Skip to content Skip to footer

أدلجة اللاهوت: الصهيونية المسيحية وتفكيك الاستقرار العالمي | نبهان خريشه

المحاور

  • ملخص
  • مقدمة
  • زلزال الإصلاح الديني وانشقاق المركزية اللاهوتية في أوروبا
  • المهد البريطاني وتحولات مانشستر في القرن التاسع عشر
  • البعثات الأثرية وتزوير الجغرافيا في الوعي الغربي
  • الصهيونية اليهودية كـ “منتج” بروتستانتي
  • أسطورة “هارمجدون” وتسييس النهاية في الفكر الإنجيلي الأمريكي المعاصر
  • الصراع بين “روما” والصهيونية المسيحية وأثره على الاستقرار العالمي
  • المراجع

 

 ملخص  

تتمحور هذه الدراسة حول فك الاشتباك المعرفي، والأيديولوجي، والسياسي، واللاهوتي بين الدين والسياسة في سياق القضية الفلسطينية، منطلقةً من فرضية مركزية مفادها أن الصهيونية اليهودية لم تنشأ كحركة قومية مستقلة، أو نتاج طبيعي وتلقائي للتدين اليهودي التقليدي، بل هي في جوهرها وتكوينها “منتج” لاهوتي بروتستانتي أوروبي محض، أعاد إنتاج الهوية اليهودية التلمودية بهدف تصفية المسألة اليهودية المعقدة والمؤرقة في القارة الأوروبية وتوظيف اليهود كأداة استعمارية متقدمة في قلب الشرق الأوسط لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية.

وتستعرض الدراسة التحولات اللاهوتية الكبرى التي شهدتها القارة الأوروبية منذ القرن السادس عشر، موضحة بالتوثيق التاريخي كيف تم الانتقال الممنهج من التفسير الرمزي والروحي للأسفار اليهودية في الكنيسة التقليدية (الكاثوليكية والأرثوذكسية) إلى التفسير الحرفي المادي والمكاني، الذي جعل من “العودة” الجغرافية لليهود شرطاً مسبقاً لا غنى عنه، وحتمياً لتحقيق الخلاص المسيحي، وعودة المسيح المخلص وحكمه لألف عام من القدس.  

وتدمج الدراسة، بشكل تفصيلي أطروحات المؤرخ والمفكر الإسرائيلي شلومو ساند حول “اختراع الشعب اليهودي”، و”اختراع أرض إسرائيل”، لبيان التلاقي المبيت بين التزوير التاريخي الحديث وبين الأجندات البريطانية والأمريكية التي سعت لصناعة “واقع مواز” و”هوية متخيلة” تشرعن الاحتلال، والاستيطان، وتهجير السكان الأصليين.

وتخلص الدراسة إلى أن الصهيونية المسيحية، بتبنيها أساطير تدميرية ميثولوجية وقدرية مثل معركة تل مجدو “هارمجدون” الفاصلة، تمثل التهديد الأكبر على الإستقرار العالمي والسلم المجتمعي في العصر الراهن، لأنها تخرج الصراع من دائرة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والمصالح القابلة للتفاوض، إلى دائرة “العنف المقدس” والقدر الميثولوجي الذي لا يقبل الحلول الوسط، مما يغذي تيارات التطرف في الجهات كافة، ويضع العالم بأسره على حافة انفجار ديني قد لا ينجو منه أحد، مما يتطلب ضرورة فك الارتباط بين الأساطير الدينية والسياسات الدولية.  

مقدمة

إن الصراع في فلسطين ليس نزاعاً قومياً أو سياسياً عابراً، بل هو حالة احتلال واغتصاب تمثل امتداداً معاصراً لموجات الحروب الصليبية بلباس لاهوتي جديد، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، وتحت أي ظرف سياسي، فهم جذور هذا الصراع ولا تقدير تأثيراته المدمرة على الاستقرار العالمي دون الغوص العميق في التحولات اللاهوتية والأيديولوجية الكبرى التي ضربت القارة الأوروبية في مطلع العصر الحديث، وتحديداً إبان عصر النهضة والإصلاح.

إن ما يُصطلح على تسميته ابـ “الصهيونية المسيحية” ليس مجرد انحياز سياسي عابر، أو عاطفة دينية بسيطة، أو حتى “لوبي” ضاغط لصالح دولة الاحتلال، بل هو بنية معرفية، وأيديولوجية، وثقافية راسخة الجذور، أعادت تشكيل الوعي الغربي بالكامل تجاه مفاهيم الأرض، والشعب، والنبوءة، والتاريخ، والقدر، والعلاقة مع الآخر.

هذه الدراسة تنطلق من رؤية نقدية ترى في الصهيونية اليهودية امتداداً تاريخياً استراتيجياً لتيارات دينية مسيحية بروتستانتية سبقتها بقرون طويلة، حيث جرى توظيف “الأسفار اليهودية” كأداة طيعة ومقدسة لخدمة المشروع الإستعماري الغربي وتبرير توسعه في المناطق الاستراتيجية من العالم تحت غطاء المشيئة الإلهية.

إن الإشكالية المركزية التي تطرحها هذه الدراسة هي عملية “أدلجة اللاهوت”؛ وهي العملية الخطيرة التي يتم من خلالها تحويل النص المقدس من كونه مصدراً للهداية الروحية، والمشترك الإنساني الذي يجمع البشر، إلى كونه “صك ملكية” جغرافياً، ومخططاً للحروب الاستعمارية العابرة للقارات، وأداة للإقصاء العرقي.

وفي هذا الصدد، فإن الصهيونية لم تكن في نشأتها، ومنطلقاتها مشروعاً يهودياً نابعاً من “المعاناة” التاريخية أو التدين، بل كانت في المقام الأول “حاجة مسيحية غربية” مزدوجة الغاية والأثر: التخلص من الوجود اليهودي المزعج في أوروبا الذي كان يُنظر إليه كعبء اجتماعي، وديني، واقتصادي ثقيل، وتوظيف هؤلاء اليهود كأداة استعمارية متقدمة وقاعدة عسكرية في منطقة استراتيجية من العالم الإسلامي والشرق.

