من هم أهل الكتاب؟ وهل هم اليهود والنصارى؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة نلتقي مع الدكتور يوسف أبو عواد وآلية تطبيق اللسان العربي على بعض المفاهيم القرآنية. في الحلقات السابقة، دكتور، أهلًا بك. أول شيء، دعنا نرحب بك.
في الحلقات السابقة تحدثنا باستفاضة عن معنى الملة، وما هي ملة إبراهيم، وملة اليهود، وملة النصارى. وتحدثنا عن من هم بني إسرائيل، وما هي صفاتهم، وبماذا أنعم الله عليهم. ما هي الانحرافات التي وقعت من قبل بني إسرائيل: عبادة العجل، وما هو العجل. والكثير. فكرة الفداء والشفاعة أيضًا تعرضنا لها. الآن نرغب في أن نتعرض أكثر كذلك إلى مفهوم أهل الكتاب. هل أهل الكتاب، من المتعارف عليه، هم اليهود أنفسهم مثلًا والنصارى؟ أو بالتعبير الدارج، هل المسيحية؟ هل هم أمم مختلفة؟ هل الذين آمنوا من أهل الكتاب؟ من هم أهل الكتاب؟
يوسف: تمام، أهلًا وسهلًا بك وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين. في الحقيقة، دكتور، نحن ربطنا في الحلقات السابقة موضوع الكتاب بموسى عليه السلام، وأشرنا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. وقلنا إن الكتاب أُنزل على طائفتين من قبلنا، ولكنه أُنزل مرة واحدة، وكان إنزاله على عيسى بعد ذلك تعليمًا: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وتحليلًا لما حُرّم على الذين ظلموا من الذين هادوا، كما جاءت بذلك الآيات الكريمة.
لا يوجد ربط بين اليهود وبين أهل الكتاب، ولا بين النصارى ولا بين أهل الكتاب، لأن هذه ملل سلوكية، مثلت سلوكًا قام به أهل الكتاب في محاولة تطبيق الكتاب، سواء كانت المحاولة صادقة أو غير صادقة في الحقيقة، لكن هي محاولات تطبيقية وهي انعكاسات سلوكية. والقرآن دقيق جدًا في استخدامه للمصطلحات.
يعني بوسعنا أن نقول إن مصطلح بني إسرائيل أعم من مصطلح أهل الكتاب. إذا أردنا أن نذهب إلى الخصوصية من العموم إلى الخصوص، فمصطلح بني إسرائيل هو مصطلح عام جدًا، هو في العموم بعد مصطلح بني آدم مباشرة في القرآن الكريم. يأتي تحته وداخله، وأخص منه، مصطلح أهل الكتاب. لماذا؟ لأنه ليس كل بني إسرائيل كانوا أهل كتاب، بحكم أن الكتاب جاء في مرحلة لاحقة حين أُنزل على موسى عليه السلام بتمامه يعني. قبل ذلك كانت تنزل التعليمات على شكل توصيات، كما قلنا.
باسم: أو صحف.
يوسف: أو صحف.
باسم: أو ألواح.
يوسف: نعم. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. فإذن أهل الكتاب أخص من بني إسرائيل، فهم الذين أُنزل فيهم الكتاب. والقرآن يعالج قضية أهل الكتاب بعدالة تامة، لأن أهل الكتاب حكم أنهم نزل فيهم الكتاب وتقبلوه. لاحظ، يعني تقبلوا فكرة الكتاب كما هو.
باسم: أصبحوا أهلًا به.
يوسف: بالضبط.
باسم: أو أهلًا له.
يوسف: أصبحوا أهلًا له، وليس شرطاً أن يكونوا أهلًا به. إن طبقوه فهم أهل به طبعًا، لكن هم صاروا أهلًا للكتاب بمعنى بينهم وبينه… كان عندهم الأهلية لتقبل الكتاب، الأهلية الإرادية طبعًا باختيارهم. كما أن بني إسرائيل تقبلوا فكرة الرسالة بشكل عام وتحويلها إلى سلوك اجتماعي، كما قلنا، مع ما ذكر القرآن من انحرافات في أثناء هذه التطبيقات. فكذلك أهل الكتاب تقبلوا أيضًا، إضافة إلى ذلك، فكرة الكتاب. وأيضًا سعوا، مع اختلاف النيات واختلاف السلوكات واختلاف الأعمال، إلى تحويل الكتاب إلى واقع اجتماعي عملي.
ممانعة أهل الكتاب للرسالة الخاتمة
يوسف: فلما نجد القرآن، مثلًا، يقارن أهل الكتاب بالأمة التي حملت الرسالة الخاتمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وقد تعرضنا لهذه الآية وشرحناها بالتفصيل. لكن في السياق يقول: ﴿وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. نعم، إذن المقصود أنه يشير، أو تشير هذه الآية، إلى أن هناك ممانعة ممن كانوا أهل كتاب فترة نزول الرسالة الخاتمة وما بعدها طبعًا من فترات، إلى رفض لفكرة الإيمان الاجتماعي الكامل الذي يضم جميع طوائف البشر من الذين أوتوا الكتاب والذين لم يؤتَوه، والمشار إليه بنحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. فقال: ﴿وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، لأنه سيدخلون في العقد الاجتماعي الكبير الذي يعود بالأمن على الجميع. وأيضًا أنصف فقال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يعني الذين ليس فقط آمنوا، لأنه هنا، لاحظ، تحولت من فعل إلى اسم، فهذا يدل على الاستقرار على السلوك أو على الفكر. يعني منهم المؤمنون معناها قبِل الفكرة تمامًا، وانضوى، وانضم في سياق المجتمع المؤمن بجميع ما فيه من طوائف، وجميع ما فيه من أفكار. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. كانت النسبة الأكثر الفسق والخروج عن النظام. ونحن شرحنا أيضًا في حلقة سابقة الفسق، أنه مأخوذ من، يعني ممكن أن نشبه له بمثال موجود في الطبيعة وهو الفستق أو نواة التمرة التي تفسق من التمرة حين تضغط التمرة. فلذلك هو سمي الفستق “فستق”، فهو الخروج عن النظام الاجتماعي ومناكفة الأنظمة.
باسم: هو فسق.
يوسف: نعم.
باسم: والقوانين.
يوسف: هذا هو الفسق. لذلك لاحظ هنا جعل الفاسقين في مقابل المؤمنين، لأن المؤمن هو الذي استجاب لنظام الأمن الاجتماعي الكامل. والقرآن دقيق جدًا، يفرق بين المؤمن بالله والمؤمن مطلقًا، ونحن ما نطالب به الناس وما ننشده من المجتمعات البشرية هي فكرة الإيمان المطلقة بالله. هذا الأفضل للإنسان ليستقر نفسيًا ويتصالح تمامًا مع الموضوع، لكن إذا لم يكن بالله فعليًا ولكن هو صار مع النظام، ففكرة (بالله) هذه هي حسابها على الله وليست على الناس.
لماذا الربط بين اليهود والنصارى وأهل الكتاب؟
باسم: دعنا نعيد، أنت قلت إن اليهود والنصارى لا علاقة لهم… ليسوا من أهل الكتاب.
يوسف: نعم، كمسمى، إذا قلت هذا يهودي، معناها أنت فصلت بينه وبين الكتاب في هذه الحال، لأنه هو سلك سلوكًا خرج به عن الكتاب.
باسم: إي، مجرد أن يتمثل الصفة التي أُطلقت عليه فهو خارج الذين… أهل الكتاب.
يوسف: نعم، هي كلمة يهودي أو نصراني أو مؤمن أو مسلم أو كذا، هي ليست اسمًا للشخص..
باسم: توصيف سلوكي.
يوسف: توصيف لسلوك معين.
باسم: طيب، الآية التي تقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾.
يوسف: هو هنا المشكلة، الناس ربطت بين فكرة التوراة/اليهود والإنجيل/النصارى، وقال لك شاهد الإسقاطات، وهؤلاء هم أهل الكتاب، فإذن هم أهل كتاب. لا، هو قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ..﴾.
باسم: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا﴾.
يوسف: إي، هو أولًا في الآية السابقة لهذا قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾، هذا السياق الذي ذكرته في سورة المائدة، في الآية السابقة في نفس السياق: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. أو في الآيات التي في السياق. طيب، الآن لما يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾… في نفس سياق الآيات المتسلسل في السورة، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾، ليس معناها أنه لستم على شيء أي ليس معكم الكتاب أو الصورة العملية. نحن قلنا التوراة، شرحنا ما هي، وأنها هي لنقل نظام عملي مقترن بالكتاب يحكم به النبيون والذين أسلموا، فيقول لهم لستم على شيء أي لستم على شيء من الالتزام.
باسم: حتى تقيموا.
