Skip to content Skip to footer

هل زُوِّر تاريخ العرب والمسلمين؟ وكيف وصلتنا الرواية التي نعرفها اليوم؟ | د. محمد علي دبور

التعريف بالضيف، والتاريخ الإسلامي: مراحله، ومصادره الأساسية

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل، في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، نلتقي خلالها الدكتور محمد علي دبور، أستاذ الحضارة الإسلامية والتاريخ في جامعة القاهرة.

دكتور أهلًا وسهلًا بك. جميل جدًا أن ألتقي بأستاذ التاريخ. أحب التاريخ، خاصة إذا كان التاريخ له علاقة بحركة الإسلام، أو العرب المسلمين كما أسميهم. أنت، ضمن دراستك، حسب ما ذكرت، درست التاريخ، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، والاقتصاد الإسلامي.

محمد: لا، نقول عندنا مثلًا: قسم التاريخ نقول: قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية. فعندنا شقان: شق يتعلق بالتاريخ الإسلامي، وهذا يتعلق بالأحداث التاريخية منذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924.

باسم: يعني، تدرسه فقط؟

محمد: هذه الفترة الزمنية التي نسميها “التاريخ الإسلامي”.

باسم: ليس التاريخ العربي بشكل عام؟

محمد: لا، ليس التاريخ العام، التاريخ الإسلامي المتعلق بالمسلمين.

باسم: حتى المسلمين العرب؟

محمد: الأسر الإسلامية الحاكمة.

باسم: نعم، تدرس حياة الحكم، السلطان مثلًا؟

محمد: تاريخ الحكم مثلًا. يعني، فترة الراشدين مثلًا، ندرس خلافة. طبعًا سيرة النبي أولًا، ثم الخلافة الراشدة: خلافة أبي بكر الصديق، خلافة عمر بن الخطاب، خلافة عثمان بن عفان، خلافة علي بن أبي طالب. ثم ندخل إلى عصر جديد نسميه “العصر الأموي”. “العصر الأموي” يبدأ بحكم معاوية بن أبي سفيان، ثم ندخل إلى ما يسمى “بالعصر العباسي”، حكم الدولة العباسية. ثم نبدأ بما يسمى “بالدول المستقلة”، الدول المستقلة مثلًا، مثلًا الدولة الطولونية في مصر، الدولة الإخشيدية، الدولة الفاطمية.

باسم: يعني كل التفاصيل في هذه الفترة.

محمد: الدولة المملوكية، الدولة العثمانية، إلى آخره….

باسم: هل هذا تطلق عليه مثلًا: تدرس التاريخ السياسي، مثلًا، للعرب والمسلمين؟

محمد: التاريخ السياسي، نستطيع أن نقول: هذا هو التاريخ السياسي، تاريخ الأحداث.

باسم: ما المصادر التي تعتمد عليها هذه القراءة التاريخية؟ عندما تدرس، ما هي المصادر المعتمدة التي تعتبرها أنها حقيقية، وهي فعلًا تنقل لنا التاريخ السياسي لهذه الفترة؟ نحن نتحدث عن فترة طويلة؟

محمد: أقدم مصدر نعتمد عليه في هذا مثلًا “تاريخ الطبري”، المعروف باسم “تاريخ الأمم والملوك”.

باسم: هل تاريخ الطبري؟ قرأته قديماً أتصور، ولكنني نسيت. جيد أنك ذكرتني.

محمد: تاريخ الطبري طبعًا، متوفى سنة 310، يعني، متوفى مع بدايات القرن الرابع الهجري.

مصادر التاريخ الإسلامي من الطبري إلى ابن خلدون ومصداقيتها

باسم: ما بعد الطبري، ما هي المصادر الأخرى؟

محمد: بعد الطبري نعتمد على مثلًا: أفضل كتاب يعتبر كتابًا موسوعيًا، “كتاب الكامل في التاريخ” لابن الأثير الجزري، المتوفى سنة 630 هجريًا، متوفى في النصف الأول من القرن السابع الهجري.

باسم: وما بعد ذلك؟

محمد: بعد ذلك نأتي مثلًا إلى: ابن كثير، وهو محدث من الدرجة الأولى، ثم مؤرخ كتب كتابًا يسمى “البداية والنهاية”، أيضًا كتاب تاريخي مهم جدًا. ثم بعد ذلك نأتي إلى مثلًا ابن خلدون، وهو المؤرخ الكبير المعروف، وله كتاب يسمى “العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، كتاب ضخم جدًا، ومهم جدًا.

طبعًا ابن خلدون متوفى سنة 808 هجرية، يعني، مع بدايات القرن التاسع الهجري، وهكذا..

هذه تعتبر المصادر الأساسية. طبعًا، يتخلل هذه المصادر مصادر أخرى. طبعًا، أنا أتكلم على أمهات المصادر التي لا يستطيع أحد يتكلم عن التاريخ أن يتجاوزها بأي حال من الأحوال.

باسم: نتحدث عن مصداقية مصادر الطبري، أو ابن كثير، كونهما من الأعمدة الأساسية، هل مصادرهما موثوقة أيضًا؟ رغم أنه كان ينقل حكاية، كثير من الحكايا في الطبري، وابن كثير عبارة عن منقولات بدون أي ذكر مصدر، بدون أي إثبات، أو دلائل مادية حتى؟

محمد: الطبري يختلف عن غيره ممن جاؤوا بعد ذلك بأنه كان يعتمد إلى حد ما على الإسناد في الرواية، يعني، كان يذكر مسألة: فلان عن فلان، فلان إلى عن هذه السلسلة، إلى حد ما كان يعتمد على هذا؛ لأنه كان قريبًا جدًا من فترة التدوين، تدوين الحديث النبوي.

كان ما زال هناك تأثير كبير جدًا للروايات التاريخية.

باسم: يعني، الرواية الفردية التي اعتمد عليها، أو المصادر، الروايات الفردية، التي اعتمد عليها الطبري كانت هي المكون الأساسي لكتابه؟

محمد: نعم، بالضبط.

باسم: ونحن نعتمد عليها.

محمد: لكنه أيضًا قال: إنه جمع في كتابه كل ما وقع تحت يده، أو ما وقع تحت سمعه من روايات سواء كانت صحيحة، أو غير صحيحة، ويترك للقارئ أن يحكم على هذه الرواية.

باسم: أنت كقارئ، وأستاذ للتاريخ، كيف تقدم هذا الكتاب للقارئ؟ اعتمادًا على قول الطبري: أن ما وقع تحت سمعي، وما عرفته قدمته لكم دون تمحيص، فالقارئ عليه أن يمحص، وأن يتأكد هل هذه المصادر صحيحة، أو غير صحيحة، هل حدثت، أم لم تحدث؟ لأننا حاليًا في هذا الوقت الحالي.

محمد: طبعًا.

باسم: قد نختلف في رواية حدث وقع أمس.

محمد: صحيح، صحيح. طبعًا، بالنسبة للطبري، بعد ذلك، قامت دراسات كبيرة جدًا على كتابه، بوصفه كما قلت، يعتبر أبا المصادر التاريخية، أول مصدر تاريخي عندنا.

قامت حوله دراسات كثيرة جدًا منها، كتاب عن الصحيح والضعيف، والروايات المكذوبة في تاريخ الطبري وهكذا..

فنحن كمؤرخين، عندما نعتمد على روايات الطبري؛ لأنه في ظل وجود مصادر أخرى كما قلنا، مصادر مثل: ابن الأثير، أو ابن خلدون، أو ابن كثير، أو غير ذلك، بالنسبة لنا كمؤرخين عندما تتواتر الرواية، بمعنى: جاءت عند الطبري بهذه الصيغة، ثم جاءت بعد ذلك عند ابن الأثير، أو جاءت عند ابن كثير، أو جاءت عند ابن خلدون، فتتواتر الرواية، هذا نعتبره نحن كمؤرخين اتفاق المؤرخين على تعدد العصور، اتفاق المؤرخين على الرواية، اتفاق المؤرخين على الحدث. نعتبره كأنه يعطي هذا الحدث مصداقية، أو يعطي لهذا الحدث دليل صحة، نستطيع أن نعتمده.

