إلى الثمانينات والسبعينات نجد أن هناك توجهًا في السياسة الأمريكية لاستخدام الإسلام لمحاربة الاتحاد السوفيتي والشيوعية.
نور: صحيح.
نظير: كنا أصدقاء.
نور: تاريخيًا مثلًا.
نظير: تاريخيًا. قبل ذلك في عصر صعود القومية العربية كان الهوس الغربي هو القومية العربية في الحقيقة. كانوا مهووسين.
نور: بأي معنى مهووسون؟
نظير: مهووسون بدراسة شيء اسمه القومية العربية. أنا نفسي أستغرب من ناس يدرسون القومية العربية كانت في عصر الهبوط في السبعينات، ولكن كان لا يزال هناك الحماس الذي بدأ في الأربعينات والخمسينات والستينات، أو الخمسينات والستينات، حماس هائل لدراسة القومية العربية. وكأن الفكرة الشارحة الوحيدة عن الشرق الأوسط هي القومية. لم تكن الإسلام.
نور: عداء العرب منذ تلك المرحلة.
نظير: العرب والإسلام مرتبطان. دائمًا العرب والإسلام مرتبطان حتى في المخيلة الأمريكية.
فلا تستطيعين أن تقولي أنه كان هناك إسلاموفوبيا. المصطلح إسلاموفوبيا حديث جدًا، تركيبته حتى غريبة: “الإسلامو-فوبيا”. فهي… عندما يكون هناك مصطلح، عندما يسمونها… يطلقون عليها اسمًا، معناها أحدهم فكر واشتغل مثل شركات العلاقات العامة وقرر أن يسميها حتى يعرف العدو.
مصطلح الإسلاموفوبيا ظهر في التسعينات. لم يكن هناك مصطلح، فمعناها لم يكن هناك عداء للإسلام. ولكن إذا درستِ دراسات الشرق الأوسط، وإذا تعاملتِ مع الناس، وإذا تعاملتِ مع النخبة، وتعاملتِ مع الباحثين، تجدين أن هناك أفكارًا جاهزة عن ما هو الشرق الأوسط وما يفسر الشرق الأوسط. أحيانًا الإسلام، أحيانًا القومية العربية، أحيانًا أشياء أخرى. ولكن الإسلام والقومية العربية أساسيان، يعني عنصران أساسيان.
إذا دخلنا إلى ظروف تاريخية ما قبل، نجد أن الإسلام لم يعد وحشًا في القرن التاسع عشر. الإسلام الذي تمثله الإمبراطورية العثمانية لم يعد وحشًا، ولكنه أصبح تهمة توجه للإمبراطورية العثمانية: أنتم متخلفون لأنكم مسلمون. بينما إذا ذهبنا إلى القرون الثامن عشر والسابع عشر والسادس عشر نجد أن الإسلام عبارة عن -كما يقول في السورية العامية- “بعبع”. هو “بعبع” أوروبا في القرن الـ…
نور: أن ينهض من جديد تقصد يعني؟
نظير: لا هو “البعبع” الذي يقرع على أبواب فيينا، وقرع على أبوابها ثلاث مرات. كانت مخيفة جدًا بالنسبة للأوروبيين. فهذا يمكن أن تسميه عداءً للقومية التركية. لم تكن موجودة. عداء للعثمانيين وهو عداء للإسلام. هذا العداء استفاد من مصطلحات جاهزة، أتت من عصر الصليبيين، الحروب الصليبية. والمصطلحات الجاهزة والأدبيات والصور والتخيلات وكلها كانت أيضًا جاهزة من عصور أقدم، يليهم عصر صراع المملكة البيزنطية، الإمبراطورية البيزنطية مع الممالك العربية العباسية وقبلها الأموية، كان عندهم أدبيات هائلة في العداء للإسلام.
لماذا نعتبر أن العداء يسير في اتجاه واحد فقط؟
نور: طيب، ما الذي يجعلنا نقول إن هناك عداءً للإسلام ولا نقول العكس مثلًا؟ لماذا ننظر من هذه الزاوية تحديدًا؟ لماذا لا نقول إن هناك عداءً مثلًا من جهتنا إلى الآخر؟ ما سبب أنه نحن نتكئ على فكرة أنه عداء للإسلام؟ لماذا هذا التوجه تحديدًا تاريخيًا؟
نظير: شكرًا على السؤال. وأنا أتكلم، خطرت لي الفكرة أني أنا أتهم الغرب بأنه عنده هوس في الإسلام من قديم الزمان. لا لا، هذه إمبراطوريات تتصارع، فتُعرّف عدوها. بالنسبة للأمويين مثلًا كأول إمبراطورية عربية مسلمة كان عندهم هوس هائل بإسقاط القسطنطينية، يُقابل تمامًا الهوس البيزنطي، الهوس البيزنطي جاء من سقوط درة التاج البيزنطي وهي مصر، وبعدها سوريا، بعدها شمال إفريقيا إلى القيروان، ثم وصولًا إلى أناطوليا. فتوقف الفتح الإسلامي عند أناطوليا. فبالنسبة لهم كانت صدمة هائلة. ولكن بالمقابل عند الأمويين هي كأدبيات هائلة. بعض الباحثين يربط صعود أدبيات الجهاد الإسلامي الأولى ليس من الفتوحات وإنما من الصراع مع البيزنطيين.
في العصر العباسي أصبح هذا واضحًا جدًا أن هناك عداءً إسلاميًا للبيزنطيين. وكانوا يسمونه عداءً للمسيحيين، أو كما في المسمى العربي القرآني النصارى.
نور: إذن اليوم عندما نقول: “عداءً إسلاميًا”، كأننا نقول اختلت موازين القوى إلى حد ما أصبح، لم تعد حرب إمبراطوريات بالمعنى، إمبراطورية تربح وإمبراطورية تخسر. الموضوع صار فيه اختلال واضح وكبير بموازين القوى. هل هذا صحيح؟
نظير: نعم. من الأفضل النظر إلى كل فترة تاريخية وحساب موازين القوى وحساب إلى أي جهة ترجح. لا أريد بناء مظلومية مسلمة أو إسلامية أو شرقية. هناك دائمًا طرفان؛ طرف وليكن بيزنطيًا وطرف مسلم عربي. هناك طرف صليبي وطرف آخر، ليس عربيًا، قد… الأمراء في ذلك العصر كانوا سلاجقة أتراكًا. ثم في إسبانيا كانت هناك إثنيات مختلفة في إسبانيا، والعداء كان تجاه الإسبان الذين هم (مصطلح إنجليزي) من القوط. وبالنسبة لللاتينيين الفرنجة في فرنسا، يمكن أن نقول إثنية أخرى. فهذا العداء دائمًا معقد. لا يمكن أن نقول إثنية مقابل إثنية، ولا يمكن أن نقول ثقافة مقابل ثقافة. الأفضل البحث عن النخب السياسية والعسكرية.
هل أعاد المهاجرون إشعال “أزمة الهوية” الأوروبية؟
نور: دكتور، لا يمكننا اليوم أن ننتبه لفكرة أن وجود مهاجرين مسلمين في قلب أوروبا أعاد هذا الملف؟ أشعل هذا الملف من جديد. وهذا له دلالة رمزية أيضًا، ليس فقط حروب ومشكلات مهاجرين وإسلام وغير ذلك على هذا المستوى السطحي. توجد له دلالة لأنه بالأخير تُسمى المجتمعات الغربية بعض الدول، الدول الأمة التي تقوم على فكرة أمة. فهل ترى رابطًا بين عداء الإسلام اليوم بهذا الشكل والوجود الإسلامي بكل ما فيه وبكل علاته طبعًا، أعاد إشعال هذا الملف من جديد؟
نظير: بالطبع. يعني عندك دولة مثل فرنسا أو ألمانيا أو إسبانيا أو إيطاليا أو ألمانيا، عندها تعريف واضح وصريح لقوميتها. لأنه أصلًا عندما نعرف القومية نعطي المثال الوحيد تقريبًا، المثالان الوحيدان: القومية الفرنسية والقومية الألمانية. نحن نقيس تعريفنا لأي قومية بالقومية الفرنسية والألمانية. فهذه الدول التي بنت تعريفًا دقيقًا، يعني يلبسها “حفر وتنزيل” كما يقولون. القومية الفرنسية تلبس الشعب الفرنسي “حفر وتنزيل”. ويمكن أن ننقض، ننقض وننقض هذا التعريف، ولكن هذه أيديولوجيتهم…
نور: ما يعني أيديولوجيتهم القومية؟ نفهم ما هي؟
نظير: الأيديولوجية القومية هي أيديولوجية المواطنة. المواطنة الفرنسية قائمة على أيديولوجية القومية الفرنسية. أنتِ تنتمين إلى الدولة الفرنسية لأنك فرنسية.
نور: فرنسية مسيحية كاثوليكية تقصد؟ أم ماذا يعني ذلك؟
نظير: يختلف حسب الدولة، ولكن في فرنسا مسيحية.
نور: أو ما له علاقة بالعرق، ربما لأنه أيضًا الجانب العرقي موجود داخل الدولة.
نظير: طبعًا، في فرنسا تسمعين كثيرًا لأن عندي تجربة دراسة في فرنسا ثلاث سنوات وبقيت سنتين إضافيتين. تعريف: نحن لاتينيون، هذا يقال في كل المناسبات. نحن… لا يقولون فرنجة، يقولون فرانكس، نحن لاتينيون، فنحن كاثوليك، تقال بين الحين والآخر. نحن فرنسيون كل الوقت. الشعب الوحيد الذي عنده اسم لفتاة أو لشاب “فرانسوا” و”فرانسيس”. لا يوجد… لا نسمي نحن شاب “عربي” أحيانًا، وأن نسمي فتاة “عربية”. في فرنسا اسمها “فرانسواز” و”فرانسوا”. فمعناها عندهم تعريف للقومية.
