تحدثت الدكتورة ناجية الوريمي بوعجيلة، أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية، صاحبة “الاختلاف وسياسة التسامح في الائتلاف والاختلاف.. ثنائية السائد والمهمش في الفكر العربي الإسلامي والإسلام الخارجي”، خلال لقائها الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن قيم التسامح والاختلاف والنزعة الإنسانية، وهل هي ابنة الحداثة المعاصرة، وعن أعمالها بشأن التجارب والخطابات التي تنهض بهذه الدلالات في ثقافتنا العربية الإسلامية، ومشروعها الفكري، ولماذا يصر المستشرقون على ربط هذه القيم بالحداثة المعاصرة وبالغرب؟
لماذا يصر المستشرقون على ربط قيم التسامح والاختلاف والنزعة الإنسانية بالحداثة المعاصرة وبالغرب؟
قالت الدكتورة ناجية الوريمي بوعجيلة، أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “هذا السؤال مهم ويضعنا أمام أبرز الإشكاليات التي يمكن أن نعيد فيها النظر في ما يتعلق بحضور التسامح في الثقافة العربية الإسلامية؛ خصوصاً في القديم، لماذا الاستشراق يركز في الجانب اللا متسامح في التراث؟ أعتقد أننا اليوم نعيش نوعاً من حرب الهويات؛ المستشرقون عندما يقرؤون تراثهم يقرؤونه بعيون معجبة، بعيون تحاول أن تبين ما المزايا التي توفَّرت في هذا التراث ولم تتوافر في غيره من التراثات؛ وفي مقدمتها التراث الإسلامي، لو وقفت عند نموذجَين فقط؛ برنارد لويس على سبيل المثال أو صامويل هنتنجتون، هذان المستشرقان نجد أنهما يعتبران أن قيم الديمقراطية والتسامح والاعتراف بالآخر.. إلى غير ذلك، هي قرينة الفكر المسيحي ليس أكثر، وأن الحضارة التي تستند إلى الديانة المسيحية هي المؤهلة اليوم لتقود العالم”.
حقيقة الموقف الاستشراقي من الهوية الحضارية وإشكالية تمييز الغرب
وأضافت الدكتورة ناجية الوريمي بوعجيلة: “في المقابل نجدهما معاً يقدمان صورةً ذات وجه واحد؛ صورة التراث العربي الإسلامي، وهي الصورة الصدامية، صورة الثقافة الرافضة للاختلاف، الثقافة المصادرة للاختلاف بكل أوجهه، ونجد تركيزاً في إيراد الأمثلة التي تؤكد أن هذه الثقافة مبنيةٌ أصلاً على مبدأ فرض الرأي الواحد ورفض الآخر أياً كان هذا الآخر، إما خارج الدائرة الإسلامية وإما حتى داخل الدائرة الإسلامية نفسها. أعتقد أن هذا الموقف الاستشراقي في الحقيقة هو يحاول أن يبين أن الهوية الحضارية التي يتميز بها الغرب هي هوية يجب أن تقود العالمَ اليوم، في المقابل وجوب تراجع ثقافات أخرى عداها معاً؛ يعني هذين المستشرقَين منافيان لكل هذه القيم الحديثة”.
صامويل هنتنجتون وصدام الحضارات.. اعتمد على التيارات السلفية المتشددة
وتابعت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “مثلاً لو وقفت عند كتاب صامويل هنتنجتون عن صدام الحضارات، صامويل هنتنجتون يقدِّم نفسه على أنه عالم اجتماع، وعالم الاجتماع هذا يقدم لنا صورةً لها الكثير من الخصوصية عن الإسلام؛ يتحدَّث عن الإسلام ويمزج في حديثه بين التاريخ والنصوص، ويجزم بأن الإسلام مناف للحضارة؛ يجزم بأن الإسلام رافض للتعدد، يجزم بأن الإسلام لا يمكن له أن يتلاءم مع القيم المعاصرة، وعندما نعود إلى المدونة التي اشتغل عليها لا نجده يعود إلى القرآن أصلاً، لا يعود إلى القرآن؛ لا يعود إلى النصوص وإنما هو يعود إلى التيارات السلفية المتشددة، ونجد قائمة في قائمته البيبلوغرافية، أعلام التيار الإسلامي الحركي، الذي طبعاً يشيد بالوجه الصدامي للإسلام وبضرورة فرض الإسلام على الآخر.. إلى غير ذلك”.
المسلمون اليوم خطر على الإنسانية والحداثة.. قراءة صامويل هنتنجتون مغرضة
وأضافت الدكتورة ناجية الوريمي بوعجيلة: “فقراءة صامويل هنتنجتون هي قراءة موجهة، أكاد أقول هي قراءة مغرضة؛ يعني بالنسبة إليه في نهاية الأمر المسلمون اليوم يمثلون خطراً على الإنسانية، يمثلون خطراً على الحداثة. وفي المقابل؛ العجيب في الأمر في المقابل يقدم الرجوع ما سماه هو إلى الديانة المسيحية شرطاً من شروط تواصل سيادة الحضارة الغربية، يعني إذا شِئنا عالم الاجتماع هذا بقدر ما يعتبر الدين الإسلامي عاملَ عرقلة للتقدم والحداثة والحضارة.. إلى غير ذلك، يعتبر الديانة المسيحية عاملَ تقدم، فهذه ليست قراءة محايدة، هذه (ليست قراءة عالم اجتماع) بين ضفرين، واضح هنا أن صامويل هنتنجتون له أحكام مسبقة يبحث لها عن مستندات عبر قراءات انتقائية تبيِّن وجهاً وتخفى عمداً وجهاً آخر”.
المستشرقون الجدد فقيرون إلى المعرفة.. القراءة الأيديولوجية
قالت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “المشكلة أننا هنا إزاء قراءة أيديولوجية؛ ما القراءة الأيديولوجية؟ القراءة الأيديولوجية هي التي تنطلق من أحكام مسبقة، وتحاول أن تنطق النصوص بها؛ تحاول أن تستدل على صحتها من خلال عمل انتقائي هو مخل في الحقيقة. لا ننسى أن هذا التيار الاستشراقي في نهاية الأمر يعتبر أن الإسلام مشكلة، ولأنه يعتبر الإسلام مشكلة كأنما يقدم مفاتيح فهم هذه المشكلة، مفاتيح الفهم بالنسبة إليه تكمن في كل القيم المناقضة للحداثة اليوم؛ المناقضة للحضارة اليوم، ولا ننسى في نهاية الأمر يعني أثر الصراعات الدولية؛ خصوصاً في مرحلة العولمة، وهذه المرحلة التي سُميت بالعولمة إثر هذه الصراعات على نوعية الرجوع إلى التراثات، جمع تراث، إن صح نستعمل ذلك كأننا بهذا التيار يحاول أن يوهم بأنه يقدم خدمة للمسلمين؛ بأن يفهمهم مواطن الخلل في دينهم، فإذا بالدين في حد ذاته يتحول إلى خلل، وبصراحة هذا الموقف ليس له أي جانب من العلمية؛ لأن الظاهرة الدينية واحدة، سواء تجلت هذه الظاهرة في الإسلام أو في المسيحية أو في اليهودية أو في أية ديانة أخرى. الظاهرة الدينية لها مكان في حياة الإنسان، ولها دور في المجتمع، طبعاً يمكن أن نختلف في طبيعة هذا الدور؛ ولكن بشكل عام لا يمكن أن نبحث في دين بآلية معينة، وفي دين آخر بآلية أخرى. فمن المفروض أننا إذا ما وصلنا إلى نتائج تخص ديانة معينة من المفروض أننا نكون قادرين على تعميمها على بقية الديانات.
