تخطَّ إلى المحتوى
مجتمعللدراسات الثقافية والتاريخية
المقالات

المقالات·اجتماعية

                     اختراق ثقافة اليهود للبخاري ومسلم

8 نوفمبر 2026

اقرأ

المقال

    دخلت الثقافة اليهودية مبكرًا إلى الثقافة الإسلامية نتيجة عوامل تاريخية ومعرفية متداخلة، فقد سبقت اليهودية الثقافة الإسلامية في التدوين الديني والقصصي والتفسيري، وامتلكت تراثًا واسعًا من الروايات المتعلقة بالأنبياء وبدء الخلق والأمم السابقة وأحداث التاريخ والتفاصيل الغيبية، بينما نزل القرءان بخطاب يركز على الهداية والعبرة وبناء الوعي، ولم ينزل ليكون كتابًا في التفاصيل التاريخية والقصصية، فذكر من أخبار السابقين ما يحقق غايته، وسكت عن كثير من الأسماء والأزمنة والتفصيلات التي لا تخدم مقصده.

   ظهر أثر هذا الاختلاف بصورة أكبر بعد هجرة النبي محمد إلى المدينة، فقد عاش المسلمون في بيئة تجاورت فيها الجماعة الإسلامية مع جماعات يهودية، ووقع الاحتكاك بينهم في الحياة اليومية والنقاش الديني وتداول الأخبار، بخلاف المرحلة المكية التي بقي القرءان فيها المرجعية المركزية المهيمنة، ولم تعرف انتشار الرواية الدينية بالصورة التي ظهرت بعد ذلك. ومع توسع الدولة الإسلامية ودخول عناصر من أهل الكتاب في الإسلام، انتقل قسم من تراثهم السابق معهم إلى المجتمع الجديد.

     كان كعب الأحبار من أشهر النماذج، وهو رجل يهودي عرف بصلته بكتب أهل الكتاب ثم أسلم في صدر الإسلام، واختلفت الأخبار في تحديد وقت إسلامه بين خلافة أبي بكر وعمر، وصار يحدث المسلمين بأخبار بني إسرائيل، ونقل عنه عدد من الصحابة الصغار والتابعين. وتظهر كتب التفسير نفسها سؤال ابن عباس له عن بعض أخبار الأنبياء وتفسير بعض الآيات، مما يثبت أن المرويات اليهودية لم تبق خارج المجال الإسلامي، بل دخلت إلى تفسير القرءان وأخبار الأمم السابقة في مرحلة مبكرة.

ساعد على ذلك شغف الناس بالتفاصيل التي سكت عنها القرءان، فصار السؤال عن أسماء الشخصيات وعددها وأعمارها وأمكنتها وتفاصيل الأحداث يفتح الباب أمام الروايات السابقة، وخاصة أن المادة كانت موجودة وجاهزة عند أهل الكتاب. وهكذا بدأ الفراغ القصصي يمتلئ بمرويات لا مصدر قرءانيًا لها، ثم أخذ بعضها يتكرر داخل الثقافة الإسلامية حتى ضعفت الذاكرة بأصله الأول.

ازدادت المشكلة مع تكون علم الحديث ووضع مجموعة من القواعد التي منحت رواية الصحابي مكانة استثنائية، ومن أشهرها قاعدة «الصحابة كلهم عدول»، فلم تعد عدالة الصحابي تعني فقط انتفاء تعمد الكذب عنه، بل ترتب عليها قبول واسع لروايته، مع أن الصدق شيء وصحة المعلومة ومصدرها شيء آخر، فقد يروي الإنسان الصادق خبرًا أخذه ممن قبله وهو يظنه صحيحًا، ويظل أصل الخبر خارجًا عنه.

ثم جاءت قاعدة «مرسل الصحابي»، وهي قبول رواية الصحابي عن واقعة لم يشهدها أو عن زمن لم يدركه من غير أن يذكر الواسطة التي أخذ عنها، وقد قرر جمهور المحدثين قبول هذا النوع اعتمادًا على أن الصحابي إذا أسقط واسطة فالغالب أنها صحابي مثله، وأن الصحابة كلهم عدول. لكن هذا الافتراض لا يكشف مصدر كل خبر، وخاصة مع ثبوت أخذ بعض الصحابة عن كعب الأحبار وغيره من أهل الكتاب.