ثم يجدون أنفسهم -ليس فجأة- في السبعينات، من الستينيات وصاعدًا، نسبة المسلمين ترتفع تدريجيًا، خاصة الدول التي عندها مستعمرات مثل المستعمرات الفرنسية والمستعمرات الإنجليزية. النسبة ترتفع. فقاربوها من منطلق أنه نحن إمبراطورية، نتقبل هؤلاء العاملين كناس مهاجرين بشكل مؤقت، يعملون وسيرحلون؛ لأنه ليس لدينا في تعريفنا مكان لهم كمواطنين. هم ليسوا فرنسيين وليسوا ألمانًا، ليس لدينا أي تعريف. نقبلهم عندهم جواز سفر، يذهبون إلى المحاكم، ولكن شعبيًا وسياسيًا، لا نستطيع أن نقبلهم. لا ينتمون إلى فكرة الجمهورية، لا ينتمون إلى الثقافة المسيحية، لا ينتمون إلى الثقافة الفرنسية.
ولكن بالنسبة لي هذا ليس شيئًا غريبًا. الإمبراطوريات الأوروبية هي إمبراطوريات عالمية. فمعناها عندما تكون هناك إمبراطورية تحتوي على مئات الملايين من الأفراد، فمن الطبيعي في مركز الإمبراطورية على الأقل أن تكون هناك نوع من الكوزموبوليتانية. هناك أشخاص يسكنون في العاصمة ينتمون إلى كل القوميات والجنسيات والإثنيات الموجودة في الإمبراطورية. ولكن الإمبراطوريات الغربية هي إمبراطوريات بحرية وإمبراطوريات غير ملاصقة. معناها المركز ليس ملاصقًا للمستعمرة، وليس ملاصقًا للمحميات. فمعناها هم لفترة طويلة منعوا أفرادا… ليس مواطنين، منعوا الرعايا، رعايا الإمبراطورية من أن يأتوا إلى المركز ليمارسوا انتماءهم إلى المركز، ليمارسوا دورهم في بناء الإمبراطورية. لم يأتوا. أتوا بعد سقوط الإمبراطورية.
فأنا أجد أن الشعوب الأوروبية هي شعوب منعزلة، عاشت منعزلة لفترة طويلة من الزمن، اعتقدت أنها ستبقى منعزلة للأبد. أنتجت أيديولوجيات انتماء تكرس هذا الانعزال، أيديولوجيات القومية. ووجدت نفسها في فضاء معولم، معناها هي تريد أن تجلب العمال على الأقل بعد الحرب العالمية الثانية لتبني ما تهدم. جلبت العمال ولكنها رفضتهم. ثم جلبت المهندسين ورفضتهم. ثم جلبت غيرهم من المختصين أصحاب المهارات ورفضتهم. فمعناها، -دعنا نقول- العيب منهم.
يعني العداء للإسلام يتصاعد. أتفهم أن هناك اختلاطًا في بلد لا تعترف بهذا الاختلاط. لكن هذا الاختلاط طبيعي. حتى في بغداد في القرن التاسع الميلادي، عصر الذروة، كانت أحياء بغداد مقسمة حسب الإثنيات التي ينتمي لها رعايا الإمبراطورية.
هل يوجد صراع هويات قاتل داخل المجتمعات الغربية؟
نور: صحيح دكتور. اسمح لي نأخذ الحديث لمستوى آخر. نحن نحكي على المستوى النظري وربما التاريخي والاقتصادي والسياسي. دعنا نحكي على مستوى ما يسمى اليوم بصراع الهويات. شخص عائش بأوروبا بسيط جدًا، ربما مسلم أو شخص آخر غربي من ديانة مختلفة مسيحي. الاثنان يشعران اليوم بالتهديد. وهناك صراع هويات بصرف النظر عن الأسباب الحقيقية والتي أدت إلى هذه المشكلة اليوم. هذا النوع من التهديد كيف نفهمه؟ هل نستطيع، نحن قاربنا الموضوع من بداية الحلقة حتى الآن بأن الغرب فعل كذا وكذا وهذا بالتأكيد صحيح. لكن ماذا عن ما يُسمى اليوم بالإسلام السياسي وانتشار هذا الإسلام السياسي وتكاثره في أماكن مختلفة. وهذه الأيديولوجيا طبعًا التي يُشحن بها ويُعبأ بها الآخرون. هنا لدينا مشكلة ليست فقط غرب وشرق مسلم. هناك صدام هوياتي يشعر به الشخص في داخل نفسه. يعني الشخص الذي يعيش في الغرب يشعر أن هذا المكان لا يشبهني. وهذا له بُعد، يتجاوز ما هو شخصي، بعد سياسي والآخر أيضًا. فكيف نقارب مشكلة الهويات اليوم وتحديدًا فيما يتعلق بما هو إسلامي وغير إسلامي غربي مثلًا؟
نظير: لست من محبي سياسة الهويات.
نور: لكن موجودة.
نظير: هي موجودة.
نور: وهي موجودة حتى على المستوى النفسي. أي شخص اليوم تتحدث معه حتى الموجود في بلدان عربية يشعر بهذا الصدام حتى ولو هو بعيد عن الغرب ومركز الغرب. يشعر به حين يشاهد التلفزيون حين يشاهد فيلمًا ما. هناك صدام، الهويات موجهة ومكرسة دائمًا لأن تقول شيئًا ما لك، تأتي بك، تأتي إليك بخطاب ما. أنت صح، أنت غلط، أنت قبيح، أنت جميل، أنت… وفي الاتجاه الآخر حلال وحرام وصح وخطأ. فأنت دائمًا تتعرض إلى هذا النوع من الخطاب.
نظير: الصدام دائمًا موجود في أي مجتمع بين أي مكونين. معناها أنا أقول إن سيطرة العاصمة في أي دولة تجاه الأطراف هي سيطرة استعمارية كولونيالية. سيطرة المركز الاستعماري تجاه الأطراف الاستعمارية هي سيطرة كولونيالية، تختلف الدرجات، تختلف الطبيعة. سيطرة المدينة على الريف المحيط بها هي سيطرة استغلالية، قد تكون كولونيالية أيضًا.
نور: لكن هل يكفي أن نقول هي استعمارية؟ طيب، ألا يولد ذلك شيئًا بديلًا؟ يعني معاكسًا؟ يعني حسنًا، هنا جاء من هذا الاتجاه إلى هذا الاتجاه استعمار وشعور بالفوقية، هنا يأتيك شعور بالدونية، وهناك الشعور يأتيك برد الفعل. طيب، لماذا لا نوجه نقدًا أيضًا إلى الإسلام السياسي، أو نوجه أيضًا لبعض المشكلات الثقافية، ولهذه الخطابات الجديدة التي تأتي اليوم وتتكاثر بطريقة، آلية قادرة على أن تولّد ذاتها باستمرار؟
نظير: دعويا نقول إنها فرضية، إذا قبلنا بفرضية أن الصراع بين مكونات المجتمع هو صراع دائم، يوجد مكونات ويوجد صراع، المدينة الريف، العاصمة الأطراف، المركز الاستعماري الأطراف المستعمرة، هذا دائمًا موجود. المشكلة هي في إدارة ما أسميها إدارة التعدد. كل إمبراطورية، كل دولة فيها تعدد، كل دولة أو كل إمبراطورية تدير هذا التعدد، فهي تقول مثلًا للفلاح الذي يأتي إلى المدينة: أنت مواطن، تعال اشتغل، لن يضايقك أحد. بينما للمهاجر تقول له: أنت مرفوض. معناها هناك الدولة وموقفها من الآخر المختلف الذي تعتبره مختلفًا. طيب، هل هذا ينفي وجود صدمة ثقافية؟ لا، الصدمة الثقافية دائمًا موجودة. أنا أذهب من الطرف إلى العاصمة، عندي صدمة ثقافية. المهم أنه هل أنا أؤمن بعد فترة أن مشروع الدولة هو مشروعي أم لا.
نور: لكن دكتور، هذا لما نكون نحن في وطن واحد، مثلًا الصراع الجمهوري والديمقراطي، الريفي… لما يكون صراعًا على هذا المستوى، هذا صراع دموي يؤدي كل يوم إلى مشكلات دموية، عنيفة جدًا، لا أستطيع أن أتعامل معها هنا على أنها مجرد استعمار. هناك ردة فعل قوية جدًا على هذا الاستعمار، وأصبحت ردة الفعل هذه مشكلة في حد ذاتها. لماذا لا ننقض أيضًا هذا الشيء؟ لماذا لا ننقض أيضًا السرديات؟ لماذا ننقض فقط سرديات الغرب وسرديات الاستعمار وسرديات… وهي كلها صحيحة، كان أيضًا لدينا سرديات، لماذا لا ننقضها أيضًا بمعزل عن هذه السرديات الأولى؟
نظير: طبعًا، طبعًا، إدارة التعدد ليست فقط من الدولة كنخبة حاكمة، هي من نخب هذه الجماعات الأخرى. فهم عندهم سردية، والدولة عندها سردية. هذه السرديات تختلف، هي ليست دائمًا معادية. المهاجرون من شمال إفريقيا إلى فرنسا لم يكونوا معادين للثقافة الفرنسية، مع أن فرنسا كانت تحتل بلادهم، لم يكونوا معادين للثقافة الفرنسية. عندنا أجيال من الأتراك في ألمانيا، أجيال من الجزائريين أجيال من جنسيات مختلفة في الولايات المتحدة، لم يكونوا معادين.
نور: ماذا تقصد أن يكونوا معادين لمن؟
نظير: معادين للثقافة، لا يعتقدون أنها ترفضهم، حتى ولو رفضتهم. هناك تاريخ هائل من إحساس بالرفض في مكونات المجتمع الأمريكي، مثلًا الأيرلنديون لفترة من الفترات أحسوا بالرفض أنهم كاثوليك في بلد بروتستانتي، هم فقراء في بلد أغنى منهم، أحسوا بالرفض والتهميش. الإيطاليون في أمريكا أحسوا بالرفض والتهميش. ولكن بعد فترة هناك شيء يتغير، هناك شيء يقول: أنا سأقبلكم إذا فعلتم كذا وكذا وكذا. ومن الطرف الآخر: أنا أقبل أن أندمج إذا فعلتم كذا وكذا وكذا. فهذه هي إدارة التغيير.