باسم: هل هذه تكون بديلًا عن دراسة التاريخ الاجتماعي للحدث؟ مثلًا: الاجتماعي للحدث، أنت تحدثت عن أن هذا التاريخ سياسي، وهناك تاريخ اجتماعي، تاريخ البيئة الاجتماعية التي وقع فيها الحدث السياسي. الطبري لم يلم بكل ذلك، فهل يجوز مثلًا؟ هل يمكن الركون إلى أن الطبري فعلًا هو مصدر لأن يغطي فترة ما من التاريخ العربي الإسلامي في تلك الفترة؟

محمد: معروف دائمًا أن المؤرخ، يعني، من المعروف والمتواتر بين المتخصصين: أن المؤرخ يسير وراء الحاكم، يعني بمعنى أن المؤرخ يرصد الأحداث التي حول الحاكم، حول السلطان سواء هذه الأحداث متعلقة بتوليه الحكم، بالوزراء الذين عينهم، الولاة الذين عينهم على الأقاليم، أهم الأحداث التاريخية التي حدثت في عصره من صراعات، أو من حروب، أو ثورات.

هذا لا يعني أننا لا نجد أثرًا للتاريخ الحضاري، أو العمراني، أو حتى الاجتماعي في المصادر التاريخية. لا، هي تتكلم أحيانًا عن بعض المظاهر الاجتماعية، مثل: الأعياد، والاحتفالات، والطقوس، وغير ذلك من الأمور. تتكلم أحيانًا عن بعض المعالم العمرانية التي أقامها هذا الحاكم، أو غيره.

نقد اختزال تاريخ العرب والمسلمين في تاريخ الحكام، وضرورة بناء رؤية تاريخية أشمل

باسم: أنا متفق معك، لكن يظل أن نروي التاريخ وفق هذه الرواية، كونها تغطي فقط حدثًا للسلطان، أو الأنشطة السياسية للسلطان. بالتأكيد، هناك زوايا كثيرة في المجتمع في الفترة الراهنة في ذلك الوقت لم تُغطَّ، وبالتالي، كيف أريد أن آخذ تاريخي للمنطقة فقط من هذه الزاوية؟ هل هذه الزاوية تكفي لأن أقول تاريخ العرب والمسلمين، أم تاريخ سلاطين العرب، أو المسلمين؟ من الأدق؟ طالما أنه كان يهتم فقط بالتاريخ في الأنشطة السياسية، أو حتى العسكرية للسلطان، أو للحكام، أو للأمراء، أو للخلفاء؟ آتي وأعمم وأقول تاريخ العرب والمسلمين، لماذا؟ أليس ظلمًا لنا هذا؟

محمد: يعني، المصطلح الذي نستخدمه “تاريخ الإسلام”، يعني، التاريخ الإسلامي بمعنى: تاريخ الأمة الإسلامية.

باسم: صحيح، أصل معك لهذه النقطة المفهومة، هذا التعبير الذي في رأيي تعبير تعمية، وغير دقيق. أنت عندما تتحدث عن الأمة الإسلامية، هل المسلمون الإندونيسيون داخلون في هذا التاريخ؟ هل الطبري غطى تاريخ إندونيسيا، مثلًا؟ هل غطى تاريخ، مثلًا بلاد فارس؟

محمد: نعم، نعم، الطبري تكلم عن بلاد فارس، وتكلم عن بلاد الديلم، وتكلم عن بلاد الهند…

باسم: تكلم كجغرافيا، مثلًا، لكن لم يرقَ إلى مستوى أن يكون مصدرًا شاملًا لأن أطلق عليه تاريخ العرب والمسلمين. أنت قلت إنه حصر التاريخ، أو التأريخ، فقط في نشاط السلاطين، وهذا جزء من التاريخ؛ لأنه حاليًا هناك من يؤرخ لبروتوكولات الحكومات، أو بروتوكولات السلطان، أو تاريخ الحاكم الفلاني، موجود، وهذا جزء من التاريخ.

لكن هذا التاريخ اقتصر على هذا الجانب، لا يمكن أن آخذها وأعمم مثلًا، نأتي ونقول عندي مؤرخ أرخ لتاريخ الملكة إليزابيث، نشاط الملكة إليزابيث 50 سنة، لكن لا أستطيع أن أقول هذا التاريخ هو تاريخ بريطانيا العظمى كلها.

هو تاريخ الملكة، تاريخ الأنشطة، صحيح، هل ممكن أعممه؟ لماذا أخذنا الطبري وعممناه أنه تاريخ العرب والمسلمين؟

محمد: بالنسبة لتاريخ الطبري، أو الفترة التي تشمل، مثلًا، عصر الخلافة الأموية، أو عصر الخلافة العباسية، نحن نعرف أن هذه كانت خلافة واحدة تحكم العالم الإسلامي كله. العالم الإسلامي كله على تباعد أقطاره، وعلى تعدد البلدان فيه، إلا أنه كان يُحكم بخلافة واحدة، وكل هذه الولايات والأقاليم، هي ولايات تابعة للخلافة الإسلامية.

المؤرخ دوره أنه كان يرصد الأحداث التاريخية، صحيح المتعلقة بالسلطان وما حوله، وطبعًا في هذا الزمن، هذا الزمن البعيد، نحن نتكلم عن القرن الرابع الهجري، هذا الزمن البعيد نحن ندرك طبعًا مدى صعوبة التواصل والاتصال بين أقاليم الدولة الإسلامية، وأن هذا يتطلب وقتًا طويلًا لكي تصل رسالة إلى بلاد الديلم من دمشق، أو حتى من بغداد عاصمة الخلافة العباسية إلى بلاد الديلم، مثلًا، أو إلى بلاد فارس، المسافة طويلة جدًا.

فالمؤرخ، صحيح، وهو يرصد الأحداث التاريخية المتعلقة بما حوله، وبما يصل إليه من معلومات عن هذه البلاد البعيدة، كنا نجد في تاريخ الطبري كلامًا عن بلاد فارس، ونجد كلامًا عن بلاد الديلم، ونجد كلامًا عن أرمينية، ونجد كلامًا عن كذا وكذا…

عندما يكون هناك حدث تاريخي مهم يتعلق بإنجاز معين من إنجازات الدولة، سواء كان قضاءً على ثورة، أو حتى قيام ثورة، أو تمردًا ضد سلطة الدولة الإسلامية، أو ما شابه ذلك، كنا نجد هذا في تاريخ الطبري أيضًا، وفيما بعد عند مؤرخين آخرين.

باسم: أنا لا أختلف معك في هذه الزوايا التي تحدثت عنها، أنه أكيد كان يذكر بعض الأحداث الجانبية، وبعض الأحداث الراهنة، لكن لا يمكن الاعتداد بكتاب الطبري على أساس أنه تاريخ يشمل، وينطق بتاريخ الفترة العربية. العرب المسلمون في ذلك الوقت لا يمكن أن نعممه.

هو في زاوية ما محددة، لكن السؤال الذي سألته: أن منهجية التأريخ التي اتبعها الطبري لا ترقى أن تكون في العلم الحالي أكاديميًا…

محمد: في العلم الحالي؟

باسم: نعم.

محمد: لكن في زمنه، وبطريقته، كان يعد إنجازًا.