 

زلزال الإصلاح الديني وانشقاق المركزية اللاهوتية في أوروبا

كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما، طوال قرون العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، تمثل المركزية الروحية، والسياسية، والمعرفية المطلقة في الغرب، محتكرةً بذلك سلطة التفسير، والتأويل، والتشريع (المسيري، المجلد الثاني).. وفي تلك الحقبة التاريخية، كان التفسير اللاهوتي السائد والوحيد لـ “الأسفار اليهودية” يعتمد بشكل أساسي على ما يُعرف بـ “لاهوت الاستبدال”.   

 الكنيسة الكاثوليكية (والشرقية) كانت أيضا ترى في نفسها “إسرائيل الجديدة”  والوارث الروحي، والوحيد لكل وعود الله والعهود الإلهية، مما جعل الوعود الواردة في تلك الأسفار بخصوص “الأرض”، و”العودة”، و”المملكة” وعوداً روحية محضة تشير إلى الخلاص الروحي للأمم، أو ملكوت السماوات، وليست وعوداً جغرافية أو إثنية موجهة لمجموعة عرقية بعينها في مكان جغرافي محدد. وفي ذلك الوقت، كان ينظر لليهود كطائفة منبوذة لاهوتياً وتاريخياً بسبب رفضهم للمسيح، ولم تكن فكرة “عودتهم” المادية إلى فلسطين مطروحة نهائياً كجزء من الخطة الإلهية المسيحية، بل كان يُنظر لشتاتهم وتفرقهم بين الأمم كدليل عقابي وحيّ على صحة المسيحية وبطلان اليهودية.

إلا أن حركة الإصلاح الديني الكبرى التي انفجرت في القرن السادس عشر، بقيادة مارتن لوثر في ألمانيا، واللاهوتي الفرنسي الناشط في سويسرا جان كالفن، وزعيم الإصلاح السويسري هولدرك زوينجلي، أحدثت انشقاقاً لاهوتياً ومعرفياً زلزل هذه القواعد الكلاسيكية الراسخة إلى الأبد. فقد نادى مارتن لوثر بمبدأه الشهير “الكتاب وحده” (Sola Scriptura). وبهذا شكلت حركة مارتن لوثر نقطة التحول الأساسية؛ حيث كان هدفه المحوري إفساح المجال لترجمة الأناجيل إلى اللغات المحلية وضرب احتكار روما لقراءتها وتفسيرها. هذا التحرر من سلطة الكنيسة الكاثوليكية أدى إلى الانكفاء على القراءة الحرفية لـ الأسفار اليهودية، مما أحيا مفاهيم لاهوتية اندثرت، وعلى رأسها نعرة “شعب الله المختار”(Gorenberg.90). إن هذا الشعار التمييزي كان السبب الرئيس لنشوء العنصرية بين البشر، بدءاً من عنصرية العرق والدين وصولاً إلى اللون، مما شكل الأرضية الفكرية لظهور سياسات الاستعباد والاتجار بالبشر لاحقاً، تحت ذريعة التمايز اللاهوتي.

وفي المراحل اللاحقة بدأ “المصلحون” البروتستانت وأتباعهم ينظرون إلى الوعود الجغرافية، والعرقية الواردة في الأسفار اليهودية كوعود مادية وتاريخية وحرفية يجب أن تتحقق لليهود في التاريخ واقعيا وزمانيا، وليس في رمزية الروح أو فضاء المجاز اللاهوتي. هذا التحول الجذري الشامل نحو “العهد القديم” أعاد الاعتبار لليهود في المخيال المسيحي الغربي، ليس كأفراد يحتاجون للخلاص المسيحي الفردي، بل كـ “شعب” قومي، وإثني له دور محوري في دراما نهاية العالم الكبرى وتحقيق النبوءات المرتبطة بالمجيء الثاني للمسيح.

ولعل من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن هذا التحول البروتستانتي لم يكن نابعاً من “تسامح” ديني، أو “حب لليهود”؛ فالتاريخ يسجل أن مارتن لوثر نفسه كتب في أواخر حياته رسائل مليئة بالكراهية، والتحريض العنيف ضدهم في رسالته الشهيرة “عن اليهود وأكاذيبهم” (العكش.30) التي دعا فيها صراحةً إلى حرق كنسهم، ومصادرة أموالهم، ومنعهم من ممارسة شعائرهم، وتحويلهم إلى عمال بالسخرة في الحقول.

الا أن الهدف الاستراتيجي السياسي- اللاهوتي من وراء “العودة للعهد القديم” كان بناء هوية بروتستانتية مستقلة، ومتميزة عن الهوية الكاثوليكية الرومانية، وذلك عبر استحضار نموذج “المملكة” العبرية القديمة لتبرير استقلال الحكام، والملوك، والأمراء البروتستانت في أوروبا عن سلطة البابا المركزية وكسر هيمنة روما.

وبناءً على هذا المسار التاريخي المعقد، بدأ التمهيد الفكري، والأيديولوجي، والثقافي لفكرة أن “عودة اليهود” إلى فلسطين ليست مجرد رغبة سياسية عارضة، بل هي “شرط لاهوتي” حتمي وضروري لعودة المسيح الثانية وتحقيق الملك الألفي السعيد على الأرض وتطهير العالم.

هذا الانزياح الخطير من “الرمز” إلى “المادة” ومن “الروح” إلى “الجغرافيا” ومن “الكونية” إلى “القومية” وضع حجر الأساس الحقيقي لما سيُعرف لاحقاً بالصهيونية المسيحية، التي سبقت في تشكلها النظري، والعملي، والمؤسساتي الحركة الصهيونية اليهودية بأكثر من ثلاثة قرون كاملة، مما يجعل الأخيرة، في التحليل التاريخي، “الإبنة الشرعية” المتممة للمشروع الاستعماري البروتستانتي الأوروبي.   

 

المهد البريطاني وتحولات مانشستر في القرن التاسع عشر

إذا كان الإصلاح الديني في القارة العجوز (خاصة في ألمانيا وسويسرا) هو الذي وضع البذور الأولى في التربة اللاهوتية، فإن بريطانيا كانت بلا شك هي البيئة الحاضنة التي نمت فيها الصهيونية المسيحية وترعرعت، وتحولت من مجرد تأملات لاهوتية معزولة، أو مواعظ كنسية إلى مشروع سياسي-استعماري متكامل الأركان والأدوات والأهداف.