إذا أردنا أن نذهب إلى الجاليات الإسلامية في دول الغرب، نجد أن هناك جهودًا هائلة على مدى أجيال للاندماج، للدخول، ولكن اقبلونا على شرط كذا وكذا، واحد اثنين ثلاثة.
نور: هناك أيضًا في الاتجاه المختلف أنهم يرفضون الشروط.
نظير: هذا هو بالتحديد، هناك رفض دائم من البلدان الغربية للقبول تحت أي شروط.
نور: أنا أقصد بالعكس، هناك أيضًا شروط تأتي من الـ… ما أحاول أن أقوله إن هذا النوع من الاصطدام والاختلاف، له خصوصية، يجب أن يُقرأ بخصوصية معينة لأنه حاد جدًا، وأصبح موجودًا في العالم كله اليوم، يحتاج أن يقرأ بخصوصيته التي لا تشبه مثلًا اختلاف ريف مع مدينة، واختلاف مثلًا أوروبي مع أوروبي آخر، ألا تعتقد ذلك؟
نظير: بصراحة لا، أنا لا أحب الاستثناءات، هناك أنساق مجتمعية، هذه الأنساق المجتمعية تشبه بعضها بشكل هائل. هجرة الفلاح من الريف إلى المدينة هي صدمة ثقافية هائلة، أحيانًا نراهم مضطرين إلى السكن في العشوائيات أو في مدن الصفيح، هذا تهميش اجتماعي هائل، أقسى بعشر مرات أو بعشرين مرة من تهميش المجتمع الغربي لأقلية مسلمة، ينتهي بالعنف. التهميش في مدن الصفيح ينتهي بالعنف الشديد وينتهي بحروب أهلية. العنف الذي نراه في الغرب أنا باعتقادي هي مسرحية هزلية، مسرحية هزلية من الطرفين.
نور: من الطرف الآخر؟
نظير: الطرف الآخر قد يكون الإسلام السياسي، قد يكون الجاليات. الآن قضية أن الطرف الآخر هو الإسلام السياسي هذه حديثة جدًا في العشر سنوات أو العشرين سنة الأخيرة.
نور: طيب، هي حديثة، أليست حقيقية؟
نظير: الطرف الآخر هو الإسلام السياسي. أنا أعتقد أن قضية أن هناك هجمة إسلامية على دول الغرب يمثلها الإسلام السياسي قد تكون صحيحة في بعض الحالات، حيث مثلًا نجد أن شبابًا من الجيل الأول، الثاني، الثالث، أو من أجيال جديدة جدًا، مهاجرين جدد، يتبنون سياسة اجتماعية أو حتى سياسية تطالب بخصوصية إسلامية. هذا شيء جديد. هل تأتي من بلدان إسلامية؟ لا أعرف. هل هناك تمويل من بلدان إسلامية؟ لا أعرف. هل هناك أحزاب إسلامية من بلدان إسلامية لها فروع في الغرب؟ كذلك لا أعرف.
تحدثوا كثيرًا عن الحجاب كهجمة سياسية إسلامية أو مسلمة على الغرب، ظهرت كتب كثيرة. الحجاب في البلدان الإسلامية تم القول بأنه سياسة إسلامية لأحزاب إسلامية، هذا الشيء قد يكون صحيحًا. الحجاب بطريقة معينة هي مقولة سياسية، هذا الحجاب في الغرب بنفس الطريقة قد يكون مقولة سياسية، هذا الشيء صحيح في الوقت الحاضر. ولكن أنا أجد أن هذه التقسيمات الشديدة.. هناك صدمة ثقافية، معناها أي إنسان مسلم يذهب إلى الغرب سيتعرض لصدمة ثقافية وسيتعامل مع إدارة التعدد، سيتعامل معها كاختلاف سياسي يؤدي به أو بها إلى التحزب ومواجهة الدولة بأدوات سياسية، هذا شيء جديد جدًا.
أنا أؤمن أن أي صراع سياسي هو صراع بين أطراف، حتى لو كان متفاوتًا في السلطة أو امتلاك الموارد البشرية والمادية، فهو صراع يمكن أن نبحث عن اللاعبين، يمكن أن نبحث عن الممولين، دائمًا ابحثي عن الممولين. لم أدرس الموضوع، لا أعرف إن كان هناك خطاب جاهز وتمويل يخرج من دول إسلامية نحو الغرب، ولا أعرف إن كانت هناك جماعات إسلامية ممولة داخليًا أو خارجيًا وصاحبة أيديولوجيا ممنهجة تعادي الغرب.
أنا معك أنه لا نوجه الاتهام إلى الداخل، لا نوجه الاتهام إلينا شخصيًا، نحن دائمًا في موقع المظلوم والضحية. وأنا معادٍ لقضية أنه هو صدام حضارة وليس هناك حل، بعض الناس يفكرون بهذه الطريقة. ولكن أعتقد أن أي إنسان في الغرب مهاجر له أية هوية يعمل في شأن سياسي إسلامي، هو إنسان يعمل في شأن سياسي إسلامي غربي. هذا الإنسان، هذه الإنسانة، مهما كانت منظمة ومجندة ومجيشة، إنها تطمح أو هو يطمح إلى العمل السياسي في تلك الدولة، هو يطالب بصوت سياسي في تلك الدولة ولا يطالب بصوت سياسي في البلد الأم. إنها سياسة غربية.
الجالية الإسلامية، السياسة الإسلامية في فرنسا هي سياسة فرنسية. الجالية الإسلامية، السياسة الإسلامية في أمريكا هي سياسة إسلامية، هي مدخل لهؤلاء الأشخاص وأولادهم إلى السياسة ليتم الاعتراف بهم. لا أحد يفاوض من منطلق أنا ضعيف وأقبل كل الشروط، لا، كل إنسان عنده كروت رابحة وعنده استراتيجيات ويفاوض من منطلق قوة. منطلق القوة أني أجلب شيئًا إلى الطاولة، أجلب تجييشًا، أجلب جالية، أجلب أصواتًا انتخابية، وعندي ثقافة، أنا أريد إدخال بعض هذه الأشياء الثقافية أو الاعتراف بها. فليس خطيرًا، ليس خطيرًا إلا إذا قاموا بأعمال إرهابية. حتى ولو قاموا بأعمال إرهابية، بالنسبة لي هذه سياسة محلية، ليست سياسة إسلامية من العالم الإسلامي. أي إنسان يتحول إلى الإرهاب في أمريكا هو إرهابي أمريكي، حتى ولو كان إرهابه إسلاميًا.
هل حملت أفكار “النهضة” بذور التطرف الحديث؟
نور: تحدثنا عن عداء الإسلام، دعنا نحكي عن النهضة الإسلامية أو النهضة العربية، أو مرحلة الإصلاح في المنطقة العربية التي بدأت تقريبًا قبل مئة سنة. كانت هناك مشاريع كثيرة إصلاحية إسلامية وعروبية ومسيحية وعلمانية وغيرها، يعني كثيرة. إذا ننظر بهذه المرحلة سنرى أن هناك خطابات بدأت من هناك، على سبيل المثال خطابات تقف في وجه العلم. كيف لا نعتبر مثلًا أن هذه بذرة لأن تتحول في المستقبل إلى ما هو إسلامي سياسي متطرف، أن تقف في وجه العلم، أن تفصل تمامًا بين ما هو ديني وروحي وروحاني وإسلامي وما هو علمي، وأن تُشيطن أحيانًا العلم؟ هنا نرى… وهذه كانت تسمى مشاريع إصلاحية، هناك مشاريع إصلاحية تدافع عن التعصب، وتسميه تعصبًا بالكلمة. فإذا رجعنا قبل مئة عام، ربما نجد شيئًا ما يفيدنا في هذا الرهاب اليوم الذي نعيشه في الغرب، ونجد له بذورًا بدأت من عندنا وتستحق النقض، كما في برنامجنا اليوم الذي هو نقد السرديات.
أريد أن أسألك: كيف تنظر إلى مشاريع النهضة، أو إلى النهضة بشكل عام، بعد مئة عام من المشاريع الكثيرة والكتابات الكثيرة، النهضة العربية؟
نظير: يمكن أن أتحدث عن النهضة العربية من منطلق بذرة ستؤدي إلى الإرهاب، ويمكن أن أتحدث عن النهضة العربية كظاهرة اجتماعية سياسية أو ثقافية في عصرها. أنا أفضل الثاني عن الأول، شخصيًا لا أؤمن بشيء اسمه تاريخ الأفكار.
نور: وهذا وجه خلاف بيني وبينك. أنا أرى أيضًا أن الأفكار تؤثر، لكن تحتاج أيضًا إلى مقومات مادية وسياسية، لكن الأفكار تلعب دورًا في تشكيل الواقع، لكن هذا… تفضل حضرتك.
نظير: الأفكار قوالب ومادة يتم إعادة تدويرها كل الوقت، ولكن لن أفهم الفكرة إلا في سياقها التاريخي. إذا تم إعادة تدويرها، أفهمها في سياقها الآخر، ولا أعود وأعتقد أن سياقها الأول هو بذرة. لا لا، هو تم إعادة تدويرها (Recycle)، مثل أي مبنى يتم إعادة تدويره، يكون مستشفى، يصبح سجنًا، يكون ثكنة عسكرية، يصبح معسكرًا للترفيه أو يجوز معسكرًا للضبط الاجتماعي. هل هذه أفكار النهضة يمكن أن تكون بذرة لسرديات أكثر تعصبًا؟ ممكن.
نور: طبعًا، من دون تعميم.