يوسف: إي، ليس لستم على شيء ليس معكم الأسس، الأسس موجودة. لا يمكن أن يتناقض النص، هو قبل ذلك: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
باسم: يعني الآية تفترض أن الكتاب عند أهل الكتاب، ولكن لم يُفعّل.
يوسف: نعم.
باسم: وآلية تفعيله هي الإنجيل والتوراة.
يوسف: إي نعم، ولذلك ما قال لهم ليس معكم شيء. لاحظ، يوجد فرق دقيق جدًا في المصطلح، “لستم على شيء” أي لستم على شيء من طريق التمثل أو الامتثال للكتاب. وطبعًا هذا الجزء الذي يتكلم عنه النص من أهل الكتاب، لأنه دائمًا النص يفرق “منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون” “وليسوا سواء”.. إلى آخره. فهذا الجزء الذي يتكلم عنه والذي رفض الرجوع للتوراة، يعني لأنه ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، فهو رفض الرجوع للتوراة، إذن هو لا يسير على شيء من التوراة، وليس القصد أنه ليست عنده تعليمات التوراة وتعليمات الإنجيل التي هي الأبعاد العملية للكتاب، إنما هي موجودة معه بنص القرآن الكريم كما قلنا. لا يمكن أن يطلب النص الإتيان بالتوراة وتلاوتها.
باسم: إذا لم تكن موجودة.
يوسف: طبعًا، مستحيل.
هل نزلت الرسالة الخاتمة أيضًا لبني إسرائيل؟
باسم: هل يمكن الاستنتاج في هذه الحالة أن أهل الكتاب الذين كان عندهم التوراة والإنجيل في عهد النبي محمد عليه السلام كانوا موجودين، وأن هذه الآيات كانت تخاطبهم، وأنه كان أمر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ معناه أن هذا الخطاب موجه للنبي أن يحكي لأهل الكتاب الذين عندهم التوراة والإنجيل. هل يعني أن الرسالة الخاتمة أيضًا جاءت لبني إسرائيل؟
يوسف: بنو إسرائيل هم بقية البشر بعد آدم عليه السلام، من بقي من البشر كلهم بنو إسرائيل.
باسم: بكل القبائل الموجودة؟
يوسف: بكل من هو موجود من البشر، هذه نقطة اتفقنا عليها. يعني نصوص القرآن واضحة جدًا، واضحة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾. الآن هذه الفكرة واضحة، هكذا التسلسل البشري الذي يشير إليه القرآن. وهذا على فكرة فيه إجابة، الناس تقول لك لماذا كانت النبوات في منطقة الشرق الأوسط. من قال؟ أولًا، القرآن لم يقل إنه في الشرق الأوسط أم في إفريقيا أم في آسيا، على فكرة القرآن يشير إلى طريقة تمدد المجتمع البشري من لحظة آدم عليه السلام، ثم من بعده نوح، ثم فترة الانتشار التي قبلت فيها فكرة الرسل بدأت تقبل هي فترة إبراهيم وإسرائيل بالتزامن، وقد شرحنا هذا.
وأكمل من بعده حمل الرسالة يعقوب ومن بعده من الأنبياء. الآن فترة نزول الكتب باكتمالها من عهد موسى عليه السلام تخللها أو تبعها نزول التوراة ونزول الإنجيل لتفصيلات الأحكام، فصارت الصورة واضحة، بنو إسرائيل هم جميع البشر. أهل الكتاب هم من كان من بني إسرائيل قَبِلَ فكرة الكتاب. من لم تصله فكرة الكتاب، نعم، هناك من لم تصله فكرة الكتاب يسميه القرآن الكريم الأميين، هكذا يسميه النص، فيجعل الأميين في مقابلة أهل الكتاب. لكن الأميين وأهل الكتاب جميعًا يندرجون تحت مسمى بني إسرائيل، فهم كما قلنا بقية البشر، ولذلك يخاطب النص بهم.
هل الأميون جزء من بني إسرائيل؟
باسم: نعيد نفس النقطة، هل الأميون جزء من بني إسرائيل؟
يوسف: نعم، الأميون وأهل الكتاب يشكلون بني إسرائيل باختصار. يعني بنو إسرائيل قلنا مجموعة كبيرة، الآن تفرع منها أهل الكتاب، وهم الذين قبلوا فكرة الكتاب وصارت عندهم ثقافة.
باسم: يعني لما يقول هذا ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، يعني الذي هو من الأميين؟
يوسف: نعم، هو نشأ في قوم لم يتوارث عندهم الكتاب الذي نزل، الكتاب الذي أنزل إلى موسى بما بعده من التوراة والإنجيل مع تعليماته التي هي في التوراة والإنجيل. كانت الأمة التي بعث فيها النبي ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، لم تكن هذه الأمة متوارثة للكتاب ولا كان معروفا فيها كما هو معروف عند المقابلين الذين هم أهل الكتاب.
باسم: وهذا يبدو لي استخدام دقيق لمسألة الأميين، يعني بمعنى من الأمة ليس من الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة.
يوسف: لا لا، لا علاقة له، لا علاقة لها بالقراءة والكتابة. ولما قال ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ يتحدث عن كتب السماء وليس موضوع الكتابة بالمصطلح الحديث. ما هو الناس نزلوا ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ يعني Book. لاحظ نزلوا المصطلح الحديث على الآية. كلمة كتاب في القرآن دائما تتعلق بكتاب الله الكوني، أو إذا حول إلى تعليمات يعني منطوقة صوتية مقروءة تُبعث إلى الناس يصبح أيضا هذا تشكل، أحد تشكلات الكتاب. لكن الآية لما تقول ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ يعني لم يقرأ أي جزء من الكتاب ولم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام علاقة بهذا الكتاب، هذا هو المقصود.
هل النبي من سلالة إبراهيم وإسرائيل؟
باسم: إذًا النبي في هذه الحالة من سلالة النبي إبراهيم؟
يوسف: الكل من سلالة النبي إبراهيم.
باسم: وإسرائيل؟
يوسف: وإسرائيل، إي نعم، إلا إذا تبين أن إبراهيم وإسرائيل يعني منفصلان عن بعضهما، قد يكون إسرائيل كما قلنا هو أصلا تابع لإبراهيم، يعني الكل تفرع من إبراهيم ثم تفرع من إسرائيل الذي هو بعد إبراهيم أو مزامن له، هذا هو.
باسم: هنا أيضا يبدو الخطأ مقارنة الأميين ببني إسرائيل، لأن الأميين عبارة عن صفة سلوكية، وبنو إسرائيل عبارة عن مجموعة بشرية؟
يوسف: الأميون جزء من بني إسرائيل، فكرة الرسالة الكبيرة مقبولة لديهم، ولكنهم بقوا على فكرة الأمة، كما قلت أنت، فكرة الأمة معناها السير على الفطرة الأصلية الطبيعية التي تجمع الناس، لكن طبعا أيضا حصل انحرافات عن الفطرة كما حصل عند أهل الكتاب انحرافات عن الكتاب.
ما العلاقة بين الأميين وإبراهيم؟
باسم: هل بالإمكان أن نستنتج أن الأميين هم مثلا من بقايا من الذين بقوا على تواصل أو على تفاعل مع أمة إبراهيم، مع إبراهيم وكان أمة مثلا؟
يوسف: صحيح.
باسم: على ملة إبراهيم؟
يوسف: يعني لنقل العرق الذي بقي لديهم من التعليمات هو متصل مباشرة بإبراهيم عليه السلام، بفكرة كونه أمة، بالسلوكات الفطرية التي سار عليها إبراهيم، وتعليمات بسيطة على شكل وصايا ربما أعطيت في الصحف لإبراهيم، لكن الكتاب المفصل لم يكن لديهم، فسموا أميون لأنهم ساروا على فكرة الأمة فقط التي أسس لها إبراهيم دون أن يعرفوا بتفصيلات وتعليمات الكتاب الذي وصل إلى طوائف أخرى من البشر غيرهم. وهذه الصورة على فكرة مهمة جدا، يعني نحن نثمن على فكرة، وأثمن دكتور التركيز على هذا الموضوع، أن الناس تفهم: بنو آدم، بعدهم بنو إسرائيل، بنو إسرائيل تفرعوا إلى أهل الكتاب وإلى الأميين، الآن اليهود والنصارى هي انحرافات في تطبيق الكتاب أو حتى انحرافات في تطبيق سياسة الأمة أو نظريات الأمة التي وضعها إبراهيم عليه السلام، من انحرف بانحرافات اليهود سمي يهوديا. ومن انحرف بانحرافات النصراني..
باسم: سمي نصرانيا.