هؤلاء يصلون إلى نتائج كل دين؛ يعني له نتائجه الخاصة، المسيحية لها نتائجها الخاصة، والإسلام له نتائجه الخاصة، وهذا مناف أصلاً للمقاربة الاجتماعية؛ يعنى إن شئنا هنا يعني هو مخالف لعلم تاريخ الأديان، مخالف لعلم تاريخ الأديان المقارن، هو مخالف لعلم الاجتماع، لماذا؟ لأن العلوم تبحث في المجرد، تبحث في الآليات الواحدة التي يمكن أن نفهم بها تجليات مختلفة لظاهرة واحدة”.
رصيد المهمش أو المحجوب
وأجابت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية عن سؤال “ما الحقائق التي اشتغلتِ عليها وتصفينها اليوم بالمحجوبة؟”، قائلةً: “ما شغل انتباهي في بحوثي الجامعية هو أن هناك رصيداً من الاختيارات؛ سمَّيته رصيد المهمش أو المحجوب أو الذي لم تسمح الثقافة السائدة باستمراره وبانتشاره؛ هذا الرصيد المهمش له مستويات عديدة. طبعاً هنا لا يمكن أن أقف عند كل جزئيات إجابة عما سألت، ولكن يمكن أن أذكر نموذجاً في كل مستوى في المستوى الديني. على سبيل المثال ما تصورنا للدين؟ ما العلاقة بين الدين والواقع المتحول؟ من السائد أن هذه العلاقة أساساً يختزلها مفهوم الاجتهاد، مفهوم الاجتهاد استقر في الثقافة التشريعية السائدة أنه لا يعدو أن يكون قياساً على النص من ناحية، وأنه يُمنع خارج هذه الحدود، يعني أن المسائل التي وردت فيها أحكام واضحة في النص لا يجتهد فيها، ونعلم أن محمد بن إدريس الشافعي، هو الذي أسَّس هذا المبدأ، لا اجتهاد في النص؛ مقولة الشافعي الشهيرة، وتلقفها العلماء من بعده في عملية إعادة إنتاج وصلت إلى عصرنا الحاضر”.
تحليل خطاب الشافعي ومواطن التوتر بشأن تجربة عمر بن الخطاب
وأضافت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “والحال أننا عندما نعود إلى الفكر التشريعي في الفترة السابقة للشافعي أصلاً نجد أن هناك مفهوماً يمكن أن نصفه بالحيوية؛ مفهوماً للاجتهاد ليس له سقف، ليس له حدود، نجد أن هناك تجارب تشريعية واجتهادات مع وجود نصوص، نجد أن هناك تجارب تشريعية كان فيها الاجتهاد ليس مقترناً بالضرورة بالقياس، وإنما بمبدأ المصلحة، بمبدأ منطقية ذلك الحكم، معقولية ذلك الحكم، وليس من باب الاعتباط أن يسكت الشافعي سكوتاً غريباً عن تجربة عمر بن الخطاب.. الرسالة أول نص مؤسس لعلم أصول الفقه، لا نجد فيها ذكراً لتجربة عمر بن الخطاب التي نجدها متناثرة في مصادر أخرى، ومن المفروض أن يكون مكانها الكتاب المؤسس لعلم أصول الفقه، لماذا؟ لأن الشافعي وجه معنى الاجتهاد الوجهة التي أراد، وبذلك سكت عمداً في نظري عن هذه التجربة، وقد قُمت بتحليل خطاب الشافعي وبينت مواطن التوتر التي يستحضر فيها الشافعي تجربة عمر بن الخطاب، وتقريباً يرد عليها بشكل ضمني، ولا أعتقد أن عالماً في قيمة الشافعي يجهل هذا الأمر الذي نجده عند غيره من العلماء”.
زعامة المرأة وظاهرة المهمش من الرصيد الثقافي والسياسي والديني
وتابعت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “إذن هذا في المستوى الديني في المستوى الاجتماعي في كتابي عن زعامة المرأة، بينت أن هذا الحديث الذي ينسب إلى الرسول في أن القوم إذا ما ولوا أمرهم امرأة فإنهم يفشلون.. أولاً أن هذا الحديث يعني يُنسب إلى حادثة وقعت بعد وفاة الرسول من ناحية، من ناحية ثانية كان نوعاً من الرد على التمرد الذي قادته عائشة، زوج الرسول، فبينت كفاعلية التي تميزت بها المرأة في فترة الإسلام المبكر تحديداً، فالصورة النمطية التي نجدها في الثقافة السائدة عن امرأة الخدور، عن المرأة التي يقتصر دورها على الإنجاب ورعاية الزوج.. وإلى غير ذلك، والمرأة التي تكون فاضلة الأخلاق إذا ما ابتعدت عن الشأن العام وعن الفضاء العام، هي صورة وضعها الفقهاء، هي صورة وضعها الفقه الرسمي السائد، وليست متطابقةً مع حقيقة الواقع الذي تناساه هؤلاء، وحاولوا أن يشكلوا التاريخ بطريقة اعتبارية، تتضاءل فيها فاعلية المرأة وتقوى صورة هذه ما سمَّيته بامرأة الخدور، وعائشة لم تكن وحيدة في تلك الفترة، في ظل مجتمع قائم على قبلية تربط بين أطراف القبائل فيها علاقات عدائية وحروب.. إلى غير ذلك، لا يتوقع أن المرأة كانت بالفعل امرأة الخدور، وأعتقد أن سجاح على سبيل المثال التي كانت متمردةً على أبي بكر؛ لم تكن الثورة الوحيدة التي قادتها امرأة، أعتقد أن هناك نماذج أخرى. قمت بتحليل الخطاب التاريخي، وبينت أصداء هذه النماذج في تفكيك الخطاب التاريخي، هذا أيضاً من المهمش الاجتماعي اعتبرته الذي ينبغي أن نعيد النظر فيه في المستوى السياسي، ربما سنتحدث عن هذا في ما يلي. أردت أن أبين أن ظاهرة المهمش من الرصيد الثقافي والسياسي والديني إلى غير ذلك في تراثنا العربي الإسلامي يحتاج فعلاً اليوم إلى إعادة نظر، والفضل يعود من بين مَن يعود إليهم، يعود إليكم في مثل هذه البرامج”.