نظير: من دون تعميم. يمكن طبعًا، إذا أنا شخص في عام 2000 أستحضر كاتبًا قديمًا من أواخر القرن التاسع عشر لأبرر أفكاري، فأنا أعدت تدويره. هل هو بدأ كبذرة ليصير أنا؟ لا أعتقد.
نور: لتشكيل جماعات متطرفة تؤثر في الواقع.
نظير: أنا قرأت كتابه، هو كتب كتابًا، هو لم يؤثّر بي، هو كتب كتابًا. الذي أثّر بي هو الكتاب، والكتاب مفتوح للتأويل، الذي أثّر بي هو قراءتي للكتاب وليس الكاتب، الكاتب انتهى، مات.
نور: هو طبعًا، في الأخير، الأفكار، نحن لا نتحدث عن الكاتب، نحن نتحدث عن بعض الأشخاص الذين كتبوا نصوصًا تعصبية، يعني متعصبة جدًا، متطرفة، وقفوا في وجه التقدم، في وجه العلم، في وجه التحديث، وقفوا في وجه التغيير، في وجه قراءة النص الديني الإسلامي بطريقة تناسب هذا العصر، وقفوا في وجه التأويل والتفسير وإعادة القراءة، فأنتجوا منظومات فكرية تؤثر. وطبعًا، هنا نأتي إلى الجانب الواقعي، وبوجود بنى تحتية اقتصادية سيئة بسياسات سيئة في بلداننا، تصبح هذه الأفكار أكثر قوة وأكثر شدة وقادرة على استقطاب الناس واستقطاب حتى الشبان والمراهقين، ونعرف تمامًا كيف تستقطب العقول بهذه الطريقة، فيصبح لها أثر. لماذا لا نتعامل مع هذا الجانب؟
لكن حضرتك ذكرت أكثر من نقطة تود أن تتحدث عنها. فتفضل، طبعًا ممكن.
نظير: لا أعتقد به لكنه ممكن.
من اخترع مصطلح “النهضة” ولماذا؟
نور: طيب، بالنسبة للمشاريع النهضوية، هل هناك مشروع تحب أن تشير إليه مثلًا سلبًا أو إيجابًا؟
نظير: النهضة العربية؟
نور: صحيح.
نظير: نهضة عربية إسلامية؟
نور: مثلًا، إذا أحببت، هناك مشاريع كثيرة.
نظير: يجب أن أحددها. في أواخر القرن التاسع عشر، كان هناك حالة يمكن أن نسميها حالة نهضوية، هي حالة من التغيير، تغيير سياسي، حالة من التغيير الاجتماعي، وحالة من التغيير الثقافي الذي يستتبعه تغيير أيديولوجي، تغيير في التعليم، تغيير في الكتب المنتشرة، تغيير في الأفكار. هذا التغيير، الحالة النهضوية، طبعًا نسميها نهضة بالمقارنة مع عصر سابق، لم تكن هناك نهضة، فكانوا نائمين، وفجأة
نور: استيقظوا، صح.
نظير: أنا ضد هذه التسميات، ولكن حتى في ذلك العصر سموها بالنهضة، أرادوا أن يكونوا نائمين ويستيقظوا.
نور: من سماها نهضة بالمناسبة؟ نحن أطلقناها عن أنفسنا أم أن الآخر؟
نظير: لا أعرف. أعتقد أنهم سموها نهضة، الكتاب من لبنان وسوريا والعراق، أعتقد أنهم سموها نهضة، لست متأكدًا، لا أتذكر. طيب، هذه النهضة، سأضعها في سياقها، هي حالة استقت من مشاريع كثيرة للنهضة، هناك نهضات كثيرة، استقت من مشاريع لبنانية مسيحية، من مشاريع سورية مسيحية، من مشاريع سورية مسلمة، من مشاريع عراقية مسلمة، قد تكون هناك مشاريع عراقية مسيحية. أنا أحدد الطائفة ليس لأن سوريا منقسمة أو لبنان منقسم إلى طوائف، ولكن هذا هو السياق، كونه مسيحيًا أثّر في مفرداته، في أفكاره، في كتاباته. فهناك مجموعة من النهضات.
وهناك نهضة أخرى هي النهضة العثمانية، هؤلاء كانوا ينتمون إلى إمبراطورية، كانوا يعتقدون أنهم يعيشون في دولة، هم لم يعيشوا في اللا مكان واللا زمان، هم يعيشون في دولة تحت سلطة، هم رعايا. فكان… نحن نعتقد مثلًا أن نابليون جاء وصدم العرب والمسلمين، أنا أعتقد أن المسلمين لم يصطدموا بنابليون، المصريون اصطدموا بنابليون، ولكن مثلًا في لبنان كان عندهم علاقات مع إيطاليا، جلبوا كثيرًا من الأفكار الإيطالية. يمكن أن نقول هذه صدمة؟ لا أعرف. هناك إسطنبول، كثير ذهبوا للدراسة في إسطنبول أو للعمل في إسطنبول، وهذه صدمة إسطنبولية.
نور: إذن، أنت تشير إلى أشكال مختلفة تمامًا من النهضة بحسب السياق والتاريخ، وأيضًا بحسب الثقافة.
نظير: روافد لحالة نهضوية انتشرت في نهاية القرن التاسع عشر.
ما الذي ميز “النهضة المسيحية” ومطالب تعريب الكنيسة؟
نور: وكأنك ذكرت النهضة المسيحية، هل هناك خصوصية معينة لهذه النهضة يمكن الحديث عنها؟ هل هناك شيء مميز يتعلق بهذا المشروع؟ هل كان مؤثرً؟ هل كان له حضور؟ هل كان يعني…
نظير: باعتقادي، لست مختصًا في هذا الشأن، وأخاف أن أذكر شيئًا ليس مثبتًا. باعتقادي أن ما جلبوه إلى الطاولة هو شيء طالبوا به الكنيسة قبل أن يطالبوا به الإمبراطورية العثمانية، وهو الانتقال بلغة الصلوات من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، حتى من اللغة السريانية إلى اللغة العربية.
نور: لماذا طالبوا بذلك؟ ما نوع العلاقة مع اللغة العربية هنا؟
نظير: لا أعرف، أنا أعرف أن هناك مطالبات دائمة بأن يكون مثلًا البطريرك محليًا عربيًا وأن لا يكون يونانيًا، يوناني الأصل. ليس هناك ارتباط، هذا راع في دولة لا تعترف بأحزاب سياسية مثلًا. رئيس الكنيسة، المطران، البطريرك يمثل رعاياه عند الدولة. فهم يريدون ممثلًا يعرف مشاكلهم.
نور: ليست هناك مشكلة. هذا أمر جميل. أعتقد المطالبة بشيء من العربية. ما المميز في المشروع؟
نظير: باعتقادي يمكن أن نسميه المشروع النهضوي المسيحي. جاء باللغة العربية.
نور: أعاد إحياءها؟
نظير: أعاد إحياء اللغة العربية.
هل كانت المدارس التبشيرية صدمة معرفية أم دينية؟
نور: هل هناك مميزات أخرى حتى نستطيع أن نقرأ هذا المشروع؟ عيوبه، إيجابياته، سلبياته، مآلاته مثلًا بالنهاية؟ تورطاته ربما؟ كل مشروع يتورط. لا يوجد أحد لا يتورط.
نظير: طبعًا. أعتقد أنهم جاؤوا بجانب التعليم، التعليم الممنهج. هذا الجانب جاء عن طريق… يقال الإرساليات، لا أعرف…
نور: إرساليات في لبنان والمدارس صحيح، وفي سوريا.
نظير: لا أعرف مدى انخراط الكنيسة الأرثوذكسية أو الكنيسة المارونية في سوريا أو في لبنان في إنشاء مدارس قبل المدارس التبشيرية. ولكن المدارس التبشيرية التي بدأت في حوالي 1826 كانت صدمة للمسيحيين والمسلمين.
نور: صحيح.
نظير: هناك تعليم…
نور: جاءت بالمعارف الغربية الأولى للمنطقة.
نظير: هذه صدمة للطرفين. لأن صاحب المدرسة الكاثوليكي سيبشر بالاعتقاد الكاثوليكي في لبنان أو في سوريا.
نور: الجامعة الأمريكية مثال، لها تاريخ.
نظير: الجامعة الأمريكية بروتستانتية. ستبشر بالبروتستانتية الأمريكية والبروتستانتية الأنجليكانية. فهذا خطر على المجتمع المسيحي الأرثوذكسي مثلًا.
نور: وخطر على الجميع كشكل من أشكال التمييز. سياسات تمييزية ربما.
نظير: لا أعرف عن سياسات تمييزية. ولكن بالنسبة لهم هذا مشروع تبشيري. بالنسبة للمسيحيين هذا مشروع تبشيري. بالنسبة للمسلمين هذا مشروع تبشيري. بالنسبة للدولة العثمانية هذا مشروع تبشيري. والتبشيري يعني أشياء مختلفة. التبشيري بالنسبة للمسيحيين هو نقله من الأرثوذكسية مثلًا إلى الكاثوليكية ومن الأرثوذكسية إلى البروتستانتية. بالنسبة للمسلمين نقل من التعليم الديني إلى التعليم العلماني، أو تعليم البنات مثلًا. بالنسبة للإمبراطورية العثمانية هو نقله من تعليم اللغة التركية أو تعليم اللغة العربية أو تعليم الإسلام إلى تعليم اللغة العربية، إلى تعليم اللغة الفرنسية، إلى تعليم اللغة الإنجليزية. وكانوا يخشون لأن تعليم الدين… كل هذه المدارس التبشيرية كانت تبتدئ بصلوات. مثل أي مدرسة تبشيرية في الوقت الحالي تبتدئ بصلوات. فكانت هناك ردود أفعال.
