Skip to content Skip to footer

التاريخ والذاكرة في مجتمعات ما بعد الاستعمار | د. وحيد بن بوعزيز

ناقشَ الدكتور وحيد بن بوعزيز، الباحث والأكاديمي الجزائري، أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبرَ برنامج “مجتمع”، التاريخَ والذاكرةَ في مجتمع ما بعد الاستعمار، وبالذات عن المجتمع الجزائري وعلاقته مع فرنسا الاستعمارية السابقة، والمطلوب من الجزائريين الصفح عن الاستعمار؛ لكن دون أن يقدم الاستعمارُ اعتذارَه عمّا قام به ضد الجزائريين طوال 130 عاماً، والاحتلال، وهل ستنجح الفكرة؟

هل يمكن للمجتمع المحتل أو الذي مارس الاستعمار القهرَ ضده أن يصفحَ عن جلاده؟ وكيف؟

أجاب الدكتور وحيد بن بوعزيز، الباحث والأكاديمي الجزائري، أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، عن سؤال “فكرة التاريخ والذاكرة مع المجتمعات التي احتلت من قِبل الاستعمار؛ مطلوب من هذه المجتمعات أن تنسى أو تصفح دون أن يقدِّمَ الطرف الآخر الاعتذار! كيف يمكن إن أنا كضحية تطلب منِّي أن أصفحَ عنك وأنت الجلاد، دون أن تقدم اعتذارك لي؟ هل يمكن أن يصفحَ المجتمعُ المحتل أو الذي مارسَ الاستعمارُ القهرَ ضده، عن جلاده؟ وكيف؟”، قائلاً: “في هذا السياق مستحيل، لا يمكن، لماذا؟ أولاً نحن لسنا بعيدين عن صدمة الاستعمار، المجتمعات التي استعمرت لأكثر من قرن؛ يعني 130 سنة، هذه المجتمعات عانت كثيراً؛ خصوصاً من طرف استعمار بطبيعة استيطانية، لأنه فيه استعمارات انتدابية واستعمار استيطاني؛ الاستعمار الفرنسي كان استعماراً استيطانياً. لما نعود إلى المؤرخين المختصين الذين تكلموا عن الحصيلة، لمّا وضعوا واجهة لمَا وقع بعد الاستعمار وجدوا أن الاستعمار الفرنسي أسهم في عملية اجتثاث الهوية الجزائرية، الجزائري بسبب الاستعمار إلى الآن ما زال يتخبط في بناء هويته؛ يعني ما زال عنده مشكل في بناء الهوية”.

صدمة مجتمعات ما بعد الاستعمار

وأضاف الدكتور وحيد بن بوعزيز: “ومن هنا نفهم ما يُسميه علماء النفس الاستعمارَ بـ(التروما)، يعني الصدمة النفسية التي ما زالت تعيشها مجتمعات ما بعد الاستعمار، يعني الاستعمار لا يخرج فقط، يعني بمجرد أنه يحمل متاعه ويخرج من البلد عسكرياً وكذا؛ ولكن تبقى الآثار النفسية والاجتماعية والهوية موجودة على مر الزمن، هل يمكن الصفح؟ في ظل الظروف التي نراها الآن في مجتمع سياسي غربي ينحو نحو الإمبراطورية لم يغيِّر بنيته العميقة في هذا المجال؛ ما زال ينظر إلى شعوب الجنوب كشعوب متقهقرة، شعوب متخلفة، شعوب خارجة عن الحضارة؛ لا يمكن أنا في رأيي أن توجد يعني أرضية لبدء عملية حوار حقيقي وواقعي في هذا المجال”.

سكوت إكلينيكي.. الفرنسيون لم يعتذروا والجزائريون لم يطلبوا الصفحَ

وأجاب أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، عن سؤال “مَن الذي طوى الصفحة؟ يعني هل الفرنسيون طلبوا من الجزائرين أن تعالوا اصفحوا عنّا؟ يعني هل فيه طلب من هذا النوع مثلاً حتى يمكن الحديث عن الذاكرة ؟”، قائلاً: “حتى الآن هناك سكوت إكلينيكي من الطرفَين؛ الفرنسيون لم يعتذروا والجزائريون لم يطلبوا الصفحَ، وكأن ما هو مسكوت عنه في المسألة يُعيدنا إلى الحوار العميق الذي وقعَ بعد الحرب العالمية الثانية بين فلاسفة مفكري اليهود حينما تكلموا عن بين قوسين يعني (آثار المحرقة).. وكذا، وقال أحد فلاسفتهم اللي هو يون كيلفيتش؛ يعني الفرنسي قال (لقد مات الصفح في معسكرات الموت)، يعني غلق باب الصفح، وبعد 40 سنة ستأتي فلسفة حتى من يهود آخرين؛ يعني حاولوا أن يعودوا إلى مسألة الصفح.. أنا أعتقد يعني لو فرقنا إن الذاكرة مرتبطة دائماً بالعاطفة، يعني بما هو نفسي، بما هو شخصي، والتاريخ مرتبط بما هو موضوعي. أعتقد أن اللحظة الآتية ما زال ما دخلناش في كتابة التاريخ؛ يعني ما زلنا في كتابة الذاكرة، يعني كلما نبتعد عن الحدث يبدأ التاريخ في الكتابة، لكن الآن ما زلنا أمام كتابة مشخصنة نوعاً ما بيننا وبينهم. هنالك مِن الكتاب عندهم مَن ما زال يحافظ على السردية الاستعمارية القديمة، وهنالك كتاب يعني حاولوا أن يتجاوزوا هذه السردية وحاولوا أن يضعوا فرنسا أمام المحك. من الجانب الآخر من الجانب الجزائري فيه كتَّاب كذلك ردوا بالكتابة على الإمبراطورية، كما يُقال، وردوا عليها بسردية مضادة، وهنالك للأسف مَن بدأ الآن يخدم السردية الكولونيالية القديمة، على شكل ما يُسمى بالحنين، النوستالجيا؛ يعني نوعاً من النوستالجيا، يعني العودة إلى الحنين؛ يعني نحن أمام أمر معقَّد نوعاً ما”.

