بدأ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ورئيس جمعية الفكر العربي، ورئيس تحرير مجلة “أوراق فلسفية”، وعضو كرسي اليونسكو للفلسفة، حديثه خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، بتجربة عبد الرحمن بدوي؛ الذي خصص له كتاباً كاملاً؛ هو “الأصول الاستشراقية في فلسفة بدوي الوجودية”.
تجربة عبد الرحمن بدوي وموقف التلمذة
قال الدكتور أحمد عبد الحليم عطية، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ورئيس جمعية الفكر العربي، بشأن عبد الرحمن بدوي، الفيلسوف المصري الكبير، الذي يعتبر نموذجاً لأولئك الفلاسفة الذين تماهوا مع الاستشراق وخطابه تماهياً كبيراً، وكيف يتلقى موقف التلمذة الذي ذهب إليه عبد الرحمن بدوي وآخرون؟: كان ما كتبته عن عبد الرحمن بدوي أو الأصول الاستشراقية من أوائل كتاباتي، وأحببت أن أرسل نسخةً إلى عبد الرحمن بدوي، في باريس، فوصلته بطريقة ما، وحاولت أعرف رأيه.
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: في زيارة إلى باريس، اتصلت به يومياً عدة مرات، في فندق لوتيسيا، لم يكن موجوداً. وفي اللحظة الأخيرة التي كنت أعد فيها أمتعتي للعودة؛ رد عليَّ، فقلت له أنا فلان الفلاني، قال لي “إنت اللي كاتب الكلام الفارغ ده”، قلت له: “أنا باكتب كلام تحية بالنسبة لك، أنا يعني أثمن الدور اللي أنت قُمت به”، فقال لي: “أنا يعني مش راضي عن هذا الكلام”، حصل حوار؛ لكن كان موعد الطائرة يطاردني؛ فقلت له: أرجو أن تتاح لنا فرصة ثانية للكلام؛ لكن من الصعب أن تعتبر ما كتب في كتاب “الأصول الاستشراقية لفلسفة عبد الرحمن بدوي” هو الموقف الأخير لعبد الرحمن بدوي؛ موقف عبد الرحمن بدوي من الاستشراق مر بمراحل ثلاث، وهذا يجعلنا ننتقل نقلةً في ما بعد الحديث عن المراحل الثلاث، إلى فهمنا وتعاملنا مع الاستشراق بشكل عام.
جامعة القاهرة ورسالة باللغة الألمانية
وذكر أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، أن عبد الرحمن بدوي حين دخل جامعة القاهرة، وهو في السنة الثانية؛ كانت هناك رسالة باللغة الألمانية، ولا يوجد أحد بمجلس الكلية يعرف الألمانية؛ فدخل ترجم لهم هذه الرسالة، فبدأت أنظار الأساتذة تتجه إليه، واحتضنه باول كراوس، فكراوس هو المؤثر الأكبر، مستشرق شهير، وهو في مصر.
وكان له تأثير في مصر، وكانت نهاية حياته أيضاً في مصر. عبد الرحمن بدوي لأنه تبناه نلين وعدد كبير من الأساتذة، وأكبر مَن أثر في الأستاذ الفرنسي ألكسندر كويري الذي بدأ يوجهه إلى الوجودية و الفيلولوجيا؛ لكن كان يوجد أستاذان أساسيان من المصريين، طه حسين من جانب ومصطفى عبد الرازق من جانب آخر؛ فاعتبر أن طه حسين أيضاً كان يعبر عن الثقافة الفرنسية بشكل فيه نوع من الرغبة في تجديد الثقافة العربية، وارتأى عبد الرحمن بدوي أن المستشرقين أساتذتنا وأساتذة الإنسانية، وعلينا أن نتعلم منهم.. هذه في المرحلة الأولى، مرحلة التلمذة؛ خصوصاً أنه وجد رعاية كبيرة من كراوس ومن ماسنيون وأيضاً من جوزيف شاخت، وتقدر أن تقول بعبارة دقيقة “إن كتابته الأولى هي عبارة عن الدروس والدراسات والمقالات التي عملها شاخت وغيره من المستشرقين”؛ أخص بالذكر هنا كتاب “التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية”، هذه هي المحاضرات التي تلقاها عنهم ونشرها.