نظير: إذا عدنا إلى المشروع النهضوي الذي يمكن أن نسميه مسيحيًا مع التحفظ على إلى أي نمط من المسيحية ينتمي. لا أعرف بالضبط، ولكن أعرف أنهم ينتمون إلى عدة كنائس مختلفة. وحتى يمكن أن يغير كنيسته، كثير منهم بدأوا بطرف وانتهوا بالطرف الإنجيلي مثلًا، أو بالطرف البروتستانتي الأمريكي.
نور: ماذا يعني ذلك على أرض الواقع؟
نظير: يعني ذلك على أرض الواقع: تفسير جديد للإنجيل.
نور: على أرض الواقع كمشروع نهضة بهذه المنطقة؟
نظير: نعم كمشروع نهضة.
نور: ماذا يعني ذلك كعلم جديد يأتي به؟ ما نوع هذا العلم؟ هل له تأثيرات سلبية وإيجابية، تقدمية أو رجعية؟ طائفية أو غير ذلك؟ كيف نقرأه على الواقع؟ نحن حسنًا، تبشيريات، لكن ماذا يعني ذلك؟ على الانقسامات المجتمعية التي تصير من تحت، داخل أبناء المجتمع؟
نظير: التعليم الأساسي كان هو تحفيظ القرآن. بالنسبة للمسلمين العرب، وبالنسبة للمسيحيين لا أعرف. أعتقد أنه نوع من دراسة الدين. المدارس التبشيرية بمواد أخرى، جاءت بالجغرافيا، جاءت بالتاريخ، جاءت بعلوم اجتماعية، جاءت بالرياضيات، رياضيات متقدمة، جاءت بالفيزياء، جاءت بعلوم الطب. كل هذه علوم لها تأثير على نظرة الإنسان لنفسه، لها تأثير على نظرة الإنسان لمجتمعه، لها تأثير على نظرة الإنسان للدولة التي يعيش تحتها، لها تأثير على نظرة الإنسان للأدوات التي يستخدمها. ما هو الإنسان الجيد والإنسان السيئ؟ ما هو الإنسان الصالح والإنسان غير الصالح؟ ما هو المواطن؟ ما هي حقوق المواطنة؟
هل اخترع المستشرقون صورتنا عن “الجوهر الإسلامي”؟
نور: لا، الاتهام الشائع هنا يقال إنها جاءت بالعلوم الاستشراقية أيضًا، وأنها جاءت يعني بالدراسات الاستشراقية أقصد، يعني جاءت العقلية الاستشراقية أنا أقصد. هذا ما يقال يعني، أنه هناك… كيف تنظر لهذا الموضوع؟
نظير: العقلية الاستشراقية، قيل كثير عن المستشرقين، لا أحب حتى الدخول في موضوع المستشرقين، لكن، المستشرقون…
نور: مجرد رأي، يعني طبعًا هل هذا صحيح؟ دقيق؟
نظير: صحيح، دقيق، صحيح ودقيق. المستشرقون تحولوا إلى “بعبع” تحت سلطة السلطان عبد الحميد. السلطان عبد الحميد كان عنده ردة فعل قوية على هزيمته أمام الغرب، على الفروض التي فرضوها عليه بعد مؤتمر برلين 1876. حاول أن يتخلص منها لم يستطع، الاختراق الاقتصادي الهائل، الفروض السياسية، الفروض حتى الاجتماعية مثلًا منها المدارس التبشيرية. وجودها كان غير قادر على الرفض، لم يكن يقدر أن يرفض هذه المدارس. هؤلاء جاؤوا بأفكار المستشرقين، كما قلت أصبحوا “بعبع” سياسيًا. لنبتعد عن “البعبع” السياسي. ما هي الأفكار التي جلبوها إلى هذا المجتمع؟ هي أفكار عن نظرة المجتمع إلى ذاته، يعني من نحن؟ أو من أنتم ثم ستصبح من نحن؟
بالنسبة لهؤلاء جاؤوا من منطلقات مختلفة وبمشاريع مختلفة. مثلًا يمكن أن أذكر الصحوات الدينية في إنجلترا وأمريكا في بدايات القرن التاسع عشر وأثرها على تكوين المستشرقين وأثرها على المدارس التبشيرية. فهم مثلًا جاؤوا بحماسة دينية تبشيرية، وهذا أدى إلى فهم معين للناس في الشرق الأوسط، باعتقادي كان يقوم على عنصرين أساسيين: العروبة وكانت مرتبطة بالبداوة، والإسلام أو الدين بشكل عام، لا يمكن تفسير المجتمع بالنسبة لهم إلا عبر الدين.
نور: قرأت لك في مكان ما أنك تقول إنهم جاؤوا أيضًا بمفهوم الحضارة الإسلامية، ما أثّر فيما بعد بأثر رجعي، أنك تقرأ الحضارة الإسلامية وكأن هناك صراعًا وصدامًا حضاريًا سابقًا لأنهم جاؤوا فيما بعد بمفهوم الحضارة. لا أعرف إن كنت أعدت الكلام بشكل صحيح؟
نظير: نعم، هم جاؤوا من منطلق أن الدنيا مقسمة إلى حضارات. هذا فهمهم للصعود الأوروبي، هذا فهمهم للانطلاقة الأوروبية، للنهضة الأوروبية، أيضًا هم أحسوا أنهم كانوا نائمين واستفاقوا. هذه الاستفاقة تؤدي… معناها أن الإنسان لا يستفيق فقط، الإنسان يصبح مؤثرًا، يصبح فاعلًا، ويصبح كولونياليًا.
هذه الإمبراطورية الجديدة بالنسبة لهم كانت إمبراطورية أوروبية تعبر عن حضارة أعلى تجاه حضارات أدنى. فكان هناك إحساس أن كل العالم مكون من حضارات. أنا أذهب كأوروبي إلى الهند، سأتعامل مع الحضارة الهندية. أنا أذهب إلى الصين، سأتعامل مع الحضارة الصينية. فلذلك يجب دراسة هذه الحضارات، وكل حضارة بالنسبة لهم، كما فهموا هم أنفسهم، لها جوهر يحركها. الجوهر في البلدان الإسلامية هو الإسلام، والعروبة، إذا كانت عربية، فهي الإسلام والعروبة. الإسلام والعروبة هي البداوة، هناك المدينة الشرقية ولكن البداوة عنصر هام جدًا والإسلام.
أنت تحدثتِ عن مفهوم الحضارة الإسلامية، فهم عندما أتوا وبدأوا يدرّسون التاريخ العربي، درّسوه من منطلق أن هناك حضارة سموها الحضارة الإسلامية، التي تبدأ مع مجيء الإسلام. طبعًا كلنا نعرف أن هناك تغييرًا هائلًا وقطيعة مع مجيء الإسلام. باعتقادي لم نكن نسميها حضارة إسلامية، يمكن أن نسميها خلافة، يمكن أن نسميها دولة الخلافة، يمكن أن نسميها دولة الأمويين أو العباسيين. ولكن لا أعرف إلا كتابًا واحدًا اسمه “المنتظم في تاريخ الإسلام”، وتاريخ الإسلام هو الممالك الإسلامية، وتقريبًا هي الخلافة. فلم يكن هناك إحساس أنه من الصين إلى المحيط الأطلسي هذه حضارة واحدة. هذه الفكرة أن حضارة واحدة على امتداد كتلة قارية هائلة اسمها الحضارة الإسلامية، لكن بالنسبة للغرب هذا يعطيهم الجوهر الذي عن طريقه سيتعاملون مع هؤلاء البشر.
لماذا نبحث عن “لحظتنا الذهبية” في كتب المستشرقين؟
نور: كيف ينعكس هذا الأمر على قراءتنا لأنفسنا بتلك المرحلة، أن تقرأ أنك كنت حضارة وسقطت وانهارت، أو أن تقرأ كما ذكرت قبل قليل أن أصلك بدوي، ونسب الإسلام إلى البداوة. هل هذا صحيح؟ أنا أعرف أنه ليس دقيقًا لأنه معروف أن مكة والمدينة كانتا مدينتين تجاريتين وهناك ترحال من اليمن والشام. فماذا يعني نسب البداوة إلى الإسلام هنا؟ أو ماذا يعني نسب سقوط حضارة لنا بأثر رجعي؟ أحاول أن أفهم، أنا من خلال كلامك.
نظير: فهمتك.
نور: أنا أحاول أن أفهم معك ومن خلالك.
نظير: تمامًا، تمامًا.
نور: من أين جاءت هذه الصدامات الهوياتية؟ لا بد أنه كانت هناك لحظات، وإحداها اللحظة النهضوية التي بدأت، هناك قراءات ربما غير دقيقة، سرديات غير دقيقة لقراءة الذات.
نظير: صحيح، صحيح، صحيح. عندما يتشرب الطالب مفهوم الحضارة الإسلامية ويعتبر نفسه جزءًا من الحضارة الإسلامية، فهو سيخاطب الغرب من المنطلق الذي وضعه فيه الغرب: أنت تمثل الحضارة الإسلامية، أنا أمثل الحضارة الغربية المسيحية أو أي صفة. فمعناها أنت في خطابك أو في خطابِكِ ستتقمصين الدور. فبالنسبة للإنسان العربي أو حتى المسيحي الذي تقمّص دور الحضارة الإسلامية، هل بحث عن العصر الذهبي؟ لا لا، المستشرقون قالوا له إن هناك عصرًا ذهبيًا، لأن جوهر الحضارة بالنسبة لهم، الحضارة تؤدي إلى القومية، هذا أساسي. جوهر الحضارة الذي سيؤدي إلى القومية، الجوهر الروح هو الإسلام. فمعناها يجب أن تبحثي عن عصر ذهبي حيث تتبلور، تظهر الروح، تتجسد. فاللحظة الذهبية هي لحظة التبلور بالنسبة لهم الإمبراطورية الرومانية ثم المسيحية، بالنسبة لنا كما قالوا لنا، هي الإسلام، الفتوحات العربية والإسلام.