تأصيل التسامح في التراث
وأجابت د.ناجية الوريمي بوعجيلة عن سؤال “ما أوجه التسامح في تجربتَي البرامكة والمأمون على المستوى السياسي؟”، قائلةً: “مسألة الإسقاط على التراث مسألة مهمة جداً، وينبغي أن نوضحها بعض الشيء؛ أولاً الإسقاط عمل يسير جنباً إلى جنب مع كل إعادة قراءة للتراث، ما الإسقاط؟ الإسقاط هو أن ننطلق من مفهوم حديث، وأن نعتبر أنه وجد في مراحل سابقة دون أن نثبت ما أوجه التواصل بين هذا الذي وجد سابقاً وتجلي المفهوم أو الظاهرة في العصر الحاضر، وأعتقد أن قراءة التراث الغالبة اليوم على الدراسات العربية فيها الكثير من الإسقاط، وأنا نفسي اتهمت بذلك، في الحقيقة أنا لا أنطلق من منطلق الإسقاط، لماذا؟ أولاً لا أعتبر أن القيم المعاصرة وقيم الحداثة اليوم يجب أن نوجد لها ما يقابلها في الماضي حتى نقبلها؛ يعني لست أبحث عن مبرر تراثي أصيل يفتح لنا بابَ تبني القيم الحديثة، فلكل عصر خصوصيته ولكل سياق تاريخي وفكري خصوصيته، ولذلك ينبغي أن نحتاط مسألة الإسقاط، وفي المقابل هناك ما يُسميه الفلاسفة بتاريخ المفاهيم، كل مفهوم له تاريخ، لا يمكن أن يكون هناك مفهوم له علاقة بطبيعة الوجود الاجتماعي بالنسبة إلى كل الحضارات، لا يمكن أن يكون هناك مفهوم له هذا البعد الاجتماعي، ولا يكون له تاريخ؛ فالمفاهيم تتحول، المفاهيم تكتسب في كل مرحلة خصوصية دلالية وإجرائية أيضاً تختلف عن المرحلة السابقة لها”.
البحث في التسامح من عهد الفلسفة اليونانية إلى مشارف الحداثة الأوروبية
وأضافت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “هناك موسوعة صدرت عن اليونسكو في مطلع هذا القرن؛ موضوعها البحث في التسامح من عهد الفلسفة اليونانية إلى مشارف الحداثة الأوروبية، وهناك مقالات عديدة في هذه الموسوعات تثبت كيف أن مفهوم التسامح تجلَّى في الثقافة المسيحية أساساً منذ العصر اليوناني، وبعد ذلك؛ خصوصاً يعني منذ الفلسفة اليونانية وصولاً إلى الثقافة التي توصف بالمسيحية وإلى مشارف العصر الحديث عندما نقرأ موسوعة صادرة عن اليونسكو فيها إبراز لحضور مفهوم التسامح في هذه الثقافة، لا أدري ما الاحتراز الذي ينبغي أن نتخذه عندما يجب أن نبحث نحن في تراثنا عن مظاهر هذا المفهوم أو على الأقل لنقل عن بدايات تبلور هذا المفهوم هو التسامح، ما هو في نهاية الأمر؟ لو بحثنا في جوهر مفهوم التسامح نقول إنه نوع من الاعتراف بالآخر، هو قبول الآخر والتعامل معه سلمياً. أعتقد أن هذه الدلالات البسيطة لنقل للتسامح في الحقيقة لا يمكن أن تكون غير موجودة في المجتمعات التي عرفت ظاهرة التعدد والتنوع، والمجتمع العربي الإسلامي مجتمع متعدد متنوع بامتياز، ولا أعتقد أن الفكر العربي الإسلامي بمختلف مشاربه لم يطرح قضية التعدد هذه، ولم يطرح قضية كيفية التعامل بين المختلفين مذهبياً وعقائدياً وعرقياً.. وإلى غير ذلك. فصحيح أن مفهوم التسامح مفهوم حديث؛ فالثقافة الغربية مرت بتطورات دلالية، هناك تحولات دلالية مهمة طرأت على هذا المفهوم أساساً، يمكن أن نضبط هنا مرحلتَين كبيرتَين؛ المرحلة الأولى كان فيها مفهوم اعتبار الآخر مخطئاً، ولكن مع ذلك أقبله من قبيل أنه الأنا يعني تمنّ على الآخر بالاعتراف به؛ ولكن الاعتراف به أقل منها، والاعتراف به مخطئاً أيضاً، ثم بعد ذلك أصبح التسامح يميل نحو الاعتراف بالآخر باعتبار أن هناك نوعاً من الوعي باختلاف الهويات وضرورة الوجود المتساوي لهذه الهويات؛ خصوصاً هذا المفهوم، تطور مع بروز مفهوم المواطنة ومفهوم التسامح، كانا مفهومَين متكاملَين تقريباً؛ فالثقافة العربية الإسلامية لا نجد مفهوم التسامح في التراث، أكيد نجد بعض الكلمات التي تحيل على هذا المفهوم المسالمة المسامحة الكرم.. إلى غير ذلك”.
وتابعت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “وقد تتبعت هذا السجل اللغوي الذي يمكن أن نلتمس منه بعض دلالات التسامح، والأهم من هذا أنني حاولت أن أتتبع الخطابات التي اعترفت بالآخر والتي حاولت أن تقيم نوعاً من العلاقة، لن أقول ندية بطبيعة الحال؛ ولكن نوعاً من العلاقة السلمية مع هذا الآخر، يعني ضرورة تجاوز الصدام إلى التعايش، لو وقفت عند نموذج الجاحظ، في رسائل الجاحظ المفكر المعتزلي الجاحظ عندما يحدثنا في إطار رده على الشعبية؛ عندما يحدثنا عن أن لكل قوم مزايا ونقائص، العرب لهم مزايا ونقائص، الأتراك لهم مزايا ونقائص، الفرس لهم مزايا ونقائص.. إنه يحطم أسطورة العرق الأمثل الذي يمتلك الحقيقة، ويخوّل له هذا الامتلاك، أن يسود البقية، وأن يدوس على البقية، والجاحظ لم يكن الوحيد أعتقد من المقاربات الكلامية نسبة هنا أقصد علم الكلام الاعتزالي، والمقاربات الفلسفية من شأنها أن تشجعنا على اعتبار وجود دلالات مهمة لهذا المفهوم في التراث، وأعتقد أن هذا ليس إسقاطاً لأنني عندما أقرأ خطاباً يحاول أن يجمع بين الجميع، يحاول أن يوجد مشروعية للمختلف والمتعدد داخل المجتمع، وهنا الخطاب الفلسفي نجد فيه الكثير من النصوص التي تفيد هذا المعنى، أعتقد أن هذا يمكن أن يعتبر نوعاً من إزالة الحجب عن هذا الذي اعتبرته مهمشاً”.