يوسف: في انحرافه طبعا، كما قلنا، هي ليس اسم يطبع عليه، لكن في الانحراف هذا يقال له سلوكك هذا يهودي وسلوكك هذا نصراني. تمام، يعني هكذا أعتقد الفكرة أصبحت واضحة.
باسم: أنا أعتقد الآن أصبحت واضحة.
كيف يخاطب القرآن أهل الكتاب؟
يوسف: تماما، الآن أهل الكتاب، القرآن أيضا لا يخاطبهم على مستوى واحد، لأنه لما يقول لك أهل الكتاب، هذا إطلاق كل من قبل فكرة الكتاب إجمالا، فيقول لك كما قلنا ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، لحظة إعلان النظام الاجتماعي الذي يسعى يعني يتشوف إلى إنشاء المجتمع الذي يتحقق فيه الأمن بجميع أبناء المجتمع من أهل الكتاب من قبل ذلك، ومنهم من يقبل، سيعالج القرآن لماذا لم يقبلوا طبعا ويبين لك السبب حتى يتجنب..
باسم: التعميم.
يوسف: أهل الكتاب الذين قبلوا الكتاب الأخير أن يقعوا في نفس الفكرة، لأنه الآن أصبحت كل البشرية أهل الكتاب بعد نزول الكتاب، كتاب القرآن الكريم لجميع البشر، خلاص، صار الكل. لما ينادي أهل الكتاب بأخطائهم التي حصلت في تنفيذ الكتاب سابقا، إذن هو ينادي كل البشرية الآن: انتبهوا قد حصل هذا الخطأ في التمثل للكتاب فلا تقعوا في مثله. يقول مثلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾، لاحظ العدل: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. انظر كيف؟ الذين دلّكَ في الصراط المستقيم أنهم من أهل الصراط المستقيم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، تمام. إذًا ولم يقل طبعا أنه أنا آمنت مثلا برسالة القرآن، لا يوجد، هو يتحدث على أنه أهل الكتاب سابق، لماذا؟ لأنه نفس الأفكار الكبيرة نفسها لم تتغير أصلا يعني..
باسم: يعني نفس النظم القيمية أو منظومة القيم هي نفسها، مثلا نفس السلوكيات المنصوص عليها في أمة إبراهيم نفسها.
يوسف: تماما، نفس السلوكيات المنصوص عليها في أمة إبراهيم هي نفس السلوكيات المنصوص عليها في الكتاب، وهي نفس التي نزل بها القرآن الكريم.
سلوكيات أهل الكتاب
ومن أهل الكتاب الآن لاحظ بعض السلوكات: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، السبب؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، يعني أحيانا وهذا السلوك يحصل كثيرا الآن ممن يدعي أنه حمل كتاب السماء القرآن الكريم، يرى بالنسبة لمن لم تصله رسالة القرآن أو لم يعلن والله استجاب للقرآن، لكن هو يسير على الفطرة ويسير على النظام الاجتماعي، الذي معناه يحقق ما يجب عليه من بذل السلام والأمن للجميع، فيأتي فيستحل ماله وكذا بسبب أنه أنا معي كتاب وهو ليس معه كتاب، يصنفه كافرًا، هكذا يتولد الفكر التكفيري بمعناه الكبير الذي انتشر فعم وطم، لأنه حقيقة الفكر التكفيري ليس مجرد أنه والله تأتي إلى إنسان فتكفره في المجتمعات الإسلامية حتى التعامل مع الأميين، بمعناها بالمصطلح الحديث الذي لم يتقبل رسالة القرآن لسبب أو لآخر، وصلته مشوهة، لكنه في سيره يسير على الفطرة الأولى، مسالم، مؤدٍ للواجبات في المجتمع، ينشد حقوقه. فلما تأتي فتقول لما تشير لك الآية أنه قد بدر من أهل الكتاب بحجة أن معهم الكتاب: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ممتاز، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، لماذا؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. طيب هل هذا القول مستنده رباني؟ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. الجواب: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. هناك عهد اجتماعي وعقد بينك وبين كل من في المجتمع ممن هو ملتزم بأنظمة المجتمع وقوانينه، ولا يجب عليك أن تفي بهذا العهد ولا تتحجج بمثل هذا الاحتجاج.
الآن ما بالك دكتور لو كان الموضوع يبنى ليس فقط على الكتاب، كتاب السماء، يعني إذا احتجاجك بأنك تتبع كتاب السماء مقابل إنسان لم يعرف كتاب السماء ولم يعلن الإيمان به وتأخذ ماله، طيب، إذا كنت تحتج بأنك تتبع مذهب كذا أو الشيخ الفلاني كذا أو الفرقة الناجية بزعمهم طبعًا كذا، ما بالك إذا صرت تستحل أموال الناس ودماءهم وأعراضهم بهذه الحجج؟ إذا كان اتباعك لكتاب السماء لا يبيح لك أن تسلك هذا السلوك مع باقي البشر، فما بالك بما هو أدنى منه؟ لأن القرآن يشير إلى هذا لأثره، ونحن نرى السلوكات الكثيرة التي نتجت عن عدم التدبر في مثل هذه الآيات.
طريقة التعامل مع أهل الكتاب
يوسف: الآن في سياق آخر يقول: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، لاحظ هذا الجمع الذي أشرنا إليه أيضًا لما شرحنا مفهوم الإسلام والإيمان وكيف في النهاية كل الآيات تقودنا إلى خط واحد، ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، تمام؟ ولذلك يقول لك: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، لماذا؟ لأنه هو الأسس التي عندك.
باسم: هي عندهم.
يوسف: عندهم. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. نعم، الآن لحظة الظلم الآن لا ينفع فيها الجدال أو الحوار أو النقاش. ظلم معناها يجب أن يرد الحق لمن ظُلِم، رددت الحق لمن ظلم، النقاش مفتوح بالتي هي أحسن لا بأس. ولاحظ ماذا قال: ﴿وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. إذن مبادئكم هي نفس المبادئ التي لدينا، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. هذا هو الجامع: تسلمون من شرنا ونسلم من شركم، ولستم أصلًا شيئًا ونحن شيء آخر، فنحن مجتمع واحد وكلنا نؤمن بعضنا بنفس أساس الإيمان: ﴿آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. انتهى الموضوع. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، نفس الفكرة، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، بمعنى لا نجعل ولاء آخر داخل هذا، لأنه إذا أدخلت ولاء باسم من كان هذا الذي تدخل الولاء باسمه، تعدد الولاءات، هذا يعني تفكك المجتمع وانهياره.
باسم: بداية التشظي في المجتمعات.
يوسف: وكم تعيش الآن اليوم في مجتمعاتنا أو في غير مجتمعاتنا أناس عندهم الولاء الاجتماعي والمدني، ولكن عنده ولاء آخر، إذا تعارض الولاءان سيقدم الولاء الآخر على الولاء الاجتماعي، فهذا ليس ولاءً حقيقيًا، فهي صورة تنخر المجتمع وتهدم بنيانه. حصلت عند أهل الكتاب بدعوى الانتساب لوسطاء، لاحظ هو قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. سيدخل وسطاء دخلاء هؤلاء على الكتاب، على فكرة الكتاب، إنه أنا أتحدث… ما هو هذا الذي يزعم نفسه ربًا، شيخًا لطريقة، إمامًا لمذهب، قائدًا لعصابة، طبعًا كل العصابات تطرفًا أنا أسميها عصابة، يعني فهو قائد، ماذا يزعم؟ يزعم إنه هو يتحدث لك باسم الكتاب لكن يسيرك على وفق التعليمات التي يريدها هو، وطبعًا شيئًا فشيئًا يبدأ تناقض هذه التعليمات مع التعليمات الكلية الناظمة للمجتمع التي تساوي بين جميع أبنائه، وينهار المجتمع تدريجيًا بسبب هذه السلوكات. حصل عند أهل الكتاب، يحذر القرآن مرة أخرى أن يحصل وقد أعيد تنزيل الكتاب وتثبيت المعلومات.
ما معنى الحسد عند بعض أهل الكتاب؟
يوسف: الآن أحيانًا يشير إلى أن بعض أهل الكتاب وصل إلى مرحلة أن، أو بدرت منه سلوكات تشير إلى أنه كفر ببعض مبادئ الكتاب، كما قلنا أيضًا عن بني إسرائيل. لاحظ: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. لو ذهبت لتطبق أو ترى تطبيقات هذه الآية في الواقع العملي، كثيرًا ما نرى الناس إذا رجعنا إلى القرآن إلى الكتاب المبين القرآن الكريم وصرنا نتحدث أنه يا جماعة هذا هو القرآن وهذا هو القرآن، يرفض الكلام. لماذا يرفض؟ لأنك الآن هذا الإنسان الذي لديه غباشات كثيرة فيأخذ علمه عن الله من ألف مصدر ومصدر، يصيبه نوع من الحسد، لماذا؟ لأنه سيشعر أن مكانته الاجتماعية التي أخذها بالزور وبترويج أشياء تدخل على خط الكتاب فتعاكسه وتشوش على الناس فهمه، يشعر أنك ماذا؟ أنك أخذت البساط من تحته. والقضية ليست أخذ بساط، القضية قضية إصلاح اجتماعي، فيرفض الفكرة ويحاربك لا لشيء إلا للحسد.