نور: هنا بدأ الصدام الحضاري المتوهم أو المتخيل في بعد منه؟
نظير: نعم.
نور: في بعد منها أقول، على مستوى المصطلحات تقصد؟
نظير: أنا عندي سلطة ثقافية، أنا المدرس الخاص بك، أنا المستشرق، أنا المدرس، أنا أعرف أكثر منكِ، أنا هزمتكِ، أنا جئت بعلماء مع نابليون، أنا درستكِ، أنا عملت “الإنسايكلوبيديا” التي تشرح ثقافتك، أنا أعرف. فأنا أعطيك، أنا أعلمك، والآخر يتقمص الدور، يتقمص دور الأدنى: أنا طالب، أنا أتعلم، أنا مريد. وهذه مهمة، المريد عندما يرفض المريد أن يكون مريدًا يتحول إلى صدام حضاري. أنا المريد، فأنا سأتقمص الدور، أنا سأتقمص دور اللحظة الذهبية، أنا سأتقمص دور التبلور، وسأبحث عن لحظات هذا التبلور. سأدرس الأمويين لأنهم مثلًا قالوا لي: الأمويون هم لحظة مهمة، سأدرس العباسيين قالوا لي: إن العباسيين لحظة مهمة. سأسترجع، ليست ذكريات، سأسترجع الكتب، نعود إلى الكتب، سأسترجع الكتب. هذه الكتب لم تكن موجودة، الأشخاص الذين حققوها وسحبوها من تراب التاريخ، من غبار التاريخ، هم المستشرقون.
المستشرقون قالوا لنا: هناك “تاريخ الطبري”، ادرسوا “تاريخ الطبري”، فنحن درسنا “تاريخ الطبري” بالتحقيق الغربي. المهم، تكون عندنا تصور أن هناك اللحظة الذهبية.
هل تتصادم مشاريع النهضة لأنها مستوردة من سرديات متناقضة؟
نور: طبعًا هذه اللحظة، هناك لحظة ذهبية إسلامية، ولحظة فرعونية، ولحظة فينيقية، ولحظات كثيرة. وهنا نجد حين تتصادم فيما بعد المشاريع النهضوية بين لحظة إسلامية ولحظة فرعونية، وآخر يأتي من الغرب ويقول إنه هناك يجب أن نستعيد تلك اللحظة. أنا أحاول مرة أخرى من خلالك أن أفهم كيف هذه المشاريع النهضوية تصطدم، ولماذا لم تتحقق؟ ولماذا -كما يقول جورج طرابيشي- تحولت من النهضة إلى الردة؟ يعني أصبحت هناك ردة وربما نعيشها اليوم. لا أعرف ما رأيك؟
نظير: في الحقيقة حتى الغرب لم يكن عنده سياسة واحدة في تصوير الشرق لذاته. هناك مستشرقون أصروا على التاريخ الفينيقي والتاريخ الروماني، هناك مستشرقون أصروا على التاريخ الإسلامي، هناك مستشرقون كانوا إسلاميين أكثر من المسلمين، قيصر أكثر من القياصرة. هناك أشخاص ركزوا على التاريخ الفرعوني، هناك أشخاص ركزوا على أقليات دينية معينة كتمثيل لهذه الحضارة، أو اعتقدوا أن هناك روحًا خابية يجب إيقاظها، هي مثلًا الروح الفينيقية أو الروح الفرعونية.
فحتى المشاريع الغربية هي مشاريع متضاربة، حتى في المكاتب الإمبريالية، مكتب المستعمرات في أي بلد عنده مشاريع مختلفة، ليس مشروعًا واحدًا. فهذه تأتي إلى الواقع، وهناك أساتذة وهناك مريدون، ويصير مثل حلقات في الجامع، الأستاذ والمريدون، كل واحد ينشر فكرته. فبعض هذه الأفكار تتناغم مع أفكار موجودة على أرض الواقع. مثلًا فكرة العروبة والبداوة تجاوبت وتناغمت مع فكرة موجودة في الأصل وتعود إلى العصر العباسي، أن الإسلام هو دين انطلق من رحم البداوة.
نور: هذه فكرة عباسية تقول؟
نظير: أنا أعتقد أنها فكرة عباسية.
نور: وتلاقت معها.
نظير: تلاقت مع التصور الاستشراقي أنه إذا أردنا أن نفهم الإسلام، بدايات الإسلام، يجب أن نفهم القبائل.
نور: ما خطورة هذه القراءة؟ إذا كانت هناك خطورة؟
نظير: لا، خطورة؟ لا أعرف عن خطورة، قد تؤدي إلى التضارب.
نور: طيب، هل هذا الكلام صحيح؟
نظير: صحيح أو غير صحيح…
نور: طيب، هل نختزل؟ هل فعلًا حين خرج الإسلام خرج من البداوة؟ أم كان هناك حضر، وكانت هناك…؟
نظير: لا أعتقد أن الإسلام خرج من البداوة. لغة القرآن مختلفة عن لغة الشعر الجاهلي الذي يزعمون أنه شعر البداوة. أنا أعتقد أنها مختلفة. أنت تقرئين القرآن تفهمين إلا بعض المفردات، تفهمين 90% إلا بعض المفردات. إنما تقرئين الشعر الجاهلي تفهمين 30% حتى 20%. فهل يعني أن القرآن هو فقط الفضاء الديني الذي أدى إلى لغة أسهل؟ أم هناك اختلاف؟ أنا أعتقد أن هناك اختلافًا. فضاء القرآن هو فضاء المدينة، فضاء عصر الشعر الجاهلي -الذي يسمونه الجاهلي- هو فضاء البداوة. المدينة مختلفة عن البداوة. معناها العروبة أو العرب لم يأتوا فقط من البداوة ولم يأتوا من القبائل البدوية، أتوا من مدن. كان هناك ممثلون بطاركة عرب يمثلون المقاطعات العربية، الكنائس العربية في المجامع الكونية المسيحية.
هل كانت مدننا قبل الإسلام مسيحية أم خليطًا ثقافيًا معقدًا؟
نور: هناك رؤية شائعة طبعًا تتلاقى مع ما قلته الآن أنها مسيحية أكثر منها إسلامية. هل هذا صحيح أم…؟
نظير: هي المسيحية.
نور: أن المدينة التي تتحدث عنها كانت أكثر مسيحية. هل هذا صحيح؟ هل هذا دقيق؟
نظير: لا أعتقد أنه دقيق.
نور: لماذا؟
نظير: لعدة أسباب. الناس تعتقد، قد يكون هذا صحيحًا بالنسبة إلى نسب معينة من السكان، أن المسيحية كانت منتشرة في الشرق. كل الدراسات التي قرأتها تشير إلى أن نسبة معتنقي المسيحية في الإمبراطورية الرومانية في بدايات العصر ما بعد المسيح حوالي 5%، لا شيء. إذن متى انتشرت المسيحية؟ باعتقادي انتشرت المسيحية في القرن الرابع.
نور: أنت تقصد في القرن الرابع (الميلادي) بسبب دخول…؟
نظير: بسبب دخول قسطنطين في الدين.
نور: في الدين المسيحي.
نظير: ولا نعرف أنه دخل، حتى الكتابات التاريخية تقول إنه لم يتعمد إلا قبل موته بقليل.
نور: وبالتالي المرحلة، كم عمرها؟ كم سنة مضت بين هذه اللحظة واللحظة الإسلامية؟
نظير: أنا أعتقد أن التبشير المسيحي أدى إلى تحول الكتلة الكبرى من السكان في الإمبراطورية البيزنطية إلى المسيحية في أواخر القرن الرابع (الميلادي)، يعني إذا الإسلام جاء في 630م، فكان تاريخ المسيحية في المنطقة 200 سنة. هل هذا يكفي؟ لا أعرف. ولكن أنا أعرف أن خلال هذه المائتي سنة كان هناك وثنيون كثر في الإمبراطورية الرومانية، في سوريا، في مصر، في فلسطين، في أناطوليا، في الدول في المناطق الأوروبية، كان لا يزال هناك وثنيون، وثنيون بين العرب، نحن نتصور مكة كمركز للوثنية، قد تكون مركز للوثنية. لكنها أيضًا كانت مراكز مسيحية ومراكز… هناك مراكز وثنية مثقفة، هناك مراكز وثنية، الجميع ينسى تدمر، فهي خليط.
نور: هي خليط.
نظير: هي خليط من المسيحية، هي خليط من المسيحية العربية، والمسيحية غير العربية، ولا نعرف بالضبط ما هي المسيحية العربية؟ هل هي مسيحية المونوفيسيتية، الطبيعة الواحدة؟ هل هي مسيحية إكليكية؟ هناك المسيحية السوريانية، هناك المسيحية الأخداقية، هناك المسيحية المقدسية، هناك المسيحية…
هناك حتى عروبات مختلفة، المدن السورية التي دخلها الفاتحون كان في كل واحدة منها حي عربي، الناس لم يعتقدوا أنه جاء البدو وهؤلاء يتكلمون العربية وأنا سأقفل الباب لأني لا أحب البدو. كانوا يعرفون من هم، كانوا يعرفونهم بالقبائل. سكان دمشق لم يكونوا يسمونهم بالعرب كانوا يسمونهم بالطيئين من قبيلة الطيئ. كان يعرفون القبيلة. إذا انتبهنا فقط للإسلام إذا انتبهنا فقط للعروبة، نحن نهمل العناصر…
نور: الجوانب الأخرى.
نظير: الجوانب الأخرى. هناك يمكن أن نسميها المدينة الشرقية، يمكن أن نسميها الأعيان يمكن أن نسميها تحالف الأعيان المسيحية مع الأعيان المسلمين، هناك تحالف يهودي كذلك، هناك تحالفات بيروت-دمشق أو تضاد بين زحلة ودمشق، هناك تحالف حمص-طرابلس، هناك تحالف اللاذقية-حلب.
نور: هذا ولم نتحدث عن الاستعمار الحديث. لم نتحدث عنه إطلاقًا.
