Skip to content Skip to footer

نهاية الاستشراق | د. هاشم صالح

الاستشراق والتراث العربي الإسلامي

قال الدكتور هاشم صالح، المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، إن الاستشراق هو الذي سلَّط أضواء المنهج التاريخي على تراثنا العربي الإسلامي.. “نحن نمتلك أحد التراثات الدينية الكبرى للبشرية الذي هو الإسلام؛ التراث الإسلامي يعني لا يضع هذه من حيث الضخامة، إلا التراث المسيحي؛ مليارا شخص ونحن مليارا شخص.. شايف كيف؟ فتراثنا عظيم وضخم؛ ولكنه ليس مخدوماً من قِبل هذه الدراسات التاريخية والعلمية والفلسفية، على عكس التراث المسيحي في الغرب..”.

شكراً للاستشراق.. لماذا؟

وأضاف الدكتور هاشم صالح، المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “نحن ماذا فعل الاستشراق؟ الاستشراق طبَّق المنهج التاريخي أولاً على تراثه الديني المسيحي، قبل أن يطبقه على تراثنا الإسلامي؛ وبالتالي كيف يمكن لي أن أشكره؟ أن أرحب به؟ دون أدنى شك؛ لو عندي وقت كافٍ أؤلف كتاباً ألفَ صفحة بعنوان (شكراً للاستشراق)؛ لأنه أضاء لنا تراثنا العربي الإسلامي بشكل غير مسبوق.. مثلاً خذ الموسوعة الإسلامية بالنسخة الأولى، والنسخة الثانية كنز من المعلومات، من الإضاءات عن كل تراث الإسلام. الموسوعة الإسلامية أعتقد أنها تُرجمت إلى العربية، وهناك الموسوعة القرآنية أيضاً، وهناك أيضاً كتاب (تاريخ القرآن)  لثيودور نولدكه، المستشرق الألماني الكبير، الذي صدر عام 1860 في القرن التاسع عشر، والذي يعتبر ثورة في الدراسات القرآنية؛ أضاء القرآن بطريقة مدهشة، وقد تُرجم إلى العربية منذ بضع سنوات من قِبل الدكتور جورج تامر، وطُبع طبعةً فاخرةً، وللأسف بعض الدول العربية صادرته.. شايف كيف، لماذا؟ لأنه نحن أي تراث ديني؛ التراث الديني هو تراث مقدس..”.

للتراث المقدس قراءتان 

وتابع الدكتور هاشم صالح: “التراث المقدس له قراءتان؛ القراءة الأولى تبجيلية عبادية، وهذه مشروعة؛ موجودة في الجوامع، موجودة في الجامعات التقليدية؛ مثل القرويين بفاس، الزيتونة بتونس، أو مثل الأزهر بالقاهرة، وكلية الشريعة بدمشق.. إلى آخره، هذه قراءة لتراثنا الإسلامي المقدس، تراثنا العظيم والكبير، مشروعه، ولكن ينقصنا القراءة الثانية التي هي قراءة تاريخية فيلولوجية يسمونها يعني لغوية.. تمحيص لغوي وتاريخي، وقراءة أيضاً اجتماعية وأنثروبولوجية وفلسفية عميقة؛ وهي التي عملها محمد أركون مثلاً.. محمد أركون هو الذي طبَّق المنهج العميق على التراث الإسلامي، وأضاءه بشكل غير مسبوق؛ ولكنَّ المستشرقين أيضاً الكبار الأكاديميين أساتذة الجامعات؛ مثل كارل بروكلمان، والذي حقق التراث على الطريقة الفيلولوجية، وتلميذه فؤاد سزكين، العالم التركي الكبير.. آلاف المخطوطات من تراثنا العربي الإسلامي الغني كان مخطوطاً؛ فهو يحققه على الطريقة الفيلولوجية التمحيصية الدقيقة، وينشره ويطبعه. هذا فضل كبير، وأخيراً قبل سنتَين أو ثلاث سنوات فقط صدر كتاب في باريس بعنوان (قرآن المؤرخين).. (قرآن المؤرخين) 3 آلاف صفحة، ضخم؛ أسهم فيه 30 باحثاً عالمياً، أضافوا إضاءات حول النص الأعظم للإسلام، ممتازة جداً، وهذا ينبغي أن يُترجم إلى العربية؛ ولكن هل نرى مَن يستطيع ترجمته؟ يحتاج إلى فريق عمل كبير، يحتاج إلى دعم مؤسسات.. وأتمنى لو يؤسس العرب في المشرق أو المغرب مركزاً كبيراً فقط لترجمة أُمهات الكتب الاستشراقية التي تضيء لنا تراثنا”.