واتسعت الدائرة أكثر مع القاعدة التي تعطي كلام الصحابي في الأمور الغيبية حكم الحديث المرفوع إلى النبي محمد، باعتبار أن الصحابي لا يستطيع معرفة الغيب من نفسه، ولذلك يفترض أنه تلقاه عن النبي، غير أن علماء الحديث أنفسهم اضطروا إلى استثناء من عرف بالأخذ عن أهل الكتاب، لأن الخبر الغيبي يستطيع أن يأتي من الكتب والروايات السابقة أيضًا، وليس من النبي محمد وحده. وهذا الاستثناء يكشف أصل المشكلة: الخبر يستطيع أن يكون يهودي المصدر ثم ينتقل عن طريق مسلم صادق، وبعد سقوط بعض الوسائط يتحول عبر الزمن إلى مادة تبدو في ظاهرها إسلامية المنشأ.

ساهم ضعف التفكير النقدي وهيمنة العقل النقلي في ترسيخ هذا التحول، فقد صار الاهتمام الأكبر بسلسلة الرجال والعنعنة، بينما تراجعت حاكمية القرءان على مضمون الرواية، مع أن القرءان قدم نفسه مهيمنًا على ما سبقه من الكتب، فقال: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) (المائدة: 48). وكان مقتضى الهيمنة أن تعرض المرويات على القرءان، لا أن تستخدم المرويات في إنشاء تصورات دينية ثم يحمل القرءان عليها.

بعد أكثر من قرنين من وفاة النبي محمد ظهر محمد بن إسماعيل البخاري، المولود في بخارى سنة 194 هـ والمتوفى سنة 256 هـ، ثم مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261 هـ، وجمع كل منهما كتابًا اختار فيه الروايات وفق شروطه في قبول الأسانيد. ولم يكن الكتابان موجودين في عصر النبي محمد ولا الصحابة ولا معظم التابعين، بل ظهرا بعد تشكل حركة الرواية واتساعها وانتقال الأخبار عبر أجيال متعددة.

ولا توجد نسخة من صحيح البخاري بخط البخاري نفسه، وإنما وصل الكتاب عبر تلاميذه ونسخه اللاحقة، وأشهر طرقه رواية محمد بن يوسف الفربري. ولا تعني هذه الحقيقة وحدها بطلان الكتاب، لكنها تؤكد أنه نص تاريخي منقول خاضع للفحص والنقد، وليس نصًا محفوظًا بطريقة حفظ القرءان.

ثم ظهر في القرون اللاحقة وصف الصحيحين بأنهما «أصح الكتب بعد كتاب الله»، وانتشرت مقولة إن «الأمة تلقتهما بالقبول»، وهي عبارة تحتاج إلى ضبط؛ لأن الأمة أوسع من مدرسة أهل الحديث وأوسع من أهل السنة والجماعة، فضلًا عن تعدد المدارس والمذاهب والاتجاهات الإسلامية تاريخيًا. كما أن الكتابين نفسيهما لم يسلما من النقد داخل التراث السني، فقد ألّف الدارقطني كتابه «التتبع» وانتقد فيه مجموعة من أحاديث البخاري ومسلم، ثم ناقش ابن حجر وغيره كثيرًا من تلك الانتقادات، مما يثبت أن نقد الصحيحين ليس أمرًا خارجًا عن تاريخ علم الحديث نفسه.

ويكشف الخلاف بين البخاري ومسلم عن بشرية مناهجهما بوضوح، فقد خالف مسلم الشرط المنسوب إلى البخاري في ثبوت لقاء الراوي بمن روى عنه في الحديث المعنعن، وانتقد هذا التشدد في مقدمة صحيحه، بينما نسب النووي هذا المذهب إلى البخاري وعلي بن المديني ورجحه، مما يدل على أن شروط التصحيح نفسها لم تكن محل اتفاق كامل بين أكبر مصنفي الصحيح.