مبدأ التسامح وتجربتا البرامكة والمأمون
وتحدثت د.ناجية الوريمي عن مبدأ التسامح وتجربتَي البرامكة والمأمون، قائلةً: “في هاتين التجربتَين في الحقيقة حاولت أن أكشف عن بعض الخصوصية التي تجاهلتها حتى الدراسات الحديثة.. تجربة البرامكة اختزلت في مصطلح شاع وهو نكبة البرامكة، لماذا نكب البرامكة؟ لماذا نكب الرشيد البرامكة؟ الإجابات الشائعة والمتداولة إلى اليوم هي من قبيل إن البرامكة أصلهم من الفرس، وهناك صراع فارسي- عربي، ولذلك فإن العصبية العربية قد تغلبت على هذا المنافس أو نجد تفسيراً أخلاقياً يتعلق بعلاقة خناق بين جعفر البرمكي والعباسة أخت هارون الرشيد، وعندما علم الرشيد بهذه العلاقة نكب جعفر ومن ورائه البرامكة. نجد تفسيراً مذهبياً هو أن البرامكة لهم نزوع شيعي، والرشيد انتبه إلى ذلك باعتباره ممثل أهل السُّنة، فنكب البرامكة، تجد تفسيراً دينياً.. البرامكة تظاهروا بالإسلام ولكنهم في الحقيقة ظلوا يضمرون ديانة المجوسية ممثلة في عبادة النار.. إلى غير ذلك من التفاسير، وأعتقد أن كل هذه التفاسير لا يمكن أن تجيب عن حقيقة الظاهرة، ما هذه الظاهرة؟ أولاً الرشيد لم يقم بمعاقبة كل البرامكة؛ عاقبَ قسماً من البرامكة، أعلاماً من البرامكة. ثانياً مع هؤلاء عاقب عمه عبد الملك بن صالح، مع هؤلاء عاقب علماء الكلام المعتزلة خصوصاً، وأحدث سجوناً سماها بسجون الزنادقة، وسجن فيها علماء الكلام. كل التفاسير التي استعرضتها، والشائعة التي استعرضتها منذ حين، لا تجيب عن هذا السؤال إذا كانت الأزمة عرقية في فرس، عرب، فما سبب وجود عبد الملك بن صالح عم هارون الرشيد العباسي، إذا كانت المسألة أخلاقية؟ فما سبب وجود علماء الكلام الذين عوقبوا وسجنوا في سجون سُميت باسمهم، سجون الزنادقة؟ مع العلم أن ليلة قتل جعفر البرمكي قُتل معه عالم كلام، أنس بن أبي شيخ، يعني نجد هناك عقوبة حلَّت بسائس، وهو جعفر البرمكي، وبعالم كلام..”.
وأضافت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “المسألة أعمق بكثير من هذه الإجابات التي أعتقد أن الثقافة الرسمية هي التي سعت إلى تكريسها وحرصت على إعادة إنتاجها، لماذا نبرر هذا العمل الذي قام به هارون الرشيد الذي اعتبر أكبر مدافع عن الفكر السُّني وعن أهل السُّنة، والذي منع الجدلَ، والذي حمى الدين من البدعة.. إلى غير ذلك، عندما نطرح مختلف هذه الأسئلة، نصل إلى أن البرامكة اتبعوا سياسة متسامحة لم ترتضِ عنها السلطة الدينية الناشئة؛ سلطة أصحاب الحديث، ولم ترضِ عنها السلطة السياسية التقليدية ممثلة في مؤسسة الخلافة العباسية. البرامكة عندما حاولت أن أتتبع سياستهم في تلك الفترة؛ أولاً وجدت إشادة بها لدى الجميع دون استثناء، هناك إشادة بإتاحة الفرصة لكل مكونات المجتمع العقدية والعرقية؛ يعني أن مجالس البرامكة كان فيها علماء ينتمون إلى مذاهب مختلفة، مجالس البرامكة كان فيها فلاسفة، والفلسفة كانت في بداياتها؛ كانت في بداياتها وهم الذين رعوا بدايات ترجمة الفلسفة، البرامكة فتحوا الأبواب لعلماء الكلام الذين اضطهدوا منذ العصر الأموي، البرامكة أيضاً فتحوا الأبواب لأصحاب الديانات غير الإسلامية، واستعانوا بهم.. هذا لا يعني أنهم قد أبعدوا العلوم الدينية الناشئة أيضاً في تلك الفترة؛ مثل علم الحديث والتفسير، بالعكس يعني الطريف والعجيب في ما نجده من تجربة البرامكة هو أن أصوات الجميع كانت تسمع، يعني نجد صوت المتكلم، صوت الفقيه، صوت المفسر، صوت صاحب النحلة، صوت ممثل ديانة معينة؛ لماذا؟ لأنهم كانوا يصدرون عن تصور عقلي لإدارة المجتمع، وهو أن هذا الأمن الاجتماعي يمكن أن يوفِّر أسبابَ الاستقرار للدولة، وبالفعل هذا ما كان عندما نبحث في أسباب نكبة البرامكة، نجد أن هناك تحركاً من أصحاب الحديث به أرادوا أن ينبهوا هارون الرشيد إلى خطورة هذه السياسة التي اختارها البرامكة، وهناك مراسلات بين هارون الرشيد وبين بعض هؤلاء المحدثين، فضلاً عن ذلك كان هؤلاء يرتادون بلاط هارون الرشيد، ويبدو أنهم هم الذين أقنعوه بأن سياسة الدولة الثقافية تسير في الاتجاه غير الذي ترضي عنه المؤسسة الدينية الناشئة أيضاً؛ فكانت نكبة البرامكة، نكبة البرامكة وعلماء الكلام هي نكبة التسامح في نظري، وكل التفاسير الأخرى التي ما زلنا نرددها إلى اليوم، ينبغي أن نعيد فيها النظر؛ لأنها لا تستقيم أمام استحضار كل المعطيات التي حفت بهذه الظاهرة، والعجيب العجيب أننا نجد ما سميته أدباً مدحياً في البرامكة، متى وضع؟ وضع بعد إلحاق النكبة بهم؛ لأنه لو وضع وهم موجودون في السلطة، سنقول إنه تملق وتزلف لغير ذلك، هناك أدب مدحي في البرامكة جاء بعد نكبة البرامكة؛ هذا دليل على الأصداء الإيجابية التي كانت لتجربة التسامح في الأوساط الاجتماعية لدى مكونات المجتمع بمختلف أطيافها؛ باستثناء هؤلاء مَن يمكن أن نسميهم برجال الدين أو بالمحدثين الذين رأوا في هذه التجربة خروجاً عن التقاليد الصارمة التي تفرض أن يرعى صاحب السلطة مَن هم يمثلون الديانة الحق والمذهب الحق، وهم أصحاب الحديث أنفسهم”.