شروط الصفح الجزائري.. واستيلاء اللوبي الصهيوني على أوروباH

وقال د.وحيد بن بوعزيز، بشأن سؤال “حتى يصير فيه صفح واعتذار، ما الشروط اللي لازم تتوفر مثلاً يعني، هل الجزائري على استعداد ينسى مثلاً أو يصفح؟ ما الشروط التي يجب توفرها؛ حتى يكون فيه صفح حقيقي؟”: “هذا السؤال طرُح على الروائي المعروف شوينكا، يعني الإفريقي، وقال لما أُحرج بهذا السؤال، وهو سؤال كما يُقال عرضه أطول من طوله، يعني معقَّد جداً.. رد بشيء معجز كذلك، قال كي نبدأ الكلام عن الصفح لا بد لأوروبا الاستعمارية أن تدفع فاتورة الاستعمار مادياً ورمزياً؛ يعني وهذا اللي يخلينا نبدأ من جديد فعلاً، هنالك شعوب اضطهدت في أوروبا، وما زالت تدفع أوروبا حتى الآن ثمنَ هذا الاضطهاد، وما نراه الآن من استيلاء اللوبي الصهيوني على أوروبا، على أمريكا؛ يعكس هذه الضريبة التي الآن الأوروبي ما زال يدفعها، وصلنا حتى إلى ما يُسمى بصناعة الهولوكوست، يعني تضخيم الهولوكوست إلى درجة الاستغلال.. أعتقد أنه يبدأ الأمر بنوع من الحصيلة، يعني يقوم به مؤرخون واقتصاديون وعلماء اجتماع وعلماء نفس، وحتى مؤرخون كذلك، يعني يقومون بعملية دراسة عميقة لما وقع، وتبدأ المسألة بالتعويض؛ يعني لا بد لهذا المستعمر أن يعوض وأن يرفع يده في سياق ما يُسمى الآن بالاستعمار الجديد، لماذا؟ لأنه بعد الاستقلال كما هو معروف يعني دخلنا في مرحلة جديدة تُسمى بـ(النيو كولنيزم) القائم على منطق التبعية. المفكر المصري سمير أمين، كتب مهمة خاصة على إفريقيا؛ كيف أصبحت تابعة لأوروبا وحتى لأمريكا؟”.

ماضي الاستعمار الفرنسي البربري في الجزائر.. لماذا مطلوب من الجزائري أن يصفح؟

وأجاب أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، عن سؤال “هل الجزائريون عندهم استعداد للصفح مثلاً كون الحدث ما زال حياً في الذاكرة ولم يدخل طور التأريخ والآثار ليست موجودة؟ ولماذا مطلوب من الجزائري أن يصفح؟”، قائلاً: “الآن ليس لهم استعداد، ولهم ظروفهم؛ يعني لماذا؟ لأنه حتى الآن للأسف فرنسا في خطابها السياسي لم تقُم بمبادرة أو لم تقُم بخطوة نحو هذا الاتجاه حتى غاية نهاية التسعينيات وبداية الألفينات، ما زالت فرنسا تدرس في تاريخها أن ما وقع في الجزائر من ثورة، هي أحداث يعني كلمة حرب أُدخلت فقط مؤخراً، يعني هناك بطء شديد حتى من الجانب الفرنسي في أن يعترف بماضيه البربري في الجزائر، لهذا أنا لا أنتظر الآن للجزائري، يعني لماذا؟ لأنه كي يصفح شخص ما لا بد أن الذي ظلمه يطلب منه المغفرة، يطلب الغفران، ويعترف بذنبه. لحد الآن هو غير موجود، وأعتقد شيئاً آخر، أن مسألة الاعتراف وهي الآن حتى تُطرح في المجالات السياسية، يعني فيه هذا الفيلسوف الألماني أكسيل أوليت، عَم يشتغل كثيراً على فكرة الاعتراف؛ طرح أن الاعتراف شرط فيه أن يكون تبادلياً، يعني لا يمكن أن الشخص يعترف بشيء من جهة واحدة فقط، لا بد للآخر كذلك أن يعترف، والشرط التبادلي لا بد أن يتوفى الندية، الندية؛ حتى في مستوى الخطاب، في مستوى القوة، في مستوى نحن ما زلنا للأسف، يعني مثل كل شعوب المنطقة، ما زلنا لم نصل بعد إلى مستوى الندية السياسية؛ لكي نفرض يعني رأينا وطبيعة الاعتراف وطبيعة الصفح في حد ذاته”.