وتظهر مفارقة أخرى في أن صحيح مسلم نفسه يروي عن النبي محمد: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرءان فليمحه»، ثم نجد كتب الحديث نفسها تقوم على جمع آلاف الروايات وكتابتها، وتروي كذلك أخبارًا أخرى في الإذن بالكتابة، وهو ما يعكس تاريخًا متدرجًا ومختلفًا حول رواية الحديث وتدوينه، لا مسارًا واحدًا بسيطًا بدأ منذ حياة النبي محمد واستمر بلا انقطاع.

من هنا لا تقوم القضية على اتهام البخاري أو مسلم بأنهما أخذا مباشرة من كتب اليهود، بل على مسار أقدم منهما بكثير: دخلت الروايات اليهودية إلى الثقافة الإسلامية، وتداولها مسلمون، ودخل بعضها في التفسير وقصص الأنبياء والغيب، ثم ساهمت قواعد الرواية في إسقاط مصادر بعض الأخبار ورفعها إلى النبي محمد، حتى وصلت مواد من أصول سابقة إلى المصنفات الحديثية في صورة أحاديث إسلامية.

وتظهر قوة هذه النتيجة بصورة أوضح عند الانتقال من التأصيل النظري إلى المقارنة النصية، أي حين توضع أحاديث محددة من البخاري ومسلم إلى جانب نصوص يهودية أقدم منها، لنبحث في التطابق اللفظي أو المعنوي، وطريقة انتقال الفكرة وتحولها، ومدى موافقتها للمنطق والعلم والقرآن، وعندها ينتقل البحث من الاحتمال العام إلى الدليل النصي المباشر.

1- جريج والمرأة

الرواية الإسلامية: «وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج… فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: من جريج».
(صحيح البخاري، رقم 3436؛ صحيح مسلم، رقم 2550).

الرواية اليهودية: طلبت امرأة سيد يوسف منه أن يضطجع معها، فأبى وفر منها، فاتخذت ثوبه حجة واتهمته بأنه حاول الاعتداء عليها، فسجن بسبب اتهامها.
(سفر التكوين، 39:7-20).

المقارنة: تتقاطع الروايتان في بنية رجل صالح يرفض الفاحشة، ثم تتهمه المرأة بعد رفضه، مع اختلاف الشخصيات وبقية تفاصيل القصتين.

2- آدم وما أصاب ذريته

الرواية الإسلامية: «قال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة… فقال آدم: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني؟».
(صحيح البخاري، رقم 6614؛ صحيح مسلم، رقم 2652).

الرواية اليهودية: «يا آدم، ماذا فعلت؟ مع أنك أنت الذي أخطأت، فإن المصيبة لم تكن عليك وحدك، بل علينا نحن ذريتك أيضًا».
(عزرا الرابع، 7:116-118).

المقارنة: يظهر التقارب في تحميل آدم أثرًا تجاوز شخصه إلى ذريته، بينما أضافت الرواية الإسلامية الاحتجاج بالقدر.

3- هاجر وإسماعيل والماء

الرواية الإسلامية: «ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه… حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها… فإذا هي بالملك عند موضع زمزم… حتى ظهر الماء».
(صحيح البخاري، رقم 3364).

الرواية اليهودية: أعطى إبراهيم هاجر ماءً وأرسلها مع الغلام، فلما نفد الماء خشيت موت ولدها وابتعدت عنه، فناداها ملاك الله، ثم فتح الله عينيها فرأت بئر ماء فسقت الغلام.
(سفر التكوين، 21:14-19).

المقارنة: تتشابه البنية الرئيسة بوضوح في إبراهيم وهاجر وإسماعيل، ونفاد الماء، والخوف على الغلام، وظهور الملك ثم الماء، مع اختلاف المكان والتفاصيل المضافة.

4- ابن آدم الأول والقتل

الرواية الإسلامية: «لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل».
(صحيح البخاري، رقم 3335؛ صحيح مسلم، رقم 1677).

الرواية اليهودية: فسرت المشنا قول التوراة «دماء أخيك» بأن قايين لم يسفك دم هابيل وحده، بل شمل فعله دم ذريته التي كان يمكن أن تخرج منه.
(المشنا، سنهدرين، 4:5).