وفي القرن السابع عشر، ومع انتشار ترجمة نسخة الملك جيمس للكتاب المقدس، أصبحت لغة الأسفار اليهودية وقصص الأنبياء، والملوك، وأساطير حروب اليهود القديمة، والوعود الجغرافية لهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي واللغوي، وحتى الأدبي للشعب البريطاني. كما تحولت الرموز اليهودية إلى أدوات جيوسياسية، بحيث لم يعد التركيز على الخلاص الروحي، بل على التمكين المادي لـليهود في فلسطين. وساهمت ترجمة الملك جيمس في جعل التاريخ الوارد في الأسفار اليهودية جزءاً من الهوية القومية الإنجليزية. (العكش 104)

لقد تماهت النخبة البريطانية الحاكمة، ومعها الطبقات الشعبية في المدن والأرياف، مع الشخصيات التوراتية إلى حد مذهل، حتى إن بعض التيارات البيوريتانية المتشددة (الطهوريين) والبروتستانت الأحرار بدأت تصف بريطانيا في أدبياتها السياسية والدينية والتبشيرية بأنها “صهيون الجديدة”، والشعب الإنجليزي بأنه “شعب الله المختار” الجديد الذي كلفه الله بالعناية الإلهية بقيادة العالم نحو الخلاص والتحضر والدين الحق.

 ومع حلول القرن التاسع عشر، انتقل مركز ثقل هذا الفكر الصهيوني المسيحي المتبلور من الأروقة الكنسية والجامعات اللاهوتية إلى مراكز القوة الصناعية، والمالية، والسياسية، وتحديداً في مدينة مانشستر البريطانية، التي كانت حينها تمثل قلب الثورة الصناعية النابض في أوروبا، ومركزاً عالمياً للنشاط التبشيري واللاهوتي المكثف العابر للقارات.

وفي هذا السياق التاريخي المشحون بالتطلعات الإمبراطورية، برز اللورد شافتسبري (1801-1885)، وهو رجل دولة بريطاني، وعضو في البرلمان، ومن أسرة أرستقراطية عريقة، كأحد أهم المنظرين، والدافعين، والمهندسين، والمحرضين لمشروع الصهيونية المسيحية في صيغته السياسية المعاصرة.

لقد نجح شافتسبري، بذكاء سياسي فائق وحس لاهوتي متوقد وشبكة علاقات واسعة، في دمج “النبضة الدينية” البروتستانتية المتحمسة بـ”المصلحة” الإمبراطورية البريطانية بشكل محكم ومقنع. فقد استطاع، عبر سنوات من الضغط إقناع الحكومات البريطانية المتعاقبة، وعلى رأسها حكومة اللورد بالمرستون، بأن إقامة كيان سياسي قومي لليهود في فلسطين سيخدم المصالح الاستراتيجية العليا لبريطانيا في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ فهو سيحمي طرق التجارة الحيوية نحو الهند (درة التاج البريطاني)، ويخلق حاجزاً بشرياً وجغرافياً موالياً للغرب يحد من طموحات فرنسا التوسعية في بلاد الشام وطموحات روسيا القيصرية في الوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط عبر أراضي الدولة العثمانية التي كانت آنذاك على وشك الانهيار. (المسيري.320)

ولعل من أخطر وأبشع النتائج الفكرية والأيديولوجية والجغرافية، التي أنتجتها هذه المرحلة البريطانية الاستعمارية المتوحشة هي اجتراح وترويج شعار”أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، هذا الشعار المخادع، والكاذب، الذي يعتقد الكثيرون اليوم خطأً أنه من صنع الصهاينة اليهود بزعامة ثيودور هرتزل، إلا أن من صاغه في الحقيقة رجال دين وسياسيون مسيحيون بروتستانت بريطانيون مثل اللورد شافتسبري، والقس الإسكندر كيث، واللورد بالمرستون، وذلك قبل عقود طويلة جداً من ظهور هرتزل أو أي حراك صهيوني منظم في أوساط المجموعات اليهودية في أوروبا، التي كانت لا تزال تبحث عن الاندماج. (Sizer 110)

إن هذا الشعار يمثل قمة عملية “الأدلجة” والتزوير، والتغييب القسري للوعي، والإنكار الوجودي للآخر؛ حيث تم من خلاله شطب الوجود العربي الفلسطيني التاريخي والحضاري، والاجتماعي بالكامل من الخارطة المعرفية والسياسية للإنسان الغربي بجرة قلم لاهوتية واحدة، وبتحريض مباشر من القوى الاستعمارية.

ومن خلال المؤسسات التي سميت بـ”علمية” واستكشافية والتي نشأت في تلك الفترة الذهبية للإمبراطورية، جرى إعادة تشكيل صورة فلسطين في المخيال الأوروبي العام، وفي المناهج الدراسية والخرائط المدرسية باعتبارها أرضاً توراتية “مهجورة”، أو “خربة”، أو “قفراً” موحشاً ينتظر من يعيد إليه الحياة، والحضارة، والقداسة، مع تجاهل مقصود ومنهجي لملايين الفلسطينيين العرب (مسلمين ومسيحيين) الذين عاشوا وفلحوا وبنوا، وأبدعوا وعمروا في هذه الأرض لآلاف السنين المتعاقبة دون انقطاع.

وهكذا، نجد بوضوح أن الصهيونية المسيحية البريطانية لم تكن مجرد “ظهير” أو “داعم” للصهيونية اليهودية لاحقاً، بل كانت هي “المبتكر” الأصلي، والمخترع الفعلي، والممول الأول للمفاهيم الاستعمارية والمبررات اللاهوتية التي قامت عليها دولة الاحتلال في عام 1948 وما تلاه من مآسٍ إنسانية لحقت بالشعب الفلسطيني.  

 

البعثات الأثرية وتزوير الجغرافيا في الوعي الغربي

لم تكتفِ الصهيونية المسيحية البريطانية بالتنظير اللاهوتي والسياسي في غرف لندن ومانشستر المغلقة، بل عملت على تحويل الرموز اليهودية إلى أدوات جيوسياسية، بحيث لم يعد التركيز على الخلاص الروحي، بل على التمكين المادي لليهود في فلسطين. كما دفعت بكل ثقلها العلمي   والعسكري إلى “علمنة” أساطيرها وإضفاء صبغة “العلم الحديث”، و”الحقيقة الأثرية الملموسة”، و”الموضوعية البحثية” على ادعاءاتها الميثولوجية القديمة.