لذلك قال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾، لاحظ هذا الإيمان المطلق، يعني عندما يرى أولًا كفكرة الحالة الكلية التي ندعو إليها حالة الإيمان والسلام المطلق في المجتمع، ثانيًا يراها واقعًا عمليًا، لكن هذا الواقع العملي كشف بعض الفساد الذي لديه، والجباية بغير حق، وإلى آخره، فالنتيجة يريد أن يرجع الناس ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾، كفّارًا يعني يعودون إلى كتمان هذه التعليمات فيضرب بعضهم رقاب بعض، وإلى آخره من السلوكات التي تصدر في المجتمع.
إذن فكرة الحسد هذه عند بعض الدخلاء على الكتاب، لمن يتكلم بالكتاب أو يلتزم بالتعليمات الأصلية للكتاب، ستكون موجودة، فيحذر القرآن الكريم منها.
باسم: وهذا على فكرة منتشرة كثيرًا حاليًا، حتى في المجتمعات بين قوسين الإسلامية، إن من يقدم فكرة مختلفة عن الفكرة المألوفة تراثيًا أو المألوفة بين الناس، هناك يُهاجم أو يتم انتقاده بشكل.. أو تقريعه بشكل غير عادي، على اعتبار أنه لا يتبنى الرأي المألوف لدى الناس.
يوسف: لا يتبنى الرأي، لأنه هذا الرأي يعيد الناس إلى حالة المساواة الحقيقية، ويكشف مثلًا الزيف والخداع الذي يمارس باسم الكتاب وباسم الله، وطبعا هو لا يريد هذا، هو لا يريد، هو يحسد صاحب الفكرة مع أن صاحب الفكرة أصلًا ليس الهدف منه شيء خاص له، إنما هو يدعو إلى ما فيه مصلحة الناس ومصلحة المجتمع. فإذن الموضوع تكرر كثيرًا، كما قلت، في ما سمِّي، حتى في التاريخ الإسلامي كثيرًا وفي المجتمعات الإسلامية تكرر كثيرًا.
النفاق عند بعض أهل الكتاب
يوسف: وبعض السلوك أيضًا تشير إليه آية أخرى تقول مثلًا: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، يعني معناها: ادخل معهم لحظة وقل أنا ضمن المجتمع المؤمن، ولكن في الآخر اعكس هذا السلوك حتى تحدث بلبلة، يعني يريد أن يحدث بلبلة بطريقة النفاق أو بطريقة خبيثة تهز كيان المجتمع. فهذا سلوك أيضًا بدر من بعض أهل الكتاب، ويبدر اليوم كثيرًا ممن يدعون اتباع كتاب السماء. فيقول لهم في آية أخرى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، يعني ما سبب النقمة؟ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾. انظر سياسة التوحيد، المجتمعات البشرية كلها حتى وليس فقط مجتمعًا واحدًا، ما سبب النقمة؟ هل لأننا نريد، نسعى لتحقيق الأمن الاجتماعي الكامل الذي لا مستند له إلا الله، ولا مرجع له إلا الله، بدون الوسطاء والدخلاء، وتوحيد الناس على ما أنزل من الله ومبادئه واحدة، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، أنتم الذين تتكلمون، تخرجون عن نطاق الطاعة، وعن نطاق الالتزام بالنظم، وعن نطاق الانضباط بضوابط المجتمع.
جذر الصراعات بين البشر والحضارات
باسم: هل يمكن قراءة هذه الآية على اعتبار أنها تشكل جذر الصراعات القائمة بين الحضارات، بين الشرق والغرب، على الأقل حاليًا، أو بين العرب وبين… المجتمعات التي توصف إسلامية مثلًا حاليًا، وبين المجتمعات التي توصف بغير ذلك، أنه يعني هل تنقمون منا لأننا نؤمن كذا وكذا وأنتم لا تؤمنون يعني، ممكن هذا؟
يوسف: والله إذا نظرت في بؤرة الصراعات التي تحصل، طبعًا الناس تلمح، الناس ليسوا أغبياء، الشعوب ليست غبية. يعني لما تجد طرفين في الصراع، طرف فكرته هي الحقوق البشرية الطبيعية: حقي في أرضي، حقي في مالي، حقي في عرضي، حقي في تكافؤ الفرص، حقي في تحقيق المساواة، حقي في العدالة، حقي في أنني إذا ظلمت ترد إلي مظلمتي. وبالمقابل تلمح وتتوسم في الطرف الآخر: ما الذي يريده؟ هل يريد إعطاء حقوق، أم يريد مصالح ذاتية، مصالح انتهازية، تحقق مصالح لجهات معينة وطوائف معينة؟
باسم: على حساب جهات أخرى.
يوسف: على حساب ممكن المجتمع البشري بأكمله، ليس فقط جهات معينة. فيظهر لك فعلًا أن هذه تشكل بؤرة للصراع. طيب لماذا تريد أن تنتقم مني؟ هل أنا أخذت منك حقًا أو ظلمتك في شيء، أم أنت فقط لأنني أدعو إلى المبادئ الإنسانية الكبرى الطبيعية؟ هذا الذي نقمته مني، وأنت فاسق عن هذه المبادئ، خارج عنها، لا تلتزم بها. ففعلًا هي تشكل عنوانًا.
باسم: يعني هي تلقى ضوءًا على جذر الكثير من الصراعات التي مرت على مدار التاريخ.
يوسف: صحيح، وتشكل بوصلة، لأن تميز أنت أطراف الصراع بكل بساطة: من الذي يميل إلى جهة الفسق والخروج عن الله، عن الأنظمة البشرية التي تحقق السلام والأمن وتوحيد الناس بعضهم مع بعض في مجتمع آمن، ومن الذي فكرته أنه يريد عكس ذلك تمامًا.
يوسف: الآن لا نستغرب بعد ذلك لما يقول لك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، لأن نهاية الكفر بتعليمات الكتاب، وإدخال وسطاء وولاءات وانتماءات إلى آخره ستكون نهاية…
باسم: مأساوية.
يوسف: حتمًا نهاية مأساوية.
يوسف: وفي بعض الآيات تلاحظ أن القرآن يخاطب أيضًا كل من أُوتي الكتاب خطابًا وعظيًا، مثلًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ﴾، يعني لماذا تريد أن تصدّ إنسانًا آمن بالله ولم يرد وسطاء، ولم يرد أن يأخذ شيئًا من غير الله؟ يعني على سبيل التقديس، وأن يكون أساسًا لانتظام الحياة، حياة المجتمعات البشرية على سبيل الرأي والرأي الآخر، وتبادل الفكر لا مشكلة، لكن لا يريد مستندًا أن يدخل بشرًا أو وسيطًا كائنًا ما يكون هذا البشر، وكائنًا ما يكون هذا الكلام بينه وبين الله. لماذا تصدّ عن سبيل الله من آمن به وتبغيها عوجًا؟ يعني تريد لهذه الطريق التي هي طريق مستقيمة تحقق الحقوق لجميع البشر تريدها أن تعوج لصالحك أنت، طبعا لصالح جماعتك، لصالح فرقتك، لصالح مذهبك، لصالح ما تتبناه من أفكار.
يعني أعتقد مصطلح أهل الكتاب طبعًا له آيات كثيرة تتحدث عنه في القرآن، يعني أعتقد أنه وصلنا إلى درجة أنه مشبع ومفهوم لدى السادة المشاهدين.
باسم: هل تعبير “أهل الكتاب” يعادل تعبير “الذين أوتوا الكتاب” مثلًا؟
يوسف: لا طبعا، لا يعادل تعبير “الذين أوتوا الكتاب”، القرآن دقيق جدًا، لا يوجد تعبيران يعادل أحدهما الآخر في النص القرآني.
باسم: فهمنا “أهل الكتاب”، ما المقصود بـ”الذين أوتوا الكتاب”؟
يوسف: فقط إذا سمحت لي دكتور، ملاحظة بسيطة، وسأنتقل إلى “الذين أوتوا الكتاب”.