المقارنة: تلتقي الروايتان في توسيع أثر جريمة القتل الأولى إلى ما يتجاوز الضحية المباشرة، مع اختلاف كيفية تقرير هذا الامتداد.

5- الحيوان الناطق

الرواية الإسلامية: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث».
(صحيح البخاري، رقم 3471؛ صحيح مسلم، رقم 2388).

الرواية اليهودية: فتح الله فم أتان بلعام، فقالت له: ماذا فعلت بك حتى ضربتني ثلاث مرات؟ ثم خاطبته محتجة على معاملته لها.
(سفر العدد، 22:28-30).

المقارنة: يظهر تشابه في صورة الحيوان الذي ينطق فجأة ويعترض على تصرف الإنسان تجاهه، مع اختلاف الحيوان والسياق.

6- ختان إبراهيم

الرواية الإسلامية: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم».
(صحيح البخاري، رقم 3356؛ صحيح مسلم، رقم 2370).

الرواية اليهودية: كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين اختتن.
(سفر التكوين، 17:24).

المقارنة: تتفق الروايتان في ختان إبراهيم في سن متقدمة، وتختلفان في تحديد العمر.

7- أيوب والذهب

الرواية الإسلامية: «بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه… فقال: لا غنى لي عن بركتك».
(صحيح البخاري، رقم 3391).

الرواية اليهودية: رد الله لأيوب ما فقده، وأعطاه ضعف ما كان يملكه، وبارك آخر أيامه أكثر من أولها.
(سفر أيوب، 42:10-12).

المقارنة: يلتقي الخبران في تعويض أيوب ماديًا بعد البلاء، بينما ينفرد الحديث بصورة الجراد المصنوع من الذهب.

8- سليمان وكثرة النساء

الرواية الإسلامية: «قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله… فطاف بهن فلم تأت امرأة منهن بولد إلا واحدة بشق غلام».
(صحيح البخاري، رقم 6720؛ صحيح مسلم، رقم 1654).

الرواية اليهودية: كان لسليمان سبعمئة زوجة وثلاثمئة سرية.
(سفر الملوك الأول، 11:3).

المقارنة: يظهر التقاطع في تقديم سليمان صاحب عدد استثنائي من النساء، بينما تختلف بقية حبكة الحديث عن الرواية الكتابية.

9- قاتل المئة والتوبة

الرواية الإسلامية: «كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل… فقال له: هل من توبة؟… فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت… فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له».
(صحيح البخاري، رقم 3470؛ صحيح مسلم، رقم 2766).

الرواية اليهودية: كان ألعازر بن دوردايا غارقًا في المعاصي، ثم رجع طالبًا الرحمة، وبكى حتى مات، ثم خرج صوت سماوي يعلن قبوله في العالم الآتي.
(التلمود البابلي، عفوداه زاراه، 17أ).

المقارنة: تتقارب القصتان في صورة إنسان بلغ غاية في الإثم ثم اتجه إلى التوبة في آخر حياته وقبلت توبته، مع اختلاف نوع الذنب ومسار القصة.

10- حبس الشمس

الرواية الإسلامية: «غزا نبي من الأنبياء… فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه».
(صحيح البخاري، رقم 3124؛ صحيح مسلم، رقم 1747).

الرواية اليهودية: قال يشوع أمام بني إسرائيل: يا شمس توقفي فوق جبعون، ويا قمر فوق وادي أيلون، فتوقفت الشمس وثبت القمر حتى انتصر القوم على أعدائهم.
(سفر يشوع، 10:12-14).

المقارنة: التشابه هنا قوي في الصورة الرئيسة: قائد نبي يخوض حربًا، ويطلب توقف الشمس حتى يكتمل النصر.

11- اليهود وصيام عاشوراء

الرواية الإسلامية: «قدم النبي محمد المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه».
(صحيح البخاري، رقم 2004؛ صحيح مسلم، رقم 1130).

الرواية اليهودية: تقرر التوراة صومًا في اليوم العاشر من الشهر السابع: «في اليوم العاشر من هذا الشهر السابع يكون يوم الكفارة… وتذللون أنفسكم»، وتفسر المشنا ذلك بمنع الأكل والشرب في هذا اليوم.
(سفر اللاويين، 23:27-29؛ المشنا، يوما 8:1).