باسم: أريد أن أحكم على التاريخ كتلميذ عندك، أريد أن آخذ منك مصادر الآن. توضحت مصادر التاريخ، وكيفية قراءة التاريخ، وطرق البحث عن هذا: حقيقي وغير حقيقي، هذا صحيح، هذا ليس صحيحًا، هذا حدث، حتى هل فيه مبالغة أم لا، اعتمادًا على الطبري ليُشكل ليس فقط الطبري، حتى ابن كثير؛ لأنهما يبدوان لي الكتابين، أو المؤرخين اللذين يعتمدهما العرب في استقاء الرؤية التاريخية لما وقع في هذه الفترة.

أنا أراه ظلمًا لتاريخ العرب المسلمين أن يقتصر فقط على هذين المصدرين في التاريخ، رغم أنه ذكرت فيه كتب أخرى، لكن هذه الكتب أيضًا اعتمدت على الروايتين، رواية الطبري، حتى ابن كثير، ورواية ابن خلدون، ليس معقولًا أن ثلاثة أرخوا…

محمد: وحتى ابن خلدون عندما جاء ابن خلدون في القرن التاسع الهجري..

باسم: لم يَفِ أيضًا.

محمد: هو لم يعتمد فقط على نفسه، أو على معاصرته للأحداث، بل كان يأخذ أيضًا من القديم. فنجد عنده أسماء لمؤرخين قدامى، قال فلان، أو قال فلان. وبالتالي، التاريخ هو تراكم معرفي، تراكم معرفي منذ الطبري، وحتى ابن خلدون، وما بعد ابن خلدون، وهكذا..

باسم: قصدي من إثارة هذه النقطة أن هناك ظلمًا لطبقات كثيرة من تاريخ العرب والمسلمين، طُمست، وتم الأخذ فقط بمجموعة محددة، أو بطبقة محددة من التأريخ؛ لأن هذه تعتبر النشاط السياسي. لكن هناك عندك نشاطات أخرى: ثقافية، بيئية، الناس، الجماهير، ليس لهم دور. فعندما نقدم هذا التاريخ، هل ترى أنه من الضروري أن ننقده، مثلًا؟ أو نضع تساؤلات حول مصداقية، ليس مصداقية التاريخ، بل مصداقية هذه القصص، على أساس أن نشكل رؤية أوسع لتاريخنا؟

علة المصادر التاريخية، وضرورة جمع الروايات لبناء صورة أشمل عن التاريخ

محمد: النقاط المهمة التي يجب أن نركز عليها، ونحن نتكلم، أنه كما قلت: ليس معنى أننا قلنا إن تاريخ الطبري، أو غيره من المؤرخين كانوا يركزون على الأحداث السياسية التي تدور حول الحاكم، ليس معنى ذلك أننا نفتقد، كما قلت الكلام عن النواحي الاجتماعية، أو النواحي العسكرية، أو النواحي الثقافية العلمية، رحلات العلماء، وتبادل العلماء، ونشر الكتب. كل هذا موجود أيضًا، لكن طبعًا مسألة نسبة وتناسب في المصادر المختلفة.

فنجد، مثلًا، كل مؤرخ له ميول معينة تغلب عليه. هناك من يركز على الأحداث السياسية بصورة كبيرة جدًا، ويهمل الجوانب الأخرى. هناك من يركز على الأحداث الاجتماعية، ونجد هذه الأحداث عنده بشكل أظهر وأوضح. وهناك من يركز على الرحلات العلمية للعلماء بشكل أوضح، وهكذا…

نحن كمؤرخين في الوقت الحالي، لكي نرصد أي جانب من الجوانب الحضارية، نعتبر أن هذه الجوانب الحضارية في المصادر المختلفة، هي عبارة عن نُتف، أو عبارة عن شذرات، أو عبارة عن مقتطفات معينة.

المطلوب مني كمؤرخ لكي أعطي صورة عن الجانب الاجتماعي، وأعطي صورة عن الجانب الثقافي، أو الجانب العلمي، أو الجانب العسكري، الحربي، أن أقوم بتجميع هذه الشذرات، أو هذه النُتف، وأضعها في سياق واحد كي أصل في النهاية إلى صورة دعنا نقُل: قريبة من الصورة الكاملة عن الحياة الاجتماعية في فترة معينة، أو الحياة الاقتصادية في فترة أخرى، أو هكذا…..

تمحيص الروايات التاريخية، وتنقية المصادر من الإسرائيليات والروايات الضعيفة

باسم: ضرورة أن يكون هناك مؤرخ، أو أستاذ تاريخ لتقديم هذا. في النهاية يجب أن تكون لدينا مثلًا، آلية لتقييم التاريخ، ووضع معايير لمصداقية ما جاء من قصص وروايات.

في ابن كثير والطبري مأخوذ من روايات لا علاقة لها بالواقع أصلًا، ربما خيالية، أو قصص وهمية، أنه كما قلت: الرجل بما قدم بارك الله فيه.

محمد: هو اعترف بهذا. هناك روايات، عنده روايات ضعيفة، وإسرائيليات موجودة داخل الأحداث التاريخية. واعترف بهذا ولم ينكر، ووضعنا نحن أمام المسؤولية.

باسم: يعني جميل أنك ذكرت الإسرائيليات؛ لأنه حتى ما يسمى “بالإسرائيليات”، التي هي تقريبًا ما أُخذ عن الأمم التي سبقت وحشو، حتى هذا انتقل لتفسير النص القرآني. يعني، تم استخدام هذه الروايات، وفُسر الكثير من آيات القرآن وفقها.

أترى أين صار التعدي؟ هذه أهمية أن نضبط مصادر التاريخ، وأن نشكل آلية خاصة لنقد هذه المصادر، واعتبار أن هذا صحيح، وهذا خطأ.

حتى كتب السير أيضًا، كتب السير تشكل جزءًا من رواية التاريخ العربي الإسلامي لنا، والكل يعتمد عليها حتى صيغَ تدين كامل اعتمادًا على هذه الروايات، فهذه تحتاج نوعًا من النقد.

محمد: دعني أقُل شيئًا مهمًا جدًا: في عصرنا الحاضر، كان هناك من يشعر بهذه الأزمة؛ لأننا فعلًا أمام أزمة حقيقية، أمام الروايات التاريخية، والنصوص التاريخية المتاحة أمامنا في المصادر. طيب، ما الحل؟ هناك من اجتهد، مثلًا، عندنا كتاب “صحيح السيرة النبوية” للدكتور أكرم ضياء العمري، أو “السيرة النبوية الصحيحة” للدكتور أكرم ضياء العمري، و”السيرة النبوية” للشيخ ناصر الدين الألباني.

يعني، إذن كان هناك إحساس بأننا أمام أزمة حقيقية مع النصوص التاريخية، وتحتاج إلى نوع من التصفية، وتحتاج إلى نوع من التنقية، وتحتاج إلى نوع من التصحيح، والوقوف أمامها لكي، دعنا نقُل نغربلها، ونبعد عنها ما شابها من إسرائيليات، وما شابها من روايات لا يمكن أن تُصدق، أو لا يمكن أن تكون حقيقة تاريخية، نفس الشيء عندنا من حاول أن ينشئ سلسلة تاريخية بعنوان “أخطاء يجب أن تُصحح في التاريخ” يعني، هذه السلسلة قام بها أحد رواد التاريخ الإسلامي أيضًا….

باسم: خطأ وقع، تريد أن تصححه.

محمد: ويريد أن يُقدم تاريخًا صحيحًا للأجيال.

باسم: قراءة جديدة.

محمد: قراءة جديدة، نعم. يريد أن يقدم تاريخًا صحيحًا للأجيال القادمة، فقام بإنشاء سلسلة تسمى “أخطاء يجب أن تُصحح في التاريخ”. يعني، التاريخ فيه أخطاء، فيه روايات ضعيفة، بنينا عليها تديننا، وبنينا عليها إيماننا، وقناعتنا التاريخية، وهي روايات يجب أن تُحذف أصلًا، ويجب ألا تُعتبر أصلًا.