مساواة خطاب القرآن بين أتباع الرسالة الخاتمة وأهل الكتاب
يوسف: هناك ما يؤكد أن القرآن الكريم يخاطب أتباع الرسالة الخاتمة على قدم المساواة بما يخاطب به أهل الكتاب، حتى لا يظن أتباع الرسالة الخاتمة أنهم بمعزل عن هذا الخطاب. في سورة الحديد قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. معناها أنه ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، يعني ليس أنه نزل فيكم الكتاب، أنكم حصرتم فضل الله، أنه لا ينتشر ولا يذهب إلى أناس آخرين، فحولتم الفكرة إلى فكرة عزل وانغلاق، وشعور بالفوقية والعلو، واستحلال باقي طوائف أو أنواع البشر.
الآن هذا الخطاب، لاحظ جاء إلى أصحاب الرسالة الخاتمة، ما يشبهه تمامًا، قال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. فصار الموضوع واضحًا تمامًا الآن.
الفرق بين أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب؟
يوسف: الآن مصطلح “الذين آتيناهم الكتاب”، لاحظ هو عندنا: “الذين آتيناهم الكتاب” و”الذين أوتوا الكتاب”. “الذين آتيناهم الكتاب” هنا فيها إضافة إلى الـ “نا”، يعني إضافة إلى رب العالمين، إضافة إلى الرب، إذن سيكون فيها نوع من المدح، لماذا؟ لأنه نسب الموضوع وأسنده إلى رب العالمين. لذلك يقول مثلًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. طبعا هنا كلمة “يتلو” مهمة جدًا، أن أنبه، يعني خروج بسيط لكن ضمن السياق.
باسم: لا تعني قرأ.
يوسف: لا، لا تعني فقط أنه قرأ، كما قلنا، هذا دائمًا هو “اللوجو”، هو مجرد الشيء الرمزي، وإلا “يتلو” معناها يتبع، يتبع التعليمات، يعني هي سُميت القراءة “تلاوة” لأنك تتبع الحرف حرفًا بعد حرف، فلهذا سميت التلاوة.
باسم: هنا المقصود الذين يتلون الكتاب بمعنى الذين يقومون بعملية…
يوسف: يتبعون تعليماته.
باسم: تعليمات الكتاب.
يوسف: إي نعم، ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ﴾، وأنت تقول السؤال التالي والتالي والتالي، يعني ما يتلوه يعني ما يتبعه، فـ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. لذلك نبه أنه لأنه من الناس من يتلو القرآن، معناها يتعب نفسه في التجويد وكذا، ويظن أنه خلاص هكذا حصّلت، يبدأ بعد الحسنات عشرة عشرة عشرة بهذه الطريقة.
باسم: يعني التجويد وكأنه هو التلاوة، يعني أو الاجتهاد فيه.
يوسف: إي نعم، مع أن التجويد الهدف منه هو التزيين لإدخال المعنى إلى القلب حتى ينفذ عملًا، هذا هو القصد، هذا أمر مفهوم على فكرة في كل شيء في العالم، إلا عند الذين حولوا الدين أو القرآن إلى طقوس، خلاص صار يقف عند القراءة.
باسم: والتجويد ليس أنه يعني الغناء، التجويد يعني…
يوسف: التحسين، تحسين النطق.
باسم: تحسينه بوسيلة جيدة مقبولة.
يوسف: نعم، نعم، تحسين النطق، هو لم يذكر كلمة التجويد، هو قال ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، لاحظ قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، يعني الذي يؤمن بهذا الكتاب، أنه يصلح أن يكون مستندًا لتأمين مجتمعات العالم، هو من قرأه حق قراءة.
باسم: لأنهم هم يتلونه.
يوسف: يتلوه حق تلاوته، وليس يتلوه ويتلو معه ألف كتاب وكتاب وألف قول وقول، وبعد ذلك يقول لك: والله أنا تائه، أنا لا أعرف، فأنت لم تتلُ الكتاب، أنت تلوت ألف شيء مع الكتاب، لذلك لن تشعر بالأمن لا تجاه الكتاب ولا المجتمع كله سيشعر بالأمن، سيبقى مفرقًا شيعًا وطوائف وأحزابًا ومللًا ومذاهبَ. ولذلك قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. النتيجة ترجع عليهم. كما شرحنا هذا كثيرًا.
يمدح في آية أخرى مثلًا فيقول: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، هذا مهم جدًا أن الإنسان، لاحظ كيف يرصد الإنسان ابنه منذ صغره، فيرى مراحل تدرج حياته. إذن أنت أيضًا حتى تفهم الكتاب ستبدأ أولًا معه كبداية، معناها في الأول بسيط، تفهم المفاهيم الكبرى، لكن إذا عشت معه وتدبرت فعرفت المعاني، فصار بالنسبة لك واضحًا تمامًا، وعرفت التفاصيل.
باسم: وعرفت التفاصيل حتى تفهم فيه.
يوسف: نعم، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، لأنه من عاش مع الكتاب وعرفه كما يعرف أبناءه، هل سيصل لمرحلة الإيمان؟ نعم. من لم يفعل هذا لم يصل، فهم لا يؤمنون. وهنا الإيمان المطلق كما قلنا، من دون البحث هل في قلبه استقر أنه بالله أو ليس بالله، لأن هذا حسابه على الله. فالآيات تعزل هذا، أو تفرق بدقة متناهية. هذا هو الأثر الاجتماعي، وذلك هو لنفسك إن لم تفعله أنت الذي ستبقى في اضطراب.
ما معنى أن الكتاب نزل مفصلا؟
يوسف: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، يعني من قرأ من أهل الكتاب في الكتاب الذي عنده يعلم أن هذا الكتاب هو ما عنده تمامًا، وهو منزل من الله بالحق. لكن نقطة مهمة هنا قال: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، يا جماعة، لا تأتِ فتقول لي: شيء فصل الكتاب، ولا العالم الفلاني فائدته أنه فصل الكتاب، ولا الروايات، ولا الإسرائيليات، ولا… هذه لا تفصل الكتاب. كل الجهد الذي حصل من البشر بعد ذلك هو يمكن أن يقال محاولات لتطبيق الكتاب، وهذه المحاولات هي تناسب العصر الذي كانت فيه. هذا هو. أما الكتاب نفسه لا يحتاج إلى تفصيل، لأنه هذا مدخل يدخل منه كثير من الناس. لما قلنا لهم: هل القرآن ناقص يحتاج إلى إكمال؟ فلما رأوا أن السؤال اتجاه واحد، لا يستطيع أن يجيب ويقول لك ناقص، صار يقول لك: لا، فصلت، فزادت، وأنقصت، وخصصت العام، وقيدت المطلق. والله يقول لك: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾.
باسم: يعني ليس بحاجة لأحد أنه…
يوسف: نعم.
باسم: يدعي أنه أنا أرغب أفسره أو؟
يوسف: لا يوجد شيء آخر اسمه تفصيل الكتاب من خارج الكتاب، الهدى النبوي كما قلنا أكثر من مرة، والحكمة التي أُعطيت للنبي هي تطبيق عملي للكتاب في عصر النبوة، هذا هو باختصار.
باسم: وهذه هي الحكمة.
يوسف: نعم، وكل من كتب من الفقهاء أو تحدث بفتاوى، هو كان يتحدث عن زمن وأناس معينين، وفي زمن معين، وضمن معطيات معينة، وباجتهاد أيضًا، معناها قد يصيب وقد يخطئ، فليس حجة على من بعده هذا أولًا. ثانيًا، لا يقدس كلامه. ثالثًا، قد يكون هناك أيضًا خلل في الالتزام ببعض تعليمات الكتاب، لأنه في النهاية رب العالمين، حتى عن الأنبياء لما حصل عليهم نقاش يهود أم نصارى، قال ماذا؟ قال لك: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لاحظ: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لن يأتي الله فيسألك لماذا اتبعت فلانًا أو لم تتبع فلانًا، بل سيسألك لماذا لم تتبع الكتاب فقط؟ هذا هو. والكتاب مفصل، فهي رسالة خوطب بها أهل الكتاب، وخوطبت بها… ﴿وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، أيضًا هذا فيه مدح.
الآن: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، دائمًا كلمة الأحزاب تأتي مناقضة لكلمة الوحدة المجتمعية البشرية الكبيرة التي هي، مثلًا، من ضمن المسميات التي أطلقت على البشر مجتمعين، “الذين أتيناهم الكتاب”، لأنهم قبلوه كما قلنا، هذه إضافة تشريف.
﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾.
طيب، الآن فيه سياق فيه استثناء، هو الوحيد في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. هؤلاء الخائفون، يعني الذين يرون أنه فعلًا، خاصة بعد ما بدأ الناس ينتبهون إلى أن الكتاب كامل ومفصل ولا يحتاج إلى إدخال شيء عليه من خارجه، من الناس من يعرف هذا لكن يكتمه وهو يعلم. فهنا النص القرآني خاطبه بخطاب أصله مدح، لكن كأنه يلومه: لماذا تكتم شيئًا وأنت تعلم أنه حق؟
هل هناك علم خاص لا يجب إفشاؤه للعامة؟
باسم: هناك أحد الموصوفين بالعلماء، تحدث صراحة، وحتى مسجل بوسائط السوشيال ميديا، أن هناك علمًا خاصًا لا يستطيع أهل العلم إفشاءه للعامة خوفًا أن يفسد عليهم دينهم.
