كيف غُيبت 150 سنة من التاريخ الإسلامي المبكر؟ وهل كان غياب التدوين في العهد الأموي وبداية العهد العباسي نتاج عوائق تقنية أم تعمداً سياسياً لإخفاء وثائق الشرعية؟ وما هي المؤهلات والخلفيات التي جعلت ابن إسحاق يُستقدم لصياغة السيرة النبوية الأولى برعاية سلطوية من أبي جعفر المنصور؟ أسئلة تاريخية وتراثية شائكة يناقشها الباحث العراقي الأستاذ حسين سعدون، في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع على #منصة_مجتمع
..
ما سر الـ 150 سنة المفقودة من التاريخ الإسلامي؟
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الأستاذ حسين سعدون الباحث العراقي، وأنا أسميك -مش بس باحث كمان- القارئ الأكثر رقياً.
سعدون: شكراً دكتور، هذا أفضل شيء يعني؛ مفردة “القارئ” تسعدني جداً.
باسم: لا، أنا حقيقي؛ لأنك أنت فعلاً قارئ حقيقي.
سعدون: شكراً جزيلاً. وأنا دائماً أستمتع حتى بالاستماع إليك وبالمشاركة معك في حواراتك.
سعدون: وأنا كذلك، شكراً دكتور.
باسم: لأستفيد من قراءاتك، حابّ أستفيد منك. أنا كنت دائماً يعني أتحين الفرصة لأسمع منك عما قرأت في الفترة الممتدة ما بين وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبداية ما يسمى بعصر التدوين. هذه الفترة التي أعتقد حوالي مئة وثمانين سنة أو مئة وخمسٍ وسبعين سنة فيها نوع من يعني اللبس في التاريخ، وكأنه هذه الفترة ميتة لا أحد يعرف عنها شيئا، وكأن التاريخ قفز من موت الرسول الكريم إلى بداية عصر التدوين. هذه الفترة ماتت وكأنه لم يكن هناك دين ولم يكن هناك فقه ولم يكن حتى تاريخ.
سعدون: نعم.
باسم: أنت أحسنت القراءة عن هذه الفترة، أنا أحب منك تشاركنا بماذا قرأت أو ماذا قرأت عن هذه الفترة.
الصندوق الأسود وتجاهل العلوم الإنسانية
سعدون: شكراً جزيلاً للاستضافة دكتور. في البداية لابد أن أشير لنقطة مهمة تتعلق بعملية مناهجنا الدراسية، قراءاتنا، تصورات الدولة -هي أسميها- تجاهل العلوم الإنسانية. أنا بحكم عملي في بيع الكتب أرى توجهًا هائلًا على العلوم الطبيعية؛ فيزياء وكيمياء والأمور الكونية، وهذا ليس مشكلة، لكن هناك تجاهلًا هائلًا من المعاهد والجامعات على موضوع العلوم الإنسانية. ومن القراء يقول لك: “أنا لا أريد أوجع رأسي، أقرأ رواية، لماذا تذهب بي إلى قراءة كتب التاريخ؟”. أريد أن أشير إلى لنقطة مهمة: هذه العلوم وُضِعت في صندوق أسود تم إغلاقه.
باسم: وُضِعت.. من وضعها؟
سعدون: النخب والاتجاهات السياسية، يقول لك: “أنا لا أريد أن أثير مشاكل، ولا أريد أن أفتح عليّ أبواب..”.
باسم: يعني حفاظاً على السلم المجتمعي مثلاً؟
سعدون: السلم المجتمعي؛ لأنه قد تقود إلى نتائج لا ترضي الجميع. لأن الباحث المعروف الباحث العلمي.. نحن كنا البارحة نصور حلقة عن الدكتور فؤاد زكريا، يقول: “يظهر العلم منذ اللحظة التي تقرر فيها أن تفهم العالم كما هو لا كما تتمنى”. إذن سيقودك التاريخ إلى نتائج. هذه العلوم أنا أسميها محركات المعرفة؛ بمعنى مصطلحات اليوم نسمعها كثيراً في وسائل التواصل والإعلام: قبول الآخر، التسامح، حقوق الإنسان، التنوير.. من أين جاءت؟ جاءت من -أعتقد- القراءات النقدية ووضع اليد على الحقيقة في العلوم الإنسانية، وهذا ما حدث في الحداثة الغربية. الحداثة الغربية بها جانب علمي: نيوتن وغاليليو، وبها جانب فكري لـكانط وغيره وداروين وماركس، أنه وضعوا يدهم على هذه المشاكل. نحن في العالم العربي منقسمون طائفياً، مذهبياً، عرقياً، أيديولوجياً، فترى المثقف يسكت أو تكون هذه جلسات خاصة غير قابلة للإذاعة للرأي العام، تكون حلقات مغلقة، لا يستطيع أن يطلع يبوح ويتكلم لأنه قد يخسر حياته. أنا بالحقيقة سأتكلم كقارئ لستُ متخصصاً، قارئ أراد أن يتنزه في موضوع تاريخي وأراد أن يقرأ كتابًا.
باسم: وهذا ما نريد أن نسمعه الآن.
سعدون: وبالحقيقة، الفضل في ذلك يعود إلى المدرسة التاريخية العراقية، وحتى أعطي الحق لأصحابه، كان المفكر العراقي الراحل -رحل عام 98 مفكر مظلوم- هادي العلوي، وبالتحديد في كتابه “محطات من التاريخ والتراث”؛ لأنه توصل إلى نتائج هو يتعجب أنها في كتب التاريخ غير موجودة، هو يتكلم عن أن هناك صراعًا سرديًا بين الفرق الإسلامية، وحتى نعطي الأمور.. نحن دائماً نتحدث بالتصنيف والكتابات نقول الفكر الإسلامي أو كذا، أنا سمعت من أحد المعاصرين عبارة تختصر كل هذا، يقول: “لا يوجد فكر إسلامي، يوجد الفكر الذي ساد في الإسلام”.
باسم: هذا أعتبره تشخيصاً دقيقاً.
تغييب تراث المعتزلة وتصفية كتبهم
سعدون: الفكر الذي ساد في الإسلام.. هناك جهة معينة لا نسميها اعتبرت نفسها هي الناطق الرسمي بالإسلام، تقريباً حتى بحلقة جورج طرابيشي أشرنا، من القرن الرابع والخامس الهجري بدأت بتأليف الكتب تقول: “نحن الممثلون الرسميون للإسلام؛ بالفقه، بالسياسة، بالاجتماع، بالتاريخ، بالسرد”، وأن الفرق الأخرى هي ضالة أو خارجة عن الحقيقة، وبدأت تكتب على هذا الأساس.
باسم: يعني بدأت تصوغ سردية مختلفة أو خاصة بها.
سعدون: خاصة بها. والمشكلة مثلاً أنا كباحث لو أردت أقرأ في تاريخ المعتزلة أو القرامطة أو الإسماعيلية، من أين آخذ الآراء؟ المعتزلة.. المذبحة التي صارت لتاريخ المعتزلة وتراثهم، وهم بدأوا بالعصر الأول مبكراً مع واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد، تقريباً من سنة ثمانين هجرية لسنة مئة وثلاثين يسمون المؤسسين الأوائل لعلم الكلام، أين نجد آراءهم؟ يقال إن الكتاب المعتزلي الوحيد هو كتاب “الانتصار” للخياط، وأنك تأخذ آراء المعتزلة من كتب أعدائهم، تم تصفيتهم بالكامل لم تجد آراء. وبضغطة زر يستطيع الباحث بدون .. بدون أن يذهب إلى المكتبات ويبحث عن الكتب أن يكتب اسم واصل بن عطاء.. واصل بن عطاء ولد سنة ثمانين توفي مئة وواحد وثلاثين، وإن كان هادي العلوي .. واصل بن عطاء من معتزلة البصرة -هناك معتزلة البصرة وبغداد، معتزلة البصرة أسبق، الجاحظ، واصل- لو تكتب اسم واصل بن عطاء على محرك البحث جوجل ستجد له حوالي ثلاثين-أربعين كتاباً منها التفسير للقرآن، لم تصل نهائياً، كل ما يوجد هو شذرات أو آراء لواصل بن عطاء في علم الكلام.
باسم: يعني أربعين كتاباً لم تصل نهائياً؟
سعدون: لم تصل نهائياً، وليست موجودة في المكتبات العربية.
باسم: لا، لم تصل.
إشكالية الرواة والربط بين الأفكار والأشخاص
سعدون: بالتاريخ معضلة، نحن بالتاريخ هناك فرق، هو هذا المفتاح الذي بدأت به أنا؛ بين أن تروي الحادث وأن قريب عنه وبين أن تأخذ مسافة زمنية معقولة، شخصية إشكالية بالتاريخ ويتهمونه.. وطبعاً عندنا مشكلة أخرى بالتاريخ أنه لا نفصل الأفكار عن الأشخاص، بمعنى لو أردت أقرأ لراوٍ بالبداية أو شخص سارد، فأول سؤال يطرح ما هو؟ هل هو شيعي؟ هل هو سني؟ فهنا ترتبط الفكرة بالشخص، فيقول لك: “هذا شيعي ما آخذ منه”، بدون أن أنظر إلى السند. حدث هذا مع لوط بن يحيى أبو مخنف المشهور بأنه.. أبو مخنف. طبعاً هنا مسألة يقررها هادي العلوي لازم يقولها بالبداية، يقول: “ظاهرة التأريخ لميلاد الأشخاص هي ظاهرة غربية”.
باسم: وليست عربية.