عبد الرحمن بدوي.. من التماهي شبه المطلق إلى تغير نظرته للمستشرقين
وتابع الدكتور أحمد عبد الحليم عطية بأن المحاضرات في الجامعة المصرية كانت بالفرنسية، وكان دور عبد الرحمن بدوي أن يترجم هذه المحاضرات إلى العربية وينشرها، فيبدو وكأنه من التأليف وليست ترجمة؛ لكن في مرحلة ثانية خاصة في موسوعة المستشرقين اتخذ موقفاً مخالفاً تماماً، وكان المستشرقون عنده إما موجهين ناحية الدين ونقد الدين وإما ناحية السياسة أو ناحية القومية، ومن هنا كانت له مواقف أخرى مختلفة ونقد لهؤلاء، وشعر أنه يملك من المعرفة ما يفوق ما يملكه المستشرقون، فتغيرت نظرته إلى المستشرقين.. وهذا اتضح أكثر في كتاب أخير عمله “دراسات المستشرقين حول الشعر الجاهلي”، فنحن أمام مراحل ثلاث من الاستشراق.
المرحلة الثانية.. الأهم في التأليف العربي المعاصر
وأيَّد أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة القول إن المرحلة الثانية “موسوعة المستشرقين”، أهدى فيها بدوي المكتبة العربية التأليفَ الأشمل والأهم والأعمق الذي جمع أهم ما في أطاريح المستشرقين وأعمالهم وأسمائهم، وبالتالي كانت هدية؛ فالحقيقة غير مسبوقة ولا ملحوقة في التأليف العربي المعاصر.
وذكر الدكتور أحمد عبد الحليم عطية أنه اهتم مرات عديدة بموقف المستشرقين الإسبان؛ وهو موقف يختلف عن أي مستشرقين آخرين، خصوصاً أنه كان أستاذاً إسبانياً؛ ظل لمدة عشر سنوات يدرس في الجامعة الأهلية القديمة؛ اسمه الكونت دي لاروزا، من النبلاء الذين تركوا إسبانيا وجاؤوا إلى مصر، ويقدم كتباً كثيرة ومحاضرات كثيرة، وعملنا له احتفالية ضخمة بمناسبة مرور 100 سنة على إنشاء جامعة القاهرة.
الاستشراق الإسباني
ونوه أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ورئيس جمعية الفكر العربي، بأن الاستشراق الإسباني له نظرة إلى التراث العربي، هي باعتبار أن العرب جزء من التاريخ الوطني الإسباني، أنتم حتى في المغرب صلتكم قوية مع الإسبان، والإسبان غير الشعوب الأوروبية المختلفة؛ هم حتى يسمون أنفسهم مستعربين وليسوا مستشرقين، ونحن مثلاً في جروب دكتور صلاح فضل، من أهم الأعضاء المشاركين والفاعلين فيه.. والدكتورة كارمن، وهي كبيرة المستعربين الآن في إسبانيا.
نظرة جديدة مغايرة للاستشراق
وتابع الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: أريد أن أقول إن ما كتبه عبد الرحمن بدوي عن الإسبان، أو ممكن نفس الأمر مع الإيطاليين، فبالفعل قدَّم لنا صورةً حيةً كاملةً للجهود الإسبانية، وأنا الحقيقة استفدت منه كثيراً وكثيراً؛ فدراساتي قامت على الأعمال التي قام بها عبد الرحمن بدوي.. لكن حاولت أن أنتقل من النظرة القديمة للاستشراق إلى نظرة أخرى، فنحن في حاجة إلى نظرة جديدة مغايرة للاستشراق.