كيف استأنف المأمون تجربةَ البرامكة؟
وأجابت د.ناجية الوريمي بوعجيلة عن سؤال “كيف استأنف المأمون تجربةَ البرامكة؟ هل فقط لأن أُمَّه مثلاً فارسية؟”، قائلةً: “أعتقد أننا في فترة سمَّيتها بفترة الاغتراب الحيوي؛ يعني فترة اختلاف الحضارات وصراع الاختيارات وتيار الرأي أو العقل.. إلى غير ذلك. كان له حضور مهم جداً في هذه الفترة، نحن لم نصل بعد إلى الفترة التي انتصر فيها تيار النص وأغلق الباب تماماً وأبعد البقية، هذا تقريباً حدث مع ما سُمِّي بالإعلان القادري؛ هذا الذي حرم الفلسفة وحرم تداول كتب المعتزلة، ويمكن أن نقول هنا إنه أصبحنا إيذاء ضعف التيار العقلي؛ لكن في أواخر القرن الثاني للهجرة والنصف الأول، لنقُل حتى القرن الثالث للهجرة، كان هناك حضور قوي لتيار الرأي أو لتيار العقل، والخليفة المأمون هو الخليفة الوحيد العالم، المأمون وجدت له ترجمات عديدة؛ منهم مَن يصفه بالعالم ومَن يصفه بالفيلسوف أصلاً، هذا إضافة إلى البرامكة الذين نجد أيضاً تسميتهم بالمتفلسفة؛ لأنهم كانوا يشتغلون بالفلسفة، فالمأمون كان متأثراً بالفلسفة، وأعتقد أن حرصه على ترجمة الفلسفة اليونانية ليس صادراً عن مجرد طرف عقلي، وإنما هو اقتناع بأن هذه المعرفة يمكن أن تقدم إضافةً إلى الدائرة الثقافية العربية الإسلامية، المأمون استأنف تجربة البرامكة؛ استأنفها في اتجاه أيضاً الاعتراف بالتعدد، نجد أخباراً تثبت لنا الطريقة التي كانت تُقام بها مجالس المأمون، ما هذه الطريقة كان يوجه بها الدعوة إلى ممثلي كل المكونات العقائدية والمذهبية والعرقية في المجتمع، ليحضر مجالسه؟ ولكن قبل أن تنطلق هذه المجالس التي تقوم على المحاورة والجدل كان يقيم لهم المآدب، فكانوا يلتقون في نوع من الودية؛ يعني كان يخلق بينهم نوعاً من التعامل الودي في تلك المآدب، وبعد ذلك يمر إلى الجدل، وكان يمنع العنف اللفظي في هذه المحاورات، ويقول لهم إن الغلبة تكون لصاحب الرأي القوي، وليس لمَن يرفع صوته أكثر”.
محنة خلق القرآن
وأضافت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “نحن فقط هنا لأننا وقفنا عند نموذجَي البرامكة والمأمون؛ يعني مجالس المأمون كانت مجالس نوعية، لأنها تضم مختلف الأطراف، تضم مختلف المكونات العقائدية والعرقية للمجتمع، وما قام به المأمون من تأسيس رسمي لبيت الحكمة الذي تكفَّل بترجمة الفلسفة، هو كان النقطة التي أفاضت الكأس؛ لأن تجربة التسامح هذه صحيح أن لها صدًى إيجابياً في المجتمع، ولكن في ظل حضور مَن يدَّعي أنه يمثل الدينَ الحق والمذهبَ الحق، إن هذا الاعتراف بالتعدد وبالتنوع يعتبر خطراً على ما يعتبره هو حقاً، ولذلك انطلقت أزمة قد تبدو غريبة؛ وهي ما سُميت بمحنة خلق القرآن أو محنة أحمد بن حنبل؛ هذه قضية أعتقد أنها بحاجة إلى إعادة نظر جذرية. لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن الكثير من المفكرين الحداثيين اليوم يرددونها في اتجاه أنه ابن حنبل قد مثل حرية الرأي، والعالم الذي تشبث بحريته، في مقابل السائس المستبد، وهذا السائس المستبد هو المأمون، والإشادة بموقف ابن حنبل تؤدي إلى إدانة موقف المأمون، وهناك الكثير من الأشياء التي قد تبدو تفاصيل ولكنها مهمة، ما حدث ليس محنة أحمد بن حنبل وليس محنة المحدثين؛ هو محنة المأمون نفسه، لأن عندما أراد أن يرضي الجميع، عندما أراد أن يؤسس دولة ليس فيها فتن لا عرقية ولا عقائدية ولا مذهبية.. إلى غير ذلك، أعتقد أن هذا يمكن أن يعتبر يعني تصرفاً رشيداً؛ ولكن عندما انطلقت هذه التجربة وتُوجَت بتأسيس بيت الحكمة وترجمة الفلسفة والاعتراف بأنه ليست هناك معارف ممنوعة بالنسبة إلى المأمون، كل المعارف لها حق الوجود، واعتقد أن الفلسفة يمكن أن تطور ثقافة المجتمع، هؤلاء هم الذين ردوا الفعل، ألم نتساءل ما سبب وجود عمه إبراهيم بن المهدي ضمن الممتحنين؟ إبراهيم بن المهدي هذا هو عم هارون الرشيد، وتولَّى الخلافة لفترة قصيرة بعد مقتل أخيه الأمين، وإبراهيم بن المهدي لا علاقة له لا بالعلم ولا بالفلسفة ولا بأي من هذه المسائل المعرفية؛ هو خليفة سابق، وهو مغنٍّ؛ يعني لا علاقة له بهذه المسائل الكلامية، لأن مسألة خلق القرآن مسألة كلامية بامتياز. ما سبب وجوده ضمن الممتحنين؟ السبب هنا هو أن أصحاب الحديث أرادوا أن يزيحوا المأمون من السلطة، سموه بأمير الكافرين”.
لما سمُّوا المأمون أمير الكافرين؟
وتابعت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “وجدت أن هؤلاء اعتبروا أن المأمون قد كفر أولاً عندما اعترف بأصحاب البدع، وثانياً عندما فتح الباب رسمياً لترجمة علم كان محترزاً منه ومرفوضاً ومحرماً؛ وهو الفلسفة، فسموه بأمير الكافرين، وقاموا بانقلاب ضده، بالتحالف مع عمه إبراهيم بن المهدي، (وعندما انتبه المأمون إلى ذلك) بين ضفرين؛ المأمون عندما حدثت المهنة كان في حرب مع الروم؛ كان في الشام في حرب، كان في الرقة؛ يعني لم يكن في بغداد أصلاً، هل من المنطق أن يقيم الخليفة أزمةً في بغداد في العاصمة وهو ليس موجوداً فيها؟ هو في حالة حرب؛ يعني إن كان يريد أن يمتحن هؤلاء في مقولة خلق القرآن، ليختر وقتاً آخر غير وقت الحروب؛ ولكن هذا دليل على أن ما حدث كان أمراً عاجلاً ولم يكن باختيار الخليفة، ما هو هذا الأمر العاجل؟ هذا الأمر العاجل قُلت هو أن المحدثين أرادوا أن ينصبوا إبراهيم بن المهدي خليفةً عوضاً عن المأمون، ثانياً أصحاب الحديث هؤلاء الفقهاء كانوا يسيطرون على مؤسسة القضاء؛ هؤلاء دون موافقة مؤسسة الخلافة، أقصد هنا المأمون؛ أسقطوا الحقوق المدنية لمَن سمُّوهم بأصحاب البدع، يعنى ألا تكون معهم، فأنت ليس لك الحق في التقاضي؛ يعني أسقطوا فعلاً حقوق الرعايا غير المنتمين إلى أهل السُّنة، ونجد في مراسلات المأمون لرئيس شرطته في بغداد إشارات مختلفة إلى هذه المسائل؛ يعني كيف نصب هؤلاء أنفسهم حكاماً يقبلون هذا ويرفضون ذاك؟ أي أنهم حاولوا التمرد عليه سياسياً من خلال التحالف، كما ذكرت، مع إبراهيم المهدي، والتمرد المدني من خلال السيطرة على مؤسسة القضاء، رمز إطاحة هؤلاء بالمأمون، ما هو؟ أن المأمون يقول بخلق القرآن؛ إذن هو كافر، ونعلم أن هذه المقولة التاريخية منذ العهد الأموي قد قورنت بالكفر.. الأمويون أيضاً امتحنوا الكثير من علماء الكلام؛ لأنهم كانوا يقولون بخلق القرآن. المأمون، لماذا اتخذ هذا الشعار؟ رداً على هؤلاء، بما أنهم كفروه؛ أراد أن يعلنوا أمام العامة العكسَ تماماً، الكافر هو مَن يقول بقدم القرآن وليس مَن يقول بخلق القرآن، والاستتابة (التي سلطت) بين ضفرين على هؤلاء المحدثين لم تكن بشكل آلي، كانت على أفراد معينين هم الذين شاركوا في هذا التمرد، ليس صحيحاً أن المأمون قد فرض القولَ بخلق القرآن على كل مَن أرادوا أن يوليه القضاء وعلى كل محدث أو عالم.. هناك قائمة مضبوطة في أسماء هؤلاء؛ هم تحديداً مَن امتحنوا، لأنهم كانوا قادة التمرد ضد المأمون.