سعدون: يعني الشخص يموت ويذهب نحن ما نعرف. يعني مثلاً ابن الراوندي هناك رأي، هذا رأي، هذا طلع عن المعتزلة وكتب “فضيحة المعتزلة” ونعرفه، هناك رأي يقول مات عمره 30، هناك رأي يقول مات عمره 80، يعني التاريخ ما به ضبط لأن العرب لا يؤرخون بهذه المسألة. فلوط بن يحيى .. هناك خلاف على ميلاده، لكن المتفق عليه كما جاء في كتاب “شخصيات غير قلقة في الإسلام” لهادي العلوي.. يقول وُلد في منتصف التسعين هجريًا 91 .. 92 .. ما أهمية لوط؟ لوط بن يحيى هو الراوي الأول لكل الأحداث التي جرت في التاريخ الإسلامي بدءًا من 11 هجرية يضعها المؤرخون إلى 61 هجرية، هي الخمسون سنة هذه التي بها الفتنتان الكبريان -ما سبقها فتنتان كبريان- فتنة عثمان وفتنة الطفّ ويسمونها الفتنة الثانية، وهذه صيغت بها كل الفرق الإسلامية والكلامية والصراعات إلى اليوم نعيشها. فعندما تذهب إلى محرك الجوجل نفس البحث.. يقول لك الباحثون: ترك لوط بن يحيى أبو مخنف حوالي ثلاثة وثلاثين كتاباً، منها خاص بوفاة النبي، بالمعارك الأولى التي جرت تسمى معارك حروب الردة، بوفاة أبي بكر الصديق، بجمع القرآن، ترك كتاباً كاملاً اسمه “مقتل الحسين”، بل إن الطبري المتوفى 310 هجرية وهو يسرد تاريخه بالحوليات بالسنوات التي يبدأ تقريباً من بداية آدم عصر آدم إلى قبل رحيله سنة 310، أحداث سنة 61 يقول: بين يدي كتاب “مقتل الحسين” لوط بن يحيى يعتمد عليه اعتماداً كاملاً، لم يصل إلينا الكتاب والموجود بالأسواق هو نسخ مزورة. لوط بن يحيى رحل عام 157 هجرية فهو قريب على الأحداث هذه، التي كتب عنها. لم يصل شيء منها إلينا. هنا نأتي نقطة البداية، هناك شبه اتفاق، والموضوع ليس فضلًا مني، لكن سألت أساتذة قالوا هناك 150 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام، وكما ذكرت حضرتك صارت قفزة من 11 هجرية وكل الخلافات بين سقيفة بني ساعدة ومعارك حروب الردة وجمع القرآن إلى العصر العباسي. لا أعلم أنا سمعت عبارات أحتاج أن أتأكد منها أن أفقر المراحل التاريخية في تدوين التاريخ هو العهد الأموي، العهد الأموي الذي يمتد من سنة 41 إلى 132 تقريباً 91 سنة، منهم من يذهب إلى عدم وجود التقنيات الخاصة بالتأليف لم تكن متوفرة، بل إن الكاتب العراقي المهم الباحث عبد العزيز الدوري في كتابه “نشأة علم التاريخ عند العرب” يقول: “مراحل تدوين الحديث النبوي بدأت من هذا العهد مع عروة بن الزبير وأبان بن عثمان، محاولات خجولة مع عمر بن عبد العزيز لكن لم تفلح بالوصول إلينا”، وصل شيء قليل. يعني الأمر الأكثر لأن عمر الحضارة العباسية حوالي 6 قرون بينما الأمويون قرن، وهنا يقول إن الباحث العراقي علي الوردي عنده عبارة جميلة جداً في كتابه “وعاظ السلاطين” يقول: “الأمويون أهل سيف، العباسيون أهل سيف وقلم”، لذلك انتعشت الحضارة العباسية؛ كل المذاهب الفقهية بدأت عباسية، علم الكلام والصراعات وحادث ألف ليلة وليلة والتدوين بدأ عباسيًا لأنه كان عندهم أفق. إضافة إلى ذلك الحضارة في الفترة الأموية كانت لها علاقة بالتعنصر للعنصر العربي، فنجد أن عبارات مثل الموالي وغير العرب والعجم تم اضطهادهم، وهؤلاء هم الذين قادوا لإسقاط الدولة الأموية.
هل غياب الكتب تعمد سياسي أم عائق معرفي؟
باسم: هل لعدم انتشار الكتابة حول هذه الفترة في تلك الفترة مثلاً، لعدم مثلاً الانتشار المعرفي للقراءة والكتابة في الفترة هذه؟ يعني هل غياب الكتبة له دور أم هناك فيه تعمد لعدم الكتابة عن الموضوع؟ يعني أنت ذكرت أن هناك فيه الكثير من الكتب كُتِبت.
سعدون: نعم.
باسم: لوط ثلاثين أو ثلاثة وثلاثين كتاباً، غيره ثلاثين كتاباً لواصل بن عطاء ثلاثة وثلاثين كتاباً.
سعدون: نعم.
باسم: من غيب هذه الكتب؟
سعدون: أنا أعتقد هناك أسباب سياسية أيديولوجية أدت إلى تغييب ذلك، لكن، نحن عندنا لغة أرقام. أنا مرة قرأت لمستشرق أمريكي يبحث عصر الشافعي من مئة وخمسين هجرية يعني إلى مئتين وأربعة، بداية العصر العباسي، يقول: “أنا أستغرب أنهم يقولون إنه عصر موسوعي بالكتابة وكل الكتب المتوفرة في بغداد في ذلك الوقت لا تتعدى مئتي كتاب، هل الأمر تقني؟ هل الأمر سياسي؟”. أنا أميل إلى أن الأمر سياسي، الدليل ارجع إلى كتاب “الفهرست” لابن النديم، “الفهرست” لابن النديم في نهاية الكتاب يورد مؤلفات هائلة، عندما نأتي الآن نجد ثمانين بالمئة من المؤلفات هذه لم تصل. أبو العلاء المعري مُتأخر، أبو العلاء المعري قريب من عهد المتنبي يعني ثلاثمئة وخمسين هجرية وصعوداً،
باسم: صح ..
سعدون: هناك تحقيقات، سبعون بالمئة من تراث أبي العلاء لم يصل.
باسم: يعني هذه المئة وخمسون سنة كُتِب عنها؟
سعدون: كُتِب، لم تصل.
باسم: أو كُتِب فيها؟
سعدون: نعم.
باسم: والكتب لم تصل؟
سعدون: نعم، لم تصل.
باسم: يعني كون هذه الفترة بقيت مجهولة إذن بفعل فاعل؟
سعدون: نعم.
باسم: من هو؟
سعدون: السلطات السياسية وفقهاء السلاطين هم الذين عملوا على ذلك. ثاني شيء هناك أحاديث فُهِمت خطأً عن النهي عن التدوين حتى السنة النبوية، لنقل: أريد أن أكتب تاريخًا، عندي جانب أيديولوجي، انحياز قدر العالم، لكن ما هذا الذي يمنع؟ بالمناسبة أثناء قراءاتنا لكتاب أحد كتب أستاذ محمد شحرور يقول: “ضغط الأحداث وليس الاقتناع..
باسم: يعني أسباب موضوعية.
سعدون: ..هو الذي أجبر المسلمين على جمع القرآن”. والقرآن هذا نص أعلى .. يعود إليه تأسيس الحضارة الإسلامية، يقول: “المسلمون فكروا بعد معركة اليمامة.. المسلمون وهلاك خمسة آلاف قارئ أنه خطر على القرآن”، والقرآن كان في البداية محفوظاً بالصدور ثم أصبح مكتوباً بالسطور، المسلمون كان لديهم الشفاهية هي المتداولة. يقول: “الخليفة الأول والثاني بعد مشاورات عديدة لجأوا إلى موضوع جمع القرآن ليس أن كل مسلم يحتفظ بنسخة شخصية، وإلا، بعد انتشار الإسلام بالأمصار واختلاف اللهجات أجبرهم -وهذا النص التأسيسي الأول- أجبرهم على هذه العملية التي كانت تصاعدية وتصاعد ذروتها في سنة 30 هجرية، عندما بدأ المسلمون بالجمع على مصحف .. هذا القرآن النص الأهم فما بالك بالنصوص الأخرى”.
صراع السرديات المذهبية وحراس المذاهب
باسم: لا نريد أن ندخل في مسألة جمع القرآن وكتابته، لأن هناك يبدو لي أيضاً فيه نقص في معرفة ما دار حول هذه الفكرة في أثناء حياة الرسول ومن ثم بعده، لأنه فيه آيات تشير أن القرآن..
سعدون: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17].
باسم: فيه آيات تشير أن القرآن كُتِب في عهد الرسول واكتملت كتابته في عهد الرسول، وبالتالي لم يُترك أمر كتابة القرآن لما بعد وفاة الرسول. هذه لا نريد أن ندخل، ممكن نفرد لها حلقة أخرى، لكن أنا معني بكيفية نشوء سرديات مختلفة للفترة الممتدة من بداية موت الرسول الكريم إلى بداية العهد العباسي أو ما يسمى عصر التدوين. الآن أنت تحكي لي أنه كان فيه كتب كثيرة كُتِبت وكان هناك كتبة كثيرون عن الموضوع ولكن تم تغييب هذه الكتب، وكأن هناك فيه هدف لتغييب هذه المرحلة كلياً.
سعدون: يعني خلّنا نأخذ مجالًا مجال الفقه، أنا أعتقد لكل جهة سياسية لكل حزب بهذا المعنى جهة سردية، يعني جهة أيديولوجية تحافظ على.. فإذا لم يكن الكاتب أو المؤرخ لديه جماعة تحميه فإن كل ما كَتَب سرديته ستضيع. نأخذ مثالين: محمد بن جرير الطبري نفسه والليث بن سعد هذه خلال قراءاتي. محمد بن جرير الطبري رجل موسوعي جداً، هو فقيه، الناس لا تعرف هذا، ومن الآراء المهمة في فقه الطبري هو إجازة الولاية للمرأة، الولاية العامة، سواء الصلاة وكذا أو بتعاملها بالقضاء، يختلف عن.. يعني هو لم يكن تابعاً للشافعي أو لأبي حنيفة، هو فقيه مستقل وكان محدثاً وكان مؤرخاً ترك لنا “تاريخ الرسل والملوك”، وكان مفسراً لأنه كَتَب.. هنا نأتي لمسألة حماية السلطة السياسية، في القرن الرابع وكان الجو في القرن الرابع جواً أشعرياً حنبلياً، كانت بغداد حسب المؤرخين واقعة تحت سيطرة الحنابلة، كَتَب في أحد كتبه في التفسير أو بالتاريخ أيّد حادثة غدير خم وفق رواياته هو، وتلك الحادثة واقعة، وأورد النصوص وتكلم عن بعض الأمور، تم محاصرته في البيت ولم يخرج من البيت إلى أن لَقِيَ حَتْفَهُ، هذا موجود. وفي بغداد قبل فترة أجروا تخطيطاً ووجدوا قبر الطبري في أحد مناطق شرق بغداد، يعني وجدوا عن طريق منقبين هذا قبر الطبري الذي مات في بيته، هذا فقيه عملاق.