وفي عام 1865، أُسس في لندن وبمباركة ملكية رسمية “صندوق استكشاف فلسطين” (Palestine Exploration Fund – PEF) ، تحت رعاية الملكة فيكتوريا وبدعم مالي ولوجستي ضخم جداً من الكنيسة الأنجليكانية الرسمية ووزارة الحرب البريطانية. (Palestine-studies.org)

وكان هذا الصندوق مؤسسة هجينة؛ فهي ظاهرياً وبحسب أدبياتها مؤسسة علمية بحثية تهدف لدراسة آثار، وجغرافيا، وتوبوغرافيا، وتاريخ الأرض المقدسة “بحيادية وموضوعية” لفهم الكتاب المقدس بشكل أفضل، ولكنها في جوهرها الحقيقي كانت ذراعاً استخباراتياً ولاهوتياً واستعمارياً بامتياز، يهدف إلى “إعادة اختراع” و”إعادة رسم” الأرض الفلسطينية بالكامل لتناسب الرواية البروتستانتية، وتوفر لها “شرعية علمية وجغرافية” زائفة أمام الرأي العام العالمي.

لقد قامت هذه البعثات، التي ضمت في صفوفها ضباطاً محترفين من المخابرات العسكرية البريطانية، مثل كلود كوندر وتشارلز وارن (الذي أصبح لاحقاً مفوض شرطة لندن الشهير ومسؤولاً عن قضايا كبرى)، بعملية “تسييس للجغرافيا” وتزوير ممنهج للوعي المكاني والزماني على نطاق واسع جداً لم يسبق له مثيل في تاريخ الاستكشاف.

كانت المهمة الأساسية لهؤلاء “المستكشفين” العسكريين هي إسقاط الأسماء التوراتية العبرية القديمة (التي قد تكون متخيلة أو منقرضة)، والواردة في الأسفار اليهودية على المواقع والمدن والقرى، والخرائب والجبال والوديان الفلسطينية القائمة بالفعل، والتي يسكنها العرب منذ فجر التاريخ. فكل تلة فلسطينية خضراء، وكل خربة أثرية صامتة، وكل وادٍ يجري فيه الماء، جرى ربطه قسراً وبطريقة تعسفية، وفجة بشخصية أو حدث توراتي متخيل من آلاف السنين، مع تجاهل ممنهج للأسماء العربية، والكنعانية والأرامية الأصيلة الضاربة في جذور التاريخ التي حملتها هذه المواقع لقرون طويلة جداً وتعبر عن هوية أهلها.

لقد كان الهدف الاستراتيجي من هذا “المسح الجغرافي” هو صناعة “خريطة توراتية” لفلسطين تطمس “الخريطة العربية” القائمة على الأرض، بحيث يقتنع الإنسان في بريطانيا وأوروبا وأمريكا (الذي يمول هذه البعثات ويقرأ تقاريرها المبهرة والمزينة بالصور) بأن هذه الأرض هي في الواقع التاريخي ملكية حصرية وخالصة “للشعب اليهودي” حصراً، وأن الوجود العربي الحالي ما هو إلا عارض تاريخي وهامشي، وتعدٍ على أملاك الغير يجب إزالته فوراً وتصحيحه لتستقيم النبوءة. (العكش.222)

هذا “العلم” المتحيز الممول استعمارياً قدم المسوغات الفكرية والخرائط الجغرافية المفصلة والموثقة لصناع القرار في الإمبراطورية البريطانية، مما جعل صدور وعد بلفور المشؤوم في عام 1917 يبدو في نظر الجمهور البريطاني والأمريكي ليس كفعل استعماري غاشم ومناقض لأبسط قواعد القانون الدولي والأخلاق، بل كـ “عمل إلهي” عظيم، و”تحقيق للنبوءات”، و”تصحيح تاريخي” ضروري تدعمه الاكتشافات الأثرية الرصينة والجغرافيا المقدسة التي رسمها “علماء” الصندوق. Gorenberg.66))

وبدلاً من التعامل مع الفلسطينيين كبشر ذوي حقوق وطنية، وجذور ضاربة في أعماق الأرض وتراث إنساني ثري، جرى تصويرهم في تقارير “صندوق استكشاف فلسطين” وفي كتابات الرحالة البروتستانت كـ “سكان مؤقتين”، أو “بقايا شعوب منقرضة”، أو “بدو رحل غزاة” لا يملكون أي صلة حقيقية أو قانونية أو روحية بالأرض، مما مهد الطريق سياسياً لشرعنة وتبرير عمليات التهجير القسري، والاستيطان العنيف، والتطهير العرقي التي ستتبع لاحقاً بكل وحشية.

إن هذا التزوير الجغرافي والأثري الممنهج هو الذي حول فلسطين، في الوعي الغربي المسيحي، من حقيقة مادية وحضارية عربية نابضة بالحياة والجمال إلى مجرد “مختبر للأساطير” التوراتية وساحة مفتوحة لتحقيق نبوءات البروتستانتية الميثولوجية.  

 

الصهيونية اليهودية كـ “منتج” بروتستانتي    

تذهب هذه الدراسة إلى أبعد من التحليلات التاريخية السطحية، لتقرر أن الصهيونية اليهودية في نسختها السياسية العلمانية والقومية التي تزعمها ثيودور هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر، لم تكن في حقيقتها وجوهرها سوى “استجابة” متأخرة، وتفاعلية منفذة لتيار الصهيونية المسيحية البروتستانتي الجارف والمتمكن، الذي سبقها بعقود طويلة ومهد لها الطريق السياسي.

فالمفكرون واللاهوتيون والسياسيون المسيحيون في أوروبا، خاصة في بريطانيا وهولندا وألمانيا، هم من صاغوا فكرة “القومية اليهودية” في الأصل، وهم من أقنعوا النخب اليهودية المندمجة، والعلمانية في أوروبا بأن الحل الوحيد النهائي الجذري لـ”المسألة اليهودية” المتفاقمة والمؤرقة في القارة (بسبب تصاعد موجات معاداة السامية)، يكمن حصراً في الهجرة الجماعية المنظمة إلى فلسطين وإقامة كيان سياسي (وطن قومي) هناك بحماية الإمبراطورية البريطانية.