طه حسين والشعر الجاهلي.. عميد الأدب والفكر العربي
قال أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، إن طه حسين فهو بالفعل الجد أو الأب الأكبر للثقافة المصرية الحديثة. والحقيقة أن طه حسين أفضاله على كلية الآداب وعلى الجامعة؛ لا تقتصر على الأدب العربي الذي عُرف من خلاله، ولا على التاريخ، تخصصه الأساسي؛ ولكن أنا أضيف إلى عبارة “عميد الأدب العربي” أيضاً “عميد الفكر العربي”؛ فطه حسين ظاهرة لن تتكرر، ربما كل عدة قرون، والذي أثر فيه أكثر ليس النلينو، طه حسين بدأ نبوغه قبل إنشاء الجامعة المصرية، في الجامعة الأهلية القديمة.. سنة 1912 و1913 استُدعى لويس ماسينيون للتدريس، ولويس ماسينيون له قصة طويلة مع مصر، فكان يحضر سنة 1905 دروس الأزهر، مرتدياً الجبة والقفطان والعمامة، فهو له دور كبير جداً.. جاء ودرس أربعين محاضرة في الجامعة الأهلية، وعمل تقريره، ولحسن الحظ أنا أحتفظ به عندي في البيت.
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: في هذا التقرير يتحدث فيه عن فتى أسمر نحيل طويل، يمتاز بالذكاء؛ إذا استطعنا توجيهه استفدنا منه، هذا ليس معناه أنه يوجد توظيف لطه حسين، لا، طه حسين آمن بالثقافة الفرنسية إيماناً كبيراً جداً، ونقل هذه الثقافة من قسم اللغة العربية إلى قسم الفلسفة؛ وهو الذي أشرف أو على الأقل ناقش عبد الرحمن بدوي في رسالته، وكانت له كتابات عديدة، وبالفعل تقدر تقول إن طه حسين فيلسوف؛ قدم لنا فلسفة مهمة، فلسفة للتاريخ، في كتابه “قادة الفكر” الذي يبدأ بالأدباء والشعراء ثم رجال الدين ثم الفلاسفة. فـ”قادة الفكر” كتاب في تاريخ الفلسفة، وهو مهم جداً.
أهم ما قدم طه حسين
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: أهم ما قدمه طه حسين ليس فكرة الانتحال؛ ولكن تطبيق المنهج الشكي على الظواهر الأدبية، انطلاقاً مما قدمه ديكارت؛ لكن أثار تبنيه المنهج الديكارتي أو الفكر الغربي بشكل عام مدرسةً أخرى قوية، ظهرت لدى مصطفى عبد الرازق، وتبلورت بشكل واضح جداً لدى أهم تلاميذه، وهو علي سامي النشار؛ الذي كان له حضور كبير في المغرب، وقدم أعمالاً ودراسات عديدة في المغرب، وبدأ يفكر في المنهج.
منهج ديكارت والمنهج التجريبي الإسلامي بين طه حسين وسامي النشار
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: بينما طرح طه حسين المنهج الديكارتي لدراسة ظواهر الفكر المختلفة، ارتأى علي سامي النشار أن المسلمين توصلوا إلى المنهج، وهذا تبلور في ما قدمه ابن تيمية في نقد المنطقيين.. هذا النقد الذي يمثل بدايات المنهج التجريبي الذي عرفته أوروبا في القرن الـ19، وبناء عليه قدم كتابه، وهذه كانت رسالته في الماجستير، “مناهج البحث عند الفلاسفة المسلمين”، وكأننا إزاء منهجَين كبيرَين؛ منهج ديكارت الذي تبناه طه حسين، والمنهج التجريبي الإسلامي الذي تبناه ودافع عنه علي سامي النشار.
تبني المفاهيم الاستشراقية الغربية
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ورئيس جمعية الفكر العربي: لأننا بدأنا لقاءنا مع الغرب في وضعية كان الغرب أقوى سياسياً وعسكرياً ثقافياً وعلمياً، وكنا في وضعية الأضعف؛ فمن هنا فرض الاستشراق أو فرض الغرب مفاهيمه ومناهجه على الثقافة العربية، وحتى الآن ما زلنا في مرحلة التلقي.. صحيح توجد محاولات لتجاوز الاستشراق؛ لكن هذه المحاولات هي محاولات دفاعية، وبالتالي لا تؤدي إلى نتائج.