نأخذ مثالاً آخر: الليث بن سعد في مصر وكان معاصراً لهارون الرشيد، أنا قرأت نصاً للشافعي -والشافعي … من ملاحظات التي عليه .. هو فقيه عملاق في عصره وتتلمذ على أحد.. هو لم يلحق أبا حنيفة، تدارس مع محمد بن حسن الشيباني، تتلمذ على مالك بن أنس- عندما وصل مصر في فترة الفقه المصري وغير العراقي وجلس مع الليث قال بالنص: “الليث أفقه من مالك إلا أن تلامذته ضيعوه”. هذا يعني أن لكل فقيه حراسًا، لكل جهة تقوم بحفظ ما له ثم تنقله. أنا شخصياً قرأت بالفقه المقارن، المعلومة التي توصلت لها أن الفقه له منظومة كاملة وتبدأ من كتاب الوضوء والحدود والصلاة إلى الزواج والطلاق والحرب حوالي 114 مدرسة فقهية، الآن لو أردنا نحصي المدارس الفقهية المذاهب الأربعة المشهورة موجودة، جعفر الصادق، الزيدية، ابن حزم الأندلسي الظاهرية، تقريباً سبعة مذاهب أو ثمانية في أقصى حد.. و”نيل الأوطار” للشوكاني في الفقه المقارن، لم تصل أكثر إلينا من ثمانية مذاهب، إذن ما أدى التغييب، كذلك المدارس التاريخية، الآراء بالتفسير، عندنا علماء كثير ما علمنا عنهم شيئا. كما ذكرت، أنا أعتقد السياسة عامل أساسي وعدم وجود حزب أو جماعة اجتماعية أو يسميها أرنولد توينبي، يقول: “هناك ريادة فكرية واستجابة اجتماعية”، عدم وجود ناس حفظوا تراث هذا الشخص مثل تراث المعتزلة. يعني مثلاً هل يعلم المستمع المشاهد الكريم أن أهم مفكري المعتزلة في القرن الرابع القاضي عبد الجبار المعتزلي وكتابه “أهل التوحيد والعدل”، في منتصف القرن العشرين في أحد البيوت في اليمن خرّ السقف فوقعت خمسة مجلدات من الكتاب وتم جمعها، الراحل طه حسين ومجموعة قاموا بإعادة تحقيقه من جديد؟ يعني اكْتُشِف القاضي عبد الجبار بعد رحيله بأكثر من ألف عام، إذن هذا كل التراث. وأنا سمعت قبل ما آتي لتصوير البرنامج أنه تم العثور على بعض -ولازم أتأكد- عن طريق باحث مصري يعيش في الخارج أنه تم العثور على نسخ من سيرة ابن إسحاق غير النسخة التي قام بتنقيحها ابن هشام، إذن.. وهنا باحث جداً مهم بالتراث اسمه رشدي راشد، أنا أقرأ كتاب “علم الكلام والفلسفة” يقول: “التراث العربي المخطوط غير المحقق 80%”، عندنا تراث هائل، أنا مرة قرأت لعبد الرحمن بدوي وهذا محقق هائل..
باسم: يعني 80% من التراث العربي المخطوط غير محقق؟
بعثرة التراث ومقاطعة السردية الأموية والعباسية
سعدون: غير محقق. عبد الرحمن بدوي مرة أراد أن يحقق واحداً من أهم العمالقة في التراث في التاريخ الإسلامي أبو حيان التوحيدي بالقرن الرابع الهجري الذي أفرد له آدم متز كتاب “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري” ويسميه القرن الذهبي، وأعمال “الإمتاع والمؤانسة”، “الإشارات الإلهية”، “البصائر والذخائر”، يقول: “ذهبت إلى المكتبة الظاهرية في دمشق فوجدت نسخة من الإشارات الإلهية، حققها موجودة الآن، ذهبت إلى بريطانيا وجدت غير نسخة .. بنسخة يعني هي أكثر حجماً من هذه النسخة”. هذا سبب أعتبر الاحتلال العثماني أو ما يسمونها دولة الإمبراطورية العثمانية ساهمت ببعثرة وتشتيت التراث العربي، والناس هنا في مناطقنا في الدول العربية ما كانوا يعون أهمية هذه المخطوطات، فكانوا يبيعونها وتتعرض للسلب والنهب. وكثيرًا جماعة اشتغلوا بالمخطوطات يقولون .. باحث عراقي اسمه يحيى الجبوري، خطط مخطوطة عن طريق الصدفة وجدها، اشتراها بثمن بخس من أحد الأسواق بالهند يذكرها، ثم طبعها في كتاب .. نحن نجهل تاريخنا .. لا نعرفه، وهذا يؤيد المقولة أن العرب مشكلتهم عدم معرفتهم بتاريخهم وأن الطرف المقابل كان يعرف أهمية هذا التاريخ.
———
باسم: لنفترض أن ما قيل حقيقة؛ أن هناك الكثير من الكُتّاب والكتب التي كُتِبت عن الفترة المئة وخمسين سنة اندثرت وبفعل فاعل، وأن هناك اتهاماً للدولة العباسية أنها هي التي قامت بعملية دفع هذا التاريخ إلى الزاوية أو حتى وضعه بصندوق مظلم كما تقول، لكن ما الذي تغير ما بين الأمويين والعباسيين؟ نحن نتحدث عن نفس العرب، نفس الثقافة، نفس اللغة، نفس الدين، نفس الانتماء، نفس كل شيء، فما الذي تغير من المرحلة الأموية إلى المرحلة العباسية لكي يدفع العباسيون أنه -كما يسمي بعض الناس- يأتون بدين موازٍ للدين الذي ينص عليه النص القرآني؟
الصراع على الشرعية السياسية وتوظيف الفقهاء
سعدون: الذي يتغير هو الصراع على الشرعية، وهذا الصراع لليوم لدينا مشكلة به. نحن لدينا شخص استلم السلطة بأي حق؟ نحن معروف في التاريخ الإسلامي هناك انتقال عمودي أو أفقي عن طريق التوريث لا نعرف غير هذا؛ أن الخليفة إما يورّث أو يُقتل أو يصير انقلاب بالحكم ويصبح متغلباً، وهذا موجود بالفقه الحنبلي المتغلب يسيطر على السلطة ويصير أمرًا واقعًا. الذي اختلف الصراع على الشرعية وتم التلاعب بالمفاهيم؛ يعني الأمويون عندما جاءوا تكلموا عن الجبرية الأموية ثم أخذوا إليها استناداً بموضوع القضاء والقدر ونحن ولينا عليكم يجب أن تطيعونا، وجاء كُتّاب مثل الأوزاعي فقهاء. بالمناسبة.. نحن الفقيه المتخصص بالتاريخ ظهر -يعني أعتقد- متأخرا، نحن كان لدينا الفقيه الذي يفتي في أمور العبادات والحلال والحرام. أنا أعتقد أن وجود مؤرخ موضوعي -يعني إذا قلنا مع المسعودي أو اليعقوبي- قد تأخر مع ابن خلدون، ابن خلدون حوالي 700 هجرية وصعوداً، أنا أعتقد ابن خلدون هو أول من أرسى فلسفة التاريخ، موضوع فلسفة التاريخ وعلم العمران ونقد نقدًا هائلًا لمن قبله في بعض المرويات، مثل ابن خلدون يتوقف عند المرويات الخاصة بموسى عليه السلام وحتى بالفترة الإسلامية وحتى بالفترة المصرية والأهرامات. كنت أقرأها قبل أيام. فالمؤرخ الموضوعي المحترف تأخر ظهوره، أنا أعتقد الموضوع، وسنأتي على الطبري، أيضا وقع في سقطة .. موضوع الصراع على الشرعية، فالأمويون يأتون بمجموعة من الفقهاء. مثلاً النقاش السائد الآن موضوع الشرعية حول بيت المقدس وحول قبة الصخرة والأصوات التي خرجت تقول هذا الموضوع من اختراع عبد الملك بن مروان، لا نجهل المدارس الغربية مثل “باتريشيا كرون” أو “الهاجريون” الذين تكلموا قالوا: “هذا كله صناعة سردية أموية عباسية”، لكن لم تكن معهم الأدلة الكافية في ذلك، وكتب، مثل سليمان بشير الباحث الفلسطيني صدر له كتاب اسمه “مقدمة في التاريخ الآخر” يتبنى هذه السردية.
باسم: ويتبنى هذه السردية من منظار أنه رجل شيوعي ملحد وبالتالي لا يؤمن بسرديات دينية.
محو الوثائق وأزمة غياب الأدلة الأثرية
سعدون: نحن عندنا مشكلة أخرى بالسردية الدينية هي المشكلة نحن وقعنا بنفسنا، الدول، هي عدم وجود الوثائق والآثار الدالة، الدولة الحديثة قامت بمسح كل هذا. نحن نعرف السردية التاريخية الآثار تتعلق بالنقود ببعض الأمور كما يدور يعني.. السيف الوثائق الكتب ما موجودة، هناك دول قامت بمحو كل هذا من جانب غير الجانب الذي نسميه الجغرافي، خاص بالتعرية وأمور الجغرافية، هناك جانب سياسي قام بإخفاء هذه الوثائق، هناك جانب خاص بعملية النهب لهذه الوثائق؛ مثلاً الرسائل التي كان يرسلها الرسول إلى باقي الإمبراطوريات المعروفة المجاورة أين هذه الرسائل؟ حتى إن وُجِدت، أنا مرة سمعت لقاء مع أحد الباحثين المختص بالتاريخ والكلام على عهدته وهذا الكلام متروك للمتخصصين، يقول إنك تنظر في ورقة وتقرأ فيها بشكل مباشر هذا لم يحدث إلا في القرن الرابع، فكل ما قبل القرن الرابع لا يوجد ورقة نقرأ منها إنما كانت عملية القراءة والتدوين صعبة جداً، الباحث لا يستطيع أن يجد الآليات التقنية الخاصة بعملية التدوين فيرجع إلى الحفظ؛ مثلاً “مسند أحمد بن حنبل” به أربعون ألف حديث حفظه لابنه وابنه لمن بعده.
الصراع على الشرعية هذا أتى مع العباسيين، العباسيون جاءوا بشرعية مضادة عن الأموية هي أنهم أعمام النبي، حتى قاموا بتحريف الآيات الخاصة بذلك وأن العم من يجد، مثلاً الجدالات التي حدثت في زمن هارون وجعفر المنصور مع آل البيت كان كل طرف يأتي بآية ودليل عقلي ونقلي أنه الأقرب للنبي، هنا الموضوع صارت السردية الشرعية عن النبي من هو الأقرب وأخذوا بهذه السردية. فنحن لدينا المشكلة الأساسية أنه الجانب السياسي طغى على الجانب العلمي، وللأمانة يجب أن أشير إلى الراحل محمد عابد الجابري في عبارة رائعة في كتابه تتعلق عن إشكال التفكير العربي المعاصر وهو يؤرخ من معركة صفين -وهذا الكلام قاله مالك بن نبي أيضاً- قال: “في الحضارة الغربية.. الكلمة الأخيرة للعلم.. في الحضارة العربية الإسلامية الكلمة الأخيرة للسياسة. فالسياسي يتحكم بكل شيء. يعني مثلاً ما الذي يدفع جماعة علمية وليس سياسية هم إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي يجمعون رسائل هائلة في المنطق والفلسفة إلى إخفاء أنفسهم.. لا نعرف أسماء إخوان الصفا إلا عن طريق كتاب “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي. ذكر كم اسم واختفوا.. “ألف ليلة وليلة” من صاحبها؟ لدينا كتاب جداً مهم بالسياسة اسمه “الإمامة والسياسة” لابن قتيبة، أنا قرأت بحثا معاصرا يقول: “هذا اسم وهمي ما نعرف من المؤلف وضع ابن قتيبة لاحقاً اسمه”.