وتحدث المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري، بشأن مقدمة كتابه “الاستشراق بين دعاته ومعارضيه” وأنه “لم يتردد في اتهام المستشرقين بالغطرسة والتعجرف؛ بسبب خطاباتهم الواثقة من علمها وحجتها، وترد هذه الوثوقية إلى عقدة استعلاء تلازم الغرب؛ يعني نحس كما لو أنه مرّ من موقف احتفالي احتفائي إلى موقف المخالف”، قائلاً: “لأ مش مخالف في الحقيقة هذا الكلام؛ هذا ما يقوله المثقفون الآخرون، مثل أنور عبد الملك، مثل إدوارد سعيد.. أنا نقلت عنهم هذا الكلام، نقلت وأنا لست متفقاً تماماً معه. أنا أعتقد أن العلماء الأكاديميين الكبار أساتذة جامعات؛ في ألمانيا، في فرنسا، في إنجلترا، في أمريكا.. هؤلاء الأساتذة الكبار يحترمون العلم والمعرفة الموضوعية، وأنا عرضت انتقادات لإدوارد سعيد. إدوارد سعيد الذي اشتهر بكتابه (الاستشراق) والذي اشتُهر أكثر، أشهر من النار على العلم، كان مأدلجاً أكثر من اللزوم، ومسيساً وظالماً للاستشراق الأكاديمي.. ممكن ينطبق على الاستشراق الصحفي أو السريع أو الاستشراق الكولونيالي. أما العلماء فكانوا يبحثون عن الحقيقة عندما يدرسون التراث الإسلامي، كان الفضول المعرفي، حب الحقيقة، حب البحث، حب الاستكشاف.. ولذلك لا يمكن أن نقول إن فيه تطابقاً بين المعرفة والسلطة اللي نقلها عن ميشال فوكو، واللي بتسرع، حتى فوكو زادها؛ لا توجد حقيقة موضوعية، فوكو لا يعترف بحقيقة موضوعية.. المعرفة ليست السلطة، المعرفة تلبي حاجة الفضول المعرفي في جوانح الإنسان، رغبة في استكشاف الحقيقة، في استكشاف موضوع ما..”.

إشكالية الربط بين المعرفة والسلطة

وأضاف د.هاشم صالح: “بالتالي كان العلماء المستشرقون الكبار يريدون أن يفهموا فعلاً القرآن الكريم؛ لكي يفهموا التوراة والإنجيل، لأنه حتى يفهموا دينهم مظبوط، مضطرون أنه يفهموا ديننا نحن دين الإسلام والقرآن، الإسلام.. وبالتالي الربط بين المعرفة والسلطة بشكل أوتوماتيكي خاطئ ومتسرع؛ هناك حاجة في جوانح الإنسان، رغبة في الاستكشاف، في معرفة موضوع من الموضوعات”.

الاستشراق كأيديولوجيا والاستشراق الرصين

وتابع المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “طبعاً هناك أيديولوجيا استشراقية بالماضي أيام الاستعمار في القرن التاسع عشر؛ كانت هناك نظرية عنصرية ترتب الأقوام من فوق لتحت، العرق الآري، العرق السامي، كانت الأنثروبولوجيا عنصرية، والآن لم تعد أنثروبولوجيا عنصرية.. مكسيم رودنسون لا يحكي عن الإسلام مثلما كان يحكي المستشرقون في القرن التاسع عشر، الذين يعتبرون أن الشعوب الإسلامية متدنية قياساً إلى الشعوب الآرية أو الشعوب الأوروبية؛ فبالتالي تغيَّر المنظور”.