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: أول شكل من هذه الأشكال، ما يسعى إليه البعض تحت عنوان الاستغراب؛ فكأن الاستغراب هذا هو الذي سيعيد إلى الشرق مرة أخرى دوره القيادي، وهو نوعية من الدراسات، واتجاه يغلب عليه التمني أكثر مما يغلب عليه الحفر المعرفي؛ لكن الحقيقة أن حضارات كثيرة غير الحضارة العربية، وكي يكون لنا موقف محدد من الاستشراق علينا أن نرى الحضارات الآسيوية والحضارات الإفريقية كيف نظرت إلى الاستشراق.
“الاستشراق في أزمة”.. بداية التناول العلمي للاستشراق
واستطرد أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: ونقدر نتكلم عن موقف آخر من الاستشراق؛ هو موقف الدراسات الاستعمارية، أو ما بعد الاستعمارية، ومن روادها إدوارد سعيد، والحقيقة أريد أن أشير سريعاً، في هامش صغير، إلى أنه قبل كتاب إدوارد سعيد، كتب أنور عبد الملك دراسة مهمة جداً “الاستشراق في أزمة”؛ وهذا كان أول نوع من التناول العلمي للاستشراق.
وتابع الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: وبالتالي بدأت النزعة ما بعد الاستعمارية، تسعى لبيان موقف الغرب بشكل عام من الشعوب؛ والذي لا يقضي على ثرواتها فقط، بل يقضي على فكرها وثقافتها وأدبها ولغتها؛ وبالتالي انتشرت الفرنكوفونية والأنجلوفونية.
التلاعب بالميراث الفكري والحضاري للشعوب المستعمرة
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، بشأن التلاعب بالميراث الفكري والحضاري للشعوب المستعمرة وطمس الإضافة العربية الإسلامية للفكر الإنساني: أتحدث عن مسألة ربما قليل مَن أشار إليها، أن علاقتنا باليونان تبدأ من علاقة التراث العربي بشكل عام باليونان، والتراث العربي مر بعدة مراحل؛ وبالتالي توجد فترة مر بها الفكر العربي، ممكن نسميها “الفترة الشفهية” أو فترة الانتقال من السريانية إلى العربية.
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: … هنا وقع كثير من المترجمين في كثير من الأخطاء، والحقيقة لا أريد أن أدافع عن التراث العربي فقط، أريد أن أقول إن كان هناك نوع من الاستقلالية ونوع من الأنظار العقلية التي بدأت تنمو؛ خصوصاً في علم أصول الفقه وعلم أصول الدين.. في علم أصول الفقه وعلم أصول الدين بدأت الأنظار العقلية الأولى في التراث الإسلامي التي بدأ يتبناها مصطفى عبد الرازق، والحقيقة مصطفى عبد الرازق ومدرسته في حاجة إلى عناية كبيرة جداً، أنا جدي الأكبر مصطفى عبد الرازق؛ يعني هو إمام الفلاسفة، وأنشأ قسم الفلسفة، وكان يرى مثلما يرى حزب الأحرار أن مصر للمصريين؛ ففكرة مصر للمصريين جعلته يتوقف عند الإمام الشافعي باعتباره فقيهاً مصرياً، وعند البهاء زهير باعتباره شاعراً مصرياً، ووجه تلامذته كلهم إلى البحث في موضوعات مصرية؛ ففكرة المصرية فكرة واضحة تماماً.