باسم: أنا متفق معك أنه هنا بني العباس أو العباسيون كانوا بحاجة إلى إضفاء شرعية على استلام الحكم واستخدام السيف للوصول للحكم، معقول أن هذا دفعهم حتى إلى خلق تديّن موازٍ بعيد كل البعد وخليط من ثقافات سابقة على الثقافة الإسلامية الجديدة الحديثة وأن يقدموا للناس تبريراً فقط للحكم؟ يعني معقول هذا الكلام؟
كواليس كتابة السيرة النبوية بطلب عباسي
سعدون: يعني قرآنيّاً حتى نقرب الصورة، القرآن يدعو للاقتداء بسيرة النبي: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، خلِّنا نأخذ العباسيين؛ مرحلة أبي جعفر المنصور ومرحلة الخلفاء المتنورين المأمون والمعتصم والواثق الذين بانهيارهم يقال دخلت حضارة الدولة العباسية تيار آخر مع المتوكل. هل من المعقول أن سيرة النبي للناس المأمورين باتباعها وهي سيرة لو دُوِّنت في الأيام الأولى كانت سيرة طرية وحية للمسلمين بينهم، تتأخر 150 عاماً ثم تحت إلحاح الخليفة أبي جعفر المنصور، يأمر ابن إسحاق بأن يكتب هذه السيرة؟ وهناك تعليق لابن هشام – … ابن هشام عندما قام بعملية التنقيح لاحقاً بعد 157 هجرية وموجود الآن متداول أربع مجلدات- يقول: “هناك أمور استفزتني في سيرة ابن إسحاق واضطررت إلى حذفها”، تتعلّق أن سورة الأحزاب ليست هذه السورة، فيها زيادات، تعلّق بعملية الرجم، بعملية النسخ.. لماذا تأخرت هذه السيرة؟ أنا أعتقد وجهة نظري أن الأمة العربية والإسلامية.. أمة شفاهية هي لا تحب الكتابة لا تحب التدوين. الآن ..، المفكر المعاصر كم مفكرا معاصرا ترك مذكراته، يومياته يكتب يوماً بيوم؟ ما نجد. نرى بيل كلينتون يعرض سيرته الذاتية 800 صفحة، رئيس، ونستون تشرشل.. كتجربة شخصية كتابة السيرة أو كتابة حياة إنسان لا تأتي دفعة واحدة تحتاج إلى يوميات يوماً بيوم، وهذه عبارة قالها أحد الباحثين يقول: “العلم قيد والكتابة صيد فقيّد صيودك بالحبال الواثقة”.
باسم: قبل أن نأتي للتوثيق العصري عند العرب أو السياسي المعروف هناك أسباب كثيرة تتعلق بالحرية أولاً، وتتعلق ثانياً باعتبار ما يكتبه الشخص كان في موقع مهم أن هذا ملك المجتمع أو ملك الدولة أو ملك المؤسسة أو إلى آخره.. الآن كيف اسْتُقْدِم ابن إسحاق ليصوغ سيرة النبي ومعروف أن ابن إسحاق ماذا كان وكيف صار، وأن ابن إسحاق يمني أو من جنوب الجزيرة بدون إسقاط تداعيات سياسية عن الفكرة؟ مَن استقدمه؟
—
ابن إسحاق في بغداد وتنقيح ابن هشام الحاد
سعدون: أبو جعفر المنصور صديق شخصي له في بغداد حسب ما قرأت. بالمناسبة هناك مسألة مهمة خلِّ المشاهد العزيز يسمعها مني: يقال إن المؤرخ كالقاضي لا يحكم بعلمه إنما بالدليل، يعني نحن المؤرخين .. أنا ما بكيفي أو ما أشتهيه أنا أسير لما أقرأ في التاريخ، ورد قدرتك أنت يسمونه النص الممكن أن تجري تعديلات على النص أو اتجاهاتها، أما ما تقدر تخترع نصاً من عندك .. أنت أسير للنصوص، صح؟
باسم: صح صح.
سعدون: الذي قرأته وعلى ذمة ما كُتِب أن ابن إسحاق طُرِد من الجزيرة العربية بتهمة التشيع، وأن مالك بن أنس الفقيه الشهير اتهمه بالكذب وطُرِد من هناك، ومعروف أن فقه الحجاز لا يُفتى ومالك في المدينة، مالك كان له الحظوة الكبرى هناك. فجاء إلى بغداد 150 هجرية وصعوداً والتقى بأبي جعفر المنصور وكان صديقاً له، ومن هنا بدأت فكرة كتابة السيرة النبوية ككتاب حسب ما قرأت لتسلية أولاد أبي جعفر المنصور. طبعاً هذه السيرة ستُكتب برؤى مذهبية خاصة، رؤى سياسية، طبعاً هناك مشاورة كيف سيُكتب، طبعاً لابد به نصر للعباسيين الخاص بابن عباس، يعني أحد المآخذ على هذه السيرة التمجيد بـابن عباس الذي عندما رحل النبي كان صبياً وكل الأحاديث عن ترجمان القرآن “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”. يقال إنها من وضع العباسيين.
باسم: كان طفلاً تسع سنين.
سعدون: كان طفلاً، لكن حصل هذه الحظوة الكبيرة لأنه من سيرة نفس السلالة الحاكمة وأيضاً التقليل من غيرهم، لذلك مثلاً تجد في كتب السيرة حضوراً ضعيفاً لأهل البيت من جهة علي بن أبي طالب وأحفاده وتضخماً لجهات أخرى، كل سيرة تشتهي وتكتب ما تريد، ما ثَمَّ منهجية موضوعية تكتب كما تريد هي كما تريد السلطة.
باسم: ما هي مؤهلات ابن إسحاق ليختار أو كما ذكرت طُلِب منه أن يكتب كتبًا لتسلية أولاد أبي جعفر منصور؟ هل يعني.. هل أبو جعفر المنصور كان يعي ما سيقدم عليه ابن إسحاق أم أنه فعلاً يريد أن يكتب له قصص حكاية لأطفاله؟
الحافظة والأمية الثقافية بين الفرس واليهود والعرب
سعدون: في كل دولة إمبراطورية هناك حكام أنا أسميهم محترفين يعرفون ما يريدون وهناك حكام سذّج؛ يعني إذا قلنا في الجانب الأموي مع ابن سفيان، عبد الملك بن مروان ليس مثل غيرهم، وهشام بن عبد الملك. في الجانب العباسي يأتي بالقمة أبو جعفر المنصور، الذي له مجالسات مع علماء وأدباء وحديثه مع ابن المقفع ليس بإنسان عادي. أنا أعتقد، أهم فقرة للشخص المدون هي الحافظة القوية، لابد أن يوجد عنده المؤهلات الحافظة، اثنين، قدرته على استدعاء هذه الأسانيد من مَن قبله أنه يعرف فلانا وفلانا، وبالتالي يقوم بعملية التدوين .. وأن يكون لديه معرفة بالجغرافيا بالأشخاص.. وإلا على أي أساس يُدون؟!.. هذه كلها الذاكرة والحافظة، ومعرفته بالحضارات المجاورة واللغات المجاورة لأنه قد مثلاً معرفته في ذاك الوقت بالسريانية، بعلاقته بالحضارة الفارسية؛ الفرس هنا بدأوا يتغلغلون في الحضارة الإسلامية. فكل هذه المؤهلات، ثاني شيء قدرته على الكتابة وأدوات الكتابة. طبعاً السلطة هنا معها ستوفر له، ستقول له مثلاً كذا وكذا وانتشار.. نحن نعرف هناك حوار حدث بين هارون الرشيد وبين مالك على فرض كتاب “الموطأ” بعد إكماله ورفض مالك، قال: “العراقيون يختلفون عن الحجاز لا أستطيع”، وهذا كان رفضاً صحيحاً لأنه لا يستطيع أن يجبر الناس لكل بيئة جغرافية. ونعرف مثلاً الآن موجود في بعض الكتب الحوارات التي حدثت بين المأمون وبين الشافعي على موضوع خلق القرآن، وبعد، فُرِض على الناس أحمد بن حنبل.. فأعتقد لابد توجد مواصفات عند المؤرخ أهمها الاطلاع الواسع والثقافة، ثقافة فيما يخص شبه الجزيرة العربية وما حولها، والذاكرة القوية، لا يمكن لشخص حافظته ضعيفة ولا يعلم شيئاً أن يكتب تاريخاً.
باسم: ابن إسحاق كما معروف عنه أنه كان من أتباع الملة اليهودية، أسلم، رجع إلى ملة النبي إبراهيم ملة أبيك إبراهيم، قد يكون بحسن نية..
سعدون: مثل الاتهامات التي وُجِّهت إلى كعب الأحبار.
باسم: ربما بحكم الخلفية الثقافية وخلفية التدين القديمة له، ممكن أكيد. لكن لابد كما ذكرت أنه كان عنده إمكانيات وقدرات جعلت أبا جعفر المنصور أن يطلب منه أن يصوغ شكلاً من أشكال التاريخ أو قراءة تاريخية للنبي مثلاً أو لسيرة النبي، هل طُلِب منه فعلاً أنه أريد منك أن تكتب سيرة للنبي أم كما ذكرت أنه أريد منك أن تكتب حكايا ليتسلى بها أطفاله؟
سعدون: الرواية المتداولة طبعاً هنا الباحثون المعاصرون أذكر نقطة مهمة يتهمون ابن إسحاق أنه مؤسسة يهودية، أنا أريد أن أقول وجهة نظري الشخصية: نحن لا نحكم على النوايا نحكم على الخطاب ، أنا ما اعرف نيته ما هي، الرواية الأدق أنه أراد كتابة شيء كتابة شيء للتسلية..
باسم: أطفال أبي جعفر المنصور.
صراع “العمومة” و”البنوة” واغتيال ابن المقفع
سعدون: وأيضاً إيصال رسالة أن هذا جدكم أو عمكم فنحن العباسيين لسنا خارجين عن الشرعية في صراعنا مع آل علي، فنحن أقرب لأنه نحن الأعمام وهم أبناء البنت. ما سبب هذا الجدال صار بين أئمة أهل البيت، أنتم أبناء البنت نحن الأعمام الأقرب، وهذا صار صراعاً على الشرعية. لنجد مثلاً ما الذي يدفع أنه موسى بن جعفر يكون في سجون هارون الرشيد؟ الشيء القريب هؤلاء قريبون أعمام تكون علاقة جيدة، بل إنه تاريخياً يُروى أن المأمون أراد أن يضع حداً لهذا الصراع عندما عيّن علي بن موسى الرضا ولياً للعهد ولكن الأمر لم يتم، وبتعبير علي الوردي نفسه العراقي يقول: “كل محاولات الصلح بين العباسيين والعلويين انتهت بعد رحيل المأمون”، المأمون عنده نزعة عقلانية فأنا أعتقد أن الموضوع كان لكسب الشرعية ولإيصال رسالة، نحن أولى بالنبي منكم.