وبهذا المعنى فإن الصهيونية، هي “أيديولوجيا استعمارية بروتستانتية” في تكوينها وأهدافها، استخدمت الرموز الدينية الميثولوجية اليهودية كقناع جذاب، لشرعنة مشروعها الإحلالي، وليست حركة تحرر انبثقت من الهوية اليهودية التقليدية الدينية (التي كانت، في معظم تياراتها الأرثوذكسية والتقليدية، تعارض بشدة فكرة “العودة المادية” الجماعية أو إقامة دولة قبل مجيء المسيح المخلص الإلهي، وتعتبر ذلك تمرداً على الله). (Gorenberg.55)

 

وفي هذا السياق المعرفي تكتسب أطروحات المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند، خاصة في كتابه التحليلي الجريء “اختراع الشعب اليهودي” نقدًا راديكالياً وتفكيكياً علمياً وموثقاً للسردية الصهيونية الرسمية السائدة والمهيمنة، محطماً بالدليل التاريخي القاطع أسطورة “المنفى القسري والعودة الموعودة”. ويرى شلومو ساند أن فكرة “الشعب اليهودي” بصفته وحدة إثنية وقومية منسجمة، ومستمرة عبر التاريخ منذ عهد الأنبياء القدامى والآباء وحتى اليوم، هي في الحقيقة والواقع “اختراع” أيديولوجي حديث من نتاج المؤرخين، والمفكرين، والمستشرقين في القرن التاسع عشر (مثل هاينريش غريتز)، صُمم خصيصاً ليواكب صعود القوميات الأوروبية الحديثة (مثل القوميتين الألمانية والإيطالية) ويوفر للحركة الصهيونية الناشئة مبرراً تاريخياً وعرقياً، يبدو مقبولاً ومنطقياً في عصر القوميات. (ساند.160)

ويؤكد ساند مستنداً إلى كم كبير ومتنوع من الأدلة التاريخية الموثقة، والدراسات الجينية الحديثة، والاكتشافات الأثرية المحايدة، أن اليهود المعاصرين (الأشكيناز، والسفارديم، والمزراحيين) لا يمثلون بأي حال من الأحوال استمراراً بيولوجياً (جينياً)، أو إثنياً لسكان مملكة يهودا المزعومة، التي دمرها الرومان في القرن الأول الميلادي بحسب السرديات اليهودية. بل هم في الغالبية العظمى أحفاد لمجموعات بشرية، من قيائل وشعوب متنوعة في أعراقها (سلاف، ألمان، أمازيغ، عرب، فرس)، اعتنقت الديانة اليهودية في فترات ومحطات تاريخية مختلفة نتيجة النشاط التبشيري والتهويدي الكثيف والناجح في العصور القديمة والوسطى المبكرة. (ساند.82)

ومن أبرز هذه المجموعات “الخزر” في شرق أوروبا وآسيا الوسطى، الذين اعتنقوا اليهودية جماعياً في القرن الثامن الميلادي وشكلوا النواة الأساسية والكتلة الديموغرافية ليهود الأشكيناز المعاصرين، بالإضافة إلى قبائل الأمازيغ في شمال أفريقيا (الذين تهودوا قبل الفتح الإسلامي)، واليمنيين (مملكة حمير التي اعتنقت اليهودية)، وحتى مجموعات بشرية في الهند والحبشة.

وبناءً على ذلك، يسقط ساند بالضربة القاضية العلمية الادعاء الصهيوني بـ”الحق العرقي” أو “الوراثة الجينية” لأرض فلسطين، مؤكداً أن “النفي” القسري الجماعي لليهود من قبل الرومان في عام 70 ميلادية هو خرافة تاريخية لا أساس لها من الصحة، لم تسجلها السجلات الرومانية الدقيقة، بل إن السكان الأصليين لفلسطين (الفلاحين الذين أصبحوا لاحقاً هم الفلسطينيون الحاليون) ظلوا صامدين في أرضهم وزرعوها، واعتنقوا المسيحية ثم الإسلام مع احتفاظهم الكامل بجذورهم الكنعانية والأرامية والعربية القديمة.

إن تلاقي أطروحة شلومو ساند الجريئة والموثقة مع تاريخ نشوء الصهيونية المسيحية البروتستانتية يكشف لنا عن حقيقة وتفسيرية وتاريخية: لقد اخترع اللاهوت البروتستانتي البريطاني أولاً “الحق” التاريخي الميتافيزيقي، والوهمي، والقدري في الأرض، ثم اخترعت القومية الصهيونية الحديثة لاحقاً “الشعب” الإثني المتخيل الذي سيطالب بهذا الحق ويجسده فعلياً على الأرض عبر أدوات الاستعمار الاستيطاني والإحلالي.

إن التحالف المتين والعضوي بين الصهيونية المسيحية واليهودية لم يكن أبداً تحالفاً دينياً نزيهاً، أو إيمانياً خالصاً، أو محبة حقيقية، بل كان “زواج مصلحة” أيديولوجياً، وسياسياً نفعياً بامتياز. فالغرب الإمبريالي البروتستانتي (بريطانيا ثم أمريكا) أراد التخلص من اليهود في أوروبا (وهي في جوهرها معاداة سامية قحة وعنصرية متنكرة في زي لاهوتي “محب” وداعمة للعودة) عبر تصديرهم إلى الشرق الأوسط ليقوموا بدور “القاعدة العسكرية المتقدمة” و”الحارس” المخلص للمصالح الغربية الحيوية، في قلب العالم الإسلامي الممتد والسيطرة على ثرواته وطرق تجارته.

وبذلك تظهر الصهيونية في حقيقتها العارية كعملية “هندسة ديموغرافية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية” كبرى عابرة للقارات، وليس كعودة شعب أصيل ومنفي إلى وطنه التاريخي كما تروج الماكينة الإعلامية والتعليمية والسينمائية الغربية ليل نهار في عقول الأجيال.  