يوسف: هذا من علوم الدخلاء بين الله والناس، يعني العلوم التي…
باسم: إيه إيه، وهو شيخ ذو لحية طويلة.
يوسف: إي، طبعا، لأنه يعلم أن هناك طوام كثيرة جدًا، وأن ما يُخرج للناس من الأشياء التي كما قلنا هي اجتهادات في عصورها، لأن البشر هم أخطؤوا وأصابوا، وكذا، لا تنقل الصورة الكاملة، تنقل بعض الأشياء التي تحسن الصورة، لكن لو أخذ الأمر بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات لأدرك الناس تمامًا أن هناك فرقًا شاسعًا بين كتاب الله وبين اجتهادات البشر وأقوال البشر في نهاية المطاف. يعني هناك طوام كثيرة طبعًا في الكتب، هو يخاف أن تسقط قدسيته وقدسية أمثاله إذا أظهر هذا للعلن.
باسم: لا، باعتبار أن هناك علمًا خاصًا عند أهل الذين يعلمون، بين قوسين، الذي يعتبر نفسه منهم، أن هذا العلم إذا نزل إلى العامة سيفسد على الناس دينهم. بمعنى ما هو هذا العلم الخاص الذي سيفسد الدين على الناس؟
يوسف: هذا العلم الخاص بعض الفتاوى مثلًا الشنيعة، يقول لك هذا لا تظهره لأنك إذا أظهرته معناها ستشكك الناس في قدسية هذه الروايات. هناك مثلًا بعض…
باسم: يعني ينطبق عليهم الآية التي ذكرتها حاليًا؟
يوسف: هناك لها نماذج كثيرة. على كل حال، هذه بعض التعليمات الخاصة التي يقول لها هذا… تعرف ما هو فقه الخواص أو أنظمة الخواص، أنه يصبح فوق الناس، فلو ظلم، ولو أخذ مثلًا… أنا أعرف بعض شيوخ المذاهب من يستحل إذا أراد شخص أن يتزوج، يأتي الشيخ فيبارك الزوجة قبل أن يدخل بها زوجها الأصلي، بحكم أنه هذا شيخي مقدس، وسيقدس لي زوجتي. هذه تعليمات خاصة طبعًا لا تُنشر للعوام، لأنه خاصة طبعًا لجزء منهم، انظر كيف…
باسم: فالآية شملتهم الآية التي ذكرت؟
يوسف: لا لا، أنا أقول هم لا يستحقون أن تشملهم هذه الآية، لأن هذه الآية فيها نوع من التشريف، هذه الآية تلوم من عرف أن الكتاب كافٍ، عرفه كما يعرف أبناءه، وأدرك أنه مفصل، لكن سكت، كتم الحق، يعني لم يساهم في إعلان هذه الحقيقة ونشرها للناس. أما أولئك الذين أشرت إليهم دكتور، فهم ممكن أن يقال من الذين أوتوا الكتاب، أو الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب. سنرى كيف تحدث النص الآن عنهم. هو الآن كل ما ذكرناه عن الذين آتيناهم الكتاب، هذا سياق مدح. إذن أهل الكتاب بعضهم، الله سبحانه وتعالى وصفهم بأن قال: “الذين أتيناهم الكتاب”، وهذا كله سياق مدح، في الأخير لوم بسيط موجه لمن يكتم الحق وهو يعلم، لماذا تكتم؟ لماذا تسكت وأنت قد عرفت أن هذا حق؟
ما مواصفات “الذين أوتوا الكتاب”؟
يوسف: الآن “الذين أوتوا الكتاب”، هذه صيغة مبني لما لم يُسمَّ فاعله، سيصبح الآن فيه ذم، لأنه لما قال “أوتوا الكتاب” كأنه لم يؤدِ ما أعطيه، يعني مثلًا أنت إذا أردت أن تمدح إنسانًا إذا التزمت بطريقة القرآن تقول: والله أنا أعطيت هذا المهندس نقودًا فبنى بيتًا ممتازًا، لكن في الذم تقول: أعطي النقود كاملة فلم يفعل. لماذا حولت الصيغة إلى هذه الصيغة؟ لتشير إلى أنه لم يؤدِ حق الكتاب الذي أوتيه. فقال لك مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾، ومع ذلك العدل حتى ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. لاحظ شدة الخطاب، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، دائمًا “مصدق لما معهم” واحد، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لاحظ كيف “الذين أوتوا الكتاب”، ما الكتاب الذي نبذوه؟ الذي معهم. هذا أيضًا يؤكد أن أهل الكتاب الذين قبلوا نزول القرآن الكريم يعرفون أن التعليمات التي نزلت على محمد هي نفس التعليمات التي لديهم. لذلك قال: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، إنه ما يدعو إليه محمد من خلال الكتاب، طبعًا هو نفس ما عندهم من الكتاب بهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعني نأخذ، يعني هكذا سيرة تطبيقية في الآية حتى نوثق المعلومات لدى الناس. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ كل من وافق على الدخول في عقد الأمان الاجتماعي الكبير، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني يشعرك أنه دخل ضمن النظام الجزائي، وأنه موافق عليه، ثم بعد ذلك يحوله إلى هزو ولعب، يبدأ بإحداث المخالفات حتى من شدة السخرية بالناس وبعقول الناس، حتى على مستوى اللعب، يعني يلعب في مخالفة الأنظمة ومخالفة القوانين. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، معناها يعرف الكتاب ولكن يفعل هذا، هذا النوع من السخرية واللعب رغم معرفته بالكتاب، “وَالْكُفَّارَ” الذين أصلًا أنكروا ولا يريدون الخضوع للنظام الاجتماعي، لا تتخذوهم أولياء، يعني لا يوجد تكافل اجتماعي بين هذه الأنواع من الناس، لأنه هناك اختلاف في الاتجاهات. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن كنتم فعلًا ملتزمين بنظام الأمان الكبير.
لماذا لم يذكر أهل الكتاب في آية “قاتلوا”؟
يوسف: الآن نرجع مرة أخرى إلى آية طرحناها، فنعيد فهمها مرة أخرى: لماذا لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ..﴾، لم يقل من أهل الكتاب؟ إسقاطات الفقهاء كلها التي حدثت، ولما صار يقول لك أهل الذمة واليهود والنصارى، وقتال المسلمين مع اليهود والنصارى، وإعطاء القدسية، طبعًا كلها مصطلحات، كلها داخلة بعضها في بعض، كله عنده “كوكتيل” اليهود والنصارى وأهل الكتاب وأوروبا وأمريكا، يدخل هذه المصطلحات كلها، فيسقط عليها الآيات. لم يفرق المسكين بين “الذين أوتوا الكتاب” وبين “أهل الكتاب”، وبين أنهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، لا يخضع للنظام الاجتماعي، متمرد، محارب للنظام، محارب للدستور الذي تقوم عليه الدولة، حتى يعطي جزاء ما فعل، حتى يعطي الجزية. لذلك جاءت ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في هذا السياق، وليس “الذين آتيناهم” ولا “أهل الكتاب”. ويعظهم أحيانًا فيقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. لاحظ كيف ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، يعني دائمًا… مستحيل أن يسير في هذه الجهة التي فيها بناء وصلاح واتحاد المجتمع. هذا المعنى الكبير طبعًا للقبلة، يعني جهتك وتوجهك الذي أنت تسير فيه. لماذا؟ حتى لو جئته بكل..، طبعًا لأنه هو يعرف هو. يقول لك ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، لا مشكلة عنده في بيان الحجة، المشكلة أنه متمرد ولا يريد أن يخضع للنظام كبرياءً وحسدًا وغير ذلك من الأسباب.
ولذلك قال له بعد ذلك: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. وهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام ولكل من بعده، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. لأن ما يدعو إليه أصحاب هذه الفرق والمذاهب والعصابات كلها أهواء وليست كتابًا.
ابتلاء “الذين أوتوا الكتاب”؟
يوسف: ثم بين النص أنه سيحصل ابتلاء من قبل هذا النوع من الناس، يدعي أنه يسير على تعليمات الكتاب، ولكن قال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. يعني ستسمع ممن يدعي أنه اتبع الكتاب، لكن هو أوتيه ولم يكن ممن آتيناهم الكتاب.
باسم: ومن الذين أشركوا.