باسم: يعني كان أبو جعفر المنصور واعياً
سعدون: واعياً جداً
باسم: جداً لما طلبه من ابن إسحاق واسْتُقْدِم ابن إسحاق لتنفيذ هذه المهمة.
سعدون: ابن المقفع كَتَب كتاب “رسالة الصحابة”، والصحابة في الكتاب يقصد الندماء أو المستشارين الخاصين بالملك كيف شروطهم، ليس صحابة، صحابة الرسول. استشعر أبو جعفر المنصور خطر ذلك فاستدعاه وقام -يعني قد تقرأ قصة لأحد التنظيمات الجهادية- قام بحرقه وشويه عن طريق المقربين، قاموا بشويه وحرقه، ابن المقفع لأنهم استشعروا خطورته. هنا الفرق بين المثقف العضوي الذي يقول الحقيقة أمام الحاكم ويتحمل النتائج، والمثقف الذي يستطيع الحاكم أن يشتريه. فدليل أنه تقريبًا ابن إسحاق قام على ابن المقفع يعرف جيداً أن هناك مثقفين يشكلون خطراً عليه.
باسم: طيب وفق قراءاتك أنت، من أين.. ما هي المصادر التي استقى منها ابن إسحاق حتى يكتب سيرته عن النبي؟
سعدون: أنا أعتقد المصادر تبدأ بالمرويات العربية المتداولة، العنعنات، الأشعار العربية، كتب السيرة.. هنا يأتي إلى شخص يعني إذا قسناها كم جيل؛ إذا قسناها بتعبير ابن خلدون إنه الجيل 33 سنة يعني نحكي تقريباً 4 أجيال، يستطيع الآن لو عملت بحثاً عن الحرب العراقية الإيرانية عام 80 أستطيع أن أجد أشخاصًا على قيد الحياة. حتى لوط بن يحيى عندما بدأ 120 هجرية بكتابة معركة الطف مقتل الحسين كان الناس باقين عمرهم قرن، وكان يذهب إليهم ويستمع من عندهم الشفوية، تداول الروايات المتداولة هي مصدره. قد تكون هناك وثائق واصلة من العهد الأموي، ونحن عندنا أبان بن عثمان، عروة بن الزبير.. وناس كَتَبوا محاولات قد تكون وصلت إليهم وبدأوا بالتدوين..
باسم: هل كان ابن إسحاق باحثاً أم مجرد كاتب أم عنده هذه القدرات للصياغة؟
سعدون: عنده قدرات هائلة، معرفته بالعلوم العربية، بالعنعنات، يعني ذهابه انتقاله بين مختلف الدول. ثاني شيء اليهودية، اليهودية أنا قرأت دراسة تقول في وقتها — “الطبقات الكبرى” لابن سعد..
باسم: لابن سعد…
سعدون: يقول ..عندما بُعِث النبي في مكة عدد المسلمين الذين يجدون القراءة والكتابة لا يتجاوزون 200 شخص، وهذه مشكلة الأمية كانت هائلة بين العرب. هنا نعني بالأمية عدم القراءة والكتابة وليس شيئاً آخر، قالوا: “لا، ليس علينا في الأميين سبيل”، وأن القدح المعلى في عملية المعرفة كان اليهود.
باسم: الأمية هنا وفق النص.
سعدون: لا ليس تفسير النص، عبارة بالنص قرأتها بالطبقات قال: “يقرؤون الكتابة ما يتجاوز 200 شخص بين العرب”، ولذلك الرواية إن صحت في معركة بدر كل من يعلّم المسلمين القراءة والكتابة يُطلق سراحه، إذن اليهود.. وطبعاً ابن إسحاق قادم من سلالة لابد أنها انتقلت المعرفة والكلام من جيل إلى جيل حتى هو وصلها، والمعرفة هنا تصاعدية عرف من قبل من أبيه من الحجاز.
باسم: أريد أن أسأل سؤالا خارج نطاق النص، سؤال حاب أن أثيره: لأنه ابن إسحاق كونه من جنوب الجزيرة العربية وبالتأكيد يكون سليل ثقافة محلية هناك، ولا شك أن اليمن كان فيها مجموعة من الخطوط وأهمها كان خط المسند، نعم. هل كَتَب ابن إسحاق سيرته للنبي الكريم بخط المسند أم بخط الجزم الذي نتحدث عنه؟
سعدون: ما عندي معلومات، لكن هو السؤال الأهم: لماذا لم تصل إلينا سيرة ابن إسحاق وما هي الأمور التي استفزت ابن هشام حتى قال: حذفت؟
باسم: هل ابن هشام عاصر ابن إسحاق؟
سعدون: ابن هشام يبعد حوالي فرق عنه خمسين عاماً.
باسم: يعني أكيد كانت وقعت بين يديه سيرة ابن إسحاق.
سعدون: وقعت.. ابن هشام تقريباً بعد 200 هجرية توفي، يقول: “قمت بعملية تنقيح.. هو ليس مؤلفا للسيرة..، قمت بعملية تنقيح”، وقال هائلة؛ يعني عملية التنقيح حسب ما قرأت تختلف تختلف عن السيرة بنسبة 75% من حيث الحجم قام بالتقليل .. حذف.. يعني ما عملت إضافة
باسم: ورغم كل هذا بقي فيها ما يعني..
سعدون: لكن، لم يصل إلينا سيرة ابن إسحاق، الموجودة سيرة ابن هشام.
باسم: لنفترض جدلاً أن ما حذفه ابن هشام من سيرة ابن إسحاق كان يسيء أو يعني ما كان مطابقاً للوقائع التاريخية أو فيه إساءة للنبي.
سعدون: ما ذَكَر، لكن ذَكَر بعض الأمور، قال: “في سيرة ابن إسحاق سورة الأحزاب ليست كما هي، هذه السورة أضخم قد تصل لسورة البقرة، وأمور تخص حياة النبي الشخصية تم حذفها”.
باسم: هل كان العباسيون، وبالذات أبو جعفر المنصور راضياً عن هذا النص؟
سعدون: راضيًا لأن هذا تدعيم لسلطتهم.
باسم: حتى وإن كان هناك إساءة؛ نصوص تسيء للنبي..
—-
صراع “العمومة” و”البنوة” وتشويه العهد الأموي
سعدون: أنا أعتقد أن الموضوع ليس بالنبي بذاته، هو الموضوع للحصول على الشرعية؛ تضخيم دور العباس عم النبي، وتضخيم دور عبد الله بن عباس، وضع بعض الأحاديث التي تنبئ من أنه سيظهر كذا من جيل كذا، سيحصل على هذا المهم، وأيضاً التقليل من شأن خصومهم، هذا جداً مهم. وهذا ما حدث مثلاً في آيات المواريث، الخلاف مثلاً الحديث الذي يقال
باسم: لا وصية لوارث
سعدون: إن الحديث ظهر في العصر العباسي: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة”، وتم تطوير هذا الحديث في النزاعات والخلافات، ونحن نعرف مسائل الإرث وموضوع فدك بالتاريخ يعني لم يقف عند حد إنما مشى، موضوع السلطة السياسية والتوريث وغيرها. موضوع أيضاً الآراء من بعض الصحابة مثلاً آخرين، مثلاً العباسيين كيف كانوا يرون الأمويين؟ تم مسح كل فضائل لهم، أو كما يقول الإمام علي في عبارة مهمة جداً: “إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه”. لم تبقَ أي حسنة للأمويين في كتب التاريخ، بل أنا قرأت مؤرخا معاصرا قال جرى -وجهة نظر المؤرخ- تشويه كل صورة الأمويين؛ معاوية وغيرهم، ولم تكن هذه الصورة التي جاءت إلينا عن طريق العباسيين صحيحة تم محو كل الفضائل، لأن السلطة السياسية تحاول أن تنقل ما يوافق أيديولوجيتها فتقزم الخصم وتعلي من شأنها.
هل اخترع العباسيون تديناً موازياً؟
باسم: معقول وصل حد العداء في بني العباس لبني أمية إلى هذه الدرجة؛ أن تشطب تاريخ مجتمعات كاملة أو دين كامل، واختراع تدين مختلف كلياً؟
سعدون: معقول، كما عَمِل صلاح الدين مع الفاطميين “كلما دخلت أمة لعنت أختها”، معقول؛ لأنه يحاول.. بالمناسبة الأمويين كانوا غافلين، بمعنى هم تصوروا خلال قراءاتي أن الخطر من آل علي، يعني نحن نعرف أنه بعد الإمام الحسين في مصرعه عام 61 [هجرية] ذهبوا إلى العمل السلمي وعُرضت عليهم عروض، يقال عُرضت على محمد الباقر وجعفر الصادق -لأن جعفر الصادق توفي 148 هجرية كبدايات العصر- رفضوا الدخول في أعمال مسلحة وذهبوا إلى العمل الفكري أو الفقهي، الموضوع استفز. يقول لك آل الحسن أبناء الحسن طالب أحفاده، وهم بعد دخلوا في صراعات مع العباسيين فيما بعد، والفرس والرايات التي دخلت تحت موضوع التشيع هم الذين كانوا يحفرون للأمويين من التحت فلم يتوقعوا هذا الأمر. حتى قال أحد..
باسم: كان فيه سذاجة سياسية عند الأمويين.
نهاية عهد الأمويين والمثقف المستهدف
سعدون: جداً، حتى قال أحد المؤرخين عبارة جداً مهمة وطريفة: “بدأ حكم الأمويين بقميص -قميص عثمان- وانتهى ببولة”. ماذا يعني بولة؟ يقال إن الخليفة المظلوم الخليفة الأموي الأخير مروان بن الحمار -يعني مروان بن محمد الحمار كنيته قوية- كان يبول في زاوية ثم قُتل وانتهى العهد الأموي، وكان له صديق اسمه عبد الحميد الكاتب، فعندما دخل العباسيون قال له: “أنت فر، فإني إذا قُتلت قُتلت أنا، وإذا قُتلت أنت قُتلت أمة”. لأن عبد الحميد يمتلك أسرارًا وكاتب، وتم تصفيته فيما لحق. فالعباسيين بعد سيطرتهم هنا موضوع السردية.. فرضوا سرديتهم هم. من الذي يدفع مفكرًا معاصرًا مهمًّا مثل محمد شحرور وغيره لأن يقول: “نحن نعيش الآن تحت سطوة الإسلام العباسي”؟ بعض المؤرخين يقول الأموي، لكن التركيز على العباسي فقهياً وغيره؛ لأنه كل ما كُتب..