 

أسطورة “هار مجدون” وتسييس النهاية في الفكر الإنجيلي الأمريكي المعاصر

تمثل اسطورة تل مجدو (هار مجدون Armageddon) في أدبيات الصهيونية المسيحية ذروة “لاهوت النهاية”، وهي المعركة الكونية الفاصلة التي ستجري أحداثها في وادي “مجدو” بفلسطين. وفقاً لهذا التصور التدبيري، فإن الصراع ليس سياسياً بل هو “انفجار مقدس” حتمي تفرضه المشيئة الإلهية لتطهير الأرض. وترتكز الأسطورة على تسلسل نبوئي يبدأ بتجمع اليهود في فلسطين وإقامة هيكل سليمان، مما يستدعي هجوم “قوى الشر” (التي تُسقطها هذه الأدبيات غالباً على أعداء إسرائيل الحاليين). وفي غمرة الدمار الشامل، يتدخل المسيح ليحقق النصر النهائي للصهيونية وحلفائها، مؤذناً ببداية “الملك الألفي”. هذا الاعتقاد يحوّل الحروب في الشرق الأوسط من أزمات دبلوماسية إلى “ضرورات لاهوتية” يجب التعجيل بها بدلاً من تجنبها، لتسريع المخطط الخلاصي. Wagner.45))

ومع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية العجوز التي “لا تغيب عنها الشمس” وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة مهيمنة، وقائدة للعالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت مركزية الصهيونية المسيحية وثقلها الأيديولوجي، والمالي، والسياسي، والتنظيمي عبر المحيط الأطلسي لتستقر وتزدهر في أمريكا.

ويعتبر  إنجيل سكوفيلد المرجعي (Scofield Reference Bible)، الذي نُشر لأول مرة عام 1909، حجر الزاوية الأيديولوجي الذي نقل الصهيونية المسيحية من أروقة اللاهوت الضيقة إلى الوجدان الشعبي الأمريكي؛ حيث قام سايروس سكوفيلد بتضمين حواشي تفسيرية داخل نص الكتاب المقدس تروج للاهوت “التدبيري”. واعتمد هذا الإنجيل مبدأ الفصل الحاسم بين “إسرائيل” و”الكنيسة”، مؤكداً أن الوعود التوراتية بالارض تخص اليهود حصراً كشعب مادي، وأن عودتهم إلى فلسطين هي شرط ميتافيزيقي لعودة المسيح. بفضل توزيعه المليوني، نجح سكوفيلد في “تهويد” العقل البروتستانتي الأمريكي، محولاً دعم إسرائيل من خيار سياسي إلى واجب ديني مقدس وتكليف إلهي لا يقبل القسمة، وهو ما يفسر الاندفاع العقائدي للإدارات الأمريكية الحالية في تبني الرواية الصهيونية كجزء من معركة “نهاية الزمان”.Lindsey.170))

هناك، وجدت هذه الأيديولوجيا في الكنائس الإنجيلية (Evangelicals) واليمين الديني الأمريكي المحافظ بيئة أكثر خصوبة وثراءً وتأثيراً حاسماً في السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء. وفي هذه البيئة الأمريكية الفريدة اتخذت “أدلجة اللاهوت” طابعاً قدرياً وميثولوجياً وعنيفاً في آن واحد، متمحوراً بشكل مهووس وشبه مرَضِيّ حول ما يُعرف بـ “لاهوت التدبيرية” (Dispensationalist)  وأسطورة معركة  تل مجدو”هارمجدون”  الكونية المدمرة.

وتُعد أطروحة الكاتبة الأمريكية غريس هالسل في كتابها “إجبار يد الله” ركيزةً أساسية في تحليل “أدلجة اللاهوت” وسياقاتها السياسية، بمماهاة النبوءات الغيبية مع صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، بالارتكاز على مفهوم “التدبيرية”، الذي يرى في دعم إسرائيل واجباً مقدساً لتعجيل المجيء الثاني للمسيح. وتطرح هالسل سؤالا استنكاريا: لماذا تُضحي الولايات المتحدة بمصالحها القومية والاستراتيجية لإرضاء قاعدة انتخابية تؤمن بـ”عسكرة النبوءة”؟! هذا النفوذ اللاهوتي حوّل الصراع في الشرق الأوسط إلى مسرح ميثولوجي، حيث ينظر للحروب كعلامات إلهية، مما يقوض فرص الاستقرار العالمي ويُخضع القرار السياسي لسيناريوهات “هار مجدون” الإقصائية. Halsell.145))

وتعتقد هذه التيارات الصهيونية المسيحية، والتي تمتلك قنوات تلفزيونية عملاقة مثل (TBN) ، وميزانيات بمليارات الدولارات، ومؤسسات ضغط  جبارة، مثل “مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل” التي يقودها القس المتطرف جون هيجي، أن قيام “دولة إسرائيل” في عام 1948، واحتلال القدس بالكامل وتوحيدها في عام 1967، هما “ساعة التوقيت” الإلهيةProphetic Clock)  (God’s  التي لا تخطئ أبداً، والتي تؤشر بوضوح بقرب نهاية الزمان وعصر البشرية الحالي واقتراب المجيء الثاني للمسيح. Halsell.146))

ووفقاً للمعتقد التدبيري المفسر للأسفار اليهودية، يجب على “إسرائيل” أن تتوسع وتسيطر على كامل ما يسمونه “أرض فلسطين التاريخية” (أو أرض إسرائيل الكاملة من النيل إلى الفرات في بعض التفسيرات الجامحة)  وتدمر المسجد الأقصى لتبني مكانه “الهيكل الثالث” المزعوم، لأن هذه الأحداث الجيوسياسية هي الشروط المسبقة، والضرورية اللازمة لاندلاع معركة نل مجدو “هار مجدون” الكبرى والنهائية والمدمرة في سهل مرج بن عامر بفلسطين، وهي المعركة التي ستفني وفق لاهوتهم، ثلثي اليهود ومعظم سكان الأرض (الكفار في نظرهم) وتمهد لعودة المسيح الثانية ليحكم العالم بالحديد والنار والعدل المطلق من القدس “المحررة” لمدة ألف عام.