هل فكرة “المصرية” استشراقية بامتياز؟
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، عن رأيه في مَن يعتبر فكرة المصرية فكرة استشراقية بامتياز: لا ننسى أن النهضة المصرية والحضارة المصرية بدأت من المغرب، وهم لهم باع طويل وأملاك كثيرة في القاهرة.. لا، المسألة ترجع إلى أن فكرة القومية انتشرت في القرن الـ19، وهذه فكرة أوروبية، وبالتالي المناداة بالقوميات تجعلنا لأوروبا.. هذا الكلام الحقيقة مردود عليه؛ لأن مصر كان فيها توجهات متعددة، وكانت فكرة الجامعة الإسلامية والعروبة لها حضور، وحضور مبكر، قبل الكلام عن الأحزاب القومية في سوريا وفي الشام بشكل عام؛ لكن نحن في مصر هنا، يعني أنا أذكر لك أحد كبار الفلاسفة والأساتذة المصريين الذين درسوا الفلسفة في ألمانيا؛ مثل علي أحمد العناني، الذي أنشأ مجلة اسمها “النهضة الفكرية”، وكتب فيها عن القومية العربية سنة 28، والكلام عن القومية كان سائداً ومنتشراً في مصر؛ بل بالعكس عندنا الدكتور القهواني صاحب كتابات متعددة، وعلي فهمي خشيم جعل الفراعنة يأتون من الجزيرة العربية! لا يُقال هذا عن مصر؛ لكن هناك نظريات متعددة، يعني هناك نظرية الأصل الإفريقي للحضارة المصرية، هناك نظرية الأصل العربي للحضارة المصرية.. الحقيقة، أنا لي تصور للفكر العربي بشكل عام هذه الأيام.
الفكر العربي بين التلقي والحداثة
واستكمل أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: الفكر العربي عايش على التلقي كما تلقينا قديماً الفكر اليوناني، فنحن نتلقى حديثاً الحداثة كما تمثلت في أوروبا، وما بعد الحداثة كما تمثلت في فرنسا، وبالتالي نحن مجرد نقلة؛ سواء نقلة عن التراث أو نقلة عن الغرب، علينا أن نتحول من النقل ومن التلقي إلى اللقاء، علينا أن نتحول من استضافة المذاهب والأفكار والتيارات الغربية إلى الإضافة، فنحن مطالبون بدور لم تظهر معالمه بعد؛ هو التحول من التلقي إلى اللقاء والتحول من الاستهلاك إلى الإبداع والإنجاز..
نقد العقل الاستشراقي
وأضاف الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: هذا لن يتأتى إلا بمشروع أنا أطلق عليه “نقد العقل الاستشراقي”، ونقد العقل الاستشراقي، كما أشرت، بدأ مع أنور عبد الملك، وأنور عبد الملك من امتدادات طه حسين المهمة، ومن امتدادات المدرسة الوطنية المصرية، والذي لم يأخذ حقه كافياً حتى الآن.
محمد أركون.. صديقنا الخواجة
وتابع أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: نتكلم بصراحة؛ كثير من العرب المعاصرين من أصحاب المشروعات الفلسفية الكبرى؛ تعلموا في فرنسا، سواء أركون أو حسن حنفي.. هؤلاء وقعوا في تناقض الحيرة بين مناهج البحث الفلسفي ومناهج الاستشراق، وهذا يظهر في حسن حنفي، ويظهر بصورة واضحة في أركون؛ الذين تتلمذوا على يد مستشرقين، يعني ماسينيون كان المستشرق الذي قصده حسن حنفي من القاهرة؛ لكي يدرس على يدَيه، وقال لا والله أنت محتاج إلى مشروع، فعليك بدراسة الفلسفة وليس دراسة الاستشراق؛ لكن محمد أركون كان واعياً بقصور المناهج الاستشراقية عن المناهج الفلسفية، وبالتالي اتجه إلى كتاب ما بعد الحداثة في فرنسا، ومدرسة الحوليات التاريخية، واتجه إلى ميشال فوكو.. صحيح كان يُطلق عليه في الشرق كثيرون، سواء حسن حنفي أو محمود أمين العالم، يقول لك “صديقنا الخواجة محمد أركون“؛ لأنه يتبنى الفكر ما بعد الحداثي بصورة مطلقة؛ لكن هو الخلل في الحيرة ما بين المناهج الفلسفية والمناهج الاستشراقية.