باسم: كل الفقه الذي بين أيدينا هو فقه عباسي.
فرض المذاهب ومصرع أبي حنيفة
سعدون: ليس فقط فقه عباسي، تم استبعاد بعض الفقه وتم إقرار بعض، مثلاً أنت لك حرية الاختيار تقتنع تنتقي، لا، تم فرض رؤية أن تقرأ من هذا، وبالمناسبة بعض الفقهاء لقوا مصرعهم في العصر العباسي؛ أبو حنيفة قُتل في سجن أبي جعفر المنصور لأنه رفض القضاء، مع العلم أن أبا حنيفة ليس فقيهاً بمعنى الكتابة هو فقيه شفويّ، لكن نحن أخذنا آراء الأحناف من أبي يوسف الأنصاري وهذا قاضي سلطة ومحمد بن الحسن الشيباني، وحتى مالك بن أنس عندما أيد وحتى أبو حنيفة عندما أيدوا بعض الحركات في ولاية العصر العباسي وعندما أيد ابن النفس الزكية وغيره لقوا مشاكل وأفتوا بنصرته.
باسم: هل التلاعب في سنة الرسول الكريم كان أسهل على العباسيين من التلاعب بالنص القرآني ذاته؟
سعدون: أنا أعتقد أن النص القرآني نص مقدس ومحصور بين دفتين من الفاتحة إلى [الناس]،
باسم: لم يستطيعوا مثلا ..
سعدون: التحريف يصير بمعنى النص، بالتفسير.
باسم: هو أكيد صار تلاعب
تضخم السنة النبوية والسيطرة على العوام
سعدون: لكن أنا وجهة نظري .. وجهة نظري الدول هذه خلقوا قدسية تنافس قدسية القرآن بل قضت على القرآن .. هي السنة. الشخصية الوحيدة التي يجتمع حولها المسلمون مهما اختلفت انتماءاتهم هي شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، فبالتالي لابد من اختراع، أنا سأذهب إلى شغلة شخصية بحثت بها ليستطيع المشاهد أن يتابع الموضوع: الخلاف الهائل عليكم “تمسك بكتاب الله وسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي”، والطرف الآخر يقول “وعترتي”، الحديث [مورود] في مسلم، ذهبت إلى مسلم لا يذكر لا سنة ولا عترة نهائياً، فوجدت فقيها معاصرا من أحد الدول العربية في حوار في اليوتيوب فيسأله المقدم قال له: “هذا مسلم صحيح مسلم ورد الحديث لا توجد سنتي”، قال له: “هذا صحيح لكن وضعناها نكاية بالشيعة حتى ينافسهم، هم يقولون عترة ونحن نقول سنة”. حتى ابن الجوزي وهو فقيه في العصر العباسي -وهذا صاحب كتاب تلبيس إبليس وغيره وكان أيضاً له علاقة في شيطنة الآخر- يقول: “كنا إذا رأينا حديثاً -وهذا حديث غير صحيح- شيئاً حسناً جعلناه حديثاً”، يعني كانوا يسمونهم القصّاص في ذلك الوقت الذين يخترعون الحديث. وسأعطيك مسألة تكلم عنها بكثرة الراحل جورج طرابيشي حول تضخم السنة النبوية، هذا التضخم ساعد في إرواء ظمأ التدين الشعبي والسيطرة على العوام. الموطأ لمالك بن أنس معروف، مالك يعني 179 هجرية إذا ما خانتني الذاكرة كان رحيله وكان معاصراً لأبي حنيفة، في الموطأ أنا راجعته شخصياً ما تتجاوز الأحاديث مع التكرار 600 حديث، ومالك في الجزيرة العربية هو يأخذ السنة العملية للنبي وكان في الحجاز وزائد السنة القولية، يركز على عمل أهل المدينة يعتبره حديثًا لأن هذا العمل انتقل بالتواتر، 600 مقبولة.
باسم: معقول، أكيد الرسول كان يتفاعل مع الناس.
من 600 حديث إلى مئات الآلاف وأسلحة الأحاديث
سعدون: هنا نقف .. هذا التضخم حدث بمرور السنوات لسد حاجة، للسيطرة على العوام؛ مع أحمد بن حنبل المتوفى [241 هجرية] لو قمنا بعمل خط من 179 إلى [241] يعني نوصل في نصف قرن، مسند أحمد بن حنبل الرسمي 40 ألف حديث، هذا مكتوب هذا ليس من عندي .. 40 ألف، مع البخاري [المتوفى] 256 هجرية..
قال الصحيح، وسأذكر على الصحيح بعض المعلومات قرأتها صادمة؛ الصحيح بعد حذف المكرر 3900 وكسور .. يقول عُرض عليه 600 ألف حديث .. من3000 إلى الـ 600 ألف نسبة عدم، إذن عملية التزوير كم استمرت؟ قفزة بهذه الأرقام، هذه وجهة نظري، هدفها السيطرة على الناس باختراع [أحاديث]، والمسلمون اليوم يخترعون [الأحاديث] ليرد كل طرف على الآخر، لذلك تعبير طريف للدكتور علي الوردي في “وعاظ السلاطين” جدًا طريف يقول: “الرسول ليس لديه أنواط شجاعة لكي يوزعها للصحابة فهو يكرمهم بأحاديث: لو سلك الشيطان فجاً لسلك عمر فجاً آخر، كذا كذا”، يقول هذه الأحاديث استُخدمت أسلحة فيما بعد .. لنفي الآخر بينما هي أحاديث ظرفية خاصة في ذلك الزمن.
دوافع ابن هشام في تنقيح سيرة ابن إسحاق
باسم: عودة على سيرة ابن هشام، ما الذي دفع ابن هشام ليقوم بعملية تنقية لسيرة ابن إسحاق وعلى أي أساس اعتمد أن يشطب هذه ويخلي هذه؟ ما الدافع الخاص به؟
سعدون: أنا أعتقد وجهة نظري أساس أيديولوجي، المدرسة الحديثية وضعت بذرة هنا مثل كرة الثلج فلذلك نرى بعد ابن هشام هنا مدرسة السيرة، قد تكون مدرسة الحديث أوضح من السيرة لأنه في بداية العصر الأموي كان هناك خلط بين الحديث والسيرة .. لم يكن هناك هذا التقسيم الحاد .. كانت كلها سيرة وكلها حديث وتنقل عن النبي. مع ابن هشام، وجهة نظري أن الموضوع خاص أيديولوجي بالحفاظ على شرعية الدولة وأنها سيرة النبي وأنه بشر بوجود، العباسيون، فعندما تقع بينه -نحن لا نعرف نوايا- تقع بين يدينا السيرة فيها مآخذ بنظري .. نحن نتكلم عن وعاظ وقد تثيرهم أي مسألة، وهذا يفتح مجالًا أن القرآن إذن الأحزاب كيف وصلت لنا هذه السورة؟ إذا الأحزاب كانت أكبر مما موجود إذن هناك مشكلة، حسناً بعض الأمور الشخصية الجانبية تتعلق بقصة زينب بنت جحش وغيرها وقصة النبي وورقة بن نوفل، هنا المسألة صارت عقائدية، والعقائدي يقال لا يؤخذ منه تاريخ لأن العقائدي يخلط ما بين ما هو ديني وما هو تاريخي، فيعتبر هذا حتى الآن في الحكومات المعاصرة الآن عندها عقيدة وعندها كتاب وتخاف على نفسها فأي ثغرة بهذه العقيدة يخلق الشك في هذه الدولة فتنهار.. تنهار الدولة.
انغلاق العقائد وغياب المنهجية
باسم: يعني لما كتب ابن إسحاق السيرة وعُرضت، هل عُرضت على المختصين مثلاً لقراءتها وتتبعها؟ هل تُرِكت كما هي، وبالتالي مما دفع ابن هشام في مرحلة لاحقة أنه يرى أن فيها الكثير من الإساءة للنبي
سعدون: نحن نتكلم عن فقدان الكتاب، فُقِد في مرحلة، ما موجود، أنا أعتقد الأمور الذي استفزت ابن هشام هي جاءت من جانب عقائدي، هو لو مفكر حر عنده انتماءات مفتوحة فيقول لك تبقى هذه، لماذا مثلاً أسأل لماذا الطبري لماذا كتاباته استفزت الحنابلة؟ هذا يعطيك طبيعة هذا العصر ما فيه قبول للرأي الآخر وإن العقائد انغلقت على أهلها.
باسم: يعني ربما من باب أنه كونه ما عجبته السيرة.
سعدون: هي مسألة مزاج
باسم: شطبها.
سعدون: شطبها.. يعني آخذ مثالاً وهو هذا مآخذ على المعتزلة، المعتزلة عندما استولوا على السلطة أو تبنوا السلطة كان بقوة الاستبداد السياسي الذي خلقه المأمون الذي قام بعملية خلق القرآن واستدعاء الفقهاء وامتحانهم، والدولة تبنت هذه النظرية وساعدت بيت الحكمة والترجمة وفرضت رؤية لقراءة الدين. عندما .. يعني هؤلاء الخلفاء الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق بالله.. هي نفس السلطة العباسية انقلبت .. جاء أحمد بن حنبل قال: “لا” ومحا كل تراث “المعتزلة”، وتم مطاردتهم في بغداد
باسم: يعني كان كل خليفة له..
سعدون: يفرض رؤيته وأيديولوجيته بما يؤمن حفاظه على السلطة، هذا الموضوع موجود إلى الآن وأيضاً يقوم بإخفاء الطرف الآخر ثم يعلي هو من نفسه.
باسم: إذاً سيرة ابن هشام أو ما يسمى بسيرة ابن هشام وهي ليست سيرته
سعدون: هي منقحة عن ابن إسحاق.. لكن أشير جداً للكلام أنه سيرة ابن إسحاق وُجدت قبل فترة قصيرة والعمل يجري على تنقيحها وإخراجها، ليست كلها إنما جزء منها.
شخصية النبي بين السيرة والقرآن الكريم
باسم: إذاً ما موجود في سيرة ابن هشام أيضاً عليه انتقادات، فكيف يعني كيف الانتقادات كان ممكن تكون لو بقيت سيرة ابن إسحاق؟ يعني كان فيها كم هائل من الإساءة للنبي وهل الإساءة كانت مقصودة يعني؟
سعدون: ما أعتقد مقصودة، نحن بالمناسبة كتابات توجهات السيرة تختلف بحسب فهمهم وثقافتهم وأيديولوجيتهم؛ ماذا أحتاج أنا من سيرة النبي؟ طبعاً وجهة نظري أن القرآن الكريم كان شحيحاً -وجهة نظري- في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام .. في القرآن؛ تفصيل عن موسى هائل موجود..
باسم: تمام ولكن ..