نظير: لم نتحدث عن أي جانب من الجوانب المحلية. لم نتحدث عن الصدمة الهائلة للاقتصاد المحلي بسبب عدم قدرة السلطان عبد الحميد. عدم قدرة الإمبراطورية العثمانية على صد الهجوم الاقتصادي. كانوا غير قادرين، ينهزمون في الحروب، ثم يدخلون في معاهدات، هذه المعاهدات تفرض عليهم الاختراق الاقتصادي الكامل.
نور: أنت تقصد أن هناك ضغوطات وعوامل قيدت كثيرًا من المشاريع ولم تنجحها كما يجب مثلًا أم كانت قيودًا موجودة؟
نظير: من صاحب الخطاب الأكثر شهرة مثلًا؟ جمال الدين الأفغاني. جمال الدين الأفغاني هو من نخبة الإمبراطورية العثمانية المؤيدة للسلطان عبد الحميد، هو يتبنى خطاب السلطان عبد الحميد. السلطان عبد الحميد حتى يجابه التدخل الغربي قال بأنه خليفة المسلمين، الإسلامية الجامعة. فمعناها كل المسلمين يجب أن يصطفوا خلف الخليفة، بحيث عندما يقول لهم الخليفة العثماني: ثوروا في الهند، يثورون. كان هذا مصدر قلق للبريطانيين. عندما يقول لهم حاربوا في الجهاد تجاه الأوروبيين، سيحاربون. طبعًا لم يحصل أي من هذا. هو دعا إلى الجهاد عدة مرات ولم يحصل أي من هذا.
بعد أن انقلبوا عليه، العلمانيون الذين انقلبوا عليه في الحرب العالمية الأولى هم دعوا إلى الجهاد ولم ينجح. فمعناها جمال الدين الأفغاني تبنى مشروع عبد الحميد، مشروع عبد الحميد هو مشروع إسلامي.
هل تصلح “عصبية” ابن خلدون لتفسير دولنا الحديثة؟
نور: أريد أن أسألك سؤالًا مباشرًا وبسيطًا. هل تصلح فكرة العصبية؟ كما كتب عنها ابن خلدون. للحديث عن عصبيات نجدها اليوم في مجتمعاتنا؟
نظير: سؤال جيد. طبعًا ابن خلدون في كل مكان. وكلما مررنا بحرب أهلية أو بتطييف من الطائفة أو بتحويل القبائل إلى سياسة، نتحدث عن العصبية. هل تحدث ابن خلدون عن العصبية التي نراها الآن؟ أنا أعتقد لا. قد يعارضني آخرون. أنا أعتقد لا. أعتقد أن العصبيات التي نراها اليوم خاصة جدًا، خاصة بتجربة الدولة الحديثة. أنا تكلمت عن الدولة الحديثة، ذكرت أننا في وسط يدفعنا لاتجاه التجربة، تأقلمنا، أنتجنا نمطًا معينًا من الدولة، هذا النمط يعتمد على العصبيات. في بعض الدول يعتمد على العصبيات. هذه العصبيات مرتبطة بالسياسة. ليست دائمًا عصبيات قبلية. قد تكون عصبية طائفية، قد تكون عصبيات قبلية، قد تكون حتى عصبيات حزبية، لكنها حزبية لا تتغير. هي حزبية مثل القبلية، لا تتغير. ابن خلدون يعتقد أن التعاضد والتكافل والإحساس الجماعي بالمبدأ والخطر والمصير يؤدي إلى نوع من التعاضد في القتال وتطوير القوة القتالية، هذا ممكن، لكن أنا الذي أجده مثلًا ان في الدول القديمة، في العصور الوسطى، الدول دائمًا تريد أن تبتعد عن جيش القبائل. لا توجد دولة في تاريخنا… هناك الدولة الأموية، هذه الدولة الوحيدة التي كان فيها جيش القبائل وانتهت بنتيجة مأساوية. الدولة العباسية مثلًا تحدثت عن العروبة، تحدثت عن الأصل العربي، لكنها تفادت بكل الوسائل جيش القبائل لأنه لا ينجح.
فمعناها هناك تجارب. هل هذه التجارب مشابهة للتجارب الحديثة؟ قلت إن العصبية ضرورية للدولة الحديثة، لا تؤدي إلى ضعف، إلى تجدد القوة القتالية أو زيادة القوة القتالية، ولكن تؤدي إلى التماسك، تماسك القوة القتالية هي التي تحتاجها الدولة الحديثة بالطريقة التي نشأت عندنا، فهي ليست نوعًا من القوة القتالية، وإنما نوع من الولاء ونوع من التماسك ونوع من القدرة على توزيع الأشخاص؛ لأنه إذا الحاكم مثلًا اختار أن يكون حاكمًا، أن يكون شبه ملك، وأن يضمن ولاء الجنود، فهو يريد أن يوزعهم على كافة نواحي الدولة. لا يستطيع أن يوزعهم على كافة نواحي الدولة، هو يوزع واحدًا في كل إدارة، فيحتاج أن يكون عندهم تشابك هائل في المصالح بحيث إنه يضمن الولاء. أي شخص يضعه في أي إدارة، فهو ليس عصبية قتالية كما عند ابن خلدون، إنها عصبية الولاء التي تضمن السيطرة على الجهاز البيروقراطي بقدر ما تضمن السيطرة على جزء من الجيش، ليس كل الجيش، جزء من الجيش. الحرب إلى النهاية ولاءً للقائد، لا يكون في كل أنحاء الجيش، يكون في جزء معين من الجيش.
ما الفرق بين “عصبية الحزب” في الغرب و”عصبية القبيلة”؟
نور: طيب دكتور، إذا أردنا أن نحكي قليلًا عن أشكال العصبية الموجودة لدى الغرب، لا الموجودة في المجتمعات، لا شك أن هناك عصبيات لكن هي أيضًا من نوع مختلف. كيف يمكن أن نقرأها اليوم؟ نرى ظواهر جديدة في المجتمعات الغربية، شعبوية، حتى يسمونها أحياناً قبلية تجاوزًا. كيف تقرأها؟ كيف الاختلافات؟ وإلى أي مدى يمكن هذه القراءة تساعدنا في فهم العصبيات لدينا؟ هل هناك علاقة ربما؟
نظير: هناك علاقة، أنا أعتقد أنه شيء طبيعي أن الناس توزع المصالح على الأقربين، الأقربين مصلحيًا، الأقربين عقائديًا، والأقربين من جهة النسب. هذا يضمن التماسك، هذا يضمن الولاء. الأحزاب هي عصبيات. الأحزاب في الغرب هي عصبيات، ولكن هي عصبيات مرنة، يعني أنا ممكن أن أنتسب إلى الحزب ولا يمكن أن أنتسب إلى القبيلة، أنا يمكن أن أترك الحزب ولا يمكن أن أترك الطائفة. فمعناها هناك عصبيات غير مرنة تفرض عليّ الانتماء، يجب أن أولد ضمنها ولا أستطيع أن أتركها، وهناك عصبيات مصلحية مؤقتة أستطيع أن أدخل وأخرج منها عندما أريد. فمعناها الفرق بين عصبية الحزب وعصبية القبيلة هي القدرة على الانتقال من الداخل إلى الخارج، عدم وجود تمرير للأجيال. يعني أنا في الحزب لا أمررها لابني، ولكن في القبيلة أمرر الامتيازات لابني. وهناك شيء آخر أساسي هو تكافؤ الفرص، في الحزب أستطيع أن أوزّع على كل أفراد الحزب، وحتى على أفراد من أحزاب أخرى؛ لأنني لا أحتاج أن يكونوا موالين لي، عندي بيروقراطية هائلة، هذا مرتبط بشيء آخر بالتطهير. إذا أردت أن أسيطر على كل نواحي الدولة فيجب أن أطهرها من الأعداء ومن المخالفين. في المنظومة التي تعتمد على الأحزاب لا أستطيع أن أطهرها، ولا أريد أن أطهرها؛ لأن هناك ثقة في التداول في السلطة.
فمعناها إذا اعتمدت على العصبية القبلية عندي أعداد قليلة، يجب أن أطهّر، أن أعطيهم كل الامتيازات، هذه الامتيازات تقتل تكافؤ الفرص عند الآخرين، وتمنع عنهم، تحجب عنهم الفرص تمامًا وتورثها. هناك مفهوم الأرستقراطية التي تورث الامتيازات، وهناك مفهوم الانتماء الذي لا تستطيع الخروج منه، وهناك مفهوم التطهير ومفهوم قتل تكافؤ الفرص.
فمعناها عصبياتنا مختلفة بعض الشيء عن العصبيات الغربية، ولكن نرى مثلًا في وسط مثل أمريكا، حيث الحزازات الاجتماعية تتقوّى ويصبح التصويت السياسي على نفس خط الانتماء الحزبي…
نور: تطابق.
نظير: كأنه تطابق كامل في مواضيع نعرف أن الديمقراطيين سيصوتون لها ومواضيع نعرف أن الجمهوريين سيصوتون لها. تستطيع أن تعرفي تصويت أي إنسان من انتمائه الحزبي، هذا يبدأ أن يكون قبيلة، حتى نجد في بعض العائلات رفض تزويج الفتاة أو الرجل لأنه ينتمي إلى حزب مخالف للعائلة.
نور: هنا نرى ارتدادًا إلى القبيلة بالمعنى كأنه الحقيقي.
نظير: وحتى نجد أشياء من التطهير.
نور: ما سبب ذلك على المستوى السياسي وربما الاقتصادي؟ لأن الواقع في أمريكا معقد لا يختزل في مشكلات أحزاب وحسب.