لقد تحول هذا الاعتقاد الميثولوجي “السينمائي”، من مجرد تأملات دينية ومواعظ في الكنائس الريفية المعزولة أو كتب الخيال الديني إلى محرك رئيس وموجه للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط برمتها وتجاه الصراع العربي-الإسرائيلي بشكل خاص. إن اليمين الديني الإنجيلي الأمريكي، الذي يمثل كتلة تصويتية هائلة ومنظمة تفوق الـ 60 مليون ناخب، يمارس ضغوطاً هائلة وممنهجة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة (سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية) لدعم سياسات الاستيطان المتطرفة، ورفض أي حلول سلمية عادلة أو دائمة، وشرعنة ضم الأراضي المحتلة بالقوة المسلحة. (Grace.32)

إن قرارات إدارة دونالد ترامب المدعومة من الصهيونية المسيحية في ولايته الأولى (2017-2021)، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018، والاعتراف بضم الجولان السوري المحتل، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية الحامية لحقوق الإنسان، لم تكن في جوهرها نابعة من مصالح استراتيجية عقلانية للدولة الأمريكية كقوة عظمى، بل كانت استجابة سياسية انتهازية، وانتخابية لهذه القاعدة “الصهيونية المسيحية” الواسعة والنشطة التي ترى في هذه الخطوات تحقيقاً حرفياً للنبوءات التوراتية وتسريعاً لخطى “النهاية” السعيدة لهم والمدمرة لغيرهم.

إن “هار مجدون” في هذا السياق الأيديولوجي، والجيوسياسي المعاصر ليست مجرد استعارة دينية أو رمز روحي، بل هي “عقيدة إبادة”  حقيقية تبرر الحروب الاستباقية، وتشرعن تدمير الدول الوطنية، وتغذي باستمرار روح الصدام الحضاري، والديني، والثقافي مع العالم الإسلامي والشرق بشكل عام.

ففي هذا المخيال الأيديولوجي المتطرف والدوغمائي، لا مكان للدبلوماسية الهادئة، أو القانون الدولي، أو “حل الدولتين”، لأن أي تنازل جغرافي أو سياسي من قبل “إسرائيل” يُنظر إليه في الوعي الإنجيلي كخيانة للإرادة الإلهية وتعطيل وتأخير متعمد لسيناريو “الخلاص” المنشود وعودة المسيح.

وبذلك، تصبح الصهيونية المسيحية في نسختها الأمريكية الحالية هي التهديد الأكبر، والأكثر دموية، والأكثر تهديدا للاستقرار العالمي لأنها تضفي طابعاً “مقدساً” مطلقاً، وغير قابل للمساومة على الصراعات السياسية والمجالية، مما يجعلها صراعات صفرية إقصائية لا تُحل إلا عبر الانفجار العسكري الشامل، والتدمير الكوني، والحروب الدينية العبثية. Lindsey.220))

 

 الصراع بين “روما” والصهيونية المسيحية وأثره على الاستقرار العالمي  

 بينما نجحت الصهيونية المسيحية البروتستانتية (الأنجلو- سكسونية) في اختراق وتشكيل الوعي الجماعي والسياسي في العالم الغربي بشكل شبه كامل، ظلت الكنائس المسيحية التقليدية، والعريقة الضاربة في أعماق التاريخ، وعلى رأسها كنيسة روما (الكاثوليكية) والكنائس الأرثوذكسية الشرقية بمختلف طوائفها وتجلياتها (الروم الأرثوذكس، السريان، الأقباط، الأرمن)، تمثل جدار صد لاهوتيا وسياسيا منيعاً ضد هذا التوجه المؤدلج الخطير.

فبالنسبة للفاتيكان، ومعظم كنائس الشرق الأصيلة، فإن تحويل “الأسفار اليهودية” من نصوص دينية تراثية إلى “صكوك ملكية” جغرافية ضيقة، أو مبررات لشرعنة الاحتلال، والتهجير، والتمييز العنصري، والقتل هو “بدعة لاهوتية” (Theological Heresy)  خطيرة جداً، تفرغ المسيحية من جوهرها الإنساني الكوني، وتحولها إلى مجرد أيديولوجيا استعمارية ضيقة، تخدم طرفاً سياسياً على حساب حقوق ووجود الآخرين.

لقد كان الصراع بين “روما” (ومعها الكنائس التقليدية) وبين الصهيونية المسيحية صراعاً وجودياً ومعرفياً على هوية الديانة المسيحية ذاتها ورسالتها في العالم المعاصر، وما يزال كذلك؛ فبينما تتمسك الكنائس التقليدية العريقة بـ “لاهوت التعايش في الأرض المقدسة”، تروج الصهيونية المسيحية وبقوة وبدعم سياسي هائل لـ “لاهوت القوة الغاشمة” و”سياسة النبوءة المتفجرة” التي لا ترى في الفلسطينيين (سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو حتى يهوداً غير صهاينة) سوى عقبات ديموغرافية، أو “أغيار” لا قيمة لهم، يجب محوهم أمام تحقيق المشيئة الإلهية المتوهمة والمفسرة حرفياً.

إن هذا الصراع اللاهوتي المحتدم له تداعيات جيوسياسية واجتماعية عميقة جداً؛ فالفاتيكان لطالما عارض بشدة تسييس مدينة القدس، وطالب بوضع دولي وقانوني خاص لها يحفظ قدسيتها ورمزيتها للجميع، وحذر مراراً وتكراراً من أن “صهينة المسيحية” وتماهيها الأعمى مع المشروع الاستيطاني التوسعي ستؤدي بالضرورة  إلى تصفية الوجود المسيحي العربي الضارب في القدم، والحامل للهوية العربية في فلسطين. وهو ما نلمسه بالفعل اليوم وبشكل مأساوي، حيث تتناقص أعداد المسيحيين في القدس، وبيت لحم، والناصرة إلى مستويات تاريخية دنيا، بسبب ضغوط وسياسات الاحتلال الخانقة التي يدعمها، ويمولها “الصهاينة المسيحيون” في الغرب بالمال، والسياسة، والإعلام.