سعدون: في القرآن إشارات عابرة
باسم: شخصية النبي في القرآن مختلفة كليًا عن السيرة..
سعدون: نعم لكن إشارات مختلفة عن السيرة، لكن علاقاته مع زوجاته بصورة عامة مع المخالفين يعني مثلاً وهذا الكلام على ذمة هادي العلوي في كتاب “الاغتيال السياسي في الإسلام” يقول: “النبي كان رئيس دولة والنبي كان حاكماً واقعياً، فالنبي -وهذا الكلام انفرد به هادي العلوي- مارس الاغتيال السياسي لخصومه وذكر بعض الوقائع”، هذا رأي.
باسم: نعم رأي، لكن، نحن نحكي عن النبي..
سعدون: هذا لماذا فتح؟ أنا قلت لماذا فتح الباب، فتحت التوجسات وقد يسمى إثارة الشبهات، فُتح بسبب موضوع السيرة خلانا نجتهد لو كانت هناك سيرة واضحة صحيحة جاءتنا بصيغة علمية.
باسم: صح.. لكن نحن نتحدث عن شخصية النبي وشخصية رسول معصوم وبالتالي وأن النبي موجود يعني في صياغة القرآن، يعني القرآن تحدث عن شخصية النبي بحديث يليق بنبي.
سعدون: جيد، المحدثون..
باسم: أن يأتي أي محدث باتهام النبي..
تضخم السيرة ومفهوم السيرة العلمية
سعدون: هناك محدثون عمالقة ليسوا ناسًا عادية..
باسم: أنا متفق معك
سعدون: جاءوا بأمور أوسع من هذه؛ موضوع سحر النبي.
باسم: هذا موجود في السيرة.
سعدون: موجود في السيرة، ومحمد عبده عندما نفاه قامت عليه القيامة، هذا فقيه معاصر قبل مئة عام .. قالوا: “هل نتبع رجلًا مسحوراً؟”، قال: “مستحيل هذا يخالف القرآن”. هنا السيرة والحديث إذا خالفت القرآن ماذا نفعل؟.. إذا كانت هناك طائفة معينة أو جهة معينة أيديولوجية تقول لك السنة قاضية على القرآن .. هذا ما أستطيع أنفيه.. ووردت في بعض السيرة.
باسم: هم موجودون لحد الآن هناك محمد حسان وغيره..
سعدون: ويأخذون من بعض أخبار السيرة السنة القولية والفعلية يعني مسألة تشريعية. يقول لك النبي فعل كذا .. السؤال الآن، أنا قرأت كل سيرة النبي.. سؤال مهم؛ قرأت البوطي، قرأت لـمحمد الغزالي المعاصر، لقرأت الرحيق المختوم، هل هناك سيرة نستطيع أن نقول علمية كُتبت وراعت الأمور البيولوجية والأركيولوجية والكوسمولوجية .. في ذاك التاريخ؟ أنا الآن لو جاءني شخص قال لي إذا أردت أن أقرأ سيرة نبوية علمية عن النبي هل توجد؟ حسب علمي لا.
باسم: هناك سيرة في القرآن..
سعدون: نحن نتحدث عن كتاب يقدم النبي للعالم بصيغة علمية؛ أنا أقرأ سيرة بوذا مثلاً، أقرأ سيرة المتنبي، أجد كتبًا .. بحكم أعرف.. إذا أقرأ سيرة الإمام علي، أقرأ سيرة عمر بن الخطاب، أقرأ أي سيرة أي شخص سأجد كتاباً بفصول، كلام واضح كذا، لكن ماذا أقرأ عن سيرة النبي؟
باسم: إذن سيرة النبي تعرضت للتشويه.
سعدون: محل خلاف بين المسلمين، وكل طرف يحاول أن يجر النبي إلى نفسه للحصول على الشرعية. محل خلاف.
غياب القرآن عن كُتَّاب السيرة وتاريخ طباعة المصحف
باسم: لماذا كان القرآن غائباً عمن كتب السيرة؟ يعني إذا تقرأ السيرة أو هي السيرة الوحيدة وما بُني حول السيرة تشعر في لحظة أن القرآن غائب صح ولا يُسترشد به في تقويم وتقييم ما كُتب عن النبي؟
سعدون: لها أسباب عديدة؛ القرآن يعطي خطوطاً عامة لا يدخل بالتفاصيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، جيد .. ما التفصيل هذا حتى خلافاته مع زوجاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]. نذهب إلى سبب النزول ولو كان السيوطي في التفسير بأسباب النزول يذهب إلى كل تفصيلة تخص النبي في بيته مثلاً في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: 1]، يقول دخلت خولة بنت ثعلبة وقالت إن زوجي قال كذا والنبي حائر ينتظر الوحي، وتقول السيدة عائشة كان بيني وبين خولة عدة أمتار ولم أسمعها فقال قرآن قد سمع الله، قد نجد هذا في أسباب النزول في التفسير. لكن في غياب القرآن نقول عدم حضور النص القرآني لأن نص القرآن يعطي خطوطاً عامة. لكن أنا عرفت معلومة صادمة في قراءاتي؛ كل بيت مسلم الآن فيه قرآن من الدفتين من الفاتحة للناس، الذي قرأته بشكل مؤكد .. وباحثين من مصر وكانت علمانيتهم لا تعيبهم .. يعني هؤلاء باحثون حقيقيون قالوا: “المسلم في حياته لم يكن يتوفر عنده نص كامل للتنزيل الحكيم بين يديه بين دفتين إلا في نهاية القرن التاسع عشر”.
باسم: هذا كلام صحيح.. صح
سعدون: بمعنى أنا كنت من الأثرياء يقولون كان شخص من الأثرياء عنده رقع أو كذا سورة الأحزاب سورة المائدة فيختلف، هناك بيت عنده حوالي 15 سورة .. وبيت آخر عنده عشرون.. وبيت ما عنده
باسم: عندما توفرت الطباعة..
غياب النص وتضخم الفقه وصراع السرديات
باسم: ولهذا أحد الأسباب -أنا رأيي- أنه لشيوع ما يسمى بالتدين الموازي في العهد العباسي وما بعده حتى بداية عصر الطباعة، طباعة المصحف بالشكل الجيد القرن الثامن عشر أو التاسع عشر بيوت المسلمين قليل من كان يمتلك نسخة عن النص القرآني.
سعدون: والأثرياء يعني الطبقة الغنية فقط.
باسم: ولهذا حلّ رجل الدين محل القرآن أو محل الله في العقل الجمعي.
سعدون: رجل الدين كان يدور بدور الإرشاد أو كان دور القصاص ويتكلم، ثم هذه الأمور لها يعني مسألة الكلام..
باسم: يعني تضخم الفقه على حساب غياب النص.
سعدون: تضخم الفقه وأيضاً لأسباب أيديولوجية لها علاقة موجه لمن يوجه هذا الكلام، يعني هو لا يضع مسافة بينه وبين.. يبحث عن الحقيقة، مسألة النية.. هدف الباحث.. ولكن ليست الحقيقة.. الهدف تثبيت سياسة ما أو شرعية ما أو قصة ما، وهذا ما نجده في كتب التاريخ. والآن نحن نتكلم عن صراع السرديات نحن نعاني منه إلى اليوم المسلمون، لذلك ابن خلدون عنده عبارة مهمة في المقدمة .. يقول: “المؤرخ كان هدفه الحصول على ثقة الناس تثبيت ثقة الناس، وذلك ببيع لهم الوهم يبيع لهم الوهم .. لأنه لا يريد أن يخسر ثقتهم”، لأنه إذا قد تكلم بالحقيقة قد يُقتل، وهذا ما شاهدناه للطبري، وإذا طلع وخالف العقل الجماعي في قضية ما سيدفع الثمن حياته فيقول لك أنا أضطر أُجاري الرأي العام.
باسم: أنا سمعت رجال دين -بين قوسين- يقولون إننا لا نستطيع مجابهة العامة بحقائق حقيقية عن الدين إنما لازم نتماشى معهم.
سعدون: صح .. حتى الطبري في تفسيره يقول عبارة تخص العقل الجمعي.. أن بعض الحقائق الطبري يقول: “قد أخفيتها خوفاً على نفسي”، لازم أطلع على وثائق مؤرخ ومفكر ومؤرخ عملاق فاضطر لإخفائها يقول ما ذكرتها في التفسير.
باسم: إذن العقل الجمعي العربي الإسلامي وحتى المسيحي وحتى اليهودي يعني خاضع لسرديات..
تعدد السرديات داخل الدين الواحد والحل بالعودة للمؤسس
سعدون: توينبي المؤرخ وهو أهم مؤرخ بريطاني توينبي يقول: “يميل المؤرخ يميل إلى تثبيت رأي الجماعة المنتمي لها أكثر من أن يأتي لها برأي جديد”، تثبيت رأي الجماعة فيؤيد يعني قد يجد هو في جماعة هو ما يأتي برأي جديد يقول خوفاً حتى يحافظ على وجوده يؤيد آراء هذه الجماعة ويعطي لها شرعية.
باسم: ولهذا تتصارع السرديات في العقل العربي الجمعي بشكل عام بما فيه اليهود، اليهودية وحتى المسيحية في المنطقة أو في المجتمعات العربية. هذه السرديات يمكن نحصرها بكم سردية؟ ثلاثة أربعة سرديات؟ عندك المسيحية الصهيونية يؤمنون بعودة المسيح .. وبالتالي….
سعدون: السردية الإسلامية منقسمة على نفسها .. بها أيديولوجيات ومذاهب داخل المذهب الواحد؛ يعني سردية الإسماعيلية يتوقفون عند الإمام السابع وموجود ناس الآن معتقدون بها، قامت عليها دولة، الدولة الفاطمية حوالي قرنين على موضوع فاطمة، تختلف عن الإمامية الاثني عشرية، تختلف عن الزيدية الآن في اليمن. يعني داخل المذهب والدين الواحد هناك سرديات؛ سردية الأشاعرة غير المعتزلة، السلفية مثلاً الحنبلية غير سردية المعتزلة، وفيها سردية أبو حامد الغزالي الذي كفّر الفلاسفة والتي هي منتصرة الآن، تختلف عن سردية ابن رشد العقلانية نوعاً ما. فداخل الحضارة نفسها هناك سرديات وهناك مدارس وكل سردية تقتل الأخرى.