بصراحة أعتقد أن المأمون قد ظُلم تاريخياً، ومن المفروض اليوم أن نعيد الاعتبار إلى تجارب أعتقد أنها تجارب تنويرية، وأعتقد أكثر أنها تجارب تؤكد وجود ساسة لن أقول آمنوا بمبدأ التسامح؛ ولكن أقول وجود ساسة سعوا إلى خلق نوع من السلم الاجتماعي في المجتمع عن طريق الاعتراف بالجميع، وما قام به المأمون في هذا الاتجاه أمر إيجابي، وأمر في حاجة إلى إماطة اللثام عنه كما يُقال”.
قراءة الخوارج وتجربة البحث عن التسامح والتعدد
وأجابت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية، عن سؤال “كيف قرأتِ الخوارج وتجربتهم بهذه الروح وأنتِ تبحثين عن التسامح والتعدد؟”، قائلةً: “الطريف في بحث الخوارج أولاً هو أن هؤلاء والمعتزلة يتقاربون كثيراً. نعلم أن المعتزلة سُموا بمخنثي الخوارج، لماذا؟ لأن الخوارج لهم مبادئ معينة، وأسسوا حزباً سياسياً، ورفعوا السيفَ من أجل تحقيق هذه المبادئ. قال أهل السُّنة إن المعتزلة أيضاً يرفعون ذات المبادئ التي رفعها الخوارج؛ ولكنهم جبناء، هم مخنثون؛ فلذلك سُمى المعتزلة بمخنثي الخوارج، الطريف في هذا التقريب بين المعتزلة والخوارج هو أن هناك مجموعة من المبادئ قد رفعها هؤلاء، مع الأسف غمرت في إطار اعتبار هؤلاء فرقة خارجة عن الحق؛ باعتبار هؤلاء يعني هذه البدع، البعض يعتبرهم كفاراً أصلاً، بأي معنى هم صُنفوا في خانة البدعة والكفر.. إلى غير ذلك؛ لأنهم خالفوا السلطات القائمة، والتاريخ الذي نجده في المصادر المتداولة إلى اليوم عن هذه الفرقة تقريباً فيه شبه إجماع على أن هؤلاء هم سبب البلبلة، هم سبب الغي، هم سبب وتهديد الحقيقة الدينية والحقيقة المذهبية.. إلى غير ذلك.
والحل أننا عندما نتريث بعض الشيء وعندما نعود بهدوء وبتؤدة وعندما نتسلح بعقل نقدي يريد أن يعيد الاعتبار إلى بعض هذه التجارب؛ نجد أن أصل هذه الحركة لن أقول لا علاقة له بحادثة التحكيم ولكن هو سابق لهذه الحادثة، اليوم في كل المصادر تقريباً نجد الخوارج هم مَن خرجوا على علي بن أبي طالب في حادثة التحكيم؛ هم فرضوا عليه تحكيمهم، بعد ذلك طلبوا منه أن يتبرأ منه؛ يعني في إخراج قصصي لا يصلح إلا أن يكون قصصاً للصغار.
الإخراج القصصي للتحكيم أيضاً؛ يعني كيف أن الحكمَين اتفقا على أن يخرج الأمر من معاوية ومن علي بن أبي طالب، ويختار المسلمون.. إلى غير ذلك؛ ولكن عمرو بن العاص لأنه داهية، غدرَ بأبي موسى الأشعري، وكان ما كان.. هذا إخراج قصصي طريف؛ لأن الأمر أهم وأعمق من هذا بكثير، أولاً قلت الحركة الخارجية ينبغي أن نلتمس جذورها مع ظهور السلطة المركزية نفسها في الإسلام، عندما ظهر الإسلام وأسّس وبعد وفاة الرسول؛ تأسست سلطة مركزية، كان هناك صراع بين قوتَين اجتماعيتَين هناك من ناحية الإشراف؛ الذين يريدون أن تكون سياسة الدولة لصالحهم.. القرشيون وأشراف القبائل أيضاً؛ يعني أن تكون سياسة تحافظ على امتيازات الأشراف التي كانت موجودة حتى قبل الإسلام”.
الفترة الحرجة في الخلاف بين علي ومعاوية
وأضافت د.ناجية الوريمي: “أنا أريد أن أتحدث عن هذه الفترة الحرجة في الخلاف بين علي ومعاوية؛ قُلت الذين خرجوا على علي في الحقيقة هم الذين نقموا على عثمان، سياسة المحاباة، الذين خرجوا على علي هم الذين طالبوا بنوع من العدل الاجتماعي والعدل السياسي، ورفضوا أن يكون وريث عثمان الذي اغتيل أن يكون هو الذي يحكم المسلمين، ولا أعتقد أن موقفاً اجتماعياً كهذا يمكن أن يتحول بسهولة، هم الذين قالوا لعلي يجب أن تقبل، ثم هم الذين قالوا لا يجب أن تتراجع، هذا أمر لا يمكن أن يقبل بسهولة. قلت الأمر أعمق من ذلك؛ لأن هناك ثباتاً على موقف معين، هذه المجموعة التي رفضت سياسة عثمان هي نفسها التي رفضت أن يقع الاعتراف أصلاً بمعاوية. بالنسبة إليهم معاوية لا علاقة له بالسلطة ولا الشرعية له، ولذلك لا مجال للتفاوض معه؛ لكن أعتقد أننا في الكواليس هناك أمور لم تظهر على السطح، ما حدث هو أن معاوية قد ربح المعركة استراتيجياً، قد ربحها؛ يمكن أن نقول بالحيلة السياسية، كانت هناك مراسلات بين معاوية وأطراف فاعلة بجيش علي؛ كسبها معاوية قبل التحكيم، التحكيم كان الإخراج النهائي للاستراتيجية التي اتبعها معاوية. هل يُعقل أن يكون ممثل علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري الذي رفض بالأمس مساعدته في حرب الجمل وتوعده علي؟! غير معقول، أبو موسى الأشعري فرض فرضاً على علي، مَن فرضه؟ فرضه أولئك الذين تراسل معهم معاوية ووعدهم ومنَّاهم.. إلى غير ذلك، فعملوا لصالحه.