المقارنة: يثبت الحديث أن اليهود الذين شاهدهم النبي محمد كانوا يصومون عاشوراء، بل ينسب صومه إلى موسى، ثم يقرر أن النبي محمد «فصامه وأمر بصيامه»، بينما تثبت المصادر اليهودية صومًا دينيًا في اليوم العاشر من تقويمهم؛ وهذا التقارب في «اليوم العاشر والصوم» لا يثبت وحده تطابق التقويمين أو المناسبة، لكنه يبقى موضع مقارنة واضحًا.

12- العقوبة بسبب القسوة على الحيوان

الرواية الإسلامية: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».
(صحيح البخاري، رقم 3482؛ صحيح مسلم، رقم 2242).

الرواية اليهودية: لجأ عجل كان يساق إلى الذبح إلى ربي يهوذا وهو يبكي، فلم يرحمه، فنزلت به الآلام، ثم رفعت عنه بعد أن أظهر الرحمة بالحيوانات.
(التلمود البابلي، بابا متسيعا، 85أ).

المقارنة: تتقاطع الروايتان في جعل معاملة الحيوان سببًا للجزاء الإلهي، مع اختلاف القصة وشكل الجزاء.

13- الخسف بالمتكبر

الرواية الإسلامية: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
(صحيح البخاري، رقم 3485).

الرواية اليهودية: انشقت الأرض تحت قورح ومن معه، وفتحت فاها وابتلعتهم وبيوتهم وأموالهم، فنزلوا أحياء ثم انطبقت عليهم الأرض.
(سفر العدد، 16:31-33).

المقارنة: يظهر تقارب في صورة الخسف بالأرض عقوبةً على الاستعلاء والعصيان، مع اختلاف الشخصيات والسبب المباشر.

14- موسى والعرش

الرواية الإسلامية: «فإن الناس يصعقون يوم القيامة… فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله».
(صحيح البخاري، رقم 2411؛ صحيح مسلم، رقم 2373).

الرواية اليهودية: يروي التلمود أن موسى حين خاف من الملائكة أمره الله أن يتمسك بعرش مجده، ثم يجيبهم.
(التلمود البابلي، شبات، 88ب).

المقارنة: تتقاطع الروايتان في الصورة غير المعتادة لموسى ممسكًا بالعرش، مع اختلاف السياق الذي وردت فيه الصورة.

15- العور في العين اليمنى

الرواية الإسلامية: «ذكر النبي محمد المسيح الدجال فقال: إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية».
(صحيح البخاري، رقم 3439-3440؛ صحيح مسلم، رقم 169).

الرواية اليهودية: يصف سفر زكريا «الراعي الباطل» بأن الضربة تقع على ذراعه وعلى عينه اليمنى حتى تعمى عينه اليمنى.
(سفر زكريا، 11:17).

المقارنة: يظهر تشابه وصفي محدد في الشخصية السلبية وإصابة العين اليمنى، مع اختلاف هوية الشخصية والسياق، ولذلك يكفي إثبات التقارب في الصورة من غير جعل الشخصيتين واحدة.

خلاصة منهجية:

تكشف هذه المقارنات تفاوتًا في درجة الصلة بين الروايات؛ فمنها ما يكاد يحفظ البناء القصصي نفسه، ومنها ما ينقل فكرة أو صورة أو عنصرًا رئيسًا سبق وجوده في الثقافة اليهودية، ومنها ما يشترك معها في أصل الحكاية ثم يضيف إليها تفاصيل جديدة. وهذه النماذج ليست حصرًا لما انتقل من الثقافة اليهودية إلى كتب الحديث، وإنما أمثلة مختارة تكشف مسار هذا الاختراق وتفتح الباب أمام القارئ ليرجع بنفسه إلى الصحيحين والمصادر اليهودية المقابلة، ويقرأ النصوص ويقارن بينها، ليرى مقدار حضور الموروث اليهودي داخل الروايات المنسوبة إلى النبي محمد.