استشراق آخر مختلف.. سقوط الأنثروبولوجيا العنصرية

واستكمل د.هاشم صالح: “نحن الآن مع استشراق آخر مختلف، الأنثروبولوجيا العنصرية سقطت، البيولوجيا العنصرية.. لا يوجد تفاوت بين الأعراق، يمكن العبقري يكون عربياً، يكون زنجياً أسود، يكون أمريكياً، يكون يهودياً، يكون مسيحياً.. انتهت النظرية، انتهت الأيديولوجيا العنصرية؛ ولكن حتى الكتابات في القرن التاسع عشر، بعض الرحالة، بعض المستشرقين من فرغ من العنصرية أو من النزعة الاستعمارية مستفيد من المعلومات، شايف كيف؟ يعني تلوثت بالأيديولوجيا العنصرية، نشيله على جنب، ومع ذلك فينا نستفيد من مؤلفاتهم، فيها معلومات عن مجتمعاتنا في تلك الفترة”.

بحوث روجيه أرنالديز وتصوُّر القرآن لشخصية يسوع المسيح

وأضاف المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “في القرن التاسع عشر جمعوا معلومات كثيرة؛ ولكن الآن نحن صرنا في القرن الحادي والعشرين، يعني صار عندك استشراق آخر، استشراق راجع مستلزماته العنصرية، وانتهيت.. الآن عندك مثلاً كتابات هائلة، يعني مثلاً عندك كتابات ذكرناها لرودنسون؛ مثل بلوت كاهن مثلاً درس التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى، دراسات رصينة جداً؛ هو أستاذ لأركون أصلاً. وعندك مثلاً أندريه ميكيل (الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي)؛ كتاب مهم.. وغير أندريه ميكيل فيه روجر أرنالديز؛ عمل بحوثاً كثيرة ممتازة حول مثلاً تصور القرآن الكريم لشخصية يسوع المسيح، والقرآن الكريم موجودة فيه سورة مريم؛ وهي المرأة الوحيدة التي كرَّس لها القرآن الكريم سورةً كاملة، سورة مريم.. فبيحبوا روجيه أرنالديز.. عمل دراسات ممتازة حول هذه العلاقة، بين الإسلام والمسيحية، مثلاً تاريخ الفكر العربي والإسلامي لدومينيك أورفوا على مدار عصور، كتاب ضخم أكثر من 500 صفحة”.

أركون والمنهجية الفيلولوجية الاستشراقية

وأجاب د.هاشم صالح عن سؤال “ولكن هذه الأسماء في غالبيتها أحس كما لو أنك أنت وصديقك وأستاذك ورفيقك الراحل محمد أركون، بقدر ما فعلاً اعتبرتما مجهودهم أساسياً ومهماً ورصيناً؛ ولكنكما في الآن ذاته شككتما في أهم ما يملكون؛ وهو المناهج التي اشتغلوا بها، أحس بأنه لديكما؛ لا أنت ولا أركون، موقف سلبي من الفيلولوجيا والبحث التاريخي النقدي، لماذا؟”، قائلاً: “أنا استغربت بعض المثقفين العرب في فهمهم موقف الأستاذ أركون غلط، أنا تلميذ الأستاذ أركون؛ لست على مستوى الأستاذ أركون، كان دائماً في درسه الشهير بالسوربون السيمنار، درسه الأسبوعي، كنا مجموعة من الطلاب العرب؛ من المشرق العربي، من المغرب العربي، مصريين، سوريين، مغاربة، توانسة.. إلى آخره، في درسه هذا العظيم الشهير، كان دائماً يقول لنا المنهجية الفيلولوجية الاستشراقية أول مرحلة من مراحل الدراسة؛ تمثل أول مرحلة ينبغي تحقيق النصوص على الطريقة الفيلولوجية الألمانية الرصينة والفرنسية، مع ريجي بلاشير مثلاً أول شيء تحقيق النصوص تحقيقاً علمياً، تمحيصها لغوياً.. إلى آخره، وبعدها تجيء الدراسات الأنثربولوجية والفلسفية، وهذه.. الاستشراق، كان يعيب على الاستشراق أنه يكتفي بالمنهجية الفيلولوجية اللغوية، يكتفي بالوصفية، وكان يُسميها المنهج الحيادية الباردة، كان يعيب هذا. أما ما كان ضد المنهج الفيلولوجي فكان يعتبره المرحلة الأولى، ولذلك بعض الإخوان العرب، بعض المثقفين العرب؛ فهموا موقفه غلط.. هذا التجديد المنهجي، أركون كتب في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كان قد صار تجديد منهجي في باريس، الدراسات البنيوية، ودراسات علم الحوليات، وتاريخ الجديد ما عاد يكتبه التاريخ؛ مثل القرن التاسع عشر.. المستشرقون كانوا يكتبون بعقلية القرن التاسع عشر، صار التجديد هائلاً.. أركون ميزته أنه واكبَ هذا التجديد الكبير في العلوم الإسلامية، وطبقه على تراثنا الإسلامي؛ لذلك تجد مثلاً كتابه (من أجل نقد العقل الإسلامي)، بعدين كتابه الثاني (من أجل الخروج من السياجات الدمائية المغلقة.. من أجل الخروج من الانغلاقات المذهبية المغلقة في الإسلام)، هذا كتاب أساسي، أصدره عام 2008؛ هذا الكتاب يعني أنه على المسلمين أن يخرجوا من انغلاقاتهم المذهبية والطائفية والقروسطية اللي هيّ تعود الانغلاقات، وأن ينفتحوا على العلم الحديث ويفسروا تراثهم من جديد.. يفسرون تراثهم الإسلامي العظيم من جديد؛ هذا ما يقصده أركون، عمل ثورة فكرية في مجال الفكر العربي الإسلامي. أركون ثورة حقيقية في مجال الفكر العربي؛ يعني نهض بالفكر العربي الإسلامي لأعلى مستوى”.