طبعاً هناك تفاصيل كثيرة ذكرتها في الكتاب، لا داعي للتوسع فيها؛ ولكن أكتفي بالقول هنا إن حادثة التحكيم كانت يمكن أن نقول القادح لتبلور حركة اجتماعية تطالب بنوع من العدالة الاجتماعية، وهي هذه الحركة التي سُميت بالحركة الخارجية، فضلاً عن ذلك تسمية الخوارج، نجد شبه إجماع في كل المصادر على أن الخوارج هم مَن خرجوا على الإمام الحق في كل المصادر تقريباً، والحال أن الخوارج، جمع خارجة وليس جمع خارج؛ لأن جمع خارج هو خارجون، بينما خارجة فاعلة تُجمع على فواعل، والخارجة مَن هي؟ الخارجة هي جماعة الجيش التي تخرج للغزو، لماذا؟ لأن مَن اغتال عثمان هم تقريباً تلك الجيوش التي خرجت للفتح، وعندما علمت بمخالفات، إن صح إن نسميها بمخالفات الخليفة عثمان، عهدت إلى المدينة واغتالت عثمان؛ فالخوارج في الأصل هي تسمية عسكرية، وهذه الجماعة التي رفضت عفواً التفاوض مع معاوية؛ هي التي يعني يمكن أن نقول استقلت عن علي رفضاً لما قام به، لأنه وجد نفسه مُكرهاً على قبول هذا الاتفاق الذي هو نفسه لم يكن مقتنعاً به؛ فالحركة الخارجية لها عمق اجتماعي ينبغي أن ننتبه إليه ومطالبة هذه الحركة بقيم عادلة، بسياسة عادلة؛ بأن تكون السلطة حقاً لكل مسلم كفؤ، هناك مبادئ ينبغي أن نعيد فيها النظر؛ لأنها تتماشى أكثر، والقيم الحديثة، لو قارناها مثلاً بمبدأ أن السلطة لا تكون إلا لقريش، ما هذا المبدأ؟ إذا كانت السلطة هي إدارة الاختلاف أو من المفروض أن تكون إدارة الاختلاف إدارة عادلة؛ ألا يكون قادراً على تحقيق العدل إلا القرشي، فالمعتزلة قُلت والخوارج الذين رفضوا هذا المبدأ ورفعوا شعار الكفاءة في مَن يتولى أمور المسلمين، هذا المبدأ أعتقد أننا يمكن التواصل معه اليوم أكثر من تواصلنا مع مبدأ قرشية الإيمان. من الطريف أنها عندما وصلت إلى السلطة نعلم جيداً أنها في شمال إفريقيا؛ أقامت على الأقل دولتَين إن لم يكن أكثر، الدولة الرستمية وهي دولة إباضية عندما تولاها المنطلق؛ المنطلق كان اختيار حاكم ليس له عصبية قوية تحميه، وكان اختيارهم علي عبد الرحمن بن رستم، وهو فارسي الأصل، ليست له عصبية عربية يمكن أن تحميه؛ يعني هنا نقول إن الخوارج قد طبقوا مبدأهم في أن السلطة ليست حكراً على العرب، ولا على قريش؛ ولكن بعد ذلك أصبح الأمر توريثاً في هذه السلطة، يعني هناك نوع من التخلي عن هذا المبدأ، وحتى التسمية؛ الدولة الرستمية، لأن كل مَن تولاها كان من ذات العائلة”.
ممارسة السلطة ومخالفة المبادئ
وقالت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية بشأن “والمبدأ دائماً يعني يتراجع عنه بالتوريث، حتى معاوية بن أبي سفيان سيورث، وصرنا في خلافة أخرى؛ ليست هي خلافة دولة الإسلام الأولى”: “نعم أردت هنا أن أميز بين بحثنا في دلالات معينة يمكن أن نربط معها اليوم جسور تواصل، وبين ضرورة عدم التعميم؛ لأن هؤلاء رفعوا مبادئ نعم، ولكن عندما مارسوا السلطة تقريباً وقعوا في مناقضة للمبادئ التي رفعوها، هل يعود ذلك إلى أن الظرف الاجتماعي؛ باعتبار أن المجتمع يعني هو مكون من قبائل، مكون من عصبيات؟ هل كان هناك خوف من أن يقع صراع بين العصبيات على السلطة؛ فآثر هؤلاء أن تكون في هؤلاء غير العرب؟ في الحقيقة مسألة قد تحتاج إلى إعادة نظر؛ لكن مهما كان الأمر، ينبغي أن نسجل عن هؤلاء عندما مارسوا السلطة، خالفوا مبادئهم”.
خطاب لا تسامحي.. تفكيك خطاب الإمام الشافعي
وأجابت د.ناجية الوريمي بوعجيلة، عن سؤال “تجربة الإمام الشافعي توقفتي عندها وفككتي خطاب الإمام الشافعي الذي تعتبرينه خطاباً لا تسامحياً.. كيف ذلك؟ ولماذا هو كذلك؟ ثم كيف ساد هذا الخطاب في عصر كان يعج بالاختلافات الفكرية والمذهبية؟”، قائلةً: “سؤال ممتاز، لماذا؟ لأن الشافعي استفاد من جو التسامح، ثم انقلب عليه، ورفض هذا التسامح. الشافعي استفاد من جو التسامح؛ لأنه عايش فترة سيطرة البرامكة. الشافعي تولَّى القضاء على اليمن عندما كان البرامكة هم الذين يعينون القضاة، وعُيِّن قاضياً رغم أنه لم يكن من أصحاب الحديث الشافعي، كان معتزلياً زيدياً في الحقيقة، أثبتت من خلال أدلة كثيرة أن الشافعي مر بمرحلتَين في حياته؛ مرحلة كان فيها معتزلياً والمرحلة الثانية أصبح فيها من أنصار الحديث، ونعلم أن الشافعي سُمى بناصر الحديث، قُلت الشافعي استفاد من جو التسامح وسمح له بأن يكون قاضياً؛ ولكن وقعت ثورة في اليمن، ثورة زيدية اعتزالية في اليمن، شارك فيها الشافعي، وأمسك بالجماعة الثائرة، وقيدت إلى بلاد هارون الرشيد، قتل كل مَن كان معه إلا هو؛ إلا الشافعي”.