وبالتالي، كانت هذه المهمة مهمة معتبرة جدًا، ومهمة، يعني، كبيرة جدًا، وهي أن هذه السلسلة تدوم وتستمر، أو يأتي من يكملها بعد ذلك؛ لأننا فعلًا في حاجة إلى مثل هذه الأمور، أن نقدم للناس تاريخًا صحيحًا وفق روايات معقولة ومقبولة دينًا وتاريخًا.

باسم: أنا في رأيي يُفصل الدين عن التاريخ. الدين هو سلوك معرفي، أو معرفة سلوكية، هي معرفة، وتتحول إلى سلوك، وليس فقط ممارسة.

محمد: ولذلك في الحديث “الدين المعاملة”.

تصحيح المفاهيم التاريخية، وأثر تسمية الأحداث في فهم التاريخ والدين

باسم: بالضبط، ليس فقط ممارسة طقوس، يعني، السلوك. أنا لا يهمني صلاتك وصومك إلى آخره، بينما في الشارع أنت تظلم وتقتل، فالسلوك هو الأساس، يعني، نكمل الحوار في نقطة أخرى، حتى نضمن أننا نسير في الاتجاه الصحيح في نقد مصادر التاريخ التي نرى أنها لم تقدم الرؤية الصحيحة، أو الرؤية القريبة للواقع في ذلك الوقت.

المفاهيم، صياغة المفاهيم التي نُقلت إلينا، مثلًا، عندك مفاهيم: الفتوحات الإسلامية. هناك من يسميها “غزوات إسلامية”، وهناك من يسميها “عمليات تحرير العرب لأوطانهم من الاحتلال”، الاحتلال الفارسي، الاحتلال البيزنطي، الاحتلال الروماني للأرض العربية.

هناك من استغل الغزوات الإسلامية، واعتبرها أن هذا، يعني، الدين يغزو، دين ويحتل؛ لأنه حاليًا الكثير من الأصوات التي تنتقد الدين على اعتبار أنه هو الذي قام بعملية الاحتلال، أو الذي قام بما يسمى “بالفتوحات”، أو ما يسمى “بالغزوات”.

فبدل أن يصير النقد لعملية التأريخ، صار موجهًا للدين ذاته والسبب فيه؛ لأننا ربطنا تاريخ العرب، وسميناه “تاريخ المسلمين”، أو “تاريخ الإسلام”. أنا في رأيي يجب فصل الإسلام كمعرفة سلوكية، كدين، عن تاريخ الذين حملوا الإسلام، الذين قد يخطئون، وقد يصيبون؛ لأننا لا نريد أن تُسقط أخطاء الناس المعتقدين بالإسلام على الإسلام ذاته.

فتصحيح المفاهيم في رأيي خطوة أساسية لإعادة قراءة التاريخ، حتى ممكن إعادة قراءة الروايات المعززة للتاريخ.

محمد: تسمح لي، أطوف مع حضرتك حول المصطلح، الذي أختاره أنا، وهو مصطلح “الفتوحات الإسلامية”، نحن اصطلحنا واتفقنا كمؤرخين على هذا المصطلح، وصار معروفًا في الكتابات التاريخية عند الجميع، بمعنى: الفتوحات الإسلامية، بمعنى كلمة الفتح هنا، عندما أقول فتح العراق، أو فتح بلاد الشام، أو فتح مصر، أو فتح كذا..

كأنني أريد أن أقول: هذا الفتح كأنه بداية جديدة، يعني، بداية جديدة لحياة جديدة مع الإسلام، مع هذا الدين الجديد الذي يأتي بقيم العدالة، وقيم التسامح، وقيم المساواة، وكأن كلمة فتح هنا بمعنى: بداية جديدة، بداية حياة أخرى مختلفة عما سبق، مختلفة عن الاستبداد السابق، عن الطغيان السابق، عن الظلم السابق.

نحن الآن جئنا بدين يحمل قيم المساواة، ويحمل قيم العدالة، ويحمل قيم التسامح، ويحمل، ويحمل من الإيجابيات التي يحتاجها الناس في دنياهم. ومن هنا جاء مصطلح كلمة “الفتوحات”.

بالإضافة إلى أنه نستطيع أن نعتبره مصطلحًا إسلاميًا لو أردنا أن نؤصل له. لماذا؟؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه استخدم هذا المصطلح: “إذا فتح الله عليكم مصر” مثلًا، “إنكم ستفتحون مصر”، “الله أكبر فُتحت فارس”، “الله أكبر فُتحت رومية”.

ومن هنا مصطلح الفتوحات ليس اختراعًا من المؤرخين المحدثين، وإنما هو أصل من أصول أخذناه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. هو الذي قال: “إذا فتح الله عليكم مصر”، كلمة فتوحات “إنكم ستفتحون كذا”، “الله أكبر فُتحت فارس”، أو “فُتحت القسطنطينية”، أو رومية، أو إلى آخره…

هو مصطلح نحن كمسلمين، أو كمؤرخين، مصطلح إسلامي له أصل، له أصل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا، بالنسبة لنا، مصطلح معتبر جدًا. وأنا أفلسفه لك كأنه نوع من البداية الجديدة لهذا البلد، أو ذاك البلد.

الجدل حول مصطلح “الفتوحات الإسلامية” بين مفهوم التحرير والغزو والفتح

باسم: قد أتفهم هذا الفهم، أو هذا التعليل لاستخدام هذا المصطلح، بينما هذا المصطلح أثار عند الآخرين، عند العرب الذين لم يشتركوا في الدين، عند العرب النصارى، أو المسيحيين، أو اليهود، أو الذين لم يؤمنوا بالدين، لم يستسيغوا هذا التعبير، واعتبروه محاولة غطاء للاعتداء على حرياتهم كما يقولون، أو كما يقول الناس.

وبالتالي، تم تشويه هذا المفهوم على اعتبار أنني أفتح هذه المنطقة معك، وأريد أن آتي وأفرض ما أراه مناسبًا لك بالقوة وعنوة. أريد أن أفتح عنوة، أنت لن تفتح، وتقول لهم: السلام عليكم، افتحوا الأبواب. أنت ذاهب بجيش وسلاح، وتفتح.

هذا الفهم أثار شبهة في التاريخ ضد الإسلام، وضد المسلمين. أنا أتفهم الفلسفة والقاعدة الفلسفية التي حاولت أن تضع فيها.

محمد: تمام، هناك شيء مهم جدًا، هناك شيء مهم جدًا. أنا ذهبت بجيش، وذهبت إلى البلد الفلاني ليس غزوًا، ليس اقتحامًا، الغزو معناه أن تتقدم قوة عسكرية إلى بلد ما للسيطرة عليها، وعلى مقدراتها. هذا لم يحدث على الإطلاق مع المسلمين.

باسم: ما الذي حدث؟

باسم: لماذا لا يكون تحريرًا؟

محمد: التحرير، يعني، يمكن أن يندرج تحت الفتح؛ لأنه من نتائج الفتح، أو مما يترتب على الفتح الإسلامي، هو التحرير، كما قلت لحضرتك إن هذا الدين يحمل مبادئ المساواة والعدالة، والحرية، إلى آخره، من الإيجابيات في نفس الوقت هو فتح إسلامي، ومن نتائجه، أو مما يترتب عليه تحرير الشعوب، أنا أحرر الشعوب من الطغيان، من الاستبداد، من القوى الظالمة التي تجبرها على كذا وكذا..