المنهجية التاريخية الفيلولوجية تثير عاصفة الأصوليين المسيحيين

وأضاف المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “لمَّا المستشرقون في القرن الـ19 طبَّقوا المنهجية التاريخية الفيلولوجية على التراث المسيحي، ثارت عليهم عاصفة من قِبل الأصوليين المسيحيين؛ رفضوا رفضاً قاطعاً تطبيق المنهج التاريخي على التوراة والإنجيل.. هذا ما لازم ننساه، مش فقط المحافظين الأصوليين الإسلاميين هم الذين ثاروا على أركون وعلى المستشرقين؛ لأ.. مثلاً إرنست رينو لما أصدر كتابه (حياة يسوع.. حياة المسيح) صارت ضجة بفرنسا، الحزب الكاثوليكي نزل على الشارع هجوماً؛ لأنه أعطى صورة تاريخية عن المسيح، عن يسوع المسيح؛ حتى أوقفوا دروسه بليسيه دي فرانس، درسه الافتتاحي، بعد منه وزير التعليم والملك وقفوا فوراً درسه؛ لأن الأصوليين المسيحيين الكاثوليك رفضوا رفضاً قاطعاً.. ليه؟ لأنه وردت عبارة في محاضرته الشهيرة، يسوع هذا الإنسان، الذي لا يضاهي بها المعنى عبارة رائعة في وصف يسوع المسيح؛ ولكنه إنسان في الاعتقاد المسيحي، المسيح يسوع ليس إنساناً إذا يعني فيه إله، صفة إلهية”.

أركون جدَّد المنهج التاريخي وأضاف إلى المنهج الاستشراقي

وقال د.هاشم صالح: “شيء عجيب، رغم أنه مع أركون الأصوليون يحملون عليه.. أركون جدَّد المنهج التاريخي، وأضاف إلى المنهج الاستشراقي إضاءات جديدة من خلال بنيوية، من خلال علم التاريخ الجديد، مدرسة الحوليات الفرنسية. هذا الشيء عجيب؛ أنه كيف يمكن أن يعتبروا أركون أصولياً.. منيح هذا والله، على الأقل يخف عنه عداء الأصوليين؛ لأن الأصوليين يكفرونه أو يعتبرونه خارج الإسلام، في حين أن أركون كان مسلماً حقيقياً، وهذا الشيء لم أتأكد منه -أنا باعترف اليوم لأول مرة هنا بهذا البرنامج- إلا بعد وفاته، كان مسلماً حقيقياً؛ ولكنه مسلم مستنير فيلسوف عالم؛ يعني مثلاً بدك تاخد تاريخ الإسلام، تاخد الكندي، تاخد الفارابي، تاخد ابن سينا، ابن رشد، ابن باجه، ابن الطفيل.. هو استمرار لهذا الرعيل، مع أنه أضاف إلى هؤلاء العباقرة، أضاف أشياء جديدة، تساؤلات جديدة لم يجرؤ أي مفكر مسلم على طرحها”.