يوسف: سيؤذيك ويطعن فيك وفي نيتك وفي قصدك وفي غرضك. ستسمع منه ومن الذين تعددت ولاءاتهم أذى كثيرًا. الآن ما العلاج؟ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. إذن أخذ عليهم الميثاق لأنهم يعرفون، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. كما قلنا، باعوه بالمصالح. حتى لو عرف أنك تتكلم بحق وتدعو إلى حق، لا ينبذه وراء ظهره بسبب ثمن قليل.
باسم: عودة إلى قصة “الذين آتيناهم الكتاب” و”الذين أوتوا الكتاب”، يعني هل هؤلاء جزء من الكل؟
يوسف: إي نعم، الآن تلخيص للصورة، لأن الموضوع يحتاج إلى تلخيص مرة بعد مرة حتى يتضح. أهل الكتاب كما قلنا هم جزء من بني إسرائيل يقابلهم الأميون، يعني بنو إسرائيل: أهل الكتاب هنا والأميون هنا. الآن أهل الكتاب منهم صنف “الذين آتيناهم الكتاب”، هؤلاء الذين يتلونه حق تلاوته ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يمدحهم النص القرآني لأنه إجمالًا تمثلوا بتعليمات الكتاب. “الذين أوتوا الكتاب” هم من أهل الكتاب أيضًا، وصلهم الكتاب وعرفوا ما فيه.
باسم: لكن لم يتمثلوه.
يوسف: نعم، نبذوه وراء ظهورهم وخالفوا تعليماته وفسقوا.
باسم: يعني “آتيناهم” تختلف في المدلول عن “الذين أوتوا”. أن هؤلاء الذين قاموا بعملية تمثل الكتاب سلوكيًا وهؤلاء نبذوه وراء ظهورهم، لكن نتحدث عن نفس المجموعتين السلوكيتين، يعني بنفس بني إسرائيل أو بنفس المجموعة البشرية كلها.
يوسف: ضمن أهل الكتاب أولًا، ثم ضمن بني إسرائيل تشمل حتى الأميين. ولاحظ دقة القرآن هذا على فكرة، على كامل مساحة النص القرآني، لمن يظن أن ما نقوله إنه لما دمج الفقهاء أو كثير من الفقهاء في الكتب بين اليهود والنصارى وأهل الكتاب كله عنده شيء واحد، والقرآن مختلف عن هذا. الناس يقولون: لماذا لم يعرف الناس هذا؟ والله هذه ليست مشكلتي، لم يعرفوا قبلًا أن ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا…﴾، أنت الآن الأمر واضح أمامك.
هل القرآن أنزل على العرب فقط؟
باسم: دعني أقحم مصطلح العرب هنا، لأن الدارج في الذهنية العامة عند المجتمعات بشكل عام أن الإسلام أنزل على العرب، وهنا القرآن لا يتحدث أن القرآن أنزل على العرب، وبين أن القرآن أُنزل على الأميين أو للأميين.
يوسف: ولأهل الكتاب.
باسم: ولأهل الكتاب، الذين هم بنو إسرائيل.
يوسف: نعم، لكل من تفرعوا من إبراهيم وإسرائيل.
باسم: أين العرب؟
يوسف: لا يوجد شيء اسمه عرب، كلمة عرب في القرآن هذه كلمة مقحمة، صدقني، هدفها تأطير هذه التعليمات المجتمعية البشرية العامة في رقعة جغرافية محددة، واختراع، أنا وجهة نظري هذا اختراع في الحقيقة، ليس له وجود في النص القرآني، وهذا فعلًا أمر غريب جدًا، يعني أنا نفسي مستغرب تمام الاستغراب كيف تم هذا؟ لا يوجد في القرآن شيء اسمه “أيها العرب”. الكلمات التي وردت “الأعراب” معناها واضح من سياق النص القرآني، هم الذين يكونون خارج إطار الأنظمة أو متمردين عن الأنظمة، هؤلاء من يسميهم.. لكن عرب، أين وردت كلمة عرب في النص القرآني ومخاطبة العرب؟
باسم: لا يوجد.
يوسف: لا يوجد أبدًا. هو يقسم الناس بعد بني إسرائيل إلى أهل الكتاب والأميين، إذن أهل الكتاب والأميين كلهم تفرعوا عن بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم كل البشر، انتهى. وهذه عالمية النص، عالمية النص تظهر في أسلوب الخطاب، في نوع الكلمات المختارة، في التعليمات التي تشمل جميع البشر.
باسم: لكن أنت هل تدرك، أنت تتحدث عن مفهوم بالمقاييس ثوري، وصادم للعقول التي تعاملت مع النص منذ 1400 سنة، على اعتبار أن القرآن أُنزل على العرب، وأن النبي عربي، وأن القومية العربية، وهناك الشعوب العربية، وهناك اللغة العربية. يعني أنت وكأنك تهدم بناءً أصبح وهميًا بالنسبة لهذا الفهم، لكن هو بناء موجود في الذهنية الجمعية العربية، لأن هذا البناء هو البناء العربي والقومية العربية والسد المنيع أمام الاندماج أو التيه في مجموعات بشرية أخرى.
يوسف: والله دكتور، أول شيء مصطلح “ثوري” يعني أنا أكرهه، لأنه يعطيك سلوكًا يشبه سلوك الثورة، فالثورة في كثير من الأحيان تهدم ولا تصلح. نحن نتكلم بما فيه إصلاح، فيه حفظ للحرث والنسل، فيه تجميع للبشر، فيه تحقيق للسلام العالمي والأمن العالمي. الآن، إذا عارض الأفكار هذه التي تقسم البشر…
باسم: هو يعارض ما درج عليه البشر من تقسيمات، من تقسيم البشر أنفسهم سواء إلى الجغرافيا، إلى بقع جغرافية، أو إلى عائلات تحكم قديمًا أو حديثاً، وتعطى الجنسيات السياسية بناءً على.. وأين تسكن، وبناءً على من يحكم. يعني، فلا الأمريكي هو أمريكي، يعني هل هناك جنسية اسمها الجنسية الأمريكية مثلًا؟
يوسف: والله إذا كان الموضوع يقتصر على تنظيم سياسي لا بأس، لكن إذا كان يعني التمييز بين البشر بسبب هذه الجنسيات فهذا يرفضه.
باسم: هذا هو الواقع. إنه تمييز على البشر…
يوسف: لا، لا، لا يوجد تمييز، ولا يوجد في فلسفة القرآن، هذا هو الكتاب. أنا هذا تحدٍ أيضًا أطلقه، إن وجد كلمة تشير إلى أي نوع من العرقية يأتينا بها. نحن سنعترف ونقول والله غفلنا عنها ولم نقرأها. إذا وجد أي نوع من الخطاب يربط هذا الخطاب بعرق معين أو رقعة جغرافية معينة أو زمن تاريخي معين فليأتنا به. وعلى فكرة، لولا العالمية التي لمسناها في نص القرآن الكريم، لما أصلًا حصل عندنا اليقين بأنه كتاب الله، لأنه تمامًا يتحدث عن كل الكرة الأرضية، وكل من فيها من بشر، وكل الكون لا يميز بين أحد. لو كان النص فعلًا خصص كما خصصه الناس وقزموه، لما كان كتابًا ربانيًا عالميًا يتحدث لجميع البشر.
باسم: إذن وصف القرآن أو وصف الإسلام أنه أرسل إلى مجموعة بشرية محددة في بقعة جغرافية محددة هو عبارة عن عملية تقزيم وقتل لفاعلية هذا النص في الكرة الأرضية بشكل عام أو في البشر.
يوسف: والمشكلة أن هذا التقسيم لا يحتج عليه بآيات من القرآن. يعني الذي يحصر هذا، أين الآيات التي تشير لك إلى أن القرآن يختص ببقعة جغرافية أو خاطب قومًا؟
باسم: لا توجد.
يوسف: لا يوجد. هذا النص القرآني أمامنا. من عنده يخبرنا، الذي عنده شيء من هذا فليخبرنا به.
إلى من تنسب الانحرافات عن الكتاب؟
باسم: سؤالي أنا هنا، الاختلاف أو الانحرافات التي صارت عن الكتاب، هل وقعت عند أهل الكتاب أو الذين أتيناهم الكتاب أو الذين أوتوا الكتاب؟ هناك أيضًا الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، يعني الانحراف أين وقع هنا؟
يوسف: طيب، إذا كان ما قلناه صحيحًا، لن نجد النص القرآني ينسب الانحراف والاختلاف إلا للذين أوتوا الكتاب، صح؟
باسم: صح.