فكرة الذاكرة جاءت عند ماكرون

وأضاف د.وحيد بن بوعزيز: “كتبت بهذا الاتجاه؛ لأن اختصاصي هو في مجال الدراسات الاستعمارية ومنابع الاستعمارية، وهو تخصص بدأه كما هو معروف الراحل إدوارد سعيد، وفيه الآن مدارس كبرى في هذا المجال، وإن كان فيه مدارس تشتغل على تيارات يعني ما بعد الحداثية؛ لكن أنا أفضل كثيراً المدارس التي تُسمى بالديكونالية؛ يعني مدارس تصفية الاستعمار، ليس مدارس ما بعد الاستعمار. أنا عندي رأي في هذا المجال؛ مؤخراً قبل كورونا بقليل، طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من المؤرخ الفرنسي ذي الأصول الجزائرية- يهودية، جزائرية، وهو بنيامين ستورانت، وهو مؤرخ معتدل نوعاً ما تجاه الجزائر، يعني ليس مؤرخاً بسردية؛ لأنه عنده انتماءات شيوعية تروتوسكية، يعني كان ضد الاستعمار، وفضح أساليب الاستعمار، طلب منه أن ينشئ تقريراً حول الذاكرة، لماذا فكرة الذاكرة جاءت عند ماكرون؟ لأنه ماكرون وهو لم يتجاوز 23 سنة، كان تلميذاً لبول ريكر، الفيلسوف الفرنسي، وكتب عنه كثيراً، وكان حاضراً حتى في سيمنار الذاكرة والتاريخ والنسيان الذي أنشأه بول ريكر في سياق نهاية القرن؛ يعني له كتاب صدر في 2000، حتى بل ريكر يذكر ماكرون في مقدمة الكتاب على أنه كان أنجب تلاميذه في هذه المسألة. طبعاً ماكرون في بداية عهدته الرئاسية اهتم بمسألة الذاكرة، وكأنه بطريقة ما أراد أن يغلق الملف؛ ملف الذاكرة، لماذا؟ لأنه فيه أصوات كثيرة كل سنة كل ما تأتي مناسبات 8 مايو، جرائم 8 مايو، أول نوفمبر.. كذا، كانت السلطة الجزائرية تطالب فرنسا بالاعتراف بالجرائم، يعني في ما بعد الخطاب السياسي طبعاً ماكرون أخرج بنيامين ستورانت، طلب منه أن يكتب تقريراً، وكتب التقرير وهو منشور، أساس التقرير يفتح الذاكرة على عدة جبهات؛ عدة جبهات واتجاهات، وفي الأخير يضع أرضية لكي يخفف من حدية الذاكرة وسطوتها، وهو يعترف في الكتاب أن هذا التقرير لا يعني الحل النهائي لمسألة الذاكرة، ولكن بداية ورشة عمل، ويذكر بنيامين ستورانت أنه من 2000 فقط إلى 2020 مئات الرسائل الجامعية والكتب أُلِّفت في سياق هذه المسألة في فرنسا من جهة الجزائر حتى الآن.. هنالك تجاوب خفيف جداً مع المسألة”.

صعود اليمين المتطرف في فرنسا بقوة وتحكمه في دواليب الإعلام والسلطة

وتابع أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر: “المؤرخون موجودون؛ يعني فيه مؤرخون في مستوى ستورانت وفي مستوى أكبر من ستورانت؛ لكن أعتقد أن المسألة لها خبايا أخرى، يمكن أن تكون سياسية وكذا لا نجد رداً في المستوى، ولا نجد تقريراً جزائرياً حتى الآن، وهذا ما طالب به حتى ستورانت، قال يعني أين هو الرد لكي نبدأ العمل؟ كذا المشكلة أنه بعد كورونا وبعد الخطاب السياسي الفرنسي مع ماكرون اختطف من طرف اليمين المتطرف الجزائر، توقفت تماماً عن مناقشة هذا الموضوع؛ لأنه الآن كما هو معروف في الإعلام الفرنسي، اليمين المتطرف استولى على كل شيء، زائد لوبي صهيوني متحكم في كل القنوات.. إلى آخره؛ يعني كنوع من الانغلاق، والجزائر لا تريد أن تحاور هذا الخطاب الذي ما زال يحمل العنصرية.. إلى غير ذلك، أنت تعرف أنه الواحد مرات الموجات السياسية والشعبوية لكي يفكر في عهدة ثانية يغير مرات، يغير الواحد خطابه 100%؛ يعني خطاب ماكرون في بداية عهدته والآن هو مختلف تماماً، ولهذا يعني أعتقد أن الملف أغلق من جديد وأقبر، ويمكن أن يؤجل إلى سنوات أخرى. لسنا ندري، أنا أعتقد أن ماكرون غلب جانبه السياسي جانبه الثقافي والأدبي؛ يعني ما يؤمن به ماكرون الشاب اللي كان يعني جاء محملاً بأفكار؛ يعني مجلة (اسبري يوريكير) وكذا الآن ماكرون يسير في اتجاه آخر تماماً، والشيء المحزن أن فرنسا الآن فيها اليمين المتطرف، صعد بقوة؛ يعني متحكماً في دواليب الإعلام والسلطة، شوف اليمين يطرح مسألة تُسمى في الأدبيات العلاقة يعني التاريخية بين الجزائر وفرنسا؛ تُسمى في هذه الأدبية (النوستالجيري)، والنوستالجيري مش النوستاليجي؛ النوستالجيري هو كلمة مركبة من حنين إلى الجزائر. اليمين المتطرف النوستالجيري يعني كلمة مركبة، استعملت هذه الفكرة، طرحها اليمين حتى مع لوبان الأب؛ قال الأقدام السوداء لا بد أن تعود إلى الجزائر وتأخذ حقها وتعوض، إنها طردت من كذا.. الأقدام السوداء هم لمّا دخلت فرنسا إلى الجزائر، الذين استوطنوا في الجزائر، يُسمون بالأقدام السوداء، لماذا؟ لأنه هو يعني الكلمة تعود إلى لوحة رسمها أحدهم، يعني لما جاي للجزائر سماها الأقدام السوداء، يعني سُميت بالأقدام السوداء، سُميت بالأقدام السوداء، وهم يعني في الجزائر كانوا يشكلون طبقة المستوطنين..”.