مكسيم رودنسون ونفي الاستشراق 

وأجاب د.هاشم صالح عن سؤال “كيف تتلقى نفي الاستشراق من طرف مكسيم رودنسون؟”، قائلاً: “رودنسون أعطى دراسات ممتازة بعد أن تخلى عن ديماجوجيته الماركسية؛ هو يعترف أنه تجاوزَ، تخلى عن الماركسية، وعندئذ أصبح باحثاً كبيراً حول التراث. بالتالي هو قدم فعلاً صورة عن الاستشراق على مدار 150 سنة من القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين. ماذا قال في رده على إدوارد سعيد؟ قال إنه إدوارد سعيد، كأنه يقول إدوارد سعيد إن هناك علمَين؛ علم برجوازي وعلم بروليتاري أو علم غربي وعلم شرقي.. مكسيم رودنسون يقول لأ؛ ما فيه إلا علم واحد للبشرية كلها، ومناهج تنطبق على الغرب وعلى الشرق، على الشعوب الإسلامية، وعلى الشعوب المسيحية.. منهج واحد؛ المنهج العلمي صار علم الاجتماع، علم الأنثروبولوجيا، علم الأثريات، علم اللغويات، علم التاريخ الحديث.. هذه كلها مناهج الحقيقة تنطبق على جميع الشعوب وعلى جميع اللغات، لا داعي للتمييز بين الغرب والشرق، هناك علم واحد، وهذا العلم طُبق على الغرب، وينبغي أن يطبق على الشرق، وقال إذا ظهر مثقفون عرب قادرون على تطبيق المناهج العلمية على تراثهم، نحن بنتراجع، منّا؛ يعني أين يعني نحن، لسنا.. لكن المشكل هو أن المثقفين العرب مش قادرين. ليه مش قادرين حتى في فترة بسيطة؟ يعنى الآن صار فيه؛ لأنه أولاً التراث المقدس لا تستطيع أن تدرسه دراسةً علمية تاريخية، بسبب ضغط الشارع الأصولي. يعني باضرب مثلاً بفضل الرحمن، عالم باكستاني كبير، معترف به دولياً، لمَّا طلبه الرئيس أيوب خان، وفتح مركزاً إسلامياً للدراسة بباكستان، بعد فترة الإخوان المسلمون، الإخوان الأصوليون هاجوا عليه وهددوه؛ ممنوع أن تمس النصوص المقدسة، ممنوع أن تدرسها، أن تسلط عليها أضواء المنهج التاريخي..”.

المحافظون والأصوليون وممنوعات التراث

وأضاف المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “فبالآخير، شو عمل؟ اضطر إنه يهرب. هرب إلى أمريكا، وراح على طول بجامعة شيكاغو.. أعطوه أستاذاً في جامعة شيكاغو، وهناك ألَّف مؤلفاته الكبرى عن الإسلام والحداثة، عن الموضوعات العظمى بالقرآن الكريم.. إلى آخره. ليه؟ لأنه صار بمنأى عن الخطر، المثقف العربي حتى يدرس التراث الإسلامي المقدس دراسةً تاريخيةً علميةً مضطر إنه يهاجر؛ لأنه كما قُلت ممنوع تقول عن التراث إلا ما يقوله المحافظون والأصوليون؛ فهناك مقولات تعتبر حقائق مطلقة راسخة.. مثلاً أركون لو رجع على الجزائر، هل كان سيتجرأ على إنتاج كل هذه البحوث التي أنتجها كأستاذ في السوربون؟ لا أظن. أضرب مثلاً آخر: عبد الوهاب المؤدب، التونسي، كان شاعراً وباحثاً في نفس الوقت أيضاً، اللي ألف كتباً لا نتجرأ على ترجمة عناوينها، مثلاً لما ناديت الإسلام ما فينا نترجمه للعربية ما بتقدرش تترجم مرض الإسلام، قل مرض التزمت، أو مرض الأصوليين؛ بالتالي عبد الوهاب المؤدب عمل بحوثاً جيدة، وهناك آخرون غيره، هناك عبد النور بيدار، فيلسوف، الآن في باريس ينتج أبحاثاً جيدة عن تراثنا الإسلامي. وهناك أيضاً واحد، شاب مغربي، رشيد بن زين، أيضاً نشر بحوثاً ممتازة عن القرآن الكريم وعن التراث.. هناك آخرون عديدون في المجتمع؛ لا أعرف الجميع، فبالتالي هؤلاء ليه عَم بينتجوا؟ لأنهم بعيدون”.