باسم: هل هذه تعدد السرديات التي تقريباً غالبيتها وهمية -هي سرديات وهمية تعتمد على حكايا ما لها واقع أصلاً- يعود إلى غياب النص القرآني في حياة المجتمعات؟
نشوء الدين الموازي ومصادرة النص
سعدون: صحيح، القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، لم ينطلقوا من القرآن وتوحيد المسلمين وهذه المشكلة ظهور -أسميها أنا- دين موازٍ للقرآن؛ فظهرت عندنا السنة، ظهرت عندنا السير، ظهرت عندنا المغازي، وظهر عندنا الفقه وهذه أخذت مساحة من القرآن نفسه، وظهر عندنا مفسر القرآن. القرآن الكريم “نص مطلق” ظهرت عندنا تفاسير للقرآن على النص.. أدونيس في “الثابت والمتحول” وهذا لا أعرف لماذا لا يتكلم عنه أو عاد طباعته بالأربعة أجزاء، يقول: “هناك نص مؤسس أول في الحضارة الإسلامية هو القرآن، جاء نص مؤسس مثل التراب كما تضعه على تمثال أو جوهرة، غطى على النص الأول فحتى نعود للأول المؤسس هذا كلها نعزلها،
باسم: لازم تزيلها.. وهذا ما قاله شحرور
سعدون: وهذا لم يحدث؛ لأن هذا أصبح موازيًا للقرآن الكريم فأصبح الفهم للآية وكذا الآية تصادر لطائفة واقتطاع الآية من السياق ثم جاء. وأنا قرأت في أحكام الفقه أن الجصاص فقيه حنفي في أحد الكتب.. هذا كان يذهب إلى آيات القرآن يفسرها تفسيرا متعسفا حتى توافق رأي أبي حنيفة، هو لا يذهب إلى القرآن كحاكم يعني تصل إلى النتائج. الباحث العلمي لا يعرف النتائج من البداية إنما الدليل يقوده، هذا كان يقرأ القرآن قراءة متعسفة، القرطبي فقيه مالكي .. ابن كثير شافعي..
باسم: يقرأ القرآن عِضِين..
قراءات منصفة غيبتها الأيديولوجيا
سعدون: أنا ذهبت لكتب الفقه نزاع هائل على آية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]؛ شخص يقول الباء هنا للتبعيض تمسح شعرة، واحد يقول لا هنا ليس للتبعيض تمسح رأسك كله. الصراع على مسألة الوضوء، مسح القدم تأخذ نظرة واحدة في: ﴿وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] حتى البارحة سمعت واحدًا، خلاف حتى البارحة من فلسطين؛ هل هو غسل أو مسح؟ نحن إذا ذهبنا للقرآن بعيداً عن النظرة الأيديولوجية وسأعطيك مثلاً للباحث المنصف الذي يخرج عن مذهبيته؛ محمد الغزالي فقيه مصري معاصر، قرأت له كتابًا مبكراً بالتسعينات اسمه “الإسلام والطاقات المعطلة” فبالفقه ينصف المذاهب الأخرى ويقول إن الحقيقة ليست حكراً على مذاهب الجمهور الأربعة، ويأخذ مثالاً تطبيقياً يقول: “يعجبني رأي الإمامية الاثني عشرية” -ورجل سني المذهب- في أن الطلاق دون شهود لا يقع، ويذهب إلى نص قرآني يقول: “أنا أعتذر للجمهور، نص القرآني يحكمني: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]”، الطلاق دون شهود لا يقع، عكس الـ ..
باسم: وأن الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ صح.
سعدون: هنا الرجل خرج من مذهبيته وطائفته وذهب إلى القرآن لم يذهب للإمامية لأنهم إمامية، الإمامية هنا في مسألة نص قرآني توافق.. طبعاً. يؤيد ابن حزم هنا مسألة .. مسألة الردة وبها حكم هائل؛ نحن نجيب سورة البقرة أن الذين آمنوا سورة النساء العفو .. سورة النساء [الآية 137]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً﴾ ثلاث مرات.. جيد، لو كانت هناك ردة بالبداية كيف يتحول؟ مسألة الرجم الآن تثار؛ ابن حزم الأندلسي في “المحلى” عندما يتكلم عن مسألة الرجم عن المحصنات وغير المحصنات يقول: “هل الرجم ينصف؟ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ، هل الرجم ينصف؟”. هناك قراءات منصفة جيدة لكن الأيديولوجيا غيبتها.
تدبر القرآن ومأزق التفسير التابع للفقيه
باسم: السؤال هنا بصلب ما تقدمت فيه لاختلاف التفاسير، هل يعود اختلاف التفاسير وسوء فهم النص إلى غياب الآلية في النص القرآني؟ يعني العرب لا يعرفون كيف يقرأون القرآن مثلاً، أو هل قرأوه بطريقة خاطئة، أو استخدموا آلية مختلفة عن قراءة النص، خاصة أن النص يقول لهم أنه كتاب يفصل بعضه بعضا كتاب مفصل وواضح أنزل باللسان العربي المبين، وبالتالي كيف اختلف المسلمون في قراءة النص وما زالوا مختلفين؟ هل الاختلاف في الآليات؟ هل الاختلاف في المستويات المعرفية؟ هل أنه لا يعرفون ما معنى ترتيل القرآن؟ ما معنى تدبر القرآن؟ ما معنى استنباط الأحكام في القرآن؟ ما معنى اللسان العربي المبين؟
سعدون: أنا سألت نفسي سؤالاً قبل أيام هذا الموضوع قبل الإجابة قلت الصحابة.. وأنا رجعت قرأت كتب التراث والقرآن تنزل عليهم على مدى 23 سنة لم ينزل دفعة واحدة، لماذا لم يقفوا عند بعض الآيات يسألون أو يسألون النبي: “هل كان معنى القرآن عندهم واضح؟” بمعنى هل يوجد مفسر في عهد البعثة النبوية كان يوضح للناس أم أن الآيات كانت مفهومة عندهم لذلك لا يسألون؟
باسم: القرآن لا يفسر، القرآن يتم تدبره، في دعوة واضحة نصية في القرآن لتدبر القرآن، وبالتالي التفسير له آليات مختلفة.
سعدون: مدرسة التفسير متأخرة عن المدارس الأخرى تقريباً القرن الثاني والثالث. السبب الأول أنا أعتبره لقتل القرآن -كما ذكرت حضرتك وعدم تدبره- أنه القرآن تم قراءته فقهياً بالدرجة الأولى؛ الحلال والحرام والطلاق. وأنا أرجع للمفسرين كثير من الأحيان .. نحن نعرف العبادات، يعني حتى في كتاب “أم الكتاب وتفصيلها” الراحل الدكتور محمد شحرور يقول: “استغرق مني الأمر أربع سنوات لأصل إلى أن عدد الآيات المحكمة في القرآن 19 آية”، هذا لا شيء من أصل 6236، أن الآيات الكونية أن الآيات المتشابهة
باسم: فانصبّ كل الجهد على المحكم..
سعدون: على المحكم
باسم: يعني صاروا يفسرون ما هو الحلال وما هو الحرام وهو واضح.
سعدون: وأضف إلى ذلك أن المفسر تابع للفقيه بمعنى القرطبي مالكي المذهب فيعسف الآية، ابن كثير شافعي، وهذه خلقت مشكلة لأنه أصبح المفسر تابعاً للفقيه، أو بالجانب الآخر في كل الفرق الإسلامية بدون استثناء لم يأتِ. أو يأتِك مفسر بالقرن العشرين تابع لحركة جهادية يفسر القرآن فيلغمه. وقوع القرآن تحت جلال الرومي غير ابن تيمية، ثاني شيء القرآن أصبح نصًّا هامشيًّا في الثقافة العربية لا مركزي، الحديث هو الذي قضى على القرآن. وثاني شيء نصوص القرآن نصوص [رمزية] ذات دلالة عالية فما يقدر. أنا أعتقد بعض المفسرين في القرن 21 -وهذا أنا سمعت حوار للدكتور محمد شحرور شخصياً سمعت حواراً إليه يقول أنا أستغرب أنني توصلت _ الكلام للدكتور محمد شحرور _ إلى أمور كانت غائبة على الأمة والنخبة من 1400 سنة- وأي شخص قارئ في “الكتاب والقرآن .. وأم الكتاب” سيجد أنه عندما استمتعت أنا جداً في الفرق بين كتب وفرض .. هذا ما نجده في ظاهرة الترادف، هذا فتح مجالات. أنا أعتقد غياب منهجية واضحة في قراءة القرآن الكريم هو الذي أدى إلى هذه النتائج التي توصلنا إليها..
منهجية غائبة وعقدة الإعجاز العلمي
باسم: صح، هناك منهجية غائبة، وأن القرآن قُرئ من خارجه أو بآليات خارج نطاق النص
سعدون: هو آليات فهمه بداخل النص..
باسم: فهمه بداخل النص، وقرئ القرآن كما قلت بالأحاديث أو بالرواية أو بالحكاية أو بالرأي دون الالتفات إلى الضوابط الداخلية التي موجودة في النص والتي تحدد.
سعدون: هناك مفسر في القرن العشرين مصري اسمه طنطاوي جوهري هذا وجهة نظري أساء للقرآن .. تقرأ كتابًا علميًّا، القرآن ليس كتاباً علمياً .. يربطه ربطًا، عبد الرزاق نوفل يربط بالنظريات النسبية ونيوتن ونحن سبقنا فلانا، عقدة، نفتح باب الإعجاز العلمي. بينما مثلاً كيف الجانب الأيديولوجي لعب دوراً في تغييب القراءات المنصفة، وواحدة من أهم التفاسير في قراءة القرآن هو “الكشاف” للزمخشري، لكن لم يتم النظر إلى.. عندما يتكلم يقول: “الزمخشري معتزلي وهذا عقيدته فاسدة فلا نأخذ له”، بينما الزمخشري تكلم عن أمور لغوية ودقائق لغوية في القرآن لم يتم الانتباه لها.
ختام الحلقة: تدين ضد الدين
باسم: الحديث شيق أستاذ حسين.
سعدون: شكراً دكتور.
باسم: الوقت يداهمنا دائماً بس أنا كنت أحبّ أن نلقي إضاءة على هذه الفترة الزمنية من وفاة النبي الكريم إلى بداية عصر التدوين، وتبين أنه كان فيه كتب وكان فيه كتبة ولكن أُخفيت بفعل فاعل، وصيغ في العهد العباسي تدين مختلف على جانب الدين الحقيقي الصح الذي يقصده النص القرآني…
سعدون: أريد أن أقول عبارة لـ علي شريعتي جميلة، عنوان أحد كتبه “دين ضد الدين” ليس إلحاد وكفر. وهذا أخطر شيء
باسم: أنا أسميه: تدين ضد الدين..
سعدون: يعني مؤسسات كاملة صَنَعت هذا التدين الزائف والموازي.
باسم: في رأيي الدين يجب أن يخرج من عباءة المؤسسات، لأن الدين دين حيوي ومن حي إلى أحياء. شكراً لك أستاذ حسين.
سعدون: شكراً دكتور، والأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء. موضوعك جداً عميق
باسم: إن شاء الله نلتقي في حلقات أخرى، شكراً لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من “مجتمع” إلى اللقاء.