الاستعمار الفرنسي حافظَ اجتماعياً في الجزائر على طبقتَين

واستطرد د.وحيد بن بوعزيز: “الاستعمار الفرنسي من الناحية الاجتماعية في الجزائر، حافظَ على طبقتَين؛ الطبقة الأولى هي طبقة الفرنسيين من أصول فرنسية، يعني فرنسيي الميتروبول، يعني الحاضرة التي كانوا يتحكمون في كل شيء، يعنى السياسيين.. كذا، وفيه طبقة الأقدام السوداء، ومعظمهم كانوا من فقراء فرنسا، يعني، وحتى من أماكن غير فرنسية، جاءه من مالطا، وفيه طبقة الأندجان؛ وهم الأهالي طبعاً، يعني لا يمكن أن نفهم على مسألة الأندجان والأقدام السوداء.. وكذا، ولا يمكن أن نفهم مثلاً وضعية كاميه، يعني الكذب؛ لذا لم نفهم هذه التراتبية الاجتماعية. البعض يقول لك كيف كاميه كان ضد الاستعمار؟ لكن لمّا جاء الاستقلال يعني المطالبة بالاستقلال، كاميه قال (لو خُيرت بين أُمي وبين الحرية؛ لاخترت أُمي) يعني، والكثير يعني زعل من كلام كاميه، لماذا؟ لأنه لم يقف مع الثورة الجزائرية، أنا أفهم أن كاميه لم يكن ضد فرنسا الأقدام السوداء، ضد فرنسا الميتروبول الحاضرة، يعني كان هو يحمي مصالح طبقاته؛ يعني الأقدام السوداء، وكان يفكر أنه يعيش في الجزائر، وطبقة الأقدام السوداء يعيشون في الجزائر، وقت اليوم اليمين المتطرف الآن يلعب على هذه اللعبة، حتى فيه الآن أدب جديد يتناول ما يُسمى بمسألة الحنين إلى الاستعمار؛ يعنى فيه أبطال، شخصيات تطلق كلاماً من نوع يا ليتنا كنا في وقت الاستعمار، تبدل العالم، كنا عايشين مليح في وقت الاستعمار.. كذا وكذا، يعنى هذا الأمر يندرج ضمن ما يُسمى الآن بالتنكر للتاريخ؛ يعني جماعة التنكر للتاريخ والتنكر للذاكرة مع الواقع، وهنالك أناس يعني يكتبون وكأن العالم الماضي لم يكن فيه صراع، لم تكن فيه عنصرية، إن لم يكن تمييزاً عنصرياً بين الفرنسيين والجزائريين”.

كذب وتزوير وقفز على الحقائق لتبرير الاستعمار

وقال أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر: “المشترك بين فلسطين والجزائر وجنوب إفريقيا، هو الاستيطان؛ الاستعمار خاص بالاستيطان، له سردية تقوم على ما يمكن أن نُسميه في الدراسات الاستعمارية بنظرية الفراغ؛ وجدنا أرضاً دون شعب، ونحن شعب دون أرض؛ فأخذناها.. يعني المسألة فيها كذب وتزوير وقفزة على الحقائق، وهذا لتبرير الاستعمار، وفيه طرق أخرى كذلك لتبرير الاستعمار موجودة في السرديات الاستعمارية؛ مثل الحيونة، حيونة المستعمرة؛ لكي يتحكم فيه ويروض ما قيل مؤخراً، حيوانات بشرية، يعكس ماذا يعكس؛ لكي يمكن أن نطبق عليهم عنفاً، لأنهم ليسوا بشراً”.

حيوانات بشرية.. الاستعمار الصهيوني نتاج الاستعمار الغربي

وأضاف د.وحيد بن بوعزيز بشأن “حتى فيه واحد اسمه سومسينج كيد، المؤرخ، ما يُسمى بالمؤرخ الإسرائيلي، سمعته مؤخراً يقول إنه أصلاً نسيء إلى الحيوانات إذا شبهنا الفلسطينيين بالحيوانات، شيء يعني لا يمكن تصوره!”: “هو بهذه الطريقة يسيء إلى خطابه أكثر ما يسيء إلى الآخر، لماذا؟ لأنه بعد زمن سيشهد التاريخ أن الاستعمار الموجود الآن في الكيان الصهيوني، ماذا يعكس؟ إنه يعيد إنتاج نفس أساليب الاستعمار في القرن الـ19 نفسها، يعني حتى الذين يدرسون الاستعمار الصهيوني، فهو استعمار لم يتطور؛ وهو استعمار استمد معظم أفكاره من الاستعمار الغربي، هو نتاج الاستعمار الغربي، وهنا نطرح مسألة يعني هل الاستعمار يشكِّل في تاريخ أوروبا، أوروبا الأنوار، هل يشكِّل شذوذاً يعني أم هو نتاج العقل الغربي الملوث بالعنصرية والفوقية؟”.

لماذا الأوروبيون فقط يمارسون دورَ الاستعمار والتقليل من القيمة البشرية للمجتمعات؟

وأجاب أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر عن سؤال “لماذا أوروبا تمارس هذا الدور تجاه الشعوب الأخرى؟ لماذا الأوروبيون فقط هم الذين يمارسون دور الاستعمار وإرهاق المجتمعات الأخرى والتقليل من قيمتهم البشرية ووصفهم بأوصاف تقلل من كينونتهم الآدمية؛ لتبرير ممارسة الظلم والاضطهاد عليهم؟!”، قائلاً: “أعتقد اعتقاداً جازماً أن الاستعمار هو الوجه والقفا للأنوار الغربية، فعلاً يعني ما يدرس يعني في جامعاتنا وحتى في بعض الجامعات الأوروبية، أن أوروبا أتت بالأنوار، أتت بالتنوير؛ يعني أعطت للإنسان أشياء جديدة وأعطته الوعد بأن يعيشَ حياة راغدة من وقت ديكارت يعني، وكانت.. وكذا؛ لكن لما نعود إلى الكثير حتى من الدارسين الغربيين أنفسهم، الذين درسوا الهولوكوست بين قوسين (أنا لا أتكلم هنا عن استغلاله).. وكذا؛ يعني الذين درسوه كحالة سيسيولوجية، والذين درسوا الاستعمار بيَّنوا أن الاستعمارَ والمحرقةَ حادثتان عضويتان في الفكر الغربي التنويري، لماذا؟ لأن هذا الفكر ينحو نحو ماذا؟ نحو عقلنا الشامل، كيف عقلنا الشامل؟ يعني التحكم في كل شيء؛ يعني حتى بعض الفلاسفة قال خرجنا مع هذا التطور التكنولوجي الآن، من الماكرو رقابة، يعني من الرقابة الكبرى؛ يعني الكبيرة إلى الميكرو مراقبة، يعني الرقابة المجهرية، يعني التي تراقب كل شيء، تعرف أن الناس الذين تكلموا عن أوشيفتز يقولون إنه الذين كانوا يجندون نازيين لقتل اليهود كانوا يرفضون أيَّ شخص هو الذي يطلب مثلاً أن يجند؛ لكي يقتل، كان عندهم نظام عقلاني صارم في تطبيقه على مسألة المحرقة، وهذا نتاج ماذا؟ نتاج العقل الغربي الذي ينحو دائماً نحو التنظيم، وحتى المستعمرات كانت هنالك طريقة تنظيمية عقلانية صارمة في التحكم في المستعمرة”.