وقال الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: نقد العقل الاستشراقي يقتضي تأسيس إبستمولوجيا للاستشراق، جنياولوجيا للاستشراق.. الحقيقة؛ متابعتنا للفكر الاستشراقي من خلال نقل العرب للفلسفة اليونانية واتهام العرب بأنهم عالة على الفكر اليوناني؛ لكن الحقيقة أن الفكر اليوناني هو الذي يمثل، يعني في مرحلة ما بعد القرنَين الثاني الهجري والثالث الهجري، بعد عصر الترجمة وعصر التنوير في الحضارة الإسلامية، بدأ نقل العلوم الإسلامية إلى أوروبا، وبدأت حركة ضخمة جداً تعد الحركة التاريخية الثانية في الترجمة..
الترجمة قيمة عُليا جداً
وأضاف أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: الحركة الأولى كانت الترجمة من اليونانية إلى العربية، وهذه مسألة لم تدرس بشكل كافٍ، وأنا ممكن أعطيك أمثلةً، كيف كان يتعامل المترجم مع النص المترجم؟ وكيف كان يذهب إلى أقطار متعددة لجمع مقالات الكتاب والمقارنة لإخراج نسخة صحيحة؟ هذا ما عملوه، ونقدر نرجع إلى رسالة يحيى بن علي، في ما ترجم من كتب جالينوس، بعلمه، وما لم يترجم، فهذا يبين كيف كانت الترجمة قيمة، وقيمة عُليا جداً.
واستكمل الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: بدأت الترجمة من العربية إلى اللاتينية، ونعرف كيف تمت.. تمت بشكل ثلاثي (مترجم لاتيني، ومترجم عربي، ومترجم يهودي)؛ يدرك اللغة العربية واللغة اللاتينية، وبدأ عصر الترجمة، إلى أن اكتشفوا أن العرب ينقلون عن آخرين؛ فقالوا لا نحن ننقل عن الآخرين، فحدث عصر الإحياء، ومن عصر الإحياء إلى عصر الجامعات والمدارس. وبدأ النقل عن الحضارة العربية.
كيف نقرأ أوروبا؟
وتابع الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: هنا أشير إلى مرحلة ثانية من الفكر هي القراءة الغربية للفكر العربي.. نحن عندنا زميلة أستاذة توفيت العام الماضي، هي دكتورة زينب الخضيري؛ لها “أثر ابن رشد على الغرب” ولها “ابن سينا وتلاميذ اللاتيين”؛ هي تقدم لنا صورةً لكيف قرأت أوروبا التراث العربي الإسلامي، وهي المرحلة الثانية. ونحن في المرحلة الثالثة حالياً، كيف نقرأ أوروبا؟
شركاء لا أتباع
وقال أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة: الحقيقة إن فعل القراءة كنا نستخدمه زمان بعنوان “الشرح والتعليق”، وشرح ابن رشد على أرسطو، فهو قراءتنا لديكارت، وقراءتنا لكانط، وقراءتنا لهيجل؛ فالحقيقة أن هذه القراءة يجب أن تربطها ضوابط، يعني مثلما نعرف أن في القراءة القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل متلقٍّ إيجابي، يعيد صياغة النص ويعيد كتابة النص؛ فعلينا بالفعل أن نعيد كتابة الاستشراق ونعيد النظر إلى الاستشراق، وذلك بشكل ثالث خالص؛ يعني نحن إما أن ننظر إلى الاستشراق باعتبارنا في حوار مع الغرب وحوار الحضارات بشكل عام، أو صراع الحضارات كما يروج له، لا إلى تفاعل الحضارات وجدل الحضارات..
واختتم الدكتور أحمد عبد الحليم عطية: صحيح نحن بإزاء كونية جديدة، هذه الكونية الجديدة ينبغي أن يُسهم فيها العرب مرة أخرى، والحقيقة أن الحضارة أو المفكرين والفلاسفة الأفارقة وعوا هذه المسألة وعياً كاملاً، وبالتالي ساعدوا كثيراً جداً في تطور الدراسات ما بعد الاستعمارية، وعلينا أن نسلك نفس الطريق مرة أخرى للغرب؛ فنحن شركاء ولسنا أتباعاً، وعلينا أن نتحول إلى هذا الدور، وهو ما يجب علينا خلال العقود المقبلة.