وكانت مصر من الحالات الواضحة جدًا في هذا، وكيف أن الإمبراطورية البيزنطية، أو بيزنطة، أو القسطنطينية كانت تريد أن تفرض مذهبها الديني على المصريين مثلًا، ومن هنا دائمًا نقول: الفتح الإسلامي لمصر، وليس غزوًا، لماذا؟ لأن الأقباط، المصريين الأقباط هم الذين طلبوا من المسلمين الدخول لإنقاذهم من طغيان الروم، ومن المظالم التي تثقل كاهلهم، لذلك قلنا الفتح الإسلامي، ولم نقل إن التقدم الإسلامي نحو مصر ليس غزوًا.

باسم: أنت قلت: إن التحرير متضمن…

محمد: ضمن الفتح.

ماهية تسمية الحملات العسكرية الإسلامية، وأهدافها، وأهم منطلقاتها

باسم: لا أريد أن أعمل خلافًا كثيرًا حول المصطلح، تقريبًا هناك اتفاق حوله، لكن النقطة الأساسية: نحن من أطلقنا على تلك الأحداث العسكرية “الفتوحات”. الذي قام بما تسميه أنت “الفتوحات”، هل سماها فتوحات؟ عندما أمر عمر بن الخطاب، عندما أمر أبو بكر أو عثمان بإرسال هذه الحملات العسكرية، والجيوش العربية إلى العراق، إلى بلاد الشام، إلى مصر، هل سموها فتوحات هم؟ ما الاسم؟ تحت أي مسمى؟ أو سياسة العسكرة التي اتبعتها الخلافة الإسلامية العربية؟ ماذا سموها؟ ما الوصف الذي كانوا يطلقونه على الحملات العسكرية؟ هل هي حملات عسكرية؟ هل هي غزوات؟ هل سموها فعلًا فتوحات؟ نحن الذين أسقطنا عليها.

محمد: قلت لحضرتك: المسمى نحن الذين سميناه، سُميت في المصادر: “حملات”، حملة فلان الفلاني، حملات كذا، حملة كذا.

باسم: لا، نحن درسنا أن تسميها “معارك”، لكن هذه التسمية الطبري ماذا سماها؟

محمد: الطبري سماها أيضًا. لا أظن أنه استخدم مصطلح “غزوات”، إلا فيما يتعلق بالسيرة النبوية فقط.

مصطلح “الغزوات” كان مرتبطًا بفترة السيرة النبوية فقط. لكن بعد ذلك سمعنا عن معركة كذا، أو حملة كذا، هذا المصطلح الأغلب.

باسم: لم يُسقط على هذا النشاط العسكري، لا صفات سياسية، ولا صفات دينية، صح؟

محمد: نعم.

باسم: سؤالي كالتالي، لا أريدك أن تجيبني: لم يُسقط، نحن سمينا هذه الأحداث، ليس هم. بالتالي، هذه الحملات ما كان هدفها؟ تم إرسال جيوش للعراق، إرسال جيوش للشام، إرسال جيوش لمصر، وجيوش لشمال تونس، ليبيا، المغرب، إلى آخره…

وجيوش أُرسلت للأناضول، تركيا حاليًا. تحت أي شعار؟ ماذا كان ينوي العرب المسلمون من هذه المعارك، أو من هذه الحملات العسكرية تجاه الأطراف المحيطة بالجزيرة العربية؟ ماذا كانوا يريدون؟ كانوا يريدون أن ينشروا الدين، هل كانت تحت شعار الجهاد في سبيل الله، أم تحرير العرب من الظلم الروماني والبيزنطي؟ أم أيضًا هناك ممكن فتوحات اقتصادية؟ نريد أموالًا، نريد ذهبًا؟

كيف أمكن للدولة الناشئة تكوين وتمويل جيوش الفتوحات الإسلامية؟

محمد: المنطلق الأساسي للفتوحات الإسلامية، كما قلت لحضرتك، أنه منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم يفتح أعين المسلمين على أنهم لا بد أن يخرجوا من الجزيرة العربية. كانوا، حتى ذلك الوقت، إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يخرجوا من الجزيرة العربية. وصلوا إلى أطراف الجزيرة العربية في معركة مؤتة مع الروم وفقط.

هذا أبعد شيء وصلوا إليه في حياة النبي، لكن النبي كان دائمًا يضع في أذهانهم، أنه لن يقتصر العرب على الجزيرة العربية: “سيفتح الله عليكم مصر”.

تفكير يعني أبعد، معنى ذلك أنه سيخرج العرب من الجزيرة، “الله أكبر، فُتحت القسطنطينية”. القسطنطينية في ذلك الوقت كانت إحدى القوى العظمى في العالم، القسطنطينية مثل عصرنا الحاضر مثلًا.

فكان هذا يفتح أذهان المسلمين على أن مهمتهم ستتعدى حدود الجزيرة العربية إلى ما هو أبعد، أدركوا أن مهمتهم أن يخرجوا لنشر هذا الدين، هذا أول شيء. طبعًا كلمة “نشر هذا الدين” يدخل تحتها، كما تفضلت حضرتك، يدخل تحتها الجهاد في سبيل الله، نشر الدين، نشر اللغة العربية، الجهاد في سبيل الله، مسألة تحرير الشعوب.

هذا هدف أساسي كما قلنا، إزالة الطواغيت من طرق الناس، ثم إعطاء الناس الحرية في أن يختاروا ما يريدون.

باسم: هل تعتقد أن هذه الفكرة، أو هذا الهدف، أو هذا الشعار هو الذي رُفع لتبرير كل الحملات العسكرية التي قام بها العرب؟ هل الجزيرة العربية نفسها هي من جهزت هذه الحروب؟ أم استغلت؟ أهذا الجيش العربي الذي كان يخرج من مكة، أو من المدينة كله من هذه المنطقة؟ أكانت هناك قدرات عسكرية فائقة؟

محمد: الجيوش العربية كانت تخرج، بعد أن فُتحت مثلًا الشام…

باسم: أنا أتحدث عما قبل.

محمد: طبعًا، الجزيرة العربية هي من تحملت هذا العبء.

باسم: أكانت عندها القدرة البشرية والمادية لأن تمول هذه الحملات العسكرية كلها؟ في رأيي أنهم ما كانت عندهم القدرة، لكن يجب البحث كيف تشكلت هذه الجيوش؟ من أين؟ أين مصادر التمويل للجيش؟ نحن نتحدث عن دولة فردية صغيرة لا تزال، ما بين وفاة النبي الكريم، وبين بداية هذه الحملات سنوات، صح؟

محمد: نعم.

باسم: عمر بن الخطاب وعثمان…

محمد: توفي النبي صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر من الهجرة، وبدأت كما نعرف، “حروب الردة” حروب الردة التي قادها..

باسم: حروب الردة كانت صغيرة في داخل الجزيرة العربية.

محمد: عمر بن الخطاب كان خليفة في سنة 13 هجرية.

باسم: الخروج خارج حدود الجزيرة العربية، هل كانت هناك قوة مادية، اقتصادية في المدينة ومكة، على اعتبار أن هاتين المدينتين هما المركز، مدينتان، تستطيعان أن تمولا هذه الجيوش التي ذهبت لتركيا، وفتحت العراق، وفتحت بلاد الشام، وفتحت مصر، من أين؟

محمد: اسمح لي، لا أريد أن نختزل المسألة مع هذا الجيل الأول من المسلمين، لا نريد أن نختزل المسألة في مسألة مادية..

باسم: لا، لا، ليست مادية.