تصفية الاستعمار (الديكونالية) والعنصرية

وقال د.وحيد بن بوعزيز ردّاً على سؤال “هل فيه أدوات للمجتمعات التي استُعمرت؟ هل لديها الأدوات والإمكانات اللي بتقدر تعمل ديكوليزيشن لأوروبا مثلاً أو للشعوب التي استعمرت؟”: “تصفية الاستعمار أو الديكونالية هي أقدم من مصطلح ما بعد الكولونيالية، هي أقدم بكثير، أقدم بكثير؛ فرانسوا يستعمل مصطلح بصراحة في كتبه، وهو مفكر الاستعمار بامتياز. المشكلة أن مصطلح ما بعد الكولونيالية ظهر في المنافي في بريطانيا وفي الولايات المتحدة، وظهر مع مفكري المنافي؛ من هنود ومن عرب ومن أفارقة، والمقصود به المجتمعات التي تعيش بعد الاستعمار في المنفى، وتعيش مسائل مثل الهجنة والفضاء الثالث وعدم تقبل الآخر الغريب والأجنبي، وكذا مسائل مرتبطة بالعنصرية.. وكذا، أنا أعتقد أن هذا جانب يدرس؛ لكن هو ظرفي ولحظي خاص بالمهجر، يعني الناس الذين يعيشون في المهاجر، ويعيشون في المنافي، لكن في المجتمعات التي استقلت وأخذت استقلالها مؤخراً تحتاج إلى الديكولونيالية في مجال الثقافة ومجال التاريخ ومجال الفلسفة ومجال كذا.. يعني فيه الآن دراسات كانت تبدو محتشمة الآن؛ لكن تدعو بطريقة ما إلى تجاوز خطاب توراتي في معالجة مسألة المستقبل وخطاب غربي كذلك.. أنت تريد أن تتجاوز يعني بنقد مزدوج، نقد ما هو ماضَوي ونقد ما هو حداثاوي؛ يعني نقداً في الحداثة”.

الجزائر والاستعمار الطويل.. “الفرنسية” لغة التواصل تقريباً بين غالبية الناس

وأضاف أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر: “في 63 كان فيه مؤرخ جزائري، كتب كتاباً مهماً؛ وهو محمود شريف الساحلي، بعنوان (تصفية الاستعمار في التاريخ.. ديكولونيالية التاريخ)، وطلب إعادة كتابة التاريخ بعيداً عن الكتابة الكولونيالية، عن السردية الكولونيالية. للأسف إحنا عندنا المشروعات لا تكتمل، فيه أفراد يكملون المشروعات؛ لكن المؤسسات لا تكمل هذه المشروعات الكبرى. فيه مفكرون كتبوا كثيراً عن بناء الجزائر خارج الأطر الاستعمارية، وبالنسبة إلى اللغة الفرنسية للأسف توجد اللغة الفرنسية في الجزائر، ليست وجوداً تواصلياً أو نافذةً يعني تستعمل كنافذة لرؤية العالم أو الإطلالات؛ بل هو وجود أيديولوجي مؤدلج. سبق حتى لمفكر جزائري هو مصطفى الأشرف، تكلم عن شيء اسمه لغة الخبز؛ يعني الفرنسية مرتبطة بطبقة مرتبطة بوجود معين لأناس معينين، ولا ننسى أنه منطق التبعية؛ خصوصاً أن تاريخ الاستقلال ليس تاريخاً مستقراً؛ يعني مرات فيه ضعف، مرات فيه استعادة توازن.. كذا، مرات الفرانكفونية التي أسست لغرض الحفاظ على اللغة الفرنسية، بطبيعة الحال الحفاظ على المصالح الفرنسية في شمال إفريقيا وفي إفريقيا، في الوقت نفسه طبعاً في هذا السياق نجد أن الفرنسية لم تصبح في الجزائر لغةً كما قُلت تواصلية؛ بل أصبحت لغة مؤدلجة وأصبحت باباً نحو خدمة الكثير من المصالح الفرنسية. أنا لا أقول، لا أعمم؛ فيه كتاب شرسون ضد الخطاب السياسي الفرنسي، يكتبون باللغة الفرنسية فيه، حتى مفكرون كبار معروفون بأنهم مع تصفية الاستعمار، ويكتبون باللغة الفرنسية، لماذا؟ لأنه الظرفية يعني ما لا يفهمه الكثير، يعني يقولون الجزائر تتكلم الفرنسية.. كذا، فرنسا لما دخلت إلى الجزائر قضت على اللغة العربية، وفرضت الفرنسية فرضاً، ليس على كل المجتمع الجزائري؛ لكن على مَن كان من طبقة ميسورة يعني من الجزائريين، فرضت على أبنائهم اللغة الفرنسية؛ لكن هذا لم يمنع أن هذه اللغة عند البعض كانت طريقاً نحو انتقاد فرنسا في حد ذاتها، وهذا أسميه أنا بروميثيوس الجنوب؛ يعني المثقف الجنوبي الذي سرق لغة الآخر وأصبح يدافع عن نفسه بتلك اللغة، وهذا يتبدى في الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية في الجيل الأول.. محمد ديب، مولود فرعون، مولود معمري، كتبوا وفضحوا ظلم الاستعمار وبربرية الاستعمار.. للأسف الآن كما قُلت خصوصاً بعض الكتاب الذين لهم وجود في الساحة الإعلامية الفرنسية يندرجون ضمن المشروع الذي تكلمنا عنه منذ قليل؛ وهو مشروع نوستالجيري، وهم جزائريون وعندهم صدى، ويكتبون على ما تركته فرنسا من فضل ومن خير. مؤخراً الروائي الجزائري المعروف بوطنيته ودفاعه عن تاريخ الجزائر، ورفضه الاستعمار اللي هو الروائي رشيد بوجدرة، كتب كتاباً مهماً فضحَ هذا النوع من الكتابة في كتاب سماه (زناة التاريخ)؛ يعني هذه الترجمة العربية (زناة التاريخ)؛ يفضح هؤلاء بالأسماء، عبارة عن نقد لهذا التوجه الجديد المرتبط بالجوائز والشهرة، بطبيعة الحال فيه كتَّاب عندهم تطرف في هذا المجال، ويدعون في رواياتهم وفي خطاباتهم إلى عودة الاستعمار، ولو رمزياً”. 