وتابع د.هاشم صالح: “محمد أركون صار تياراً في الثقافة العربية؛ هناك عشرات الدراسات وعشرات الكتب ظهرت عن محمد أركون؛ رغم أنه كان يكتب بالفرنسية الترجمات (أنا وغيري ترجمنا له)، وبعدين المثقفون العرب، خصوصاً المغاربة، يعرفون فرنسياً، يوصل إليهم النص مباشرةً، فما فيه داعي يمرون لعند ترجمتي ولا غيري.. لا ترجماتي ولا ترجمات غيري؛ بيروحوا يقرؤون النص الفرنسي، وبالتالي محمد أركون أصبح تياراً الآن في الثقافة العربية.. هذا يعني أنه الفكر، عندما تكون هناك حاجة تاريخية إلى الفكر؛ فإنه ينتشر، وبما أن تراثنا الإسلامي لا توجد عنه إلا دراسات قروسطية مملة مكرورة منشورة منذ ألف سنة؛ فالبشر الشباب، الشبيبة، الباحثون، بحاجة إلى إضاءة جديدة للتراث الإسلامي؛ التراث العربي، الإضاءة الجديدة اللي قدم إياها أركون؛ لذلك تحول محمد أركون إلى تيار كبير بالثقافة العربية حالياً، وسوف يزداد أكثر في المستقبل. قس على ذلك أيضاً عندما تترجم الأبحاث الأخرى؛ مثل التي ذكرتها عن القرآن الكريم.. هذا الكتاب الموسوعي الذي صدر قبل عدة سنوات، قرآن المؤرخين؛ لازم يُترجم إلى اللغة العربية، ونحن نناقشه، ولسنا مجبرين نأخذ فيه كل شيء؛ ولكن بما أنه يسلط أضواء جديدة على النص المؤسس الأعظم للإسلام فهذا بيهمنا، بيهم كل المثقفين العرب والقراء العرب.. يريدون أن يعرفوا ما هو تراثهم معرفةً حديثةً، معرفةً علميةً، معرفةً حقيقةً، وليس تكرار نفس المقولات القديمة للتراث.. صارت مملة، ما عاد، بقت ما بتضيف أي شيء أصلاً؛ يعني مع احترامي للتيار المحافظ للمشايخ، باحترمهم ولكن ما بيقدروا.. بيكرروا نفس الكلام، من عندما صار إغلاق باب الاجتهاد، تكرار واجترار نفس الكلام الآن، ما عاد يكفي أبداً، هذا معروف وباين وواضح جداً، الآن إنه الشبيبة العربية المسلمة بحاجة إلى إضاءة كبرى على تراثها؛ لكي تعرف ما هو بالضبط، وهذه الإضاءة موجودة في اللغات الأجنبية”.

كيف نظل على تواصل مع الغرب ونستفيد منه؟ 

قال المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “نهاية الاستشراق بالمعنى التقليدي الكلاسيكي القديم ليس المقصود بها نهاية الدراسات العربية الإسلامية؛ فهي موجودة في كل الجامعات الغربية، من السوربون إلى برلين، إلى هولندا، إلى لندن، أكسفورد.. الدراسات العربية الإسلامية صار اسمها مش الاستشراق، صار اسمها الدراسات العربية والإسلامية، هذا اختصاص واسع موجود في كل جامعات الغرب..”.