نظير: كما قلنا، الديمقراطية تقوم على التفاوض، بالنسبة لي تقوم على التفاوض. عندما ينتهي التفاوض في أي منظومة هناك مرحلة ينتهي التفاوض. أنا عندما أحس أنه لو أنتِ استلمتِ الحكم سيكون هذا خطرًا، ليس فترة انتقالية، لا لا لا، وأستعيد بعدها، لا لا لا، أنت ستكون خطرًا عليّ، فمعناها وأنا أنظر إلى الدولة كشيء لا يمكن التلاعب به، لا يمكن أن أسلمك لأنك خطر علي، معناها يجب أن أمنع عنك الدولة، معناها يجب أن أضعها في حزبي. هذا يمكن أن يكون إحساسًا من النخبة، هذا يمكن أن يكون إحساسًا يعطيه مثلًا زعيم شعبوي، يمكن أن يكون حتى اقتصاديًا، مثلًا أنا عندي قطاعات اقتصادية متصارعة، مثلًا إذا أخذنا القطاع الرقمي وقطاع البترول، صراع هائل. فإذا أحد القطاعات أقنع النخبة الحاكمة أنه يجب أن تنقلب كاملًا إلى قطاعه، وتعتمد عليه فيجب أن تطهر السياسة من القطاع الآخر. فهي مرحلة انعدام الثقة، أنا أعتقد مرحلة انعدام الثقة.
هل غياب الأحزاب يجعل الارتداد للقبيلة ضرورة لا خيارًا؟
نور: إذا أردنا أن نرجع قليلًا لمجتمعاتنا، غياب الأحزاب ألا يجعل ذلك الارتداد إلى القبيلة أسهل؟ بمعنى الأحزاب تعوّض وتخفّف من العصبيات الأكثر بدائية، يعني لما أنت تنتمي إلى دين معين أو طائفة معينة أو مجتمع معين لكنك أحيانًا تنتمي إلى حزب، هذا يخفف من ما قبل ذلك من الأديان والطوائف وما إلى ذلك. فهل تعتقد مثلًا أن الوصفة قد تكون هي فعلًا الدخول في فكرة الدولة للتخفيف من المشكلات الكثيرة التي نسميها أحيانًا إثنية وطائفية وعصبية ووو وما إلى ذلك؟
نظير: الدولة الحديثة؟ دولة التفاوض؟
نور: نعم.
نظير: نعم.
نور: التي تؤدي إلى الأحزاب، التي تؤدي إلى تصعيد الخلافات إلى الشكل الحزبي.
نظير: الأحزاب تعبر على الأطراف المتفاوضة. الأحزاب عبارة عن مهارات نائمة، أنا أنتخبها لتكون ممثلة عني، الطرف الآخر ينتخبها، تصبح مفعلة، تتفاوض. فمعناها الأحزاب هي بداية التفاوض. عندما لا يكون هناك تفاوض يصبح الارتداد للقبيلة ضروريًا، ليس… أنا شاهدت مثلًا أثناء الحرب الأهلية السورية، عندما تتكلمين مع قرية في بلد ليس فيه أحزاب، الصوت السياسي الأوضح هو صوت القبيلة.
نور: صحيح.
نظير: أنا كنت أفضل مثلًا، أنا اشتغلت في المجالس المحلية التي كانت في مناطق سيطرة المعارضة، وعبارة عن تقديم خدمات محلية، نريد أن الشعب يدرس الحاجات ويعطيني رأيًا واحدًا. القبيلة كانت أفضل الحالات، هي عنصر سياسي، هي حزب قديم جدًا، فكانت القبيلة مباشرة تظهر على السطح. فمعناها نعم، عدم وجود أحزاب، عدم وجود تفاوض يجعل الارتداد للقبيلة ليس فقط خيارًا بل ضرورة، لأن القبيلة منظمة.
نور: تحمي وتنظم الحياة.
نظير: تحمي وتنظم، نعم.
هل ثقافتنا “قدر محتوم” أم خيارات نتفاوض عليها؟
نور: معناها دكتور أنت لست ممن يقولون بأن الارتداد هو ثقافي ومن البنية الثقافية في هذا المجتمع؛ لأن هناك آراءً وتزداد حقيقة، هناك كتابات كثيرة تقول إن هناك بنىً ثقافية، ويقصدون بذلك بنىً عقلية وربما نفسية، أيًا كانت أسباب هذه البنى، لكنها أصبحت متحجرة وتجعل الأشخاص في مجتمعاتنا يرتدون باستمرار إلى الجماعة الأولى، جماعة الدين، جماعة الطائفة، الإثنية، القومية، لا أعرف هناك الكثير. هل توافق على هذا الرأي أنه اليوم أصبحت لدينا المشكلة ثقافية؟
نظير: لا أحتاج أن أرد كل شيء إلى السياق، لا أستطيع أن أقول إن الثقافة هي الأساس، الثقافة هي عنصر…
نور: في هذه المرحلة.
نظير: في هذه المرحلة. طيب، معناها مدى قصير؟
نور: نعم.
نظير: على المدى القصير، الثقافة تفعل فعلها، الثقافة تعطيك الخيارات المتاحة، هي الخيارات المفكر بها، شيء خارج الثقافة غير مفكر به. نعم في هذه الفترة القصيرة، في جو من الحرب نعم الثقافة تؤثر، ولكن هل أستطيع أن أخرج منها؟ نعم أستطيع، ليست قدرًا. أنا أعتقد أن الثقافة هي عملية تفاوض أيضًا. الهوية، الثقافة، المطالب، التراث، هي عملية تفاوض، فلسنا محكومين أبديًا بثقافة واحدة تعني التزامًا سياسيًا واحدًا، تعني فاعلين سياسيين بشكل واحد، هي دائمًا متغيرة.
في حال وجود خيارات، أنا أعتقد أنه مثلًا في حالة وجود خيارات اقتصادية، في حالة وجود خيارات تعليمية، كثيرون سيفضلون الحزب على القبيلة، فمعنى هل أنا بحاجة لتغيير الثقافة؟ هذه المشكلة أصعب. أنا أعتقد أن أي مجتمع يحتوي على كل الثقافات القديمة والراهنة، فمعناها نحن تخلصنا من ثقافة الصيد، هل لا تزال موجودة في المجتمعات؟
نور: طبعًا.
نظير: موجودة في المجتمعات..
نور: بمستويات معينة.
نظير: هل تخلصنا من ثقافة القرية الزراعية؟ لا. هل تخلصنا من المدينة القائمة على الري؟ لا. هل تخلصنا من المدينة القروسطية التجارية؟ لا، هي موجودة، موجودة بأشكال مختلفة. أنت تقولين ارتدادًا، ممكن يصير بحالات معينة لما أنواع أخرى، مثلًا الثقافة المدينية، الكوزموبوليتانية التي تقوم على التفاوض والتداول، حينما تكون محجوبة وممنوعة، يتم الارتداد، صعودًا إلى أنماط ثقافية ليست قديمة لأنها موجودة، دائمًا موجودة.
نور: ستبقى موجودة دائمًا لكنها كامنة.
نظير: كامنة نعم. ولكن هذه الثقافات موجودة كامنة ولكن انظري أنها تحجمت، يعني ثقافة القرية الزراعية موجودة في القرية التي لا تزال تمارس الزراعة.
نور: صحيح، صحيح.
نظير: فإذا ظهرت في حالة الحرب أو ظهرت في حالة المنع هي لن تستطيع أن تقود مدينة، ولن تستطيع بعد نهاية الحرب وانفتاح المدينة وانفتاح التجارة أن تقود المدينة. فمعناها حتى لو تم ارتداد، مع تغير الوسط وتغير حالة الحرب تظهر هناك حاجة إلى عودة الثقافة التي اختفت.
هل ابتلع “الريف” المدينة العربية الحديثة؟
نور: ماذا لو حالت هي نفسها دون التحول نحو المدينة؟
نظير: ممكن، ممكن جدًا.
نور: هل هذا اليوم نمط شائع وموجود؟
نظير: في سوريا كان هناك تعبير في الثمانينات “ترييف المدينة”، أعتقد أنه له نوع من الارتباط بما تقولين أنه تم العودة إلى ثقافة القرية، وبالنسبة لي هي ثقافة العشيرة، الانتماء، وهي ثقافة اللباس أو الموسيقى مثلًا، ثقافة الانتماء، أولاد العم. ظهرت، دخلت الدولة، فرضت نفسها على المدينة ولم تخرج من الحكومة، البعض يقولون إنها خرجت في فترة معينة، عادت أثناء الحرب، قد تكون، ولكن ستكون في أزمة، هي غير قادرة على التأقلم مع الوسط الخارجي. الوسط الخارجي نفسه يتطور.
في القرن التاسع عشر تعرضنا لمطلب التحول نحو الدولة الحديثة، هذا المطلب أصبح ملحًا أكثر.
نور: صحيح.
نظير: فمعناها حتى لو سيطرت نوعية معينة من الثقافة وتمكنت من الحصول على الدولة وأصبح لها عطالة واستمرت، ستكون معارضتها للوسط وقدرتها على التأقلم…
نور: ضعيفة جدًا.
نظير: أنا مؤرخ لن أتوقع لعشرين سنة، سأتوقع لمئة سنة. لمئة سنة لن تستطيع، حتى في دولنا الحديثة تجدين أن هناك حركة سياسية أو اجتماعية حتى لو كانت حركة توريث كل عشرين سنة. لماذا كل عشرين سنة؟ لأن عدد السكان يتضاعف كل عشرين سنة.
نور: حركة لا يمكن إيقافها.
نظير: الشعب اختلف، عشرون سنة اختلف، فمعناها هذه الدولة إذا حافظت على نمط قديم ظهر إلى السطح ستتعرض لمشكلة، الأزمة خلال عشرين سنة ستتعرض إلى أزمة حقيقية.
نور: شكرًا دكتور نظير.
نظير: أهلًا وسهلًا.
نور: نأمل أن نكون قد قدمنا في هذه الحلقة ما هو جديد ومفيد لكم. أتمنى أن تكونوا استمتعتم واستفدتم. نراكم في حلقة أخرى. إلى اللقاء.