محمد: لا نقول قدرات بشرية، ولا نقول قدرات مادية، ولا نقول قدرات عسكرية؛ لأننا نغفل في الحقيقة جانبًا مهمًا جدًا، هو الذي صاحب المسلمين الأوائل في هذه الفتوحات، ولذلك يعتبر ما كانوا يقومون به، كان يعتبر بمقاييس العصر معجزة من المعجزات، كيف استطاع المسلمون في هذه الفترات القليلة أن يهزموا أقوى إمبراطوريتين في العالم، ولهذا أريد أن أقول: المسألة هي مسألة متعلقة أولًا بمسألة الإيمان، الإيمان الراسخ، العقيدة الثابتة.

هذه المسألة في غاية الأهمية، هذه العقيدة الثابتة والإيمان الراسخ…

باسم: الإيمان بماذا؟

محمد: الإيمان بالله، وبالقضية التي يريدون أن يدافعوا عنها.

باسم: ما هي القضية؟ لماذا ذهبنا عند الآخرين؟ لكي نحدثهم عن ماذا؟

محمد: لنشر الدين.

انتشار الإسلام بعيدًا عن الحملات العسكرية، من خلال التجارة وحسن الأخلاق

باسم: سؤالي أنا: كيف انتشر الإسلام بعيدًا عن هذه الحملات العسكرية؟

محمد: ليست الحملات العسكرية هي الوسيلة الوحيدة، لم تكن الحملات العسكرية الوسيلة الوحيدة لنشر الدين، الدين انتشر أيضًا بالأخلاق، وانتشر أيضًا بالمعاملة، وعندنا أماكن، حضرتك ضربت مثلًا قبل ذلك بإندونيسيا، إندونيسيا هذه لم يصل إليها جندي مسلم واحد في يوم من الأيام، ومع ذلك هي أكبر دولة إسلامية الآن. كيف؟ برحلات التجار مثلًا المسلمين، وبالمعاملة، حضرتك قلت عليها السلوك، بالمعاملة، بالسلوك.

باسم: أنا ما زلت أنطلق في الحلقة الأولى، في الموجة الأولى، بداية التفكير في الخروج من الجزيرة العربية، أنه هل فعلًا فقط الجزيرة العربية؟ من كان في الجزيرة العربية هو من شارك في الحملات؟ التواصل مع محيط الجزيرة العربية ماذا كان هذا المحيط؟ أكان كله كافرًا، أكان كله غير مسلم؟

محمد: الإسلام بدأ يخرج ..

باسم: كيف؟ دكتور، هذه الأسئلة فقط لإثارة النقاط، لإثارة الأسئلة حول مصادر التأريخ الجامدة التي وصلتنا، ولم تقدم لنا صورة حقيقية عما كان عليه العرب في ذلك الوقت، نحن نُقل إلينا تاريخ سياسي ميكانيكي، واحد زائد واحد يساوي اثنين، هكذا حدث، لم يحدث شيء لا.

من قال إن مجموعة صغيرة في الجزيرة العربية هي التي قادت كل الفتوحات العسكرية؟ من يقول هكذا؟ لماذا؟

محمد: صحيح الفتوحات العسكرية من الجزيرة العربية، من المدينة المنورة، التي هي عاصمة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، طبعًا، لكن عندما نجحوا، دعني فقط أوصل الفكرة، عندما نجحوا في فتح مثلًا، أو في إسقاط الإمبراطورية البيزنطية في بلاد الشام، الإمبراطورية الفارسية.

باسم: هذه خطوة لاحقة، دكتور، أنا أتحدث عن هذه الخطوات.

محمد: هي هذه الخطوة، فبعد الخروج من الجزيرة العربية، أين ذهبوا؟

مدى دقة الرواية التاريخية للفتوحات، والحاجة إلى إعادة قراءة مصادرها

باسم: كيف تمكن المسلمون بالرغم من قلة العدد في تلك الفترة من هزيمة فارس، وهزيمة بيزنطة، وهزيمة روما؟ كيف؟ ما الإمكانيات التي كانت موجودة عندهم؟ من أين جلبوها؟

محمد: الإمكانيات نحن نتحدث عن..

باسم: لا، نحن أمام خيارين، إما أن ما نُقل إلينا بالتاريخ كان قاصرًا عن نقل الصورة الحقيقية، أو أن الحدث كذب.

محمد: دعنا نقول كيف يكون هذا الحدث كذبًا، ونحن نعلم يقينًا أن الإمبراطورية الفارسية كانت موجودة، وأسقطها المسلمون، والإمبراطورية البيزنطية كانت موجودة، وأسقطها المسلمون، فكيف يكون الحدث كذبًا؟ ربما عجز المؤرخون الأوائل عن أن يحيطوا بكل العوامل والأسباب التي أدت إلى هذا النجاح، أو إلى هذه المعجزات بلغة العصر، يعني، إذا قلنا إنهم أسقطوا هذه الإمبراطوريات القوية، ربما، يكون هذا، ليست لدينا المعلومات الكافية التي تحيطنا علمًا بهذه الأحداث الضخمة الكبيرة جدًا في تاريخ المسلمين، لكننا على يقين أنها حدثت، أنها لم تكن خيالات.

باسم: هذا ما هدفت أن أوصله لك، بأنه طالما أن هناك شكًا في مصادر التأريخ الخاصة بنا، وفي مصادر الروايات التي نُقلت إلينا، إذن نحن بحاجة لإعادة قراءة التاريخ. حقيقة، أن هذا التساؤل محق، أنك هزمت ثلاث إمبراطوريات: بيزنطة وروما، كيف تأتي وتقول لي هؤلاء الجنود، الذين خرجوا، هذا الجيش الذي خرج من مكة والمدينة، كم كان عدد سكان المدينة؟! كم كان عدد سكان مكة؟! فكيف هذا الجيش الذي أنت…

معركة اليرموك، شطبت بيزنطة كلها فيها، من أين جئت بهم؟ أنا في رأيي هذا مدعاة لأنه هل فعلًا العرب عندما ذهبوا إلى العراق، ذهبوا عند شعوب مختلفة؟ حتى نفتحها؟ أو ذهبوا عند شعوب في الشام مختلفة؟ هذا نفس الشعب كان، نفس الثقافة، معناه أن الإسلام كفكرة انتشر قبل أن تخرج الفتوحات، ما يسمى “بالفتوحات”، وليست كل الفتوحات إذن.

محمد: الفتوحات هي الحركة الديناميكية التي تم عن طريقها نشر الإسلام في هذه البقاع، لكن هذا لا يعني، كما قلت قبل ذلك، أنه لم تكن مسألة الأخلاق، مسألة الدين المعاملة، مسألة أخلاق التجار، وخروج التجار لأنحاء العالم للتجارة هنا وهناك، ونشر مبادئ الإسلام كانت تسير جنبًا إلى جنب، لم تكن فتوحات عسكرية صرفة.

باسم: دكتور، عفوًا، أنا لا أشكك في هذا، وهذا ليس لإثارة الجدل حوله، أنا لا أجادل حول هذه النقطة، نحن نتحدث عن المراحل الأولى، المراحل التي أسميناها “بالفتوحات”، أو “عمليات التحرير”، أو “بالغزوات” هناك فجوة في هذا الوصف، اتفقنا أن هذا الوصف نحن أطلقناه، وهذا وصف خاطئ؛ لأنه لا يتلاءم مع الواقع الذي كان قائمًا.

الصورة لم تُنقل إلينا عن طريق المؤرخين، ومصادر التاريخ التي ذكرتها، كانت صورة ناقصة، وغير أكاديمية علمية، وجزء منها ليس صحيحًا ووهمي، ومطلوب منا أن نعيد قراءة هذا التاريخ بعيدًا عن هذه المصادر، وعلينا أن نجترح للبحث عن مصادر أخرى، ونقارنها، أو نعايرها مع مصادر التاريخ التي ذكرها الطبري، أن يظل الطبري وابن كثير حاكمين على التاريخ العربي إلى يوم الدين إشكالية كبيرة، يعني، هذا التاريخ لا يصمد أمام أيّ سؤال، أنا لا أصدق أن مجموع من كان في المدينة في ذلك الوقت، ومكة هم من قاموا بهذا العمل الضخم.