أركون ارتكب نواقص كثيرة في كتاب الاستشراق

وأضاف د.هاشم صالح: “أين كانت مشكلة إدوارد سعيد؟ مشكلته إنه كان غير مختص بالدراسات العربية والإسلامية، هو بالأصل مختص بالأدب الإنجليزي، بالأدب المقارن، عالم كبير؛ ولكن بالحقيقة ليس مختصاً بالدراسات العربية والإسلامية؛ لذلك ارتكب نواقص كثيرة في كتاب الاستشراق، محمد أركون اختصاصه هو الدراسات العربية والإسلامية على مدار خمسين سنة، ستين سنة؛ ما عنده هَم إلا إضاءة التراث الإسلامي، لأنه كان حريصاً أشد الحرص على أنه نفهم تراثنا بشكل صحيح، بشكل جديد؛ لأنه كان يحترم الإسلام جداً، يحترم التراث الإسلامي جداً، وكان يحزن ويتأسُّف إنه يجد دراسات علمية كبيرة عن المسيحي، عن التراث المسيحي في الغرب، ولا يجد إلا قليل القليل عن تراثنا الإسلامي من الدراسات الكبرى الأكاديمية العلمية.. هذا كان يحز في قلبه، كان يتمنى أن يحظى التراث الإسلامي بأعظم الدراسات والإضاءات؛ لكي نفهمه على حقيقته، وهو كما قُلت أحد التراثات الكبرى للبشرية، التراث الإسلامي أحد التراثات العظمي للبشرية، وهذا ما يلزمنا في السنوات القادمة، ما يلزمنا في السنوات القادمة هو نشر كل الأبحاث العلمية والفلسفية العميقة عن تراثنا العربي الإسلامي”.

الاستشراق المسيَّس

وتحدث المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري عن “الاستشراق المسيَّس الذي انتهى مع برنارد لويس أو الأمريكان، ويشتغل حسب أجندات”، قائلاً: “نعم يرتبط بالإدارات الاستعمارية سابقاً أو لاحقاً استشراق سطحي واستشراق مسيَّس، هذا ما له قيمة، نحن نحكي، نتحدث عن الاستشراق الأكاديمي عالي المستوى الجامعي الأكاديمي لكبار العلماء”.

وقال د.هاشم صالح بشأن مقولة “هذا الاستشراق المسيَّس عنده تأثير، هو يصنع حروباً في المنطقة العربية مثلاً من مفهوم صراع الحضارات إلى الآن، والخبراء الآن الذين يبررون مثلاً الحروب من العراق إلى فلسطين.. إلى كذا، هذا استشراق مؤثر، لم ينتهِ هذا الاستشراق”: “دون أدنى شك، هناك خطابات غربية حولنا الآن، مش كلها لهجة واحدة ولون واحد؛ هناك اليمين المتطرف، هناك الوسط، هناك اليسار.. يعني عندك الاستشراق الفرنسي مثلاً، خد جيل كيبيل هو متابعة لمكسيم برودنسون، ومتابعة لخط التنوير الفرنسي.. فولتير وديجيه، ولذلك دراساتهم مضيئة مهما كان فيه ناس ينتقدونهم؛ ولكن أنا برأيي مفيدة جداً، أنا برأيي أهم واحد في الساحة الفرنسية هو بصراحة -وهذا رأيي الشخصي- هو جيل كيبيل، أهم من أولفيير ومن الآخرين؛ لأنه يمثل امتداداً لخط التنوير الفرنسي، وامتداداً أيضاً لمكسيم برودنسون، وبشكل من الأشكال امتداداً لأستاذه اللي هو محمد أركون أيضاً؛ ولكن هناك تيارات يمينية في الاستشراق، المحافظين الجدد، هؤلاء يقولون بشيء إنه جوهر العرب غلط، جوهر الإسلام غلط..”.