مبررات مَن يدعون إلى عودة الاستعمار ولو رمزياً

وأجاب د.وحيد بن بوعزيز، عن سؤال “ما مبررات مَن يدعون في رواياتهم وخطاباتهم إلى عودة الاستعمار ولو رمزياً؟ هل هناك جوانب مثالية تركها الاستعمار مثلاً؟”، قائلاً: “بصراحة؛ أنا ما عندي حتى مبرر، هذه خيانة بالنسبة إليَّ، لا يوجد مبرر.. الأسباب طبعاً المحافظة على المصالح الذاتية، البحث عن الشهرة، ولاءات، ارتزاق، مع كثرة الهجرة.. يعني وجود لمغاربة كثر في فرنسا، الآن فيه مشكلة أخرى في فرنسا؛ وهي أن هؤلاء المغاربة من الناحية السيسيولوجية كانوا يعيشون غياباً مزدوجاً، خصوصاً الجيل الثاني والثالث، يشعرون بغياب؛ لأنهم لم يستطيعوا الاندماج بسبب العنصرية، ويشعرون كذلك بغياب في مواطنهم الأصلية، يعني غياب مزدوج، وبسبب العنصرية هؤلاء عادوا إلى أصولهم، بعودتهم إلى الإسلام مثلاً يعني إلى الالتزام بأمور الإسلام. اليمين أصبح يركز كثيراً على هذا الجانب، متهماً إياهم بالإرهاب وبكذا، وصعد ما يُسمى الآن بالإسلاموفوبيا؛ خصوصاً في فرنسا، يعني هي قوية جداً، وهي تشبه كثيراً نفس التقنيات من التحليل الاقتصادي السياسي، التي جعلت معاداة السامية تصعد في أوروبا في القرن التاسع عشر، وأعتقد أن ما سيحدث هو نفس الشيء مع الزمن”.

أسباب صعود الإسلاموفوبيا في فرنسا.. فتش عن الجانب الاقتصادي

وقال أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، رداً على سؤال “ألا تعتقد أن هناك جانباً اقتصادياً بحتاً في الموضوع ؟”: “اقتصادي بحت بطبيعة الحال؛ طبعاً الهجرة الأولى من الناحية السيسيولوجية التي بَدت في العشرينيات من القرن الماضي، كان معظم مَن يهاجر إلى فرنسا من الجزائريين مثلاً يعمل أعمالاً مشينة، ينظف؛ لكن الآن الجيل الثاني والثالث تعلَّم وأصبح يدخل إلى ميدان، وطبعاً بطبيعة الحال هنا يعني الفرنسي يرفض، فيه دراسة مهمة قام بها عالم اجتماع فرنسي هو إيمانويل تود، يبيِّن هذا الجانب، أن سبب صعود الإسلاموفوبيا في فرنسا هو أن المهاجرين بدؤوا يأخذون دورهم الاجتماعي؛ يعني بدت تتكون طبقة وسطى من المهاجرين، وطبقة نافذة، وهذا بطبيعة الحال يُرفض، لماذا؟ لأن النظرة العنصرية تنظر إلى العربي على أساس دائماً أنه دوني يشتغل أشياء يعني لا يمكن أن يصل إليها”.

العامل الاقتصادي والتعدي على حقوق اليمين الاقتصادية

 وأضاف د.وحيد بن بوعزيز: “اليمين يستغل هذا العامل، يستغل هذا الوضع بالذات؛ لأنه يعرف أن الفرنسيين، كثيراً من الفرنسيين أصبحوا يتقززون من وجود جزائري مثلاً طبيب، وجود جزائري مهندس، ونعرف الآن أن المستشفيات الفرنسية يعني لو نقوم بدراسة إحصائية معظمها فيها مغاربة، من الجزائريين ومن المغرب ومن تونس، والفرنسي أصبح، تراجع، حتى الفرنسي أصبح الآن يهاجر، لماذا؟ لأنه فيه مشكلة، يعني هذه المشكلة الاقتصادية التي وقعت، نفس المشكلة وقعت في القرن التاسع عشر؛ خصوصاً ببريطانيا، مع صعود ما يُسمى بمعاداة السامية.. وكذا؛ يعني هي الآن نعيشها في لحظة جديدة اسمها الإسلاموفوبيا”.

اليمين وإنشاء قانون لطرد العرب من فرنسا والتحكم فيهم في بلدهم

وتابع أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر: “اليمين يلعب على وترَين؛ وتر داخلي هو وتر الإسلاموفوبيا، يعني يحذر من تغوُّل بين قوسين ما يُسمى بـ(توغل العرب) في مجال اقتصادي، وكذا ويدعو، يعني حتى نعرف أن اليمين المتطرف الآن أغلبية، مانجيش فيها، قديم كان يدعو هؤلاء لكي يصوتوا عليه كاحتياط انتخاب، بطبيعة الحال، إلى أنه وعد مستقبلي ووعد حالم أننا سنعود إلى الجزائر، سنطرد هؤلاء من بلدنا، هذا ما قالته لوبان من أسبوع؛ يعني اتكلمت على أنه لا بد من إنشاء قانون لطرد العرب من فرنسا، وسنتحكم فيهم حتى في بلدهم؛ يعني في مستعمراتهم، يعني عندهم نظرة عنصرية إمبريالية بامتياز، وهي نظرة نوعاً ما غير واقعية؛ هي نظرة عبارة عن وهم”.