إن تهميش المسيحيين الفلسطينيين واضطهادهم ليس مجرد نتاج عرضي للسياسة، بل هو استراتيجية جوهرية لـ “الموجة الصليبية الجديدة” التي تسعى لتفريغ الأرض من شهودها التاريخيين لتثبيت أسطورة “أرض بلا شعب”. وبذلك، يُنظر إلى المسيحي المشرقي كعدو وظيفي لأنه يمتلك مفاتيح الهوية الوطنية التي تنقض ادعاءات الاستعمار الاستيطاني. هذا الإقصاء اللاهوتي يؤكد أن الصهيونية المسيحية هي حركة “إحلالية” لا تعترف إلا بـ الهوية اليهودية التلمودية كأداة لتحقيق النبوءات، مما يجعل من المسيحية الشرقية الضحية المنسية في مشروع “هارمجدون” الذي يضحي بكل القيم الإنسانية من أجل عسكرة النص الديني وتكريس الاحتلال. (صايغ.134)

أما على صعيد العلاقة مع العالم الإسلامي، فإن الصهيونية المسيحية البروتستانتية قد تسببت في جرح غائر وكارثي للاستقرار العالمي وللسلم بين الشعوب، عبر صناعة وتغذية وتكريس فكرة “التصادم الحضاري” والديني المفتعل والمقحم قسراً. فقد أدى التغلغل الإعلامي، والسياسي، والمالي، والسينمائي لهذا الفكر المتطرف في الغرب، وخلطه المتعمد بخبث بين “القيم المسيحية الغربية” وبين “المشروع الصهيوني السياسي”، إلى خلق انطباع مشوه لدى الوعي المسلم بأن المسيحية العالمية (بما فيها مسيحية الشرق) هي كتلة صماء واحدة متحالفة أيديولوجياً  وعسكرياً مع الاحتلال ضد المسلمين ومقدساتهم. (المسيري. 405)

هذا الخلط الفادح والظالم، الذي يمكن تسميته بـ”خطيئة الأدلجة الكبرى”، قد أدى لنتائج تدميرية على السلم العالمي، منها تآكل وانعدام الثقة في المسيحية حتى تلك الموجودة بين ظهراني المسلمين. كما أن المسيحيين العرب وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه؛ فهم الضحايا المباشرون للاحتلال والاستيطان على الأرض يومياً، وهم حراس الهوية العربية، وفي الوقت ذاته يُنظر إليهم أحياناً وبشكل ظالم وجاهل في الوعي الشعبي المتطرف كـ “تابعين” أو “طابور خامس” للغرب المسيحي نتيجة سياسات وتصريحات الصهاينة المسيحيين في أمريكا وأوروبا، رغم أن المسيحيين العرب هم تاريخياً وقومياً من تصدروا المواجهة الفكرية والنضالية القومية ضد المشروع الصهيوني منذ بواكيره الأولى في القرن التاسع عشر.

 وبالإضافة الى ذلك، عملت الصهيونية المسيحية بشكل غير مباشر على تغذية وصناعة تيارات التطرف والعنف الديني، حيث يجد المتطرفون دعاة “الصدام” في العالم الإسلامي في خطاب “الحرب المقدسة” و”النبوءات التوراتية” الصهيوني المسيحي الغربي الذريعة المثالية، لتبرير عنفهم وانغلاقهم، مما يخلق حلقة مجنونة ودموية من “العنف المقدس” المتبادل الذي يهدد السلم المجتمعي العالمي ، ويضع العالم في حالة استنفار ديني دائم.  (studies.aljazeera.net)  

وشهد القرن الحادي والعشرون تحولاً دراماتيكياً في دور الصهيونية المسيحية، حيث انتقلت من حيز “النبوءات الدينية” الكنسية إلى كونها “محركاً انتخابياً” حاسماً لتيارات اليمين الشعبي المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة. لم يعد دعم الاحتلال مجرد استجابة لنداءات غيبية، بل أضحى أداة أيديولوجية لتعزيز النزعات القومية المتطرفة، حيث تم توظيف الهوية اليهودية التلمودية كحائط صد ضد ما يسميه هذا التيار “الخطر الإسلامي” و”العولمة الليبرالية”.

تكمن الخطورة الفلسفية لهذا التحالف في تبنيه لمبدأ “القانون الإلهي” المزعوم كبديل للقانون الدولي؛ مما أدى إلى ازدراء منهجي لمؤسسات الاستقرار العالمي مثل الأمم المتحدة وقراراتها. يرى هذا اليمين المتطرف، المدفوع بلاهوت الصهيونية المسيحية، أن السيادة الوطنية والقيم الدينية المتخيلة تعلو فوق الاتفاقيات الدولية، مما يشرعن انتهاك حقوق الإنسان والاستيطان بدعوى تنفيذ “إرادة السماء”. إن هذا التماهي بين اللاهوت الإقصائي واليمين الشعبي يؤسس لحالة من الفوضى العالمية، حيث تُستبدل الدبلوماسية العقلانية بصدام حضاري ميثولوجي يقوض أسس السلم الدولي ويجعل من الصراع في فلسطين وقوداً لحروب ثقافية وسياسية عالمية لا تنتهي. (studies.aljazeera.net)

المراجع:  

  • ساند، شلومو. اختراع الشعب اليهودي. ترجمة سعيد عياش، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، رام الله، فلسطين، 2011.
  • ساند، شلومو. اختراع أرض إسرائيل. ترجمة أنطوان شلحت ورندة حيدر، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، رام الله، فلسطين، 2013.
  • السماك، محمد. الصهيونية المسيحية: دراسة في دلالات الموقف الأمريكي الحالي وتأثيراته. دار النفائس، بيروت، لبنان، 2004.
  • العكش، منير. حق التضحية بالآخر: أمريكا وإبادة الهنود الحمر. رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، لبنان، 2002.
  • المسيري، عبد الوهاب. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد. دار الشروق، القاهرة، مصر، 1999.
  • مركز الجزيرة للدراسات. “اليمين الديني والسياسة الخارجية الأمريكية: جذور وتأثيرات”. موقع مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر 2018،aljazeera.net.
  • صايغ، فايز. الاستعمار الصهيوني في فلسطين. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1965.

 

  • Halsell, Grace. Prophecy and Politics: Militant Evangelists on the Road to Nuclear War. Lawrence Hill & Co, 1986.
  • Forcing God’s Hand: Why Millions Pray for a Quick Rapture. International Press, 1999
  • Sizer, Stephen. Christian Zionism: Road-map to Armageddon? Inter-Varsity Press, 2004 (المرجع الأهم لتفنيد الصهيونية المسيحية من الداخل اللاهوتي)
  • Wagner, Donald. Anxious for Armageddon. Herald Press, 1995.
  • Lindsey, Hal. The Late Great Planet Earth. Zondervan, 1970  
  • Scofield, Cyrus I. The Scofield Reference Bible. Oxford University   Press, 1909(الكتاب الذي شكل العقل الصهيوني المسيحي الأمريكي)  
  • Gorenberg, Gershom. The End of Days: Fundamentalism and the Struggle for the Temple Mount. Free Press, 2000.

Leave a comment