الشافعي يغيِّر موقفه
وقالت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية بشأن “الشافعي غيَّر يمكن موقفه خلال المحاكمة، وهناك نص شهير في الموضوع”: “أعتقد أنه تم الاتصال به قبل المحاكمة، وعندما أراد الرشيد أن يُحاكمه؛ أبدى الوجه الآخر، يعني تنصل من الدماء الأول، واختار ولبس عباءة الانتماء الثاني، فلماذا الشافعي؟ الشافعي قرشي المطلبي القرشي؛ فهو قرشي، والشافعي كانت قد بدأت بعد شهرته في الاتساع؛ باعتباره عالماً يجيد الجدلَ، وصيته بدأ يملأ الآفاق، فعندما أمسك به في هذه الثورة انتبه السائس إلى أنه يمكن أن يوظف هذه الخصلة لدى الشافعي، فضلاً عن كونه قرشياً، وهناك مبدأ يتداول في الدولة العباسية، وهو أن القرشي لا يتزندق. إذن ينبغي أن نحمي الشافعي من هذه الزندقة التي صار فيها، فكان هناك اتصال مع الشافعي في هذا الاتجاه”.
الشافعي يضع رسالته الشهيرة بعد تحوله من ثائر إلى عالم للسلطة
وأضافت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “ويبدو أن الشافعي قد استجاب للوعود الكثيرة، وتحول من ثائر على هارون الرشيد، إلى عالم للسلطة؛ تحول إلى عالم السلطة، ووضع رسالته الشهيرة في المرحلة الثانية من تحوله؛ يعني عندما أصبح عالمَ السلطة، وعندما اتصل به أصحاب الحديث وطلبوا منه لا ننسى أن الرسالة أُلِّفَت بطلب من عبد الرحمن بن مهدي، وهو أحد أشهر أعلام حركة هؤلاء يعني أصحاب الحديث، فالشافعي بآليات احتجاجه الاعتزالية العقلية الجدلية.. إلى غير ذلك، نجحَ في تأسيس علم هو علم أصول الفقه، ولكن بأُسس ترضي أصحاب الحديث، وغير خافٍ هنا الرصيد المهم جداً من المدح الذي نجده في مختلف المصادر للشافعي؛ باعتباره نصرَ أصحاب الحديث”.
الشافعي مؤسس عدم التسامح
وقالت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية: “لماذا كان الشافعي في نظري مؤسس عدم التسامح؟ لأنه أولاً عندما وضع لنقل فلسفة تشريعية أو منظومة تشريعية، نفى كلَّ ما عداه غريب.. الشافعي الذي نشأ معتزلياً هو الذي يصادر العقل بشكل عجيب وغريب، حتى العقل؛ العقل هو قرين الغي، هو قرين الضلال، هو قرين التفرق.. وغير ذلك، والهوى الشافعي أصبح يشرع للا تسامح، فضلاً عن ذلك الشافعي كانت له فتاوى في ضرورة معاقبة السائس لأصحاب البدع، وحكمه على سبيل المثال لمَن يقول بخلق القرآن، وأن يضرب بالجريد، وأن يفعل به كذا وكذا.. إلى آخره، والحال أنه هو نفسه كان يقول بخلق القرآن، فالشافعي له قدرة جدلية كبيرة خوَّلت له أن يدافع عن مقولات السلطتَين الدينية والسياسية، فلذلك ينبغي أن ننتبه إلى السياق الذي أسس فيه علم أصول الفقه، اليوم نتعامل مع أصول الفقه وكأنه جزء من الدين، وكأنه حقيقة مطلقة إطلاق الدين، والحال أنه موقف تاريخي مبرر بظرفية معينة، ممكن يكون قد أدى دوراً مهماً في تلك الفترة؛ ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أنه لا يمكن أن يحمل على الإطلاق إن يعني البعد التاريخي في هذا العلم؛ ينبغي أن ننتبه إليه، لماذا؟ حتى نحرر العقل العربي من مسألة الارتهان لمسلمات هي في الأصل مجرد اختيارات تاريخية بشرية”.
كيف شرع الشافعي للتبعية وقتل أو إضعاف الإبداع والتجديد؟
وتابعت د.ناجية الوريمي بوعجيلة: “دعني فقط هنا أعود بعض الشيء إلى الشافعي؛ الشافعي عندما حصر مفهوم العلم في ما تؤسسه فئة معينة، اعتبرها هي الوحيدة القادرة على فهم الدين وإفهامه للناس. أعتقد أنه بذلك قد شرع للتبعية، قد شرع لقتل أو إضعاف الإبداع والتجديد.. إلى غير ذلك، فاليوم علاقة المثقف العربي بالدين أعتقد أنها ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أمرَين؛ الأمر الأول هو أهمية الدين في أي مشروع نهضوي يمكن أن يطرح، في الحقيقة عندما نقول ينبغي أن نخرج الدين من الفضاء العام ونخرج الدين من السياسة.. وإلى غير ذلك. هنا ينبغي أن ننتبه أن للدين أثراً قوياً في نفس الإنسان عموماً، قديماً كان أو معاصراً، وإن لم نرشد، إن لم نعقلن الوعي الديني لدى المواطن العربي اليوم؛ فإننا سنتركه فريسةً لكل التيارات المتطرفة التي تستثمر من الماضي ما تريد، تستحضر من الماضي ما تريد، وتترك طبعاً ما لا يخدم مصلحتها؛ فتحول هذا المواطن إلى قنبلة موقوتة يمكن يمكن أن تنفجر في أي وقت، ضد مَن؟ ضد مواطن آخر يختلف عما تحمله هذه الجماعات”.
غزة.. هابرماس والانحياز إلى الجلاد ضد الضحية
واختتمت أستاذة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة التونسية حديثها، قائلةً: “فقلت إذن هذا المعطى الأول الذي ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار. المعطي الثاني وهنا تحيل إلى هابرماس، المثال الجيد الذي ذكرته هابرماس؛ مع الأسف هابرماس هو منظر العقل التواصلي، هابرماس هو منظر المجتمع ما بعد العلماني، عندما قال إن في الأديان قيماً مهمةً يمكن أن تساعدنا اليوم على تكريس قيم الحداثة، وكل ما كتبه في هذا الصدد، أكاد أقول ممتاز؛ ولكن مع الأسف رأينا هابرماس في موقفه السياسي ينحاز إنحيازاً مؤلماً (ضد الفلسطينيين وغزة).. هو انحياز مؤلم يعني انحازَ انحيازاً مؤلماً إلى الجلاد ضد الضحية.. المثقف العربي أعتقد أنه مطالب أيضاً بأن يدلي بدلوه، وأن يسهم في مشكلات المجتمع، في قضايا المجتمع، في ما يشغل الإنسان؛ إنسان.. كل الفصول لو استعملنا العبارة يعني ينبغي أن يخرج من برجه العاجي في دراسة يعني مشكلات كثيرة، قد تكون مهمة؛ ولكن ينبغي أن يوجد لها جسور تواصل مع مشاغل المواطن العربي اليوم؛ لأنه بذلك فعلاً يمكن أن يفيد بذلك فعلاً، يمكن أن يكون له أثر لنقل يضاد هذا الأثر الذي اتخذه فلاسفة كنا نعتقد أنهم منظرو الحرية والعدالة والمساواة وجوهر الإنسان وكل.. يعني هذه المنظومة القيمية الحدثية التي طالما رفع هؤلاء شعارها، نجدها تنهار إزاء موقف سياسي فج بالشكل الذي شهدناه”.