محمد: من الأخطاء يا دكتور أيضًا، فيما أتصور: أننا نقيس هذا الزمن القديم بالمقاييس الحديثة، يعني، كنت أتحدث، اسمح لي، استطراد بسيط جدًا، لكن مهم جدًا، كنت أتحدث في ندوة من الندوات عن “إجناسيو أولاغوي”، الذي كتب كتابًا “العرب لم يستعمروا إسبانيا” ووضع في هذا الكتاب، وأنا حاليًا أقيم دراسة نقدية لهذا الكتاب؛ لأن الندوة الحقيقة، والذين حضروا هذه الندوة ألحوا علي في أنه لا بد أن تكون هناك دراسة نقدية لهذا الكتاب، وكل ما ورد فيه من أفكار وروايات، لا بد من الرد عليها.

فكان من الأشياء التي وقع فيها “إجناسيو أولاغوي” أنه يبدأ فيه فيقول: الفارس لكي يخرج من بلاد الشام، ويصل إلى إسبانيا، الحصان يحتاج إلى حوافر معينة، ويحتاج إلى كم لتر ماء لكي يصل إلى هذه المنطقة، ويبدأ يقيس الحدث التاريخي القديم بمقاييس الزمن الحديث، مغفلًا..

لا يمكن أن أسقط التاريخ القديم هذا، وأحكم عليه بمقاييسي الحديثة، كل حدث تاريخي له ظروفه.

باسم: لكن، لا، ضخامة الحدث تتطلب إعدادًا مختلفًا.

محمد: اتفقنا أنه ربما غاب عن المؤرخين الأوائل، وهذا في حدود إمكانياتهم، في حدود ما كان متاحًا بين أيديهم أن يوصلوا لنا الصورة الكاملة.

باسم: إذن اتفقنا، الهدف من إثارة هذا الحوار دكتور، أنت أستاذ تاريخ، لست أنا الأستاذ، ومسؤوليتك أكثر من مسؤوليتي، أنا مسؤوليتي هنا كمحاور لك كأستاذ للتاريخ: أن أثير الأسئلة، مسؤوليتك كأستاذ تاريخ أن تجيب عن الأسئلة لطلابك، ليس لي، لطلابك وأنت أستاذ تاريخ، لست أنا عفوًا.

أسباب دخول المسلمين إلى إسبانيا، وكيف بدأت حملاتهم العسكرية إليها؟

باسم: انتقالًا إلى إسبانيا، هي نفس السردية، هل فعلًا العرب غزوا إسبانيا؟ هل فتحوا إسبانيا؟ هل حرروا إسبانيا؟ أم أن العرب ذهبوا عند العرب، القدماء الذين سبقوهم قبل ألف عام كما يقول البعض؟ بدليل أن عدد الجيوش العربية التي دخلت إسبانيا، عدد قليل قياسًا لحجم المكان الجغرافي الذي دخلوا عليه، وحجم العمران الذي نُقل إليه، وحجم المدن التي أُنشئت، وحجم الثقافة التي أُنتجت، وحجم الفترة الزمنية التي مكثها العرب في إسبانيا، لا يدل على أن هؤلاء الناس ذهبوا غزاة، لا يدل على أن الناس ذهبوا لتحرير، تحرير ماذا؟

محمد: أقول، من المعروف تاريخيًا أنه كما قلت قبل ذلك: أن الفتوحات الإسلامية يُسلم بعضها إلى بعض، يعني، هي خطوة وراء خطوة، خطوة تتطلب خطوة، أو خطوة تستدعي خطوة أخرى وهكذا، طبعًا إشارة سريعة إلى أننا كنا في بداية الفتوحات الإسلامية لمصر، ما زالت الخلافة الإسلامية في المدينة المنورة، فكانت الخلافة الإسلامية ترسل الجيش من المدينة المنورة فيمرون على بلاد الشام، فينضم إليهم الجنود والمتطوعون، ومن يريد الجهاد في سبيل الله، ثم يأتي إلى مصر، وهي منطلق الحملات العسكرية إلى بلاد المغرب، لتقوم مصر بتمويل هذه الحملة ماديًا وبشريًا، ثم تنطلق إلى بلاد المغرب.

طيب، هذا جزء مهم جدًا إلى كيف كانت الحملات العسكرية تتشكل؟ تتشكل وتتكون حتى تصل لمقر عملها، وهو الجهاد ونشر الإسلام في بلاد المغرب، أو تعريب بلاد المغرب، الذي هو أصلًا لا يتكلم باللغة العربية أصلًا.

طيب، فتح بلاد المغرب بعد أن وصل موسى بن نصير إلى المغرب الأقصى. الذي هو المملكة المغربية الآن، المغرب الأقصى، طبعًا تم تقسيم المغرب إلى ثلاثة أقسام تبعًا لموقعهم من مركز الخلافة: المغرب الأدنى يعني الأقرب إلى بلاد المسلمين، ثم المغرب الأوسط، ثم المغرب الأقصى الذي هو على حدود إسبانيا، طيب وصلوا إلى مدينة طنجة، وصلوا إلى مدينة سبتة التي هي قرب بحر الزقاق كما كان يُسمى في المصادر القديمة، طبعًا، لماذا عبروا إلى إسبانيا؟ لماذا؟ هذه نقطة مفصلية ومهمة جدًا، لماذا عبروا إلى إسبانيا؟ لماذا لم يكتفوا بأن هذا الحاجز المائي يكون هو نهاية الفتوحات، وانتهى الأمر؟ حاجز مائي طبيعي، طبعًا لما وصلوا إلى طنجة وسبتة كانوا تحت حكم من؟ كانت تحت حكم القوط، اسمح لي، وجهة نظرك أيضًا صحيحة، لماذا؟؛ لأن أحد أساطين المغرب والأندلس، وهو الأستاذ الدكتور حسين مؤنس، علم كبير جدًا من تاريخ المغرب والأندلس، قال إن الكونت يوليان، الذي كان يحكم سبتة وطنجة كان تابعًا للإمبراطورية البيزنطية. وليس تابعًا للقوط، القوط الذين كانوا يحكمون إسبانيا.

طبعًا، المشهور جدًا يعني، بيننا وفي المصادر، أنه كان يحكم باسم القوط، ولذلك دائمًا وأبدًا كانت إسبانيا وحتى يومنا هذا تحتل مدينة سبتة ومليلة كأنها خط الدفاع الأول عن إسبانيا، مما يؤكد أن يوليان الكونت كان تابعًا للقوط، وغير تابع للإمبراطورية البيزنطية.

بغض النظر، الكونت يوليان هذا كان نقطة فاصلة جدًا في هذه المسألة، لماذا؟ لأنه هو الذي طلب المساعدة من المسلمين ضد القوط، وما ينزلونه من ظلم بالناس هناك وكذا وكذا..

بالإضافة إلى اليهود الذين كانوا يقيمون في إسبانيا في هذا التوقيت، أيضًا حصل ضدهم نوع من التمييز الديني، وإجبارهم على مسألة اعتناق النصرانية، واعتناق المسيحية في هذه الفترة المبكرة، يعني، مسألة تنصير المسلمين بعد ذلك في أخريات الحكم الإسلامي لم تكن بدعة، وإنما حدثت مع اليهود في بداية الفتح الإسلامي.

إذن كانت هناك ظروف في إسبانيا القوطية، كانت هناك ظروف تطلبت من المسلمين أن يدخلوا أيضًا لتحرير هذه الشعوب، لإنقاذ هذه الشعوب، لرفع الظلم عن هذه الشعوب كما هي العادة في كل فتوحات المسلمين، وليس اختراعًا، أو شيئًا من هذا.