وأجاب د.وحيد بن بوعزيز عن سؤال “ما الذي بيجعلهم يعيشون هذا الوهم؟ أكيد فيه مشكلات داخلية عندهم التي تجعل طبقة ما في مجتمع أنها تفكر هذا التفكير الوهمي، هل هي مشكلات اقتصادية مثلاً؟ يعني هل شعور الفرنسي الذي ينتمي إلى اليمين مثلاً أنه حاسس أن الدولة مثلاً ما عادش تشكِّل له هذا الحافز أو الحامي لوضعه الاقتصادي مثلاً؟”، قائلاً: “الدولة لمّا كانت متوجهة إلى اليسار مع ميترون، ولمّا كانت نوعاً ما يعني متوجهة إلى الوسطية مع شيراك، اللي هو الديجولي كما هو معروف، كانت ترفض هذا الخطاب؛ لأنها كانت تعرف أن العمالة المغربية مهمة جداً في المجتمع؛ لكن الآن قلت لما اختطف الخطاب السياسي من طرف اليمين المتطرف، حتى الخطاب السياسي مرات يلعب هذه اللعبة؛ يعنى ساركوزي أنا قُلت إنه تكلم في الكثير من خطاباته حول المهاجرين وحول كذا.. طبعاً هي نوع من اللعبة السياسية، وراءها دائماً البحث عن مواقع في الانتخابات.. إلى غير ذلك، وأنا أعتقد أن الأمر يمكن أن يكون حتى مثل إيطاليا الآن، صعد اليمين المتطرف في إيطاليا؛ لكن لم يوفِّ بوعوده، لماذا؟ لأنه هي لعبة سياسية فقط، لربح مواقع انتخابية وسياسية”.

كيفية دفع فرنسا نحو الاعتدال في علاقتها مع الجزائر

وأضاف أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر رداً على سؤال “ما الدور الذي قد تتصوره إنه الجزائر ممكن تكون فيه لدفع فرنسا نحو الاعتدال في علاقتها مع الجزائر؟”: “هو دور مزدوج؛ أعتقد هو الدور الآن ما هو موجود في الجزائر، هو نوع من غلق لملفات العلاقات مع فرنسا؛ حتى ملفات اقتصادية فيها مشكلة كبيرة، أنا أعتقد أن الدور يبدأ يعني لا بد أنه يكون فيه تبادل، يعني الآخر كذلك يكون مستعداً لكي يفتح علاقات حقيقية واقعية، فيها الاحترام المتبادل، وكذلك الجزائر أمامها عمل أعتقد كثيراً، لماذا؟ لأنه قُلت إن الجزائر خرجت من مشكلات كبيرة، أنت تعرف أن التسعينيات يعني كادت الدولة تسقط، بعد التسعينيات بُنيت الجزائر من جديد بذهنية جديدة.. وكذا؛ لكن ما زلت أعتقد أن الأمر يمكن أن يحتاج إلى وقت لكي نصل إلى مستوى ندية وقوة تبادلية. دريدة عنده كتاب جميل بعنوان (كيف يمكن أن نصفح عن اللا صفح؟)، هذه المشكلة يعني إن لم يتعدل الصفح، هو يقول إنه شرط الصفح لا بد أن تكون الجريمة كبيرة جداً، ميوديش عندها قانون يحمي أو يعاقب، ولهذا هنا ييجي الصفح؛ لأنه الأساس هو ماذا هو الحب؟ لكن أعتقد أنه هذه ثقافة مسيحية، يعني حتى ديكير يقول إن مسألة الحب لا يمكن أن نعممها على كل المجتمعات.. كذا، أنا أعتقد أن الوقت ما زال الظرفية بيننا وبين فرنسا، ما زال يعني أن نطرح هذه المسألة؛ لكن من الأحسن أن نحضرها، لكي لما يصل وقتها يعني نطرحها من جديد”.

إشكالية اندماج الجزائريين في فرنسا والاتهام بالإسلاموفوبيا.. بنزيما كلاعب مثالاً

 وتحدث د.وحيد بن بوعزيز عن إشكالية اندماج الجزائريين في فرنسا والاتهام بالإسلاموفوبيا، قائلاً: “هو طبعاً اختبار للخطاب الغربي الممزوج بالكذب؛ يعني شوف أنا يمكن أعود إلى الوراء كثيراً، يعني المسألة اليهودية، كيف ابتدأت المسألة اليهودية في القرن التاسع عشر مسألة الاندماج؟ برينوبويل هذا اللي كتب كتاب (المسألة اليهودية، لماذا اليهودي يعيش غير مندمج في المجتمع؟) لا بد أن يتخلى عن دينه ويعيش ويندمج كمواطن ألماني، وكتب عليها ماركس، رد عليه، هذا اختبار للعرب والمسلمين في فرنسا، لماذا؟ لا تندمجوا، لماذا دائماً أنتم مرتبطون بتقاليدكم، بدينكم، بكذا؟ لما اندمج العربي ونجح؛ خصوصاً لما ينجح في خطاب آخر؟

مثال على ذلك بنزيما، كلاعب، في نجاحاته بنزيما الفرنسي، أي خطأ يرتكبه بنزيما الجزائري، كل خطابات فرنسا من هذا النوع؛ يعني لما يرتكب خطأ يقول لك بنزيما الجزائري، ولمّا ينجح بنزيما الفرنسي، وشوف الآن الواقع، يبيِّن أن التشكيلة الاجتماعية الفرنسية هي تشكيلة مختلطة جداً؛ من أفارقة، من مغاربة، حتى من الصينيين؛ يعني الآن الصينيين يعيشون كثيراً في فرنسا، يعني هل يمكن لفرنسا لو تعود إلى الواقع تتخلَّى عن هؤلاء بسبب رؤيتها السياسية اليعقوبية، شنو يعني اليعقوبية بعد استيلاء اليعاقبة على الجمهورية في فرنسا، جَت هنالك أسطورة مؤسسة لفرنسا؛ أن فرنسا لا بد أن تُبنى على علمانية شاملة، هذا فقط في الخطاب؛ لكن الواقع هو شيء آخر تماماً، وهذا اللي خلَّى مثلاً الفرنسيين لحد الآن يرفضون الدراسات الاستعمارية. عملية ضعيفة جداً في فرنسا؛ يعني في الحقل الفرنسي هي ضعيفة جداً، لماذا؟ لأنه النظرة اليعقوبية تؤمن دائماً بأن فرنسا يعني قوية، نقول فوقية؛ يعني دائماً إمبراطورية، ولا بد للآخر هو الذي يندمج في الثقافة، وليس للثقافة الفرنسية هي التي يمكن أن تستفيد من هذا الآخر. يعني هي تشبه كثيراً عملية البستنة؛ يعني كل شيء يخرج عن النمط اليعقوبي لا بد أن يقص أو يتحف.. إلى غير ذاك”.