يوسف: نذهب مثلًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. لماذا اختلفوا؟ هو الذي جاءهم علم، بسبب البغي. لا يمكن أن يكون الاختلاف عدم وضوح آيات الكتاب، آيات الكتاب فيها علم واضح. سبب الاختلاف العلم، لكن بماذا يخاطبهم؟ بـ”الذين أوتوا الكتاب”. ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. لاحظ بالله عليك، هل البينة خارج الكتاب؟ أم الكتاب بيّن ما يحتاج إلى ما يبينه؟
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ..﴾، إلا الذين آتيناهم إياه أم الذين أوتوه؟﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. تمام؟
إذن أعتقد أن هذا الموضوع أصبح واضحًا، يعني الاختلاف الذي حصل، لا تقل لي أهل الكتاب اختلفوا، الذين آتاهم الله الكتاب اختلفوا، الذين اختلفوا هم الذين لم، في الحقيقة، يلتفتوا للكتاب، فيعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتلونه حق تلاوة. لكن بالاسم هو يقول لك هو يقول لك الكتاب رقم واحد ومصدر التشريع الأول، لكن في الواقع هو “أوتي الكتاب” ولم يكن من “الذين آتيناهم الكتاب”.
باسم: فهمت عليك.
طعام الذين أوتوا الكتاب والزواج منهم وتزويجهم
يوسف: نعم، الآن نقطة مهمة جدًا قبل أن نذهب إلى “الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب”، وعجيبة صراحة في سورة المائدة لما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. نحن اتفقنا أن القرآن يقسم بني إسرائيل إلى الأميين وأهل الكتاب. الآن ماذا يقول؟ ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ…﴾، لم يقل أهل الكتاب ولا أتيناهم، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ…﴾، إلى أي درجة يطرح النص القرآني بادرة حسن النية مع جميع البشر. لاحظ كيف يخاطب أصحاب الرسالة الخاتمة: أحل لكم الطيبات، حتى لو كان أوتي الكتاب فتنكل عن الكتاب ولم يلتزم واتصف بالصفات كلها التي ذكرناها التي أُلحقت بالذين أوتوا الكتاب، مع ذلك طعامهم ﴿حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
باسم: يعني حتى التزاوج معهم أيضًا.
يوسف: التزاوج، علاقات البيع، علاقات الشراء، علاقات الطعام، كأنه يقول لهم، يعني هذه أصلًا بادرة حسن نية، أنه سنتعامل معكم فيما تقبلون أنتم. يعني المشكلة عندكم الآن، التعامل به، حتى وأنتم تتنكلون للكتاب ولا تلتزمون بتعليماته، ونسعى قدر الاستطاعة إلى بقاء، أقل عصب من توحيد المجتمع بيننا وبينكم، حتى تتحولوا تدريجيًا إلى آتيناهم الكتاب أو تكونوا من أهل الكتاب.
معنى “الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب”
يوسف: أما الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، فمن الواضح من الصيغة أنه سيكون هناك ذم أشد، لأنه حتى هو لم يؤتَ الكتاب، يعني يعرف جزءًا من الكتاب حتى، وهذا الجزء ألقاه وراء ظهره. لذلك يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، معناها يأبى الخضوع للنظام وللقانون. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. يعني الضلال هذا يشتريه اشتراءً. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ… ﴾ نعم، هنا نقطة مهمة جدًا: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا﴾. إذن هذه الخيانة العظمى، جريمة الخيانة العظمى، يعيش ضمن مجتمع مؤمن مسالم، يذهب إلى المجتمعات الأخرى التي كفرت بتعليمات الكتاب وتتبنى الأفكار الفوضوية والقتل وسفك الدماء وإلى آخره، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. لاحظ أنه يريد أن يتأسس مبدأ آمن، نعم، لكن لمن؟ لأتباع الجبت وأتباع الطاغوت، يعني للطغاة فقط، يؤمن الطغاة فقط بعضهم مع بعض، وأتباع الجبت. وكلمة “الجبت” هي تشير إلى نوع من الجبر، ولكن هذا الجبر يتعلق بالأفراد. لماذا؟ لأنه إضافة التاء هذه طبعًا تحتاج إلى فهم القواعد اللسانية، لكن أبسط الأمر على السادة المشاهدين: كلمة “أنا” إذا أضفت لها التاء تصبح للخطاب أنت وأنتِ وأنتما وأنتم وأنتن. فإضافة التاء في نهاية الكلمة يشعر بأنها…
باسم: مخصصة لمخاطب.
يوسف: تجاه مخاطب. إذن هناك منهجان يتحدث عنهما النص هنا: “الطاغوت” الذي هو أعلى درجات الطغيان، و”الجبت” الذي هو أعلى درجات الكتم، تكميم الأفواه، وكتم الحريات، ومنع الناس من أخذ حقوقهم الطبيعية. فهؤلاء مع أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، طبعًا لأنه جزء أو فقط يعرف كم آية فقط أو يعرف معلومات بسيطة جدًا في كون الله، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا﴾. فيعطي ولاءه لتلك المجتمعات الفوضوية والعصابات الفوضوية، ويقول لهم: طريقكم أحسن من طريق هذا المجتمع الذي آمن.
باسم: هذه الآية توضح الكثير من السلوكيات المستفزة بين البشر في المجتمع، كيف.
يوسف: نعم، جدًا جدًا.
باسم: يعني مجرد كاشف، تريك كل السلوكيات كيف في المجتمع.
يوسف: صحيح، ولعلنا نختم بآية أيضًا في غاية الأهمية في سورة البقرة.
باسم: قبل ما تختم بالآية، أرغب الحديث عن نقطة، أنه هنا لاحظت استخدم “آتيناهم الكتاب” وكأنه أشار إلى جهة، أما “الذين أوتوا الكتاب” استخدم الفعل المبني للمجهول.
يوسف: صحيح، لماذا؟ لأنه نبذه وراء ظهره، كما قلنا، لما قال “آتينا”، الـ “نا” هذه فيها نسبتها إلى رب العالمين، ففي معناها تشير إلى أنه قبله وطبقه.
باسم: من جهة معلومة.
يوسف: نعم، فأما “أوتوا” كما أعطي فلم ينفذ، لذلك جاءت بصيغة… كأنه لا يستحق الأمر، لذلك لم يرد الفاعل، يعني الله سبحانه وتعالى سحب الضمير الذي يعود عليه من النص حتى يشير لك إلى أنه هذا أصلًا أعطي الكتاب، لكن هو لا يستحقه، لو كان يستحقه لالتفت إليه.
ففي النهاية في سورة البقرة يقول آية ممتازة جدًا جدًا جدًا، وتطبيقها والله في هذا الزمن: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يعني مع أنه أوتي الكتاب لكنه صار كالأمي من ناحية أنه لا يعرف أصلًا كتابًا، لكن المشكلة أنه شكله الخارجي أنه يعلم الكتاب، قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يعني يعرف فقط يقرأ القرآن، لا يفهم ما فيه، ولا يريد أن يفهم، وما بناه بناءً على قراءته المجردة من الفهم للقرآن مجرد أماني، أنه نحن أحسن ناس ونحن في الجنة.
باسم: طيب هنا لفظة الأميين هي نفسها لفظة الذي أرسل في الأميين؟
يوسف: هو الأمي، كما قلنا، الذي لا علم له بالكتاب، صحيح؟ لكن المشكلة أنه لم يقل أمي وانتهى، هو النص دقيق عندما يسبك مع الصفة أشياء أخرى تعطيك إضافة، هو في الأصل أمي ليس له علاقة بالكتاب من الناحية العملية، لكن المشكلة أنه يعرف الكتاب ويقرأ الكتاب، يعني ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، إذن يعلم أم لا يعلم؟ يعلم قراءة الكتاب، لكن قراءته على أي سبيل؟ على سبيل التمني. هل هذا التمني الأجوف الذي عنده أفسد أميته الأصلية؟ نعم أفسدها، يعني لو بقي أميًا بدون هذه القراءة التي لا معنى لها والتي أشعرته، فقط لأنه يقرأ، بتميز على الناس، واستحلال حقوق غيرهم، لكان أفضل، ولكن هو لا، يعلمها على شكل فقط مجرد قراءة.
باسم: دكتور شكرًا لك، داهمنا الوقت، كان الحديث ممتعًا، وأعتقد نحن غطينا الكثير من المفاهيم التي طبقنا عليها آلية اللسان العربي المبين، وتبين لنا الكثير من المعارف التي كانت غائبة عن ذهن العقل الجمعي العربي فيما يتعلق بإعادة قراءة آيات القرآن الكريم بتطبيق آلية اللسان العربي المبين.
نلتقي في حلقات قادمة جديدة من برنامج مفاهيم إن شاء الله، ونناقش بعدها الكثير. بقي عندنا الكثير من الألفاظ القرآنية التي تحتاج أيضًا إلى قراءة متأنية وفق هذه الآلية. شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، إلى اللقاء.