العرب والمسلمون صنعوا الحضارة أيام العصر الذهبي

وأضاف المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “بهذا المعنى يعني بيحولوا العروبة والإسلام إلى صفات ثابتة، لا تحول ولا تزول إلى أبد الآبدين.. لا يعرفون أن هذه الشعوب في طريق التطور بياخدوا بالنظرة الجوهرانية التي هي مجرد نظرة عنصرية، إن هناك شعوباً خُلقت لصنع الحضارات؛ اللي هي الشعوب الأوروبية والأمريكية، وشعوب لم تُخلق لصنع الحضارات، اللي هي العرب والمسلمون.. هذا كلام خطأ، هذا أثبتت التجربة أنه كلام عنصري ومنهجية جوهرانية عنصرية خاطئة، رد عليها ريتشارد بوليت، واحد أمريكي، مؤرخ أمريكي، رداً جازماً، وهناك آخرون ردوا وقالوا إن العرب المسلمين هم الذين غذُّوا النهضة الأوروبية بالقرن الثاني عشر، والثالث عشر، يعني علماءنا وفلاسفتنا، وهذا معروف لكل الناس.. علماؤنا وفلاسفتنا هُم أساس النهضة الأوروبية؛ فالعرب والمسلمون صنعوا الحضارة أيام العصر الذهبي صحيح، وبعدين للأسف دخلنا في عصور انحطاط طويلة، وانتهت بالسلطان العثماني، 400 سنة كانت ظلامية، فصحيح هذا؛ ولكن كان عندنا العصر الذهبي، أثبت علماؤنا وفلاسفتنا أنهم قادرون على صنع العلم والفلسفة والحضارة، وبالتالي من أثبت قدرته على صنع الحضارة ماضياً يمكن أن يصنعها حاضراً أو مستقبلاً.. لذلك لازم يخرجه هذا المحافظين الجدد من هذه النظرة العنصرية للعرب والمسلمين، لحسن الحظ؛ لأنه فيه ناس كتير في فرنسا وفي أمريكا، يردون عليهم، وليس المثقفون العرب فقط، يردون عليهم”.

قضية فلسطين والأيديولوجيا الأصولية

وتحدث د.هاشم صالح عن كتابه “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ” وقوله “إذا لم تحل قضية فلسطين بشكل عادل أو حتى ربع عادل؛ فإن الأيديولوجيا الأصولية سوف تظل منتصرة على الفلسفة التنويرية إلى أجل غير مسمى” وأجاب عن سؤال “أولاً لاحظ تماسات مع الغرب تتكون بناء على أرضية قضايا، إنما ألا تخشى أننا هنا نرهن مشروعاً فكرياً بشأن سياسي؟ أم أنك تتصور قضية فلسطين متعدية لإطارها السياسي؛ فائضة عنه؟”: قائلاً: “قضية فلسطين تشغل العالم الآن؛ نشهد هناك صراعات في العالم، هناك صراعات أخرى لم تهيِّج العالم كله، لم تشعل العالم كله، ما عدا غزة؛ لماذا أشعلت العالم؟ معقول ما فيه صراعات أخرى في العالم؟ هناك صراعات؛ مثلاً قضايا أخرى في مناطق أخرى ما يحصل الآن في غزة مثلاً.. الغرب هو أكبر كتلة حضارية في العالم حالياً، وهو مسيطر على العالم، لا الصين ولا روسيا.. الغرب، الغرب الأوروبي الأمريكي هو الأقوى، أليس عنده ضمير أخلاقي لما يراه يومياً في غزة؟ أكفان وأشلاء وأمهات وأطفال يتساقطون، وتوابيت صغيرة للأطفال، فالضمير الأخلاقي في الغرب مش معدوم، أشك إنه يكون معدوم؛ لأنه الغرب هو صانع الحضارة منذ أربعة قرون، والضمير الأخلاقي اليهودي أيضاً أعتقد أنه فيه حرج إذا بيشهد هذا القصف اليومي الجماعي العشوائي، الذي تذهب ضحيته الأطفال والأمهات.. أنا ما فيني شوف حتى الصور، بالتالي هناك تساؤل حول الحقيقة.. هي القضية الفلسطينية”.

واختتم المثقف التنويري الأكاديمي والمترجم السوري: “القضية الفلسطينية قضية جوهرية؛ لأنه إذا حُلّت يوماً ما، وسوف -برأيي- بعد هذه الهزة الكبيرة، الكارثة كارثة غزة، العالم الغربي لازم بقى يتحسس رأسه ويلاقي حلاً؛ لأنه هو الوحيد القادر يلاقي حلاً.. يضغط على اليمين الإسرائيلي ويلاقوا حلاً. الحل هو الدولة الفلسطينية المباركة الميمونة، الدولة الفلسطينية موجودة في رام الله، السلطة الوطنية الفلسطينية.. يجمعوا الفلسطينيين حولها، ويعملوا دولة في غزة وفي رام الله في الضفة. إذا وجد حل لقضية فلسطين العداء للغرب في المنطقة؛ العربي والإسلامي، بيخف بنسبة 70%.. وبهذا المعنى تنتصر الفلسفة التنويرية على التيارات الظلامية والأصولية، هذا ما قصدته”.

Leave a comment

0.0/5