موجة عنصرية مقيتة مع صعود اليمين المتطرف في فرنسا

وأجاب د.وحيد بن بوعزيز عن سؤال “كيف يتعامل الجزائريون أو المغاربة العرب؛ سواء من المغرب أو من تونس أو من الجزائر، مع هذه الظاهرة ومع الفرنسيين؟”، قائلاً: “أنا نصف عائلتي تعيش في فرنسا، لماذا؟ لأنه حتى الأب كان مهاجراً وعاش في فرنسا، هنالك تذمر كبير. المثير من المهاجرين الآن يشترون أراضي ويشترون سكنات في الجزائر، وكأنهم لا يرون مستقبلاً في فرنسا، فهموها المهاجرون؛ يعني فيه جزائريون يقضون في فرنسا من الجيل الثالث للجيل الرابع، أصبحوا الآن يخرجون من فرنسا يذهبون إلى كندا والولايات المتحدة وحتى إلى أستراليا، ولا يعيشون في فرنسا، لماذا؟ لأنه فيه موجة عنصرية كبيرة جداً خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، مع صعود اليمين المتطرف عنصرية مقيتة جداً”.

 دور الدولة في حماية أبنائها من العنصرية في الخارج

وأضاف أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، بشأن دور الدولة في حماية أبنائها من العنصرية في الخارج: “في الخطاب السياسي لا يرى أنه جزء منه في الخطاب الاقتصادي، يرى أن هؤلاء نحتاجهم كعمل أو كذا؛ لكن الخطاب السياسي يتغاضى الطرف، شوف ما وقع في كأس العالم؛ الفريق الفرنسي لما خسر المقابلة في النهائيات، كل الإعلام الفرنسي يسب الأفارقة الموجودين، لماذا؟ لأنه تشكيلة الفريق الفرنسي معظمها من الأفارقة، الخطاب السياسي لم يقم بأي رد على هذه الهجمة على الأفارقة. نحن نفهم ماذا نفهم، أن سياسياً الخطاب مختطف من طرف اليمين المتطرف اقتصادياً. هنالك أجندة أخرى ومصالح أخرى يتكلم عنها الاقتصاديون بطبيعة الحال، ولا يمكن أن نطيح فقط الجزائريين الذين يعيشون الآن في فرنسا، ٧ ملايين نسمة، هؤلاء الجزائريون فقط، تصور المغاربة والتشكيلات الاجتماعية الأخرى.. إلى غير ذلك”.

التمييز العنصري داخل فرنسا

وأجاب د.وحيد بن بوعزيز عن سؤال “هل يمارس التمييز العنصري داخل فرنسا ضد هؤلاء الناس، ولّا بس مجرد كلام؟ يعني إنه هل فيه أفعال حقيقية؟ هل فيه قوانين اتخذت للتمييز ضد هؤلاء الناس قانوناً مثلاً، ولّا مجرد أن الخطاب اليميني هو بس يعني خطاباً سياسياً؟”، قائلاً: “خطاب سياسي؛ لا توجد قوانين ضد مثلاً فرنسي من أصول جزائرية، ماكانش هذه القوانين يقول؛ لكن سياسياً وحتى ثقافياً فيه مشكلة؛ يعني فيه تمييز عنصري، أي مثلاً جزائري ولّا مغربي ولّا هكذا، إذا مشي في سردية اليمين المتطرف، فهو مقبول وكاتب، لكن إذا خرج على السردية وأراد أن ينتقدها فهو دائماً خارجها”.

كيف ينظر الفرنسيون إلى إزاحة اللغة الفرنسية في الجزائر؟

 وقال أستاذ الأدب المقارن بجامعة الجزائر، رداً على سؤال “كيف ينظر الفرنسيون مثلاً إلى إزاحة اللغة الفرنسية مثلاً في الجزائر وأن تكون لغة رسمية تمت إزاحتها ؟”: “الوقت متأخر للفرنسية؛ الآن إفريقيا كلها بدأت تتنصل من الاستعمار الجديد الفرنسي؛ يعني نيوكولينازم، وفيه جانب آخر لا بد أنه نذكره كذلك؛ وهو حضور العنصر الصيني يعني في إفريقيا، والعنصر الأمريكي، أمريكا بطبيعة الحال هي إمبراطورية تريد أن تستولي على كل شيء باسم العولمة، وهنالك حضور صيني كبير جداً في إفريقيا، مجلس التعاون الصيني- الإفريقي يعني هذا مجلس كبير جداً، يتعامل في إفريقيا، وفرنسا متحرجة من الصين أكثر ما هي متحرجة من الأمريكية، الصين أخذوا كل المواقع الاستراتيجية الاقتصادية الموجودة في إفريقيا، ولهذا أمام فرنسا يعني العائق كبير، ولهذا فهي تتراجع كثيراً؛ مالي، تشاد.. كذا، تتراجع إلى الوراء”.

الإمبراطور الكبير تراجع إلى الوراء

واختتم د.وحيد بن بوعزيز حديثه، قائلاً: “اليمين يلعب على هذا الإفلاس؛ إفلاس وتراجع فرنسا، الإمبراطور الكبير تراجع إلى الوراء، فشل الفرانكفونية، فشل وجود الفرنسي في الساحل الإفريقي، وحتى في شمال إفريقيا.. اليمين يلعب على هذا؛ لكي يأخذ مواقع جديدة، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً بديلاً، يعني لما يتحصل على مواقع سياسية سيبقى في جانب سياسي، ولا يذهب بعيداً يعني تلك الأحلام، يعني والطوبويات، يعني سنأخذ إفريقيا من جديد”.

Leave a comment

0.0/5