فمن هنا أرسل موسى بن نصير إلى الخليفة في ذلك الوقت، الوليد بن عبد الملك يطلب منه أن يعبر إلى إسبانيا. طبعًا، الخليفة في ذلك الوقت، كان الخلفاء في هذا الوقت يستشعرون المسؤولية، ليس يدفع بالجنود في أي مكان، وفي أي مغامرة، وانتهت المسألة.

يقول له: لا، هذه بلاد غريبة، وهذه بلاد لا بد أن يختبرها، فطلب منه أن يختبرها أولًا بالسرايا، يعني، أرسل سرية صغيرة تختبر هذه الأرض، وتعرِف الظروف التي هناك ما هي، وتعرِف الوضع ما هو، وهل يُسمح أن نعبر بجيوشنا إلى هذا المكان، أو لا؟ ومن هنا كانت ما نسميه نحن كمؤرخين “بالسرية الاستطلاعية، أو الاستكشافية” للفاتح الأول الذي وطأت أقدامه أرض إسبانيا، وهو طريف بن مالك.

حملة طريف الاستطلاعية إلى إسبانيا، ودخول المسلمين لإسبانيا

محمد: حملة طريف، نسميها “حملة طريف” الاستطلاعية.

باسم: ولهذا سميت البلد بالطريف؟

محمد: ولهذا سميت جزيرة طريف باسمه؛ لأنه هو أول من وطأ الجزيرة بجيشه، فسميت جزيرة طريف التي هي “تريفا” الآن باللغة الإسبانية، “تريفا” التي هي نسبة إلى طريف بن مالك مثل “جبل طارق” الآن في اللغة الإسبانية، هي جبل طارق، فهذه الظروف التي دفعت إلى دخول المسلمين إلى إسبانيا.

باسم: ألم يكن في خلد العرب في ذلك الوقت، عندما فكروا في الدخول، أو غزو، أو فتح، أو احتلال، أيًا كان الوضع، على التسمية نتفق أو نختلف، عندما فكروا في الدخول إلى إسبانيا، كان في ذهنهم رد على تدخلات أوروبا تاريخيًا في المنطقة العربية؟ لأن العلاقة ما بين جنوب البحر المتوسط، وشمال البحر المتوسط بدءًا من اليونان، وانتهاءً بإسبانيا، كانت دائمًا أن اليونان تحتل منطقة بلاد الشام، ومنطقة مصر، ثم تبعتها روما، ثم تبعهم الصليبيون، يعني، هذه الغزوات كان فيها، هذه كانت دائمًا هذا المدار سجال عسكري وعدائي ما بين أوروبا شمال البحر المتوسط، والعرب جنوب شرق، ما يسمونهم “شرق البحر المتوسط”، ألم يكن هذا الجزء من الذي حرك العرب للذهاب هناك؟ ردًا على الاحتلالات السابقة لروما وبيزنطة، واليونان المناطق العربية؟

محمد: الحقيقة، ليس لدينا في المصادر التاريخية ما يؤيد وجهة النظر هذه، إنما ما لدينا هو المعروف والمشهور، هي مسألة الفتوحات كما قلت حضرتك في البداية يُسلم بعضها لبعض، ومن هنا استغاثة القوط، ويوليان، وغيره بالمسلمين، عبر المسلمون، وأزالوا الإمبراطورية.

باسم: أيعقل أن العرب كانوا فاتحين، فاتحين تكيّة فقط، من يستنجد بنا سننجده، دون أهداف سياسية، أو عسكرية، حتى..

محمد: نشر الدين طبعًا، هذا الهدف الأساسي، نشر الدين. أنا أدخل أي مكان، وأزيل الإمبراطورية القائمة، كما قلت لحضرتك، ثم أترك الحرية للناس، هذا الدين، إما الإسلام، أو الجزية، أو الحرب.

الخاتمة.. انتشار الإسلام بين سكان إسبانيا، ونقد الرواية التاريخية عن الوجود الإسلامي فيها

باسم: هل العرب نشروا الإسلام في إسبانيا؟

محمد: طبعًا.

باسم: هل هناك إسبان أصبحوا مسلمين؟

محمد: طبعًا.

باسم: من هم؟

محمد: كثير، يعني من هم؟ تريد شخصيات معينة؟

باسم: لا أقصد، هل كانت هناك مجموعات بشرية أسلمت، ومن ثم رعاها العرب المسلمون، أم أسس العرب وجودًا هناك، ومن ثم هناك مجموعات إسبان أصلًا من القوط أصبحوا مسلمين، أنا مجرد سؤال لا أعرف.

محمد: خلِّني أقُل الآن، أهناك إسبان مسلمون أم لا يوجد؟

باسم: أكيد يوجد، لكن بقايا العرب.

محمد: أكيد، لا يوجد إسبان مسلمون أجدادهم كانوا مسلمين، وأجدادهم كانوا نصارى إلى الآن.

باسم: هذا سؤالي أنا: عندما ذهب العرب هناك، بداية التبشير بالدين، متى بدأت؟ عندما استقر العرب، وأصبحوا قوة يسيطرون على الأندلس؟ هل العرب لما ذهبوا واحتلوا جنوب الأندلس، يعني، إسبانيا كان فيها سكان مثلًا؟ أنا لا أعرف، أسألك لكي أعرف؟

محمد: طبعًا، أول ما دخل العرب، المصادر تحكي لنا، أول ما دخل العرب إسبانيا، أن القساوسة والرهبان هربوا إلى السراديب، وإلى الأماكن المختفية في الكاتدرائيات، والكنائس عندهم، وبعد أن هدأت المرحلة الأولى لدخول المسلمين وبدؤوا يسمعون عن سلوكيات مختلفة، عما كانوا يسمعونه، أو يُثار ضد العرب من دعايات، تصورهم على أنهم قتلة وسفاحون، وحتى الآن هناك مصطلح “سراسين” أنهم قتلة وكذا.

بدأ هذا المصطلح يشتهر، وجدوا أن هناك سلوكًا مختلفًا، بدؤوا يسمعون حتى وهم في السراديب عن مدى الود، والاحترام، والتعامل بلطف، فبدؤوا يخرجون ويرحبون بهؤلاء الفاتحين، ويكونون في صفوفهم ومعهم؛ لأنه لا يوجد إكراه في الدين، ولا توجد مسألة الذبح، ولا يوجد هذا الكلام..

باسم: في رأيي، هذا الموضوع يحتاج إلى حلقة أخرى؛ لأن الكثير من اللغط ما زال يشوب هذه المرحلة التاريخية المهمة من تاريخ العرب في إسبانيا، وما زلت أعتقد أن هذا التاريخ لم يُقرأ جيدًا، ويحتاج إلى تفصيل خاص.

محمد: وأنا معك، التاريخ الإسلامي عمومًا ليس تاريخ العرب في إسبانيا فقط. تاريخهم لم يُقرأ بصورة..

باسم: هذا سيكون حواري معك كأستاذ للتاريخ أن هذه الأسئلة تكون مسارًا قادمًا، وأنت تتحدث مع طلابك، التاريخ الذي نُقل إلينا، لم يكن بريئًا، فيه تدخلات كثيرة، فيه صياغات وهمية كثيرة، فيه مصادر لم تكن ذات بال، نُقلت إلينا، وصيغ التاريخ العربي الإسلامي وفق هذه السردية، وانتقل إلى رؤيتنا لأنفسنا كعرب، رؤيتنا إلى طريقة التدين الخاص في ممارسة الدين، أثّر عليها، وبالتالي نحتاج فعلًا عملية نقد لسردية هذا التاريخ.

باسم: دكتور، شكرًا لك، سعدت بالحوار معك، إن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة، شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